محمود جبريل: الأطراف المتصارعة في ليبيا وصلت مرحلة الإنهاك

رئيس الوزراء السابق دعا في حوار مع «الشرق الأوسط» إلى عدم تهميش حملة السلاح... وطالب بـ«حكومة مصغرة» تحضّر للانتخابات

محمود جبريل
محمود جبريل
TT

محمود جبريل: الأطراف المتصارعة في ليبيا وصلت مرحلة الإنهاك

محمود جبريل
محمود جبريل

تتجه الأنظار هذه الأيام إلى ليبيا، حيث تعززت الآمال بإحياء محادثات السلام، بعدما تبنّت الأمم المتحدة خطة تسوية شاملة يؤمل منها أن تضع حلا لمشكلات هذا البلد العربي الغارق في الفوضى.
الخطة التي بدأت المفاوضات حولها في تونس برعاية المبعوث الأممي إلى ليبيا، غسان سلامة، يعقد عليها كثيرون آمالا كبيرة بالنجاح. ومن بين هؤلاء رئيس الوزراء السابق محمود جبريل الذي رأى في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن فرصة الحل الحالية أفضل من أي وقت مضى.
يرفض جبريل المقولة بأنه لولا المجتمع الدولي لما نجحت الانتفاضة الليبية في فبراير (شباط) عام 2011، مشددا على أن «إرادة الشعوب هي المنتصرة دائماً». كانت انطلاقة انتفاضة «17 فبراير» هي المرحلة الأولى من الثورة ضد نظام العقيد معمر القذافي واستمرت حتى 19 مارس (آذار) حتى دخلت طورها الثاني الذي استمر حتى 20 أغسطس (آب) 2011، وهي المرحلة التي بدأت بتدخل المجتمع الدولي بحملة عسكرية بناء على قرارات الأمم المتحدة. يقول جبريل عن هذه المرحلة، إن «النظام نجح إعلاميا خلالها في تسويق أن التدخل العسكري هو تدخل فقط من حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي)، علما بأن دول الناتو هي 28 دولة فقط، بينما الدول التي شاركت في الحملة 47 دولة»، مضيفاً: «كانت مواجهة بين النظام والليبيين الذين ساعدهم المجتمع الدولي، علما بأن الأخير لم يتدخل في الأزمة من أجل سواد عيون الشعب بل لمصالح تلك الدول (المشاركة في الحملة) ومآربها الخاصة».
أما المحطة الثالثة من الانتفاضة التي استمرت من 20 أغسطس (آب) إلى 23 أكتوبر (تشرين الأول) فتمثلت في مرحلة سقوط النظام ودخول الثوار طرابلس واعتقال القذافي وقتله. ويعتبر محمود جبريل أن «الانتفاضة انتهت عند هذا الحد»، وما تلا ذلك اليوم كان «مرحلة صراع على الموارد بين أطراف عدة مدعومة من أطراف دولية تحت ذرائع مختلفة، سياسية ودينية وقبلية وجهوية». ويشدد على «أن الصراع كان على الموارد بسبب انتفاء وجود الدولة، لأن سقوط النظام في ليبيا مثّل سقوطا للدولة بأكملها»، وأدى ذلك «مع انتشار السلاح والتركيبة القبلية، إلى خلق وصفة جاهزة لحرب أهلية أساسها السيطرة على الموارد، غذّتها أطراف خارجية». وهذا كله، في رأيه، أدى في الوقت ذاته إلى خلق «مناخ خصب لانتشار الإرهاب والتطرف، لتصبح ليبيا حاضنة لقوى التطرف، بسبب امتداد حدودها وغياب سلطة الدولة فيها وانتشار السلاح ووفرة المال». وفيما يأتي نص المقابلة مع جبريل:
- إلى أين تتجه الأمور في ليبيا الآن؟
- نحن أمام خريطة طريق جديدة. أعتقد أن فرصة الحل من خلالها أكبر من أي وقت مضى. وللأسباب التالية:
أولاً: الأطراف المتصارعة المختلفة وصلت إلى مرحلة من الإنهاك وكلها تبحث عن مخرج، ومن الممكن أن نصل إلى ما يمكن تسميته «سلام المنهكين».
