من أم «الفحم» إلى أم «النور»..!

مسيرة طويلة من العمل والكفاح تقابلها إسرائيل بمخطط ترحيل

من أم «الفحم» إلى أم «النور»..!
TT

من أم «الفحم» إلى أم «النور»..!

من أم «الفحم» إلى أم «النور»..!

تقدم قائد الجيش الإسرائيلي نحو مختار الإغبارية عام 1948، وطلب منه أن يجتمع معه في بيته مع وجهاء بلدة أم الفحم، بشمال غربي فلسطين، ثم وقف وقال: «لقد حكمتْ إسرائيل هذه البلاد قبل 2.000 سنة، وها هي قد عادت وحكمتها، وما لكم إلا التعاون معنا، فلكم ما لنا، وعليكم ما علينا، لكم حقٌ وعليكم واجب. شالوم». وهكذا أصبحت «أم الفحم» تحت السيطرة الإسرائيلية، جزءاً مما يعرف بـ«فلسطينيي 48». إلا أن القيادة الإسرائيلية غيرت اليوم رأيها، وهي تريد التخلص منهم.
لا توجد بلدة في إسرائيل «تحظى» بالعناوين المثيرة مثل مدينة أم الفحم. ساسة اليمين الحاكم يذكرونها باستمرار وكأنها «لعنة»... ووسائل الإعلام تنجرف وراءهم.
يستخدمونها «غذاءً» لمشاريعهم السياسية وسلماً للشهرة والكسب السياسي.
بدأ ذلك الحاخام اليميني الفاشي مئير كهانا، الذي أسس حزباً جديداً له عام 1984 يدعو إلى طرد الفلسطينيين مواطني إسرائيل إلى الخارج، حتى يخفف من الخطر العربي الديمغرافي، فقرر زيارتها، لكي يقترح على سكانها «الرحيل السلمي» مقابل المال.
يومها قال كهانا: «أريد أن ألتقي بهم وأقترح عليهم أن يغادروا من خاطرهم، ونحن نوفر لهم الأموال الكافية لإقامة موطن لهم في أي دولة يختارونها». وحضر فعلاً يوم 29 أغسطس (آب) 1984، ولكن تصدى له الألوف من المواطنين من البلدة وغيرها، ومنعوا دخوله. ووقعت مواجهات عنيفة بين المتظاهرين والشرطة الإسرائيلية، التي حضرت لحمايته بوصفه عضواً في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، نتج عنها العديد من الإصابات في صفوف الطرفين.
ومضت السنون وقتل كهانا خلال اجتماع سياسي له في الولايات المتحدة عام 1990. واحتل مكانه زعيم آخر في اليمين المتطرف، اسمه باروخ مارزل، فسار على طريق سلفه. واختار مارزل استفزاز أم الفحم من جديد لكسب الشهرة، فقرر هو الآخر زيارتها. ويوم 24 مارس (آذار) من عام 2009، جاء مارزل إلى أم الفحم برفقة العشرات من مؤيديه، تحت العنوان نفسه «إقناع أهاليها بالرحيل مقابل المال». وأضاف نصيحة لهم مضمونها تهديدي هو «إن لم ترحلوا بخاطركم فسنضطر إلى ترحيلكم آجلاً أم عاجلاً». وبالمقابل خرج المئات من سكان أم الفحم والمنطقة لمواجهتهم. وكالعادة تولت الشرطة الإسرائيلية حماية التظاهرة الاستفزازية، وألقت القنابل الصوتية والغاز المسيل للدموع على أهالي أم الفحم، ورشت عليهم المياه العادمة لتفريقهم.
وراقت هذه الفكرة لأوساط أخرى في اليمين الإسرائيلي، فقام أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع في الحكومة الحالية بتطويرها. وليبرمان هو ابن حزب الليكود، وشغل ذات مرة منصب الأمين العام فيه، ثم صار مديراً عاماً لديوان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عام 1996، ثم أسس حزباً جديداً عام 1999 سماه «إسرائيل بيتنا»، وأصبح لاحقاً وزير خارجية في حكومة بنيامين نتنياهو الثانية عام 2009. وفكر ليبرمان ببساطة تتلخص في التخلص ليس من أم الفحم وحدها، بل من كل بلدات منطقة المثلث، عبر ما يسميه «تبادل السكان». ووفق هذه الخطة تضم إسرائيل غالبية المستوطنات اليهودية في القدس والضفة الغربية إلى تخومها، وبالمقابل يجري تعديل الحدود لتصبح هذه المنطقة، من أم الفحم شمالاً وحتى كفر قاسم جنوباً، جزءاً من الدولة الفلسطينية العتيدة.
واللافت أن حتى رئيس الوزراء نتنياهو أعرب عن تبنيه هذه الخطة في الشهور الأخيرة. ونتنياهو فنان في استخدام قضية العداء للعرب لكسب الأصوات اليمينية. فما هو مرد هذا العداء لأم الفحم؟
ولماذا يجعلها اليمين عنواناً لسياسته العدائية للعرب؟
ما هي هذه المدينة؟ وما الذي يميزها؟

