حكومة نتنياهو تكرس جهودها لإقناع ترمب بتغيير الموقف من إيران

وزير إسرائيلي يهدد طهران بعد اختبارها الصاروخ الباليستي: كل الخيارات مطروحة

TT

حكومة نتنياهو تكرس جهودها لإقناع ترمب بتغيير الموقف من إيران

في نوع من سباق الزمن، شدد المجلس الوزاري السياسي - الأمني المصغر (الكابنيت) في الحكومة الإسرائيلية، من لهجته إزاء إيران، في أعقاب اختبار الصاروخ الباليستي يوم السبت الماضي، الذي يصل مداه إلى ألفي كيلومتر، ويرونه تهديداً مباشراً لإسرائيل.
وقال وزير الإسكان، الجنرال احتياط، وعضو الكابنيت، يوآب غلانط، إن «إيران هي خطر واضح وفوري. اختبار الصواريخ الإيرانية للمسافات الطويلة، هو خطوة أخرى على طريق محاربة إسرائيل والعالم الحر. من الضروري معالجة الخطر الإيراني كي لا نحصل على وحش آخر مثل كوريا الشمالية. كل الخيارات مطروحة على الطاولة».
ورأى الكابنيت، في جلسته الليلة قبل الماضية، أن الأسبوعين القادمين، يعدان فرصة لـ«تصحيح الغبن ووقف الإخفاقات في الاتفاق النووي، وصد التوسع الإيراني في سوريا». ولذلك يجب إثارة الموضوع على أعلى المستويات، والتأثير على القرار الأميركي والغربي باتجاه تشديد القبضة ضد إيران. ويقصد بذلك، القول: إن الرئيس ترمب يبدي نية لتغيير موقفه من إيران، بعد الحملة الإسرائيلية الهادفة إلى دمغ طهران واتهامها بخرق الاتفاق النووي. فمن المعروف أن ترمب ينوي إبلاغ الكونغرس، في الخامس عشر من الشهر المقبل، إذا ما كانت إيران ملتزمة بالاتفاق أم لا. فإذا أبلغه أنها ملتزمة، كما فعل مرتين حتى الآن، فإن الأمور تعود إلى مرحلة انتظار جديدة حتى الجولة المقبلة. أما إذا أبلغ بأنها تخرق بعض بنوده، كما يطمح رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن القضية ستشهد انعطافا، إذ سيقرر الكونغرس العودة إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد إيران، وستدخل واشنطن في خلافات عميقة مع حلفائها في أوروبا.
وقال وزير المواصلات والاستخبارات الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إنه يجب على إسرائيل العمل مع الإدارة الأميركية على إحباط الصواريخ الإيرانية، ومنع الوجود العسكري الإيراني في سوريا، ووقف المساعدة الإيرانية لـ«حزب الله». وأضاف: «لقد تولدت فرصة تاريخية لتحقيق تغيير أو إلغاء الاتفاق النووي مع إيران، وإزالة التهديدات الموجهة لإسرائيل، بطريقة تضمن عدم امتلاك إيران القوة النووية نهائيا».
ورأى وزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان، أن الأمور مع إيران تشهد تطورا خطيرا. وقال: «نجاح نظام الأسد في تحقيق مكانة متفوقة جدا في الحرب الأهلية في سوريا؛ وتعزيز مكانة إيران بسبب التطورات في سوريا، ووجود قوات الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية في جنوب الجولان، على مسافة ليست بعيدة عن الحدود مع إسرائيل؛ فضلا عن سباق التسلح واسع النطاق في الشرق الأوسط، الذي وقعت الدول العربية في إطاره، صفقات أسلحة مع الدول الغربية بمئات مليارات الدولارات، وذلك بسبب تخوفها من التضخم العسكري الإيراني وارتفاع قوتها الإقليمية، كلها تعتبر أسباباً للقلق وتحتاج إلى زيادة كبيرة في الميزانية العسكرية. وانتقد ليبرمان، قيام إيران باختبار صاروخ باليستي»، وقال إن «الصاروخ الباليستي الذي أطلقته إيران هو ليس مجرد استفزاز وتحد للولايات المتحدة وحليفاتها، ومن بينها إسرائيل، ومحاولة لاختبارها، وإنما دليل على طموح إيران للتحول إلى قوة عظمى تهدد، ليس فقط دول الشرق الأوسط، وإنما كل دول العالم الحر. تخيلوا ماذا سيحدث لو حصلت إيران على سلاح نووي. هذا هو ما تسعى إليه، يحظر السماح بحدوث ذلك».