ثانياً: حملة السلاح، وربما للمرة الأولى، يبحثون عن مخرج. ولكن من منظور «لا ضرر ولا ضرار»، أي ألا يتم تعريضهم للعقاب مع المحافظة على مكاسبهم الاقتصادية، وكذلك عدم استبعادهم من المشهد.
ثالثاً: هناك دعم قوي من قبل الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، وأيضا من المجتمع الدولي للخريطة الجديدة.
رابعاً وأخيراً: الخريطة تحاول أن تعكس توازن القوى على الأرض، وتنتهج مبدأ الشمول وليس الإقصاء، كما حدث في السابق.
لكن الخريطة ستلقى مقاومة من المستفيدين المسيطرين على المشهد الحالي من خلال احتكارهم سلطة اتخاذ القرار. وأعتقد أنه ستكون هناك معارضة من قبل هذه الأطراف لفكرة المؤتمر الوطني الشامل الذي تنادي به خريطة الطريق والذي له صلاحية تسمية رئيس الحكومة والمناصب الأخرى. كانت تسمية من يتولى المناصب تتم تحديدا من خلال صفقات جهوية وقبلية ومحاصصة. وبالتالي فإن تمسّك المبعوث الأممي الجديد بالخريطة التي أقرتها الأمم المتحدة ولاقت ترحيبا داخل الأوساط الليبية، يُعتبر أمرا مهما للغاية.
- وما رؤيتكم أنتم للحل في ليبيا؟
- الحل يكمن في توافق وطني حول مشروع وطني، لا يُقصي أحداً، وليس حول أشخاص، وأن يمثّل المتحاورون حول المشروع القوى الفاعلة على الأرض. وأن يتم الحوار بين الليبيين أنفسهم، تحت إدارة مشتركة للحوار مُشكّلة من مجلس الدولة ومجلس النواب تحت مظلة الأمم المتحدة، الممثلة بمبعوثها الخاص، غسان سلامة. وهذا الحوار ليس بين مجلس النواب ومجلس الدولة. وظيفتهما تنحصر فقط في الإشراف على الحوار بين القوى المشاركة في المؤتمر الوطني.
بالإضافة إلى أن يكون المكوّن الاقتصادي حاضرا بقوة في مشروع التوافق، وهذا يعني النص صراحة على حصص وحقوق ملكية اقتصادية من عائدات النفط بنسب مختلفة للمناطق الليبية وللحكومة المركزية وللأفراد وللعائلات، على أن يتحوّل ذلك فيما بعد إلى نص دستوري. فالصراع الحقيقي هو صراع على الموارد.
ويجب على الأطراف الدولية أن تلعب دور المراقب والضامن لهذا الحوار الليبي، ولكن دون التدخل في مضمونه ومساره.
وأن يتم فصل الحكومة عن المجلس الرئاسي، وأن يكون للحكومة برنامج إنقاذ وطني، ويمكن أن تتم تسميتها «حكومة أزمة» أو «حكومة وحدة وطنية» بصلاحيات كاملة، وأن يُنأى بها عن المحاصصة والمساومات القبلية والجهوية. وأن تكون حكومة مصغرة، على أن تنقل مسؤولية تقديم الخدمات إلى البلديات في نظام حوكمة لا مركزي، وبالتالي يمكن القول إن بناء الدولة يتم من الأطراف وليس من المركز.
- وما مهمات هذه الحكومة المصغرة؟
- تكون أهداف الحكومة المصغرة محصورة بثلاثة أهداف هي:
أولا وضع خطة عاجلة لتقديم خدمات السيولة النقدية والكهرباء والأمن والتعليم والصحة كملفات عاجلة.
ثانيا البدء في إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية وتفعيل القضاء.
وثالثا التحضير لانتخابات برلمانية ورئاسية خلال مدة لا تتجاوز 18 شهراً.