نبذة تاريخية
تعتبر أم الفحم واحدة من أقدم البلدات في فلسطين. فحسب المكتشفات الأثرية التي عثر عليها في تخوم البلدة وضواحيها؛ يتضح أنها قائمة منذ آلاف السنين. منذ العصر الكنعاني مروراً بالعصور اليونانية والرومانية والبيزنطية إلى العصر العربي الإسلامي. إذ اكتشفت مقابر تعود إلى العصر الكنعاني في منطقتي خربة الغطسة وعين الشعرة (أو الشعرا). ويدل هذا على أن تاريخها يعود إلى ما يقارب 5.000 سنة. كما اكتشفت آثار لخانٍ قديم ونقود عربية يعود تاريخهما إلى العصر الأموي. ووفقاً لهذه المكتشفات، فإن الاستيطان البشري الكنعاني في أم الفحم وضواحيها بدأ حوالي العام 3000 ق.م، وورد اسمها لأول مرة عام 1265م أثناء حكم المماليك بوثيقة توزيع الممتلكات التي أجراها السلطان الظاهر بيبرس بين جنوده، وكانت أم الفحم من نصيب الأمير جمال الدين آقوش النجيبي نائب السلطنة.
أما في العهد العثماني، فكانت أم الفحم واللجون وجنين ضمن نفوذ الأمير أحمد بن علي الحارثي، وقد عرفت بـ«البلاد الحارثية» التي امتدت من صفد في أعالي الجليل عبر منطقتي اللجون وجنين وحتى أبواب يافا.
وبعد سقوط الإمبراطورية العثمانية إثر الحرب العالمية الأولى؛ احتلت القوات البريطانية بلاد الشام عام 1917م، فَارِضَة عليها الحكم العسكري. ويوم 9 ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه دخلت مدينة القدس بقيادة الجنرال إدموند أللنبي. وبقيت فلسطين تحت الحكم العسكري حتى نهاية شهر يونيو (حزيران) عام 1920م، ثم حولتها بعد ذلك إلى الحكم المدني، وعينت السير هربرت صمويل مندوباً سامياً لها على فلسطين حتى عام 1925م، ولقد تبعه ستة مندوبين آخرين، حتى العام 1948م.

