رئيس جمعية مصارف لبنان: الحل السياسي في سوريا سينعكس ازدهاراً اقتصادياً

طربيه قال لـ«الشرق الأوسط» إن عوامل استقرار الليرة أقوى... ولبنان تعاطى مع العقوبات بحكمة

جوزيف طربيه
جوزيف طربيه
TT

رئيس جمعية مصارف لبنان: الحل السياسي في سوريا سينعكس ازدهاراً اقتصادياً

جوزيف طربيه
جوزيف طربيه

أكد رئيس جمعية مصارف لبنان الدكتور جوزيف طربيه، أن وفد الجمعية الذي زار واشنطن أخيراً، سمع خلال جولته «عبارات الإشادة بأداء القطاع لجهة الالتزام الكامل والدقيق بأصول العمل المصرفي السليم وبآليات الامتثال وتطبيق القواعد والعقوبات المتعلّقة بمكافحة تبييض الأموال والإرهاب والتهرّب الضريبي»، لافتاً إلى أن الوفد شدد خلال زيارته «على سلامة ومتانة القطاع المالي والمصرفي اللبناني باعتباره العمود الفقري للاقتصاد».
وقال طربيه في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن لبنان «تعامل بحكمة مع العقوبات الأميركيّة المفروضة سابقاً» على «حزب الله» اللبناني، مشدداً على أنّ السلطات الأميركيّة «أكّدت مراراً وتكراراً عدم استهدافها للقطاع المصرفي اللبناني».
وأكد طربيه أن الثقة في القطاع المصرفي اللبناني تنبع بشكل أساسي من التقيّد الكامل لهذا القطاع بكامل المعايير الدوليّة لجهة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وتمتّعه بإطارٍ قانوني وتشريعي ورقابي صارمٍ وحذر في هذا المجال.
وإذ نفى طربيه كل الشائعات التي تتحدث عن مخاوف من انخفاض سعر الليرة، مستنداً إلى أن موجودات المصرف المركزي من العملة الأجنبية تناهز الــ43 مليار دولار أميركي، وكون لبنان يحتل المرتبة الثالثة في المنطقة لجهة حجم احتياطيات الذهب، لفت إلى أن الحلّ السياسي في سوريا «من الطبيعي أن يلعب دوراً جوهريّاً في عودة الثقة؛ ليس فقط إلى سوريا، بل أيضاً إلى الدول التي تعاني من تداعيات الحرب السورية مثل لبنان».
وإلى نص الحوار...
> ما صحّة المعلومات التي تتحدّث عن أنَّ هناك مخاوف من انخفاض سعر الليرة اللبنانيّة؟
- تداولت وسائل الإعلام في الفترة الأخيرة آراء جنح أصحابها إلى القول إن الوضع النقدي في لبنان هو على شفير الهاوية، استناداً إلى تحليلات وأرقام لم يتأخر مصرف لبنان في الرد عليها ودحضها بالأرقام، وتوثيقها بتقارير المؤسسات المالية الدولية التي تشير إلى عكس ما ذهب إليه المشككون، وبعضهم من أصحاب النظريات والآراء السلبية الراسخة ضد السياسة النقدية في لبنان القائمة على الاستقرار النقدي وحرية القطع والتحويل.
وأصبح للرأي العام اللبناني، وكذلك لدى المستثمرين، من الوعي والخبرة ما يحصنهم ضد الترويج الموسمي للمقاربات السلبية التي لا يبررها العلم والواقع، ويُجمع كبار المحلّلين الاقتصاديين على أنَّ العوامل التي تُسهم في المُحافظة على متانة واستقرار سعر صرف الليرة اللبنانيّة هي أقوى من أي وقتٍ مضى. ومن تلك العوامل، يُذكَر الاستقرار السياسي والأمني في البلاد، ووجود حكومة وحدة وطنيّة تسعى لتبنّي الإصلاحات وتفعيل دور المؤسّسات، والأهمّ من ذلك، الحجم الكبير لموجودات المصرف المركزي بالعُملة الأجنبيّة.
>هل هناك تقديرات دقيقة لتلك الموجودات؟