وربط الجنرال (احتياط) يعقوب عميدرور، بين الصاروخ الباليستي وبين الاتفاق النووي، فقال إن اختبار هذا الصاروخ الذي يبلغ مداه ألفي كم، يشير، مرة أخرى، إلى نقاط الضعف في الاتفاق النووي الموقع مع إيران بقيادة الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا. من الشائع الاعتقاد، بأن الدول التي تطور مثل هذا النوع من الصواريخ تنوي تسليحها برؤوس نووية، وليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن إيران تختلف عن غيرها في هذا الصدد، إلا أن مسألة هذه الصواريخ لم تناقش في إطار الاتفاق. وعلاوة على ذلك، فإن الاتفاق يسمح لإيران بتطوير الجيل التالي من أجهزة الطرد المركزي، وهي أسرع بعشر مرات من تلك التي امتلكتها إيران قبل الاتفاق. وهكذا ستصل إيران عندما تنتهي صلاحية الاتفاق، ومن دون أن تخرقه، إلى وضع تملك فيه خيارات أسرع لإنتاج اليورانيوم المخصب والصواريخ المناسبة لحمل القنبلة. يجب أن يكون المرء متفائلا أو ساذجا بشكل متطرف، كي يعتقد بأن الإيرانيين لن يستفيدوا من الشرعية التي سيحصلون عليها، في نهاية مدة الاتفاق، لكي يتحولوا إلى دولة نووية، أو على الأقل، إلى «دولة على العتبة النووية»، أي دولة تستطيع إعداد قنبلة وإطلاقها في غضون أشهر، دون أن تكون هناك أي طريقة لإيقافها.
وتابع عميدرور: «إذا شئنا فهم مسار إيران، يجب أن نرى ما تفعله كوريا الشمالية، ولكن إيران هي دولة أكبر وأقوى وتتمتع بإمكانيات أكبر بكثير. فمثل إيران، وقعت كوريا الشمالية اتفاقيات عدة، وإن كانت أقل تفصيلا، ولكنها تستند إلى المبدأ نفسه الذي يهدف إلى الحد من تقدمها نحو القدرة النووية العسكرية. ومثل إيران، استغلت كوريا الشمالية، أيضا، التردد في العمل ضدها، حتى عندما اتضح أنها تنتهك الاتفاقات، وقد عرفت كيف تستغل التوتر بين القوتين من أجل التقدم نحو النووي - من دون أن يتوصل العالم إلى اتفاق بشأن ما يجب عمله لوقفها. لقد اتضح أنه إذا لم تتصرف الولايات المتحدة لوقف كوريا الشمالية أو إيران فلن تعمل أي قوة أخرى على ذلك. ومن المثير للاهتمام، أن نرى ما سيجري القيام به الآن، بعد تصريحات الرئيس المتشددة في الأمم المتحدة، قبل أن يظهر الإيرانيون تجاهلهم له عندما نفذوا الاختبار مباشرة بعد الخطاب. بالنسبة لإسرائيل، فإن السؤال الحاسم هو، أن قرار الولايات المتحدة عدم القيام بأي شيء، سيجبرها هي على التفكير بعبارات أخرى حول ما ينبغي أن تفعله بنفسها في المستقبل».