فترة الانتداب
وفقاً للتقسيم الإداري لفلسطين بين عامي 1920م و1948م، تبعت أم الفحم قضاء جنين، وكانت تعد من أكبر قراه. وشارك أهالي أم الفحم في الثورات التي حدثت إبان فترة الانتداب، وأبرز هؤلاء الثوار يوسف الحمدان وأحمد الفارس وعلي الفارس الذين قاتلوا مع قائد المنطقة يوسف أبو درة. وقدم أهالي أم الفحم الكثير من أبنائهم، الذين استشهدوا عند مقاومتهم للاحتلال البريطاني. وشاركوا في الاحتجاجات والاضطرابات في أواخر 1922م. وفي العام 1935م فوجئ أهالي أم الفحم بمقتل الشيخ عز الدين القسام على مقربة من بلدهم في جبال يعبد، ورأوا لأول مرة طائرة تحلق فوق أم الفحم، فخرج شيوخها وشبابها وأطفالها ليشاهدوها، ولم يعلموا أنها كانت تحلق لإعطاء الإشارة للجنود للتقدم نحو مكان الشيخ عز الدين القسام بهدف اغتياله.
وفي أبريل (نيسان) 1936م أُعلن الإضراب العام في فلسطين، فعاد قسمٌ كبيرٌ من أهالي أم الفحم من حيفا التي كانوا يعملون فيها. وشارك أهالي البلدة بنشاط في الإضراب والمظاهرات التي تخللته، وفي العمليات المسلحة التي أعقبتها. وأصبحوا يطلبون السلاح، فكان الفلاح في أم الفحم يبيع فرسه أو بقرته ليشتري بندقية، وكانت أكثر البنادق المتوافرة إذ ذاك قديمة الطراز، إما كانت ألمانية أو «عصملية» (عثمانية)، والقليلٌ من البنادق «الإنجليزية».
وفي أوائل شهر أغسطس (آب) 1936م وقعت إحدى أكبر المعارك في جبال أم الفحم الممتدة من عرعرة، ثم خلة الحمارة فالعرائش إلى عراق الشباب. واستحكم آخرون في جبال الروحة من البيار حتى عَين إبراهيم، واستنجد الجيش بالطائرات فأخذت تقصف أطراف أم الفحم، وتحديداً عند حي عين خالد، واستشهد في هذه المعركة العشرات من أهالي عرعرة واليامون وسيلة الحارثية ورمانة.
وعندما تأجج لهيب الثورة قدم إلى أم الفحم القائد فوزي القاوقجي، ليقوم بدوره بمساعدة الثوار الفلسطينيين في جبال نابلس. وعرض عليهم القاوقجي الوحدة تحت قيادة واحدة، فعينوا اجتماعاً لذلك وكان في منطقة أم الفحم، وتحديداً في المعلقة، بما أنها قريبة من الشارع العام المار بوادي عارة ليتسنى لهم مراقبة الجيش عن كثب.
ووقعت معارك عديدة بعدها بين ثوار أم الفحم ومنطقتها وبين القوات البريطانية. واضطر الجيش البريطاني إلى بناء معسكر له على قمة جبل إسكندر، أعلى نقطة في البلدة. واشتهرت في تلك الفترة من عام 1938 حادثة، حيث أقدم الثوار على قتل جنديين. فانتقم البريطانيون بإطلاق النار عشوائياً على بيوت البلدة فقتلوا وجرحوا بعض الأهالي، ثم جمعوا رجال أم الفحم في ساحة الميدان، وقدم قائد المعسكر وأمر جنوده بإهانة الرجال. كما أخذوا 40 رجلاً منهم إلى مكان حادثة القتل قرب عين النبي، وأمروهم بالدوس على ألواح الصبر الشائكة، وهم حفاة، فسالت دماؤهم في الشارع، وبعد ذلك قصفت القوات البريطانية بعض بيوت البلدة، وباشرت جولات من الاعتقالات. ولم تتوقف أعمال الانتقام هذه إلا بانتهاء فترة الانتداب البريطاني في أواسط مارس (آذار) عام 1948م، عندما غادر مركز شرطة اللجون آخر شرطي بريطاني.