بلغ مجموع هذه الموجودات نحو 43 مليار دولار أميركي مع نهاية الشهر المُنصرم، ما يجعل مصرف لبنان قادراً على التدخُّل في السوق في حال الضرورة للمُحافظة على استقرار العملة الوطنيّة. إلى جانب هذه الموجودات، يتمتّع مصرف لبنان أيضاً باحتياطياتٍ كبيرة من الذهب تُقدَّر قيمتها بنحو 12 مليار دولار أميركي مع نهاية شهر أغسطس (آب) من العام الحالي، ما يضع لبنان في المرتبة الثالثة في المنطقة لجهة حجم احتياطيات الذهب. في السياق نفسه، ذكرت وكالات التصنيف مراراً وتكراراً أنّه وحتّى في ظروفٍ سياسيّة وأمنيّة أسوأ شهدتها البلاد كاغتيال الرئيس رفيق الحريري و«حرب تمّوز» 2006، حافظت الليرة اللبنانية على استقرارها ولم تهتز الثقة بها.
> هل تضع تلك الشائعات في دائرة الاستهداف للهندسة الماليّة التي قام بها مصرف لبنان؟
- يُمكن وضع هذه المعلومات في سياق الحملة المتجدّدة التي تشنّها بعض الجهات على سياسة مصرف لبنان النقديّة ومن ضمنها الهندسات الماليّة التي يقوم بها. فتشكّك هذه المصادر بنوايا هذه الهندسات وبفعاليّتها على المدى البعيد، متناسية أنَّ سياسة مصرف لبنان لطالما اتّسمت بالنجاح في التعاطي مع شتّى المخاطر والأزمات وبالحفاظ على الاستقرار النقدي وعلى أحجام كبيرة من الموجودات بالعملة الأجنبيّة لدرء أي مخاطر غير مرتقبة.
> لنشرح للقارئ ما هي الهندسة الماليّة التي ازداد الحديث عنها مؤخّراً؟
- قام مصرف لبنان مؤخّراً بهندسة ماليّة (أواخر شهر أغسطس) تقوم على تقديم تسهيلات للمصارف بالعملة اللبنانيّة بمعدّل فائدة يبلغ اثنين في المائة، على أن يتمّ استعمال هذه الأرصدة لشراء سندات خزينة الدولة اللبنانيّة في الأسواق الأوَّليّة أو الثانويّة، بشرط أن تقوم هذه المصارف بتوظيف مبالغ موازية بالدولار الأميركي مع مصرف لبنان على شكل ودائع آجالها تتخطّى الخمس سنوات.
وقد سبق هذه الهندسة الماليّة هذا العام أيضاً هندسة ماليّة أخرى، تمحورت حول تشجيع المصارف على زيادة ودائعها بالدولار لدى البنك المركزي، عبر منحها علاوة إضافية بنصف نقطة مئويّة (0.50 في المائة) على سعر الفائدة المُعلَن، وهو ما رفع سعر الفائدة الفعلي على الدولار لدى مصرف لبنان من نحو 4 في المائة و4.5 في المائة، إلى نحو 4.5 في المائة و5 في المائة تبعاً للآجال التي تتراوح بين 10 و15 سنة. وتدارُكاً للجوء المصارف إلى تحويل الليرات لديها إلى دولارات بغية الاستفادة من هذا العرض، ما يُعطِّل مفاعيل هذه العمليات لأنّ مصرف لبنان سيكون بائع الدولارات في السوق، حثّ مصرف لبنان المصارف المشارِكة على توظيف مبالغ موازية بالليرة اللبنانيّة (سواء كانت مبالغ نقديّة أو من خلال تسييل سندات خزينة أو شهادات إيداع قبل تاريخ استحقاقها) في أدواتٍ ماليّة تؤمّن علاوة أكبر بنقطة مئوية إضافيّة (واحد في المائة) فوق سعر الفائدة المُعلَن، الأمر الذي رفع سعر الفائدة من 6.5 في المائة و7 في المائة، إلى 7.5 في المائة و8 في المائة تبعاً للآجال التي تصل حتى 30 سنة.
> العقوبات الأميركية على «حزب الله»:
أخيراً قمت بجولة في واشنطن بهدف عزل لبنان عن العقوبات المالية التي تفرضها الولايات المتحدة على «حزب الله»... هل يمكن القول إنّ القطاع المالي في لبنان بات آمناً بعد جولتكم؟
- نعم، لقد نظّمت جمعية المصارف في لبنان مؤخراً زيارة إلى الولايات المتحدة كجزء من زياراتها الدورية والروتينيّة للاجتماع مع المصارف المراسلة والسلطات الأميركية بهدف مناقشة آخر التطورات والتشريعات، ومن ضمنها مشروع القانون المتعلق بالعقوبات الإضافيّة على «حزب الله». وقد أكّد الوفد خلال زيارته على سلامة ومتانة القطاع المالي والمصرفي اللبناني باعتباره العمود الفقري للاقتصاد، كما تلقّى ثناء من ممثلي الولايات المتحدة الذين أشادوا أيضاً بتحسّن الأوضاع الأمنيّة في لبنان وجهود الجيش اللبناني لتأمين الأمن والاستقرار. وتجدر الإشارة إلى أنّ لبنان تعامل بحكمة مع العقوبات الأميركيّة المفروضة سابقاً. كما أنّ السلطات الأميركيّة قد أكّدت مراراً وتكراراً عدم استهدافها للقطاع المصرفي اللبناني.
