كيف استجابت بلدان شمال أفريقيا لتوصيات صندوق النقد؟

مصر سبقت في التعويم... وتونس في تخفيض العملة

كيف استجابت بلدان شمال أفريقيا لتوصيات صندوق النقد؟
كيف استجابت بلدان شمال أفريقيا لتوصيات صندوق النقد؟
TT

كيف استجابت بلدان شمال أفريقيا لتوصيات صندوق النقد؟

كيف استجابت بلدان شمال أفريقيا لتوصيات صندوق النقد؟
كيف استجابت بلدان شمال أفريقيا لتوصيات صندوق النقد؟

قطعت كل من مصر وتونس والمغرب أشواطاً متفاوتة في مسار تطبيق الإصلاحات الاقتصادية التي يوصي بها صندوق النقد الدولي، وتنظر حكومة كل بلد لقرينتها بعين الدارس لتجارب المنطقة، في محاولة لتفادي الأخطاء. بينما تثير سياسات الصندوق جدلاً واسعاً بين شعوب منطقة شمال أفريقيا.
- المغرب تنظر إلى سياسة الصرف في مصر
قبل أيام من توقيع مصر اتفاقها باقتراض 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، خلال نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلن البنك المركزي تخليه تماماً عن التدخل لحماية العملة المحلية، وهو ما قاد الجنيه المصري للانخفاض بشكل متسارع، ليفقد بنهاية 2016 أكثر من نصف قيمتها أمام الدولار. لكن صندوق النقد الدولي أثنى على تحرير العملة المصرية، وإن تم بشكل صادم، لما ساهم فيه من القضاء على تعاملات السوق الموازية التي كانت تستنزف بشكل تدريجي قيمة العملة المحلية، وتقلص من إتاحة السيولة الدولارية في أسواق التعاملات الرسمية.
كما تتسق سياسة سعر الصرف المرنة التي تتبعها مصر حاليا، حيث يتم تحديد سعر العملة بشكل حر تماما في المصارف المختلفة، مع معتقدات الصندوق بأن قوى العرض والطلب يجب أن تظل هي المعيار الأساسي لتحديد الأسعار.
وفي مقابل إشادة المدير الإقليمي بصندوق النقد، جهاد أزعور، بالسياسات النقدية المصرية فقد قال خلال اجتماعات الخريف في واشنطن إنه يترقب خطوة من قبل بنك المغرب المركزي.
وتبدو المغرب مترددة بشأن تحرير سعر الصرف؛ ففي فبراير (شباط) الماضي قال صندوق النقد الدولي، في تقرير عن البلاد، إنه يرى أن الوقت ملائم لتبني سياسة سعر صرف مرنة، لكن تلك الخطوة تأجلت كثيراً بالرغم من أن المغرب سبقت مصر في الحصول على قرض من الصندوق لدعم الإصلاح الاقتصادي بحوالي أربعة أشهر، بلغت قيمته 3.5 مليار دولار. ويأتي تأجيل تحرير سعر الصرف في المغرب مخالفا لتوقعات سابقة باتخاذ هذه الخطوة بحلول منتصف العام الجاري، وقد تسببت تلك التوقعات في إرباك سوق الصرف في البلاد، حيث اضطر البنك المركزي التدخل لحماية العملة خلال مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، مما قلص من مستويات احتياطي النقد الأجنبي. وتتركز تفسيرات التأخر المغربي حول تأثير تغيير رئيس الوزراء على صناعة القرار، ولم يحدد رئيس الحكومة الجديد، سعد الدين العثماني، أجلاً محدداً لتطبيق خطوة التعويم.
وبدا الصندوق في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وكأنه يطمئن صناع القرار في المغرب إلى أن التعويم في بلادهم لن يكرر التجربة المصرية بالضرورة، فخلال هذا الشهر كان الجنيه المصري قد تهاوى بقوة أمام الدولار، بينما قال الصندوق في تصريحات نقلتها «رويترز»، إن الدرهم لن ينخفض بمجرد سماح السلطات بتطبيق سياسة سعر صرف مرنة.