نهاية الانتداب البريطاني
بعد رحيل الانتداب البريطاني عن فلسطين تُركت البلاد في فوضى؛ إذ لا قانون ولا سلطة، فأصبحت العائلية و«الحارتية» (نسبة إلى الحارة) هي البديل المؤقت. وبهذا اجتمع زعماء أم الفحم وقراها لانتخاب لجنة قومية، فطالبوا الهيئات المشرفة على القيادة في فلسطين بإقامة لجنة قومية خاصة بأم الفحم ومنطقتها معترفٌ بها وبكل ما يصدر عنها فلبي الطلب، وقد أصدرت بطاقات هويات شخصية لأهالي أم الفحم ومنطقتها؛ فأصبح الفحماويون يستطيعون السفر بها إلى شرقي الأردن، سوريا ولبنان.
واستمر عمل هذه اللجنة حتى وقوع النكبة الفلسطينية. يومها داهمت القوات الإسرائيلية المنطقة ودمرت عدداً من القرى المجاورة لأم الفحم، مثل اللجون وقرى الروحة ولد العرب، والمنسي، والغبيات (الفوقي والتحتي)، والكفرين، والبطيمات، وخبيزة، وقنير، وأم الشوف، والسنديانة، وصبارين، أم الزينات وغيرها، وجرى تهجير أهلها منها ودمرت تماماً. وبالتالي، لجأ أهلها إلى أم الفحم في ضوء صلات القرابة والعلاقات التجارية، واستقبلهم أهالي أم الفحم، وأمنوا لهم المأوى.

الاحتلال الإسرائيلي
وبقيت أم الفحم وبقية قرى المثلث ضمن السيادة الأردنية. ولكن في منتصف مايو (أيار) عام 1948م دخل الجيش العراقي البلدة، وبدأ بتجنيد متطوعين لفوجٍ فلسطيني، فأقبل العديد من شبان أم الفحم ووادي عارة بالتطوع في هذا الجيش، وأخذ المدربون العراقيون يدربونهم على الوسائل القتالية المختلفة. لكنهم لم يفلحوا في صد الاحتلال الجديد. ويوم 20 مايو (أيار) 1949م، دخلت القوات الإسرائيلية أم الفحم، حيث تقدمت دبابة وما إن وصلت على مقربة من حي البير، نادى أحد الجنود: «يا أهالي أم الفحم، لقد قدم جيش إسرائيل لتسلم أم الفحم، فنرجو أن تلزموا بيوتكم، إلى حين إشعارٍ آخر، وننذر كل من تسول له نفسه بالتصدي للجيش أو بعملٍ ما يخل بالنظام». فلزم الأهالي بيوتهم. ثم دعا الجنود مخاتير أم الفحم أن يحضروا إلى الميدان حيث أمروا بتسليم السلاح. وتقدم قائد الجيش الإسرائيلي نحو مختار الإغبارية، وطلب منه أن يجتمع معه في بيته مع وجهاء القرية، ثم وقف وقال: «لقد حكمتْ إسرائيل هذه البلاد قبل 2.000 سنة، وها هي قد عادت وحكمتها، وما لكم إلا التعاون معنا، فلكم ما لنا، وعليكم ما علينا، لكم حقٌ وعليكم واجب. شالوم». وبهذا أصبحت أم الفحم تحت السيطرة الإسرائيلية، جزءاً مما يعرف بـ«فلسطينيي 48».
وكما فعلت مع بقية البلدات العربية، فرضت إسرائيل الحكم العسكري. ومنعت أهلها من مغادرة قراهم إلا بتصاريح من الحاكم العسكري. واستمر هذا الحكم لغاية عام 1966. وكان عدد سكان أم الفحم في عام 1949 نحو 5500 نسمة، وهو يبلغ وفقاً لمكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي 52.314 نسمة، حسب إحصائيات 2015. وبذلك تكون أم الفحم ثالث أكبر مدينة عربية في إسرائيل، بعد الناصرة (90 ألفاً) ورهط (65 ألفاً).
وبالنسبة للأراضي، كان بحوزة أهالي البلدة 77 ألف دونم من الأراضي، غير أن السلطات الإسرائيلية صادرت معظمها، ولم يبقَ لهم سوى 24 ألف دونم. كذلك مُورست عليهم سياسة تمييز عنصري انعكست في جميع مناحي الحياة. فعلى سبيل المثال، تعد أم الفحم في العشر قبل الأخير في السلم الاقتصادي الاجتماعي، بسبب نسبة الفقر العالية بين السكان (تضاهي 55 في المائة). ونسبة النجاح في امتحان التوجيهي الثانوي لا تزيد عن 54 في المائة. ومعدل الأجور في المدينة 5078 شيكلاً (الدولار يساوي 3.5 شيكل)، مع العلم أن معدل الأجور في إسرائيل يصل إلى نحو 8700 شيكل. هذه السياسة كانت سبباً في تذمر دائم للسكان، تنامى إلى غضب شعبي ونضال سياسي وطني طيلة 70 سنة. فأم الفحم، كانت طليعية في النضال ضد التمييز ومن أجل المساواة. في «يوم الأرض» عام 1976، وهو الإضراب الشامل الذي أعلنه فلسطينيو 48 احتجاجاً على سياسة نهب الأرض والتمييز العنصري، لعبت أم الفحم دوراً طليعياً. وكانت مساهمتها عالية في تشكيل «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» عام 1977، التي جاءت لتبلور إطاراً وحدوياً للقوى الوطنية في صفوف المواطنين العرب سوية مع قوى ديمقراطية يهودية تؤمن بالسلام والمساواة في إسرائيل.