> ما الإجراءات التي تتخذونها لحماية القطاع المصرفي في لبنان من تداعيات العقوبات؟
- كانت زيارة وفد جمعيّة المصارف إلى الولايات المتّحدة ولقاءاته بمسؤولين في مراكز القرار الأميركية المعنيّة بالموضوع، في مجلس النواب الأميركي ومجلس الشيوخ ووزارتي الخارجية والخزانة والمسؤول عن مكتب لبنان وسوريا في مجلس الأمن القومي، من جملة الإجراءات المتّخذة لحماية القطاع المصرفي اللبناني. وقد أبدى وفد الجمعية خلال اللقاءات ملاحظاته في شأن نصّ القانون المقترح، من أجل تحييد وحماية القطاع المصرفي، بالإضافة إلى تأكيده على أنّ الإجراءات المتّخذة حاليّاً في القطاع المصرفي اللبناني هي أكثر من كافية في هذا الخصوص.
> ما الإجراءات الهادفة للمحافظة على الثقة في القطاع المصرفي اللبناني؟
- تنبع الثقة في القطاع المصرفي اللبناني بشكل أساسي من التقيّد الكامل لهذا القطاع بكامل المعايير الدوليّة لجهة مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وتمتّعه بإطارٍ قانوني وتشريعي ورقابي صارمٍ وحذر في هذا المجال. المصارف اللبنانيّة باتت معروفة بدورها الريادي في تطبيق معايير الإدارة الرشيدة وإدارة المخاطر بطريقة فعّالة، وعلى التزامها بمختلف المعايير الدوليّة كمعايير بازل 1 و2 و3. الأمر الذي يدعم مرونتها وثقة المستثمرين والمودعين المحليين والأجانب فيها. كما أنّ التزام المصارف اللبنانيّة بتطبيق قانون الامتثال الضريبي «FATCA» يسهم في تعزيز هذه الثقة.
في هذا السياق، فقد سمعنا خلال جولتنا الأخيرة في الولايات المتّحدة عبارات الإشادة بأداء القطاع لجهة الالتزام الكامل والدقيق بأصول العمل المصرفي السليم وبآليات الامتثال وتطبيق القواعد والعقوبات المتعلّقة بمكافحة تبييض الأموال والإرهاب والتهرّب الضريبي. بالإضافة إلى ذلك، فقد أثنى المسؤولون الأميركيون وممثلو المصارف الأميركية المراسلة لمصارفنا على الحرفية المهنية العالية التي أظهرتها المصارف اللبنانية في هذا المجال، والتي أمّنت استمرار اندماج القطاع المصرفي اللبناني بسلاسة في النظام المالي العالمي وانسياب تعاملاته بشكل طبيعي مع الأسواق المالية الإقليمية والدولية.
> ماذا عن وضع التحويلات المالية الخارجية إلى لبنان؟ هل تراجعت خلال السنوات الماضية؟
- تشكل التحويلات المالية إلى لبنان صمام أمان للقطاع المالي اللبناني ولاقتصاده، إذ تبلغ حصّتها نحو 14.10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان 7.31 مليار دولار في العام 2016. أي بانخفاض ضئيل عن أرقام العام السابق. كما أنّ تحويلات المغتربين سجّلت ارتفاعاً خلال معظم السنوات العشر الأخيرة وتأثّرت بشكل طفيف جدّاً بالنكسات الاقتصادية والسياسية والأمنيّة التي عصفت بمنطقة الشرق الأوسط والعالم. ويُعتبر لبنان من بين أكبر 20 بلداً مستقبلاً للتحويلات الماليّة في العالم ومن بين المراكز الثلاثة الأولى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما وتجدر الإشارة إلى أنّ لبنان قد أتى متفوّقاً على جميع البلدان الأخرى على أساس نصيب الفرد.