- التعويم على نار هادئة في تونس
تونس قد تنتظر أيضا خطوة تعويم مماثلة، حيث اعتبر الصندوق في تقرير عن البلاد خلال يوليو (تموز) الماضي أن «سعر الصرف الحقيقي لا يزال مقوما بأعلى من قيمته بناء على فجوة الحساب الجاري في 2016».
«لقد خفضت تونس بالفعل قيمة عملتها بقدر التخفيض نفسه الذي جرى في مصر، ولكن ما حدث في مصر بشكل صادم جرى في بلادنا بشكل تدريجي»، كما تقول جيهان شندول، الباحثة بالمرصد التونسي للاقتصاد لـ«الشرق الأوسط». وبناء على حسابات المرصد التونسي فقد انخفض الدينار التونسي بنحو 50 في المائة خلال الفترة من مارس (آذار) 2014 وحتى يونيو 2017.
وكانت تونس قد توصلت لاتفاق قرض مع صندوق النقد الدولي في أبريل (نيسان) الماضي بقيمة 2.8 مليار دولار، لكن شندول تقول إن الكثير من الإجراءات التحررية في السياسات النقدية سبقت هذا القرض. «سعت السلطات لتعديل السياسات النقدية مؤخرا لكي تقنع صندوق النقد باستحقاقها لقرض جديد، والتي تمثلت في منح البنك المركزي استقلالية أكبر عن الدولة، بما يجعل العملة أكثر عرضة للتغير أمام قوى العرض والطلب بجانب تعديل القانون المنظم للقطاع المصرفي». لكن هذا التوجه التحرري في إدارة السياسة النقدية لم يمنع المركزي التونسي من التدخل في سوق الصرف خلال أبريل الماضي، بعد أن ارتفع سعر اليورو أمام الدينار بمعدلات تفوق المتوسطات المعتادة، كما تضيف شندول.
- التضخم مشكلة مصر الكبرى
وتسببت خطوة التعويم الكبرى في مصر في نوفمبر الماضي في رفع معدلات التضخم بقوة مع زيادة تكاليف الواردات، ويضع صندوق النقد في تقريره الأخير عن الآفاق الاقتصادية مصر في مقدمة البلاد العربية من حيث توقعات التضخم.
حيث تأتي مصر كثاني أعلى بلد عربي في توقعات التضخم لعام 2017 بنسبة 29.8 في المائة، وقد ساهم ارتفاع العملة التدريجي في ارتفاع التضخم أيضا في تونس، ولكن لا تزال البلاد تدور حول معدلات منخفضة نسبيا عن مصر، إذ يتوقع لها الصندوق في ذات العام تضخما بنسبة 4.5 في المائة.
بينما استطاعت المغرب أن تحافظ على معدلات متدنية للتضخم إذ يتوقع لها الصندوق خلال 2017 نسبة 1.1 في المائة.
وسعت مصر لكبح التضخم المرتفع من خلال زيادة كبيرة في أسعار الفائدة، بلغت سبعمائة نقطة أساس منذ نوفمبر الماضي، وهو ما ساعد البلاد على جلب تدفقات نقد أجنبية في سوق الدين السيادي، لكنه رفع من تكاليف الإقراض وأثر على النشاط الاقتصادي.
ونقلت وكالة «بلومبرغ» الإخبارية في تقرير هذا الشهر تعليقاً من بنك أوف أميركا عن أن أسعار الفائدة في مصر مرتفعة لمستوى يعوق النمو الاقتصادي ويصعب على الحكومة الاقتراض، ويشير المسؤولون في مصر إلى خطوة مرتقبة في الأجل القصير لتخفيض أسعار الفائدة مع اتجاه التضخم للانخفاض.
ولا تقتصر أسباب التضخم في مصر وتونس على التعويم فقط، ولكنهما يشتركان أيضا في توجهاتهما لرفع أسعار الوقود الذي كان له انعكاس على الأسعار. ويضاف إلى أسباب التضخم في تونس أيضا المستويات المرتفعة لنمو الأجور، ويثير ملفا الأجور والدعم جدلا واسعا بين شعوب المنطقة، في ظل ضغوط صندوق النقد لتطبيق سياسات تكبح من الإنفاق عليهما لمعالجة العجز المالي.
- تباين حول إجراءات الأجور والدعم