- وما الفرق في هذه الحالة بين الحكومة ومجلس الرئاسة؟
- ستكون مهمة الحكومة المصغرة الخروج من النفق. وتكون مهمة مجلس الرئاسة رمزية فقط ومحصورة في التصديق على الاتفاقات والمعاهدات، وتمثيل الدولة في المؤتمرات الخارجية وقرارات السلم والحرب. ويمكن أن تتم المحاصصة في تسمية أعضاء مجلس الرئاسة، لترمز إلى وحدة التراب الليبي، بينما رئاسة الحكومة ومناصبها لا تخضع إلا لمعيار الكفاءة والأهلية.
- هناك محادثات ليبية في تونس حاليا تهدف إلى تعديل الاتفاق السياسي الليبي (اتفاق الصخيرات). في أي اتجاه يمكن أن يكون التعديل وما جدواه وما ملاحظاتكم حول الخطة الأممية، المسماة خطة غسان سلامة؟
- التعديل على اتفاق الصخيرات يجب أن يهدف إلى معالجة الاختلالات التالية:
1 - إدماج القوى الفاعلة في الحوار التي كانت غائبة في اتفاق الصخيرات.
2 - فصل السلطة التنفيذية عن المجلس الرئاسي ذي الرؤوس المتعددة، ويجب إعطاء السلطة التنفيذية صلاحيات إدارة الأزمة من خلال برنامج عمل تتوافق عليه الأطراف المشاركة في المؤتمر الوطني المقترح وقبيل تسمية رئيس الحكومة.
3 - مراعاة الأهمية القصوى للتوافق على حقوق الملكية الاقتصادية في مشروع التوافق أو التعديل.
وفي حال، لا قدّر الله، فشلت لجنة الصياغة المشتركة في الوصول إلى تعديلات في الصيغة المقترحة يُلجأ إما إلى العودة إلى لجنة الحوار القديمة وإما إلى تشكيل لجنة فنية متخصصة من الخبراء لصياغة التعديلات.
- ما جدوى التعديل؟
- تكمن أهمية التعديل في التعامل مع جوانب القصور في اتفاق الصخيرات والتي أدت إلى رفض كثيرين من الليبيين لهذا الاتفاق ومخرجاته.
- تم اقتراح اسم سيف الإسلام القذافي للمشاركة في مستقبل البلاد، ما رأيكم بمثل هذا الطرح المثير للجدل؟
- لا أفضّل الحديث عن أشخاص، وإنما عن مشروع وطني يشمل الجميع. وأعتقد أن أي ليبي أو مواطن يقبل بالدولة المدنية الديمقراطية التي تساوي بين مواطنيها في الحقوق والواجبات ويقبل التداول السلمي للسلطة ولا يلجأ إلى العنف لتحقيق أهداف سياسية، يجب أن يكون جزءا من المشهد السياسي الذي نسعى جميعا إلى تشكيله.
- هل تعدد المبادرات الخاصة بليبيا يعكس تنافسا على المكاسب والمصالح أم ماذا؟
- بالنسبة للمبادرات فيجب أن تكون داعمة لمسار الأمم المتحدة ولا تعكس تضارب المصلحة. أما عن التدخل الدولي فلم يكن يوما من أجل سواد عيون الشعب الليبي، وإنما لمصالح ومآرب دولية. تنافس المصالح لا يصب في المصلحة الليبية أبداً، وقد أدى ذلك إلى تأخير الوصول إلى حل للأزمة. ليبيا بلد واسع المساحة وقليل السكان وكثير الثروات، وهي مطمع لكثيرين. وفي غياب توحد كلمة الليبيين، تزداد الأطماع وتزداد محاولات التدخل ضراوة وشراسة، ولكن كما يقول المثل: «لا أحد يستطيع أن يمتطي ظهرك إلا إذا انحنيت». وأقصد بذلك أننا نحن الليبيين سمحنا وسهلنا لهذه الأطراف الدولية أن تتدخل.
- هل تعتقد أن ليبيا تواجه خطر التقسيم؟
- تقسيم ليبيا يمكن أن يكون من صالح أطراف دولية كثيرة، بل إن هناك بعضا من تلك الأطراف سعت منذ الأيام الأولى للانتفاضة إلى الدعوة إلى تقسيم ليبيا. أما إمكانية حدوث التقسيم فلا أعتقد أنه مهما وصلت الخلافات والاختلافات بين الليبيين فلن تصل بهم إلى حد تقسيم الوطن الواحد.