ومن جهته، قال خبير الشؤون العسكرية، أليكس فيشمان: لأي غرض تحتاج إيران إلى صاروخ ثقيل، أحادي المرحلة، يعمل بواسطة الوقود السائل، وغير دقيق، ومع رأس ضخم، ويمكنه حمل أكثر من طن لمسافة ألفي كيلومتر؟ الجواب المنطقي الوحيد، هو أن صواريخ «خرمشهر» المتطورة، مقارنة بصواريخ «شهاب» - تهدف إلى حمل أسلحة نووية، وفي هذه الحالة، تلعب الدقة دورا ثانويا. مقابل ذلك، فإن النماذج الأكثر تطورا من «شهاب 3» تصل منذ الآن، حسب ادعاء الإيرانيين، إلى 1950 كيلومترا، وتغطي في الواقع، كل نقطة في إسرائيل، حين يتم إطلاقها من أعماق إيران. إلا أن وزن رؤوسها يساوي نحو نصف وزن رأس المتفجرات الذي تحمله صواريخ «خرمشهر». وهذا يفسر لماذا يطورون أنواعا جديدة من الصواريخ التي يمكنها حمل رؤوس نووية. تجربة «خرمشهر» التي نفذت في الأشهر الأخيرة في إيران، ونشر عنها أول من أمس، هي نتاج الإحباط من الاتفاق النووي بين إيران والقوى العظمى. وعلى وجه الدقة، هذا هو أحد الأثمان التي تدفعها إسرائيل بسبب سلوكها الفاشل خلال المفاوضات بين القوى العظمى وإيران، والذي أفقدها كل قدرة على التأثير على الاتفاق المفتوح وبنوده السرية وغير الرسمية منذ عام 2013 عندما تم التوقيع على الاتفاق المؤقت بين إيران والقوى العظمى، كان من المعروف في إسرائيل أن ممثلي أوباما والممثلين الإيرانيين يعقدون اتفاقاً سرياً، وانتشرت منذ ذلك الحين، تقارير تفيد بأن الإيرانيين حصلوا على موافقة أميركية على مواصلة تطوير الصواريخ التي يصل مداها إلى ألفي كيلومتر. منذ تلك الفترة، عمل الإيرانيون على تطوير صواريخ بعيدة المدى تتراوح بين ألفين وخمسمائة وخمسة آلاف كيلومتر، التي تصل إلى أوروبا والولايات المتحدة. وخلال الاتصالات السرية، طرح الأميركيون أمام طهران، شرطا مقيدا: أن لا يصل مدى الصواريخ إلى الولايات المتحدة أو أوروبا، وإنما لمسافة ألفي كم فقط - وهو بالضبط المدى الفعال للوصول إلى العدو الرئيسي لإيران: إسرائيل، وإذا أصررتم، فللمملكة العربية السعودية أيضا.
أما الباحث في معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، أفريام كام، فقال إن التدخّل العسكري الإيراني في سوريا يعد تطوّرا غير مسبوق في ممارسة إيران على الصعيد الإقليمي، ويجسّد تجديدات عدة. فهذه هي المرّة الأولى التي تتدخّل فيها إيران بقوّة عسكرية ملحوظة داخل دولة أخرى - خاصة أنها غير متاخمة لها حدودياً. التدخل في سوريا يشكل تغييراً في مهامّ «الحرس الثوري»، الذي تدخّلت قوّاته البرية - في موازاة القوّات البرية للجيش الإيراني النظامي - في القتال داخل دولة أخرى. حتّى الآن، أوكلت إلى «الحرس الثوري» مهمّات داخلية، في حين أوكل إلى الجيش النظامي حماية حدود إيران. معظم القوّات التي أرسلتها إيران إلى سوريا لم تكن مشكّلة من وحدات إيرانية، وإنّما من ميليشيات شيعيّة من دول غير إيران. إنّها المرّة الأولى التي تجري فيها إيران تعاوناً عسكريّاً مع روسيا. علاوة على كلّ ذلك، تسعى إيران إلى استغلال القوّات التي أرسلتها إلى سوريا، وكذلك استغلال الفراغ الذي خلّفه وراءه تنظيم داعش في سوريا والعراق، في أعقاب الضربات التي أوقعت به، لكي تحاول بناء ممرّ سيطرة وتأثير يمكّنها من نقل قوّات وأسلحة من إيران إلى سوريا ولبنان. هذا الأمر ينطوي على معانٍ مقلقة بالنسبة لإسرائيل، الولايات المتحدة، تركيا، الأردن، العربية السعودية ودول الخليج. أنه يجسّد تصوّراً استراتيجيّاً جديداً لإيران، التي تسعى إلى بناء مجال سيطرة وتأثير يربط إيران بسوريا ولبنان. من هنا، تستوجب هذه الاستراتيجية انتباهاً من طرف دول أخرى تنشط في المنطقة ومن بينها الولايات المتحدة وتركيا والعربية السعودية وإسرائيل.