بالإضافة إلى ذلك، حدّت تدفقات التحويلات المالية هذه، إلى حدٍّ كبيرٍ، من العجز في صافي الأصول الأجنبية للقطاع المالي اللبناني. وفي سياق متّصل، شهد لبنان ارتفاعاً في تدفُّق الاستثمارات الأجنبية المباشرة بلغ 9 في المائة، إلى 2.56 مليار دولار في العام 2016، مقابل 2.34 مليار دولار في العام 2015، وقد نُسبت هذه الحركة الاستثماريّة الإيجابيّة في البلاد إلى الثقة المُتجدِّدة بالقطاع المالي اللبناني والذي عكس قوة وصموداً في ظل سياسة مصرف لبنان الهادفة إلى المُحافظة على مستوى مُرتفع من الاحتياطيات بالعملة الأجنبيّة. في الإطار نفسه، كان لبنان صاحب الأداء الأقوى فيما يخصّ معدَّل رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة للناتج المحلّي الإجمالي في منطقة غرب آسيا، بحيث بلغ 119 في المائة في العام 2016 بحسب إحصاءات شركة إيدال.
أما على صعيد الأداء العام للقطاع المصرفي اللبناني، فقد بلغت الميزانية المجمعة للمصارف بتاريخ 31-7-2017 ما يوازي 208.48 مليار دولار، وبلغت الودائع ما يوازي 172.34 مليار دولار، والتسليفات ما يوازي 58.61 مليار دولار، والأموال الخاصة للمصارف ما يوازي 18.78 مليار دولار.
> ما خططكم لتطوير القطاع المصرفي خلال السنوات الخمس المقبلة؟
- يجب أن يشكّل الاستثمار في قطاع تكنولوجيا المعلومات والخدمات الإلكترونيّة حجر الزاوية الأساسي لتطوير القطاع المصرفي اللبناني خلال السنوات القليلة المقبلة. بالتفاصيل، يجب على المصارف اللبنانية الاستمرار في اعتماد آليات مبتكرة تهدف إلى تسهيل حياة عملائها، وبتقديم خدمات جديدة تواكب التطورات في مجال الخدمات المصرفيّة الإلكترونيّة عالميّاً. وسيسهم الاعتماد على الخدمات المصرفيّة الإلكترونيّة في تحسين كفاءة المصرف وزيادة ربحيته، نظراً للتدنّي الكبير الناجم في تكلفة التشغيل (بحيث تشير الدراسات العالمية المتاحة إلى أن تكلفة إجراء أي معاملة مصرفية في أحد فروع المصرف تبلغ 1.07 دولار، وتنخفض هذه التكلفة إلى 55 سنتاً إذا تمت بواسطة الهاتف، و25 سنتاً إذا تمت بواسطة جهاز صراف آلي، وإلى سنتين فقط إذا تمت عبر الإنترنت)... ناهيك عن مساهمتها بتنشيط الدورة الاقتصاديّة عبر الزيادة في حجم المعاملات الإلكترونية عبر الحدود بين زبائن المصارف والشركات التجارية، والتي تتم بواسطة أدوات التجارة الإلكترونية (e - commerce). لذلك تعتبر التكنولوجيا سيفا ذا حديّن، بحيث بإمكانها أن تشكّل مفتاح النجاح للمصرف في حال تطبيقها بشكل فعّال ومن ناحية أخرى بإمكانها أن تتحوّل إلى تهديدات في حال تعذر هذا مواكبة التطور والتطور التكنولوجي.
> هل تعتقدون أنّ الحلّ السياسي في سوريا وجهود إعادة الإعمار سيستفيد منها لبنان؟
- مما لا شكّ فيه أنّ عودة الاستقرار إلى سوريا المجاورة من شأنها أن تنعكس إيجاباً على لبنان، سواء كان من خلال إعادة فتح المعابر البريّة للصادرات اللبنانيّة إلى الدول العربيّة، أو من خلال توافر فرص جديدة للاستثمار، أو من خلال تحسّن بيئة الأعمال وفرص إطلاق مشاريع جديدة في البلاد. كذلك فإنّ حلحلة الأزمة السورية قد تساعد على تحسين أوضاع المؤسّسات اللبنانيّة العاملة في سوريا، ومنها المصارف، وقد تسرّع عمليّة عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم، مما قد يخفّف الضغوط على البنى التحتيّة والماليّة العامّة في لبنان.
ومن الطبيعي أن يلعب الحلّ السياسي في سوريا دوراً جوهريّاً في عودة الثقة؛ ليس فقط إلى سوريا، بل أيضاً إلى الدول التي تعاني من تداعيات الحرب السورية (مثل لبنان)، الأمر الذي من شأنه أن يُثمِر زيادة في تدفّق الرساميل وتحويلات المغتربين إلى الدول المعنيّة، وتحسّناً في حركة السياحة لديها، وتشجيعاً للمستثمرين المحلّيين والأجانب، وازدهاراً في شتّى القطاعات، وبذلك تسريع عجلة النموّ الاقتصادي.