تتباين معدلات الإنفاق على الأجور الحكومية بين البلدان الثلاثة، كنسبة من الناتج الإجمالي، فوفقاً لحسابات صندوق النقد الدولي بلغت تلك النسبة في مصر خلال العام المالي 2017 نحو 6.4 في المائة، بينما ترتفع في المغرب إلى 11.7 في المائة، وتصل إلى أعلى معدلاتها في تونس عند 14.1 في المائة.
وبينما سنت الدولة المصرية تشريعاً في 2015 لكبح معدلات نمو الأجور الحكومية بقوة، قانون الخدمة المدنية، فإن التنظيمات العمالية في تونس كانت تضغط في مسار الحفاظ على وتيرة نمو للأجور تواكب ارتفاع الأسعار.
ويرى صندوق النقد أن «الأجور العامة والمعاشات تمثلان تحديا ماليا جادا على الأجل المتوسط (في تونس)، مع ارتفاع نسبة المنفق عليها من الناتج الإجمالي من 10.7 في المائة في 2010 إلى 14.5 في المائة في 2016».
لكن تونس سعت بقوة لكبح معدلات نمو الوظائف لدى الدولة «وتيرة النمو في تعيين الوظائف الجديدة في الجهاز الحكومي كانت تتراوح بين نحو 20 و30 في المائة بين عامي 2011 و2013، لكن الدولة اتجهت لتخفيض أعداد العاملين بنسبة 2.4 في المائة في 2014 وتقريبا لم تزد الأعداد في 2015 إلى بنسبة 0.1 في المائة»؛ كما تقول الباحثة بالمرصد التونسي.
وعلى صعيد نفقات الدعم، تحظى مصر بنسبة الإنفاق الأكبر 8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2017، وتشمل هذه النسبة أيضا المنفق على المنح والمزايا الاجتماعية.
بينما يتم إنفاق 6.7 في المائة من الناتج المحلي في تونس على سياسات الدعم و2.6 في المائة في المغرب.
وترتفع فاتورة الدعم في مصر رغم تبني البلاد لبرنامج للتخارج من دعم الوقود والكهرباء بشكل تدريجي، إلا أن الاعتماد القوي لمصر على الاستيراد لتلبية احتياجاتها الأساسية رفع من كلفة دعم الطاقة والغذاء بقوة بعد التعويم القوي للعملة في نوفمبر.
«صندوق النقد يضغط في مسار إلغاء صندوق الدعم (في تونس) واستبداله بنظام موجه للفقراء» كما تضيف الباحثة بالمرصد التونسي، وهو إجراء مشابه للسياسات المطبقة في مصر حالياً.
وترى شندول أن إلغاء صندوق الدعم سيترتب عليه ارتفاع تكلفة الغذاء على قطاعات من المجتمع التونسي، مضيفة أن دعم الطاقة أيضا مرشح للتحرير في حالة استجابة الحكومة لمطالب الصندوق بتطبيق سياسة الخصخصة في هذا القطاع البترولي.
سياسات الصندوق في مجملها وإن كانت تتسم بقلة الشعبية في بعض الأحيان لكنها تلقى دعما من الحكومات، لما تسهم فيه من تحسين المؤشرات المالية الكلية في مجالات مثل عجز الموازنة واحتياطات النقد الأجنبي.
إلا أن عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد بالجامعة الأميركية في القاهرة، يرى أن تركيز الصندوق بشكل أساسي على السياسات المالية والنقدية ليس كافيا، وأن الحكومات في حاجة لتطبيق إصلاحات أخرى.
«لا توجد جهود كافية في الوقت الحالي لعلاج مشكلات تنافسية بلدان شمال أفريقيا في الأسواق الدولية لتحسين أدائها بشكل أكبر في مجالي الصادرات وجذب الاستثمارات الأجنبية»، كما يقول عادلي لـ«الشرق الأوسط»، مضيفا: «من دون هذه الإصلاحات فإن الاستقرار المالي الذي أنتجه الصندوق قد يكون مهددا بعدم الاستدامة، وقد تحتاج البلاد لتدخل الصندوق من جديد في الأجل المتوسط».