«انتفاضة الأقصى»
وفي عام 2000، عندما هبت الجماهير العربية ضد الزيارة الاستفزازية للمسجد الأقصى، التي قام بها أريئيل شارون - زعيم المعارضة في حينه - وأدت إلى نشوب «انتفاضة الأقصى»، كانت أم الفحم في المقدمة. وفقدت ثلاثة من شبانها، الذين سقطوا شهداء برصاص الشرطة الإسرائيلية (يومذاك قتل 13 شاباً عربياً من فلسطينيي 48 برصاص الشرطة) وأصيب المئات بجروح.
ومع اشتداد القمع الإسرائيلي، كان يرتفع باستمرار المزاج السياسي الوطني، وتزداد حدة التوتر، وفيما بعد تزداد حدة التشدد أيضاً. في البداية كان يقود القرية شخصيات سياسية مقربة من الحكومة. وفي أواسط السبعينات، انتخب محمد مصطفى محاميد، وهو من الشخصيات الوطنية، التي قادت نضالات يوم الأرض. وانتخب بعده هاشم محاميد، رئيساً للبلدية، وهو عضو كنيست عن «الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة» (يسار) وأصبح رئيساً للجبهة. ثم منذ 1989 انتخب لرئاستها الشيخ رائد صلاح، الذي انشق عن الحركة الإسلامية برئاسة الشيخ عبد الله نمر درويش، وأسس ما يعرف باسم «الحركة الإسلامية – الشق الشمالي». وتميز صلاح بالنشاط الجماهيري الواسع والمثابر لمواجهة الخطط الإسرائيلية، الفردية أو الحكومية، للمساس بالحرم القدسي الشريف. وراح ينظم في كل سنة مهرجاناً تحت عنوان «الأقصى في خطر»، ليضم عشرات ألوف المناصرين.
وللانشقاق عدة أسباب سياسية وشخصية، لكن من أهمها أن حركة رائد صلاح لا تعترف بالدولة العبرية، ولا تشارك في انتخاباتها البرلمانية (بعكس الحركة الإسلامية الأصلية الممثلة بأربعة نواب في الكنيست). وأقام صلاح علاقات علنية مع تنظيم حركة الإخوان المسلمين في العالم. وهكذا، استغلت حكومات إسرائيل الخطاب السياسي لحركة رائد صلاح، ذريعة للبطش بالعرب، وسن المزيد من القوانين العنصرية. وأصدر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أمراً بحظر هذه الحركة وإخراجها عن القانون هي وجميع مؤسساتها، وأغلق صحيفتها، كما تم اعتقال الشيخ صلاح وعدد آخر من قادة الحركة، بينهم رئيس بلدية آخر سابق هو الدكتور سليمان إغبارية. ولم يعد يمر شهر من دون تحريض على هذه المدينة. وأخيراً، بعدما نفذ ثلاثة شبان من أم الفحم عملية مسلحة على باب الأسباط بالقدس، قتلوا خلالها ثلاثة عناصر من الشرطة الإسرائيلية (اثنان منهم عرب)، وهربوا إلى المسجد الأقصى (قتلتهم الشرطة لاحقاً)، دارت عملية تحريض دموية ضد الحركة الإسلامية وضد أم الفحم. وعندما اكتشف ثلاثة شبان آخرون منها كأعضاء في خلية داعشية خططوا لتنفيذ عملية أخرى في الحرم القدسي، عاد ليبرمان وأمثاله إلى مشروع الترحيل من جديد. وحتى عندما ازدهرت في أم الفحم أعمال وجرائم عنف داخلي بين السكان أنفسهم، على خلفيات الشجارات الشخصية والعائلية وغيرها من أسباب التخلف عن الحضارة، كانوا يحولون أم الفحم إلى «كيس خبطات». وبدلاً من معالجة القضايا العينية - إذ العنف منتشر في معظم البلدات الإسرائيلية، العربية منها واليهودية، والشرطة ليست بريئة من هذه الأعمال إذ إنها تبدي إهمالاً فظيعاً لهذه الظواهر - تجدهم يضعون علامة على أم الفحم بالذات، وكأنها رمز للعنف.