قفزة في صادرات السعودية غير النفطية تُعزز موقعها التجاري عالمياً

مجموعة حاويات في أحد الموانئ السعودية (واس)
مجموعة حاويات في أحد الموانئ السعودية (واس)
TT

قفزة في صادرات السعودية غير النفطية تُعزز موقعها التجاري عالمياً

مجموعة حاويات في أحد الموانئ السعودية (واس)
مجموعة حاويات في أحد الموانئ السعودية (واس)

سجّلت الصادرات السعودية غير النفطية أداءً قوياً خلال شهر فبراير (شباط) 2026، مع تحقيقها نمواً سنوياً لافتاً بنسبة 15.1 في المائة، في مؤشر يعكس تسارع وتيرة التنويع الاقتصادي، وتعزيز قدرة المملكة على تنمية مصادر دخلها بعيداً عن النفط.

ويأتي هذا النمو مدعوماً بتوسع القاعدة الإنتاجية وارتفاع تنافسية المنتجات الوطنية، إلى جانب استمرار الجهود الحكومية الرامية لدعم الصادرات وفتح أسواق جديدة، ما يُعزز مكانة السعودية لاعباً متنامياً في التجارة العالمية.

ويعكس هذا الارتفاع أيضاً مرونة الاقتصاد السعودي في مواجهة التحديات العالمية، بما في ذلك اضطرابات سلاسل الإمداد والتقلبات الجيوسياسية؛ حيث استطاعت الصادرات غير النفطية الحفاظ على مسار نمو إيجابي مدعوماً بزيادة الطلب من الأسواق الإقليمية والدولية.

حراك تجاري

وكشفت البيانات الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء في السعودية، الخميس، عن تسجيل الصادرات غير النفطية (التي تشمل السلع الوطنية وإعادة التصدير) نمواً قوياً بنسبة 15.1 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق. ويعكس هذا الارتفاع الإجمالي حالة الحراك التجاري المتزايد في المملكة.

وفي تفاصيل الأرقام، أظهرت الصادرات الوطنية غير النفطية (باستثناء إعادة التصدير) نمواً مطرداً بنسبة 6.3 في المائة، وهو ما يُشير إلى استمرار توسع القاعدة الإنتاجية للصناعة السعودية وقدرتها على النفاذ للأسواق العالمية. إلا أن المحرك الأكبر للنمو الإجمالي في القطاع غير النفطي كان نشاط إعادة التصدير، الذي حقق قفزة استثنائية بلغت 28.5 في المائة خلال الفترة نفسها.

وقد تركز هذا النشاط بشكل كثيف في قطاع «الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية»، الذي سجل نمواً منفرداً في هذا البند بنسبة 59.9 في المائة، ما جعل المملكة مركزاً لوجستياً نشطاً لتداول هذه المعدات في المنطقة.

الصادرات الكلية

وعلى صعيد الصادرات الكلية، بلغت القيمة الإجمالية للصادرات السلعية (النفطية وغير النفطية) 99 مليار ريال (نحو 26.4 مليار دولار)، بزيادة سنوية قدرها 4.7 في المائة.

وفي حين سجلت الصادرات النفطية نمواً طفيفاً بنسبة 0.6 في المائة، فإن حصتها من إجمالي الصادرات تراجعت لتستقر عند 68.7 في المائة، ما يفسح المجال أمام القطاعات غير النفطية لتلعب دوراً أكبر في الميزان التجاري.

الواردات

وفي جانب الواردات، سجلت المملكة ارتفاعاً بنسبة 6.6 في المائة، لتصل قيمتها إلى 76 مليار ريال (نحو 20.27 مليار دولار)، وهو ما أدى بدوره إلى انخفاض طفيف بنسبة 1 في المائة في فائض الميزان التجاري، ليبلغ 23 مليار ريال (نحو 6.13 مليار دولار).

وعند تحليل السلع القائدة، برزت الآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية بوصفها أهم السلع التصديرية غير النفطية، مستحوذة على 25.5 في المائة من الإجمالي، تليها منتجات الصناعات الكيميائية التي واصلت أداءها القوي بنمو قدره 17.6 في المائة.

ومن حيث الشراكات الدولية، فقد حافظت الصين على موقعها بوصفها شريكاً تجارياً أول للمملكة، مستحوذة على 13.7 في المائة من إجمالي الصادرات، و29.8 في المائة من إجمالي الواردات، تلتها الإمارات واليابان.

المنافذ الحيوية

لوجستياً، لعبت المنافذ الحيوية للمملكة دوراً محورياً في تسهيل هذه التدفقات؛ حيث تصدر ميناء الملك عبد العزيز بالدمام منافذ دخول الواردات بحصة قاربت الربع، في حين برز مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة بوصفه أبرز نافذة للتصدير غير النفطي بحصة 18.9 في المائة.

حاويات في موانئ السعودية (واس)

السياسات الاقتصادية

وقال المختص في الشأن الاقتصادي أحمد الشهري لـ«الشرق الأوسط»، إن الأرقام أظهرت زيادة ملحوظة في صادرات المملكة غير النفطية بنسبة 15.1 في المائة خلال فبراير الماضي، وهو ارتفاع يُشير إلى نمو في هذه القطاعات، ويعكس جهود البلاد في تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط.

وأكد الشهري، أن هذا النمو جاء نتيجة تحسين السياسات الاقتصادية، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الصناعية والخدمية، وتوسيع العلاقات التجارية مع الدول الأخرى.

وأوضح أن تنويع مصادر الدخل الاقتصادي أسهم في الأداء القياسي للصادرات غير النفطية، مدعومة بسلسلة من الإجراءات والأنظمة والتشريعات المحفزة للقطاع الخاص المحلي، ما انعكس على أداء الإنتاج والتصدير إلى الأسواق العالمية.

القاعدة الصناعية

وأكمل الشهري أن هذا الأداء يعود إلى عدة عوامل، أبرزها توسّع القاعدة الصناعية، وتحسن تنافسية المنتجات الوطنية، إلى جانب الجهود الحكومية في دعم الصادرات عبر برامج تحفيزية، وتسهيل الوصول إلى الأسواق الخارجية.

ووفق الشهري، فإن نمو إعادة التصدير يُعزى إلى موقع المملكة الاستراتيجي بوصفه مركز عبور للسلع، خصوصاً الآلات والمعدات نحو الخليج، إضافة إلى اتفاقيات التجارة وتسهيلات الجمارك، وهذا النمو يعكس الطلب الإقليمي، وبشكل خاص، للمشروعات الصناعية والرأسمالية. وتشير هذه البيانات إلى تحسن الإنتاج المحلي في قطاعات التصنيع.

التسهيلات اللوجستية

من ناحيته، ذكر المختص في الاقتصاد، أحمد الجبير لـ«الشرق الأوسط»، أن الصادرات غير النفطية تعيش طفرة كبيرة مصحوبة بالمحفزات الوطنية التي أسهمت في هذا الأداء المميز، وتوسيع انتشار المنتجات السعودية في الأسواق الدولية، نتيجة التسهيلات اللوجستية عبر جميع منافذ المملكة.

وتظهر الأرقام نمواً لافتاً للصادرات غير النفطية التي تؤكد مسار المملكة الصحيح في نهجها المرسوم نحو تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على منتج القطاع النفطي، وهو دليل على متانة الاقتصاد السعودي الذي بات يتصدى لكل الصدمات العالمية، حسب الجبير.

وأضاف أن نمو الصادرات السعودية غير النفطية بنسبة 15.1 في المائة يعكس استمرار التحول الهيكلي الذي يقوده الاقتصاد السعودي بعيداً عن الاعتماد التقليدي على النفط؛ حيث باتت القطاعات الصناعية والتصديرية غير النفطية أكثر قدرة على اقتناص الفرص في الأسواق العالمية.

واستطرد الجبير: «كما يُشير هذا النمو إلى نجاح السياسات المرتبطة بتنمية المحتوى المحلي، وتعزيز سلاسل الإمداد، ما أسهم في رفع القيمة المضافة للمنتجات السعودية وزيادة حضورها في التجارة الدولية».


رئيس وزراء السويد: اقتصادنا مهدد بتداعيات الحرب... ومستعدون لتدخلات مالية إضافية

أشخاص في ساحة هوثورغيت بوسط استوكهولم (رويترز)
أشخاص في ساحة هوثورغيت بوسط استوكهولم (رويترز)
TT

رئيس وزراء السويد: اقتصادنا مهدد بتداعيات الحرب... ومستعدون لتدخلات مالية إضافية

أشخاص في ساحة هوثورغيت بوسط استوكهولم (رويترز)
أشخاص في ساحة هوثورغيت بوسط استوكهولم (رويترز)

أكد رئيس الوزراء السويدي، أولف كريسترسون، يوم الخميس، أنَّ اقتصاد بلاده مرشُّح للتأثر بشكل كبير بالصراع الدائر في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أنَّ متانة الوضع المالي للدولة تتيح للحكومة الاستعداد لاتخاذ مزيد من الإجراءات لدعم الاقتصاد عند الحاجة.

واتخذت الحكومة اليمينية، التي تستعدُّ لخوض الانتخابات العامة في منتصف سبتمبر (أيلول)، خطوات لتخفيف أثر ارتفاع أسعار الطاقة، شملت إقرار زيادة مؤقتة في دعم الكهرباء بقيمة 2.4 مليار كرونة (260 مليون دولار)، إلى جانب خفض ضرائب الوقود بنحو 1.6 مليار كرونة، وفق «رويترز».

وقال كريسترسون، خلال مؤتمر صحافي: «لدينا الجاهزية والقدرة على اتخاذ مزيد من الإجراءات»، مضيفاً: «اقتصادنا في وضع قوي يتيح لنا التدخل عند الضرورة».

كما تقدَّمت السويد، التي تتمتع بمستويات دين عام منخفضة مقارنة بمعظم الدول الأوروبية، بطلب إلى الاتحاد الأوروبي للحصول على موافقة لخفض إضافي في ضرائب الوقود بنحو 8 مليارات كرونة.

وفي السياق ذاته، أشار محافظ البنك المركزي السويدي، إريك ثيدين، إلى أنَّ مخاطر ارتفاع التضخم بوتيرة تفوق التوقعات السابقة لبنك «ريكسبانك» قد ازدادت، في ظلِّ التأثيرات السلبية للحرب في الشرق الأوسط على سلاسل الإمداد، والاقتصاد العالمي.

ورغم ازدياد حالة عدم اليقين بشأن مسار التضخم والنمو، فإنَّ بيانات أظهرت صدرت في وقت سابق من هذا الشهر بقاء معدلات التضخم منخفضة خلال مارس (آذار)؛ ما يمنح البنك المركزي هامشاً أوسع للمناورة في سياسته النقدية على المدى القصير.

في غضون ذلك، استقرَّ سعر خام برنت، المعيار العالمي للنفط، فوق مستوى 100 دولار للبرميل خلال التعاملات الآسيوية يوم الخميس، بعدما عاد إلى تسجيل مستويات ثلاثية الأرقام في الجلسة السابقة لأول مرة منذ أسبوعين.

من جانبها، أوضحت وزيرة المالية، إليزابيث سفانتسون، أنَّ السويد قد تضطر إلى خفض استهلاك الطاقة إذا طال أمد الصراع في الشرق الأوسط، مؤكدة في الوقت نفسه أنَّ تقنين البنزين لن يكون الخيار الأول.

وأضافت: «هذا السيناريو نسعى جاهدين لتفاديه».


بعد إغلاق «هرمز»: مخاوف أمن الممرات تضع مضيق ملقة الأكثر ازدحاماً تحت المجهر

سفينة حاويات تدخل مضيق سنغافورة باتجاه مضيق ملقة (رويترز)
سفينة حاويات تدخل مضيق سنغافورة باتجاه مضيق ملقة (رويترز)
TT

بعد إغلاق «هرمز»: مخاوف أمن الممرات تضع مضيق ملقة الأكثر ازدحاماً تحت المجهر

سفينة حاويات تدخل مضيق سنغافورة باتجاه مضيق ملقة (رويترز)
سفينة حاويات تدخل مضيق سنغافورة باتجاه مضيق ملقة (رويترز)

أجبر إغلاق مضيق «هرمز» صُنّاع السياسات في آسيا على إعادة طرح تساؤلات تتعلق بأمن الممرات البحرية الحيوية الأخرى، بما في ذلك مضيق ملقة، الذي يُعدُّ الأكثر ازدحاماً في العالم.

ما هو مضيق ملقة؟

يمتد مضيق ملقة لمسافة نحو 900 كيلومتر، وتحيط به إندونيسيا وتايلاند وماليزيا وسنغافورة، ويُعدُّ أقصر مسار ملاحي يربط شرق آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا.

ويُقدِّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أنَّ نحو 22 في المائة من التجارة البحرية العالمية تمرُّ عبر هذا الممر الحيوي، بما في ذلك شحنات النفط والغاز المتجهة من الشرق الأوسط إلى اقتصادات كبرى مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية، ذات الطلب المرتفع على الطاقة، وفق «رويترز».

وتشير إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أنَّ مضيق ملقة هو أكبر «ممر لعبور النفط» في العالم، والوحيد الذي تتجاوز فيه كميات النفط المنقولة ما يمرُّ عبر مضيق «هرمز».

وخلال النصف الأول من عام 2025، مرَّ عبر المضيق نحو 23.2 مليون برميل يومياً من النفط، ما يمثِّل 29 في المائة من إجمالي التدفقات النفطية المنقولة بحراً. وفي المقابل، جاء مضيق «هرمز» في المرتبة الثانية بنحو 20.9 مليون برميل يومياً.

وأظهرت بيانات إدارة الملاحة البحرية في ماليزيا أنَّ أكثر من 102500 سفينة، معظمها تجارية، عبرت مضيق ملقة في عام 2025، مقارنة بنحو 94300 سفينة في عام 2024. وتشمل هذه الأرقام عدداً كبيراً من ناقلات النفط، رغم أنَّ بعض السفن العملاقة تتجنب المضيق؛ بسبب قيود العمق، متجهةً إلى مسارات بديلة جنوب إندونيسيا.

ورغم أنَّ هذه المسارات البديلة تتيح تجاوز المضيق في حال إغلاقه، فإنها تؤدي إلى إطالة زمن الرحلات، ما قد ينعكس على تأخير الشحنات وارتفاع التكاليف.

ما أبرز المخاوف المتعلقة بالمضيق؟

في أضيق نقاطه ضمن قناة فيليبس بمضيق سنغافورة، لا يتجاوز عرض مضيق ملقة 2.7 كيلومتر، ما يجعله نقطة اختناق بحرية حساسة، إضافة إلى مخاطر التصادم أو الجنوح أو تسرب النفط.

كما أنَّ أجزاء من المضيق ضحلة نسبياً، بعمق يتراوح بين 25 و27 متراً، ما يفرض قيوداً على عبور السفن العملاقة. ومع ذلك، تستطيع حتى ناقلات النفط العملاقة التي يتجاوز طولها 350 متراً وعرضها 60 متراً وغاطسها 20 متراً المرور عبره.

وعلى مدى سنوات، تعرَّض المضيق لحوادث قرصنة وهجمات على السفن التجارية. ووفق «مركز تبادل المعلومات