- هل هناك أي خطوات يمكن اتخاذها للحد من مثل هذا الخطر؟
- هناك أمران سيحولان دون حدوثه (التقسيم): الأول: إقرار حقوق الملكية الاقتصادية لليبيين. والثانيإقرار حكم لا مركزي بصلاحيات واسعة.
- ما الدور الذي يمكن أن تقوم به الأمم المتحدة بشأن الجماعات المسلحة في ليبيا بما في ذلك إمكان جمع السلاح؟
- إشراك الجماعات المسلحة في الحوار كما تنص عليه خريطة الطريق الجديدة هو تطور إيجابي للغاية، والتحاور مع الجماعات المسلحة يجب أن يراعي مخاوفهم من العقاب أو تسليمهم إلى دولة أخرى أو محكمة دولية خارجية. وكذلك مخاوفهم من أن تُضار مراكزهم المالية والاقتصادية. وهم (أي الجماعات المسلحة) لا يريدون أن يكونوا «نسياً منسياً»، فهم يمثّلون السلطة الحالية على الأرض. فلا بد لأي حوار معهم أن يقدم البديل الذي يعالج هذه المخاوف، ويحافظ على المصالح و«ماء الوجه»، وأن يتم التعامل معهم كمساهمين في بناء الدولة بدل معرقلي بنائها.
- كيف يمكن دمج المشير خليفة حفتر في عمل الحكومة الجديدة وكيف يمكن إقناع خصومه في غرب ليبيا بما في ذلك مصراتة بالتعامل معه؟
- المخاوف والشكوك وانعدام الثقة بين الليبيين يمكن التغلّب عليها من خلال مشروع وطني جامع لا يُضار فيه أحد ولا يُقصى منه أحد. فالكل شريك في عملية الوصول إلى توافق بما يحقق السلام.
- هل يمكن للبرلمان أن ينعقد مجدداً في طرابلس؟
- بحسب مقترح مسودة الدستور التي قدمت إلى مجلس النواب، ولم يتم الاستفتاء عليها، فإن مكان المجلس هو بنغازي وليس طرابلس. ولكن، من حق المجلس، حسب الإعلان الدستوري، أن يعقد جلساته في أي مدينة ليبية ما دامت توفر عامل الأمن. وبالتالي، إذا توفر الأمن في طرابلس فلا يوجد ما يمنع من انعقاده بها.
- هل لديكم علاقات كتحالف وطني مع تيارات سياسية أو بعض الميليشيات. وما مدى تأثيركم عليها للقبول بالحل؟
- التيارات السياسية المختلفة في ليبيا وصلت إلى قناعة أنه لا بد من البحث عن المشترك والعمل من خلاله بدل توسيع دائرة المختلف عليه. وبالتالي، أكرر أن فكرة المشروع الوطني الجامع يمكن أن تحقق هذا المشترك، إلى أن يصدر الدستور ليكون هو الإطار المرجعي للحراك السياسي.
- الجماعات المتطرفة تتحرك بحرية في مناطق ليبية كثيرة، كيف يمكن مواجهة خطرها وما دور المجتمع الدولي في هذا الأمر؟
- إن ظهور «داعش» في أماكن مثل صبراتة وسبها والكفرة وغيرها يمكن مواجهته من خلال الليبيين أنفسهم كما دللت على ذلك بنغازي وسرت. الخلل الأكبر يكمن في تشرذم الليبيين وانقساماتهم، ما مكّن الأطراف الخارجية والقوى المتطرفة من التغلغل في ربوع الوطن. ويمكن للمجتمع الدولي المساعدة في مكافحة الإرهاب من خلال الرصد الدقيق وإيقاف تدفق المتطرفين إلى ليبيا، من العراق وسوريا وبعض الدول الأفريقية، ودعم القوات المسلحة الليبية استخباراتيا ولوجستيا وعسكريا في مواجهة الإرهاب.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.