بين المطرقة والسندان
بالطبع، أهالي أم الفحم من جهتهم يشعرون أنهم بين المطرقة والسندان. فهم يرفضون التطرف والعنف مثلما يرفضون السياسة العنصرية للحكومة. ورغم سياسة التمييز العنصري، يتمكنون من تحقيق نجاحات باهرة على كل الأصعدة. ففي البلدة واحدة من أنجح المدارس الثانوية، وهي مدرسة خاصة بإدارة الحركة الإسلامية. والحزب الشيوعي تمكن من إرسال نحو 350 شاباً، تعلموا في الدول الاشتراكية سابقاً، وتحولوا إلى أهم وأنجح الأطباء والعلماء والمهندسين في إسرائيل. كذلك فيها عدد من أبرز الشخصيات الوطنية، الذين أصبحوا في طليعة القيادات السياسية الوطنية، مثل المناضلين محمود إغبارية ومحمد شريدي، والنواب البرلمانيين هاشم محاميد والدكتور عفو إغبارية والدكتور يوسف جبارين والشيخ هاشم عبد الرحمن، رئيس البلدية الأسبق، والشيخ خالد حمدان، رئيس البلدية الحالي. وأيضا مثل رجا إغبارية، رئيس «حركة أبناء البلد» التي تمثل التيار القومي، الذي رغم محدوديته الجماهيرية ظل مثابراً على مواقفه منذ تأسيس حركة الأرض في الخمسينات من القرن الماضي وحتى اليوم، والفنان سعيد أبو شقرا، صاحب أول غاليري فنون عربي في إسرائيل، ويجري فيها راهناً بناء مستشفى.
أخيراً ـ في الخطاب المحلي لأم الفحم هناك مسعى لتغيير اسمها من أم الفحم (الذي أطلق عليها بسبب كثرة المفاحم التي عمل فيها الأهالي) إلى «أم النور»، في إشارة إلى دورها الطليعي في العلم وفي الكفاح.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.