أول ظهور رسمي لقائد المجلس العسكري في مالي منذ وقوع الهجمات

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)
TT

أول ظهور رسمي لقائد المجلس العسكري في مالي منذ وقوع الهجمات

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)
قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى في أحد مستشفيات باماكو (رويترز)

التقى قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي، أسيمي غويتا، السفير الروسي، الثلاثاء، في أول ظهور رسمي له منذ الهجمات المنسقة التي نفّذها مسلحون قبل أيام، ​وذلك وفقاً لمنشور على حساب مكتب غويتا على مواقع التواصل الاجتماعي.

وهاجمت جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، وهي فرع لتنظيم «القاعدة» في غرب أفريقيا وجماعة انفصالية يهيمن عليها الطوارق، القاعدة العسكرية الرئيسية في مالي والمنطقة القريبة من مطار باماكو يوم السبت، كما طردت قوات روسية تدعم القوات الحكومية من كيدال في الشمال.

وأثارت الهجمات صراعاً على الأراضي عبر ‌شمال مالي ‌الصحراوي الشاسع، ما زاد احتمالات ​تحقيق ‌مكاسب ⁠كبيرة ​للجماعات المسلحة التي ⁠أبدت استعداداً متزايداً لشنّ هجمات على البلدان المجاورة، وقد توجه أنظارها في نهاية المطاف إلى مناطق أبعد، حسبما يقول المحللون.

مقتل وزير الدفاع

قُتل وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، في هجمات يوم السبت. ولم يظهر غويتا إلا بعد نشر المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي مساء الثلاثاء.

ووفقاً للمنشور، ⁠ناقش غويتا والسفير الروسي إيغور غروميكو «الوضع الراهن ‌والشراكة القوية بين باماكو ‌وموسكو».

وأضاف المنشور أن غروميكو «أكد مجدداً التزام ​بلاده بدعم مالي في مكافحة ‌الإرهاب الدولي».

مشهد عام لباماكو (رويترز)

ووفقاً للمنشور الصادر عن مكتبه على منصة ‌«إكس»، زار غويتا مستشفى يتلقى فيه المصابون في هجمات السبت العلاج، وقدّم تعازيه لعائلة كامارا.

وأظهر حجم الهجوم، الذي استهدف مواقع متعددة في أنحاء هذا البلد الواقع في غرب أفريقيا، قدرة غير مسبوقة ‌لجماعات ذات أهداف مختلفة على العمل معاً وضرب قلب الحكومة العسكرية.

وتباهى بينا ⁠ديارا، المتحدث باسم جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، في رسالة مصورة، بأعمال العنف التي وقعت يوم السبت. ووصفها بأنها انتقام من غارات الطائرات المسيرة وغيرها من الهجمات التي شنّتها قوات مالي.

وهدّد ديارا بفرض حصار على باماكو، المدينة التي يبلغ عدد سكانها 4 ملايين نسمة. وقال في الرسالة: «اعتباراً من اليوم، باماكو مغلقة من جميع الجهات».

وقالت روسيا، اليوم (الثلاثاء)، إن القوات المتمردة والانفصالية في مالي تعيد تنظيم صفوفها بعد أن ​ساعدت قوات موسكو في ​إحباط انقلاب يوم السبت، ما منع المتمردين من الاستيلاء على منشآت رئيسية، من بينها القصر الرئاسي.


مقتل 23 مدنياً وعسكرياً على الأقل بهجوم في مالي

متمردون من «الطوارق» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال - مالي 26 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
متمردون من «الطوارق» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال - مالي 26 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

مقتل 23 مدنياً وعسكرياً على الأقل بهجوم في مالي

متمردون من «الطوارق» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال - مالي 26 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
متمردون من «الطوارق» على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال - مالي 26 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

أودى هجوم شنه متطرفون ومتمردون من الطوارق، السبت، على مدينة كاتي المالية التي تعدّ معقلاً للمجلس العسكري، بـ23 شخصاً على الأقل من مدنيين وعسكريين، وفق ما أفاد مصدر طبي لم يشأ الكشف عن هويته لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال هذا المصدر: «أدى الهجوم على مخيم كاتي إلى مقتل 23 مدنياً وعسكرياً على الأقل»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكانت حصيلة سابقة لهجمات السبت وما أعقبها من معارك، أشارت إلى إصابة 16 مدنياً وعسكرياً، وفق ما أعلن المجلس العسكري.


انفجارات تكسر الهدوء الحذر في العاصمة المالية باماكو

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)
صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)
TT

انفجارات تكسر الهدوء الحذر في العاصمة المالية باماكو

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)
صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)

دوَّت انفجارات قوية في محيط مطار باماكو الدولي، ليل الاثنين - الثلاثاء، لتكسر الهدوء الحذر الذي ساد المدينة ومحيطها طيلة يوم الاثنين، بعد هجمات إرهابية منسقة ومواجهات بين الجيش ومقاتلي «القاعدة» خلال يومي السبت والأحد.

صورة عامّة لحركة الماليين في العاصمة باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)

وقال سكان محليون إن انفجارين قويين على الأقل وقعا في محيط المطار، قبل أن يعود الهدوء إلى المنطقة، دون أن تصدر أي معلومات حول طبيعة هذين الانفجارين، كما شوهدت فيما بعد مروحيات عسكرية تحلّق في المنطقة.

وقال مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» في باماكو إنه قبيل الانفجارين شوهدت قافلة تضم سيارات «بيك آب» وشاحنات لنقل الجنود وهي تتجه بسرعة فائقة نحو المطار، كما حلَّقت طائرة عسكرية في سماء المنطقة لفترة وجيزة.

وكان حي سينو الذي يقعُ فيه المطار ومواقع عسكرية حساسة، مسرحاً لمواجهات عنيفة يوم السبت بين الجيش المالي ومقاتلي «جماعة النصرة»، الموالية لتنظيم «القاعدة» الإرهابي، والمتحالفين مع متمردين من الطوارق في إطار «جبهة تحرير أزواد».

وقُتل في هذه المواجهات وزير الدفاع ساديو كامارا، في حين لا يزال الرئيس أسيمي غويتا ورئيس المخابرات مختفيين عن الأنظار، وسط شكوك وشائعات حول مصيرهما.

صورة وزَّعها الجيش الفرنسي لمقاتلين من المرتزقة الروس خلال صعودهم إلى مروحية في شمال مالي أبريل 2022 (الجيش الفرنسي - أ.ب)

الحكومة تتحدث

وللمرة الأولى منذ الهجمات الإرهابية التي ضربت مواقع حساسة في باماكو، ظهر رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا، وهو يزور عدداً من المصابين في المستشفى، قبل أن يعقد مؤتمراً صحافياً أكد خلاله عزم بلاده على «استئصال الإرهاب». وقال مايغا إن حكومته عازمة على الاستمرار في مواجهة الإرهاب، وأضاف أن «الخوف لا مكان له»، قبل أن يطلب من الشعب المالي الاصطفاف خلف مؤسسات الدولة والقوات المسلحة في حربها ضد الإرهاب.

واتهم مايغا «جهات خارجية» دون تسميتها، بدعم الإرهابيين في الهجوم الكبير الذي استهدف العاصمة باماكو ومدناً عدّة في وقت متزامن، كما عدَّ أن هذه الهجمات كانت تهدف إلى زرع الرعب، وزعزعة التماسك الوطني، وإضعاف مؤسسات الفترة الانتقالية. ولكن مايغا أعلن أن «ردة فعل القوات المسلحة المالية تمكنت من تحييد مئات الإرهابيين»، مؤكداً أن الجماعات المسلحة «فشلت في تحقيق أهدافها».

رواية الجيش

وفي وقت سابق من الاثنين، أعلن الجيش المالي، أنه تمكن من تحييد أكثر من 200 إرهابي، خلال التصدي للهجمات، وقال في بيان إنه «حيَّد أكثر من 200 إرهابي وصادر كميات كبيرة من الأسلحة»، قبل أن يصف رده على الهجمات الإرهابية المتزامنة والقوية بأنه كان «مناسباً ومتناسباً».

وأوضح الجيش أنه شن عمليات عسكرية في معظم المناطق المستهدفة. وخاصة في العاصمة باماكو ومدن غاو وسيفاري وموبتي، دون أي إشارة إلى استهداف مدينة كيدال، في أقصى شمال البلاد، والتي وقعت تحت سيطرة المتمردين الطوارق.

وزير الدفاع المالي (يسار) الذي قُتل قرب باماكو برفقة وزير خارجية روسيا في موسكو 28 فبراير 2024 (رويترز)

وقال الجيش إن مقاتلي الجماعات الإرهابية استخدموا الزي العسكري من أجل التسلل بين السكان المدنيين وتأمين الإمدادات بالقرب من المدن والقرى، وأضاف أن هدف هذه الجماعات هو «إضعاف البلاد من خلال ممارسة ضغط مستمر على المجتمعات المحلية ونقاط التموين».

وحذَّر الجيش من الانجرار وراء الشائعات، وطلب من السكان «التزام الهدوء وعدم الانجرار» وراء المعلومات المضللة، والاعتماد حصراً على البلاغات الرسمية الصادرة عن هيئة الأركان العامة، مؤكداً مُضيه في الحرب على الإرهاب.

حصار باماكو

تشهد العاصمة المالية اشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين 26 أبريل (أ.ف.ب)

إلى ذلك، أكدت مصادر محلية أن عناصر «القاعدة» كانوا يتحركون على متن مئات الدراجات النارية في محيط العاصمة باماكو، وقد أغلقوا عدداً من الطرق الوطنية المؤدية إلى المدينة التي يزيد تعداد سكانها على 3 ملايين نسمة. وتحدثت هذه المصادر عن إغلاق الطرق التي تربط باماكو بالحدود مع موريتانيا، والأخرى التي تربطها بدولة ساحل العاج (كوت ديفوار)، وسط مخاوف من إغلاق الطريق المؤدي إلى السنغال.

وتُعدّ مالي دولة حبيسة، حيث تعتمد بشكل مباشر ويومي على ما تستورده من الخارج عبر موانئ الدول المجاورة، وخاصة السنغال، وكوت ديفوار وموريتانيا.

قوات عسكرية مالية في كيدال خلال يوليو 2013 (أرشيفية - أ.ف.ب)

قلق فرنسي

وأعربت فرنسا، الاثنين، عن «قلقها» في أعقاب الهجمات، حسب ما أفاد به مصدر دبلوماسي فرنسي. وقال المصدر إن فرنسا «تدين بأشد العبارات أعمال العنف المرتكبة ضد المدنيين»، وتعبر عن «تضامنها مع الشعب المالي». كما أشار المصدر، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إلى أن باريس «تولي اهتماماً كبيراً لأمن رعاياها الموجودين هناك»، وتدعوهم إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر. ودون الإشارة صراحة إلى المجلس العسكري الحاكم في مالي، أعربت فرنسا عن تطلعها «لإرساء سلام واستقرار دائمين في مالي». ومنذ وصول المجلس العسكري إلى الحكم في مالي، وصلت العلاقات مع فرنسا إلى القطيعة التامة.

النفوذ الروسي يتعرض لهزة

متمردو الطوارق التابعون لتحالف «جبهة تحرير أزواد» يركبون على ظهر شاحنة صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

تجنب الكرملين، الثلاثاء، إعطاء تقييم للوضع العسكري في مالي، بعد تردد معطيات عن مجموعات «الفيلق الروسي» التابعة لوزارة الدفاع لهجوم مُركَّز نفذه متمردون أجبرها على الانسحاب من مناطق شمال البلاد. وفي غياب توضيح رسمي من وزارة الدفاع حول التطورات، أشارت تقارير إلى تعرض وجود القوات الروسية في هذا البلد لهزة قوية، قد تهدد نفوذ موسكو المتنامي في القارة الأفريقية كلها.

جنود ينفّذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

وفي أول تعليق من الكرملين على الأحداث الجارية، قال المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، إن الكرملين يرغب في عودة «الاستقرار في أقرب وقت ممكن» إلى مالي. وأضاف المتحدث بيسكوف في إيجاز صحافي، الثلاثاء: «نرى أنه من المهم أن يستعيد البلد مساراً سلمياً ومستقراً في أسرع وقت ممكن».

وترتبط موسكو باتفاقيات عسكرية وأمنية مع المجلس العسكري الحاكم في مالي، وبموجب ذلك استقبلت مالي المئات من مقاتلي مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة، قبل حلها وإحلال مقاتلي «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع الروسية مكانها، العام الماضي.

دورية لعناصر من الجيش المالي بالعاصمة باماكو أغسطس 2020 (أ.ب)

وأفادت تقارير بأن معارك تركزت بشكل أعنف في مناطق الشمال، حيث تتمركز قوات «الفيلق الأفريقي» الروسي الذي كان سابقاً يضم مرتزقة من مجموعات «فاغنر» وتمت إعادة تنظيمه، بعد مقتل زعيمه يفغيني بريغوجين، قبل ثلاث سنوات، وبات تابعاً لوزارة الدفاع الروسية مباشرة.

ووفقاً للمعطيات التي نقلتها وسائل إعلام روسية وغربية، فقد أجبرت المواجهات «الفيلق الأفريقي» على الانسحاب من مدينة كيدال (شمال شرقي) من دون أن تخوض معارك تقريباً، لكن مواقعها تعرضت لضربات وتم استهداف طائرة عسكرية روسية.

يستقل متمردو الطوارق التابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

وكان لافتاً أن موسكو أعلنت في البداية أن قواتها لم تتكبد خسائر في المواجهات، لكن وزارة الخارجية الروسية عادت بعد يومين وأقرَّت بسقوط قتلى روس بعد إسقاط مروحية عسكرية تابعة للفيلق ووفاة من كان على متنها. وامتنع بيسكوف عن الإجابة عن سؤال حول ما إذا كان «فيلق أفريقيا»، سيكون قادراً على السيطرة على الوضع الميداني.

وبدا أن موسكو تجنبت التسرع في إعلان موقف حيال التطورات الجارية، وفضَّلت استجلاء الموقف، ومراقبة مسار الأحداث. واكتفى الكرملين بالدعوة إلى العودة للمسار السياسي لتهدئة الوضع في البلاد. بينما تحدثت تقارير عن تعرض نفوذ روسيا في المنطقة لهزة كبيرة وموجعة، خصوصاً على خلفية معلومات أن انسحاب «الفيلق الأفريقي» جاء بعد إبرام اتفاق وُصف بأنه «مهين» مع القوات المهاجمة تم بموجبه تجريد المجموعات من سلاحها وإجبارها على الخروج من مناطق الشمال.

ووفقاً لفسيفولود سفيريدوف، نائب مدير مركز الدراسات الأفريقية، فإن القتال واغتيال وزير الدفاع المالي ساديو كامارا يمثلان ضربة قاسية للحكومة. وكان الوزير كامارا صاحب المبادرة للانقلاب على الوجود الفرنسي التقليدي في البلاد، ودعوة القوات الروسية إلى مالي.

في هذه الصورة غير المؤرخة التي قدّمها الجيش الفرنسي مرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

رغم ذلك، أفاد مصدرٌ مُقرّب من القوات الروسية في مالي لصحيفة «فيدوموستي» بأن سيطرة القوات المسلحة المحلية والقوات الروسية لم تُفقَد بعد. وأشار خبراء روس إلى الأهمية الخاصة التي توليها موسكو لمواجهة فقدان نفوذها في مالي، وقالت الباحثة فاليريا تيخونوفا: «أصبحت باماكو مركزاً استراتيجياً في أفريقيا عموماً ومنصة انطلاق لطرد الغرب». وزادت: «يجب على القوات المسلحة و(فيلق أفريقيا) منع عزل شمال البلاد. يراقب الكثير من الأطراف هذه المرحلة من الصراع، لا سيما وأن المنطقة غنية بالموارد، وخصوصاً الذهب والليثيوم والمعادن الأرضية النادرة، وهذا عامل مهم أيضاً».

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)

وكتب الخبير العسكري ايفان ليسيوك إن «الوحدات الروسية سيطرت خلال السنوات الماضية على مدينة كيدال، لكنها لم تتمكن من التوغل أكثر في مالي. ولذلك؛ تُعدّ خسارة كيدال هزيمة مهينة، وإن لم تكن حاسمة، للجيش الروسي في مالي».

وزاد إن «خسائر (فيلق أفريقيا) والحاجة إلى التفاوض مع المسلحين الذين نزعوا سلاح القوات الروسية وسمحوا لها بالمغادرة، تشير بوضوح إلى أن الفيلق يخسر مواقعه تدريجياً». مرجحاً أن ينعكس الوضع على النفوذ الروسي عموماً في القارة الأفريقية.