ويضيف كام: في خضمّ عملية التدخّل، فهم الإيرانيون، على ما يبدو، أنّ وجودهم ونشاطهم داخل الأراضي السورية قد يساعد في تحقيق غايات أخرى:
أولاً: ضلوع إيران في القتال قد يُسهم إسهاماً مهماً في تحسين قدرات القوّات الإيرانية. أذرع الجيش الإيراني اكتسبت خبرات كثيرة خلال سنوات الحرب الثمانية ضدّ العراق. ولكن منذ انتهاء تلك الحرب، صيف 1988، لم تدخل القوّات الإيرانية معترك نشاط عسكري، فأخذت خبرتها القتالية في التآكل. علاوة على ذلك، منذ التسعينيّات، ركّزت إيران على مشاريع الطاقة النووية والصواريخ، وخلال ذلك، أهملت نوعاً ما القوّات التقليدية. سبب ذلك كان النقص في الموارد المالية لتطوير القدرات التقليدية مقابل القدرات النووية والصاروخية، ولكن يضاف لهذا أيضاً، تقلّص الحاجة إلى تلك القوّات في أعقاب تدمير القوّة العسكرية للعراق منذ احتلاله على يد الولايات المتحدة في 2003. هذا الإهمال، انعكس، فيما انعكس، في التوقّف عن توقيع صفقات سلاح كبيرة جديدة مع روسيا منذ منتصف التسعينيّات، ما عدا صفقة منظومة الدفاع الجوّي 300 - S. التدخّل في سوريا يمكّن إيران من فحص نظريتها أو عقيدتها القتاليّة، وتدريب جزء من قوّاتها التي لم تخُض قتالاً أبداً، وتفعيل تشكيلات مختلفة مع التنسيق بينها. عند القتال في حلب، نسّقت غرفة العمليات المشتركة القتال بين القوّات البرّية التابعة للحرس الثوري، وتلك التابعة للجيش النظامي ولتنظيم البيسيج و«حزب الله» والميليشيات الشيعية، وكذلك التنسيق بين هذه القوّات وبين سلاح الجوّ الروسي والجيش السوري. بالنسبة لإيران تُعتبر هذه تجربة مهمّة في تفعيل قوّات متباعدة. عملية تحسين قدرات القوّات التقليدية الإيرانية سوف ترتقي درجة أخرى عند توقيع صفقة السلاح الكبيرة المنتظَرة بين إيران وروسيا، والتي ستحسّن، على وجه الخصوص، سلاح الجوّ الإيراني. وثانياً: التدخّل في سوريا يمكنه أن يسهم في تفاقم التهديد الإيراني لإسرائيل - خاصّة من خلال «حزب الله»، وذلك من خلال تعزيز إضافي لقدراته العسكرية وتوسيع الجبهة ضدّ إسرائيل بحيث تمتدّ من جنوب لبنان إلى هضبة الجولان. وثالثاً: الغاية الأهمّ من كلّ هذه الغايات - إيران تسعى إلى استغلال وجود القوّات المرتبطة بها في سوريا والفراغ الناشئ حيث تقلّصت قوّة «داعش» في سوريا والعراق، من أجل خلق مجال كبير تسيطر عليه وتبسط فيه نفوذها، مجال يضمن وصولها إلى وسط سوريا ولبنان والبحر المتوسط. أحد الأهداف الرئيسية لمجال السيطرة هذا والممرّات التي تمرّ عبره، إتاحة وصول إيران وتوابعها مباشرة إلى هضبة الجولان، وبذلك - من خلال «حزب الله» - توسيع الجبهة ضدّ إسرائيل لتمتدّ من جنوب لبنان إلى هضبة الجولان، وحتى اليرموك.
ويرى معهد «ميدا» للبحوث السياسية في تل أبيب، وهو ذو طابع يميني صرف، أن كل ما تفعله إيران اليوم، يدل على أنها تتصرف بعقلية المنتصر على الغرب. فهي تتمتع بقدرات على تطوير السلاح النووي، وتهدد إسرائيل وكل حلفاء الغرب بالأسلحة الدقيقة، وتمد نفوذها من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن والبحر المتوسط والبحر الأحمر، وتتحول إلى دولة إقليمية عظمى. لذلك فإن التعاطي معها بشكل حرفي، والتقييمات بأنها تطبق الاتفاق النووي مع تجاهل سياستها وممارساتها الاستراتيجية المحسوبة، هو خطأ مميت يرتكبه الغرب ولا يجوز السماح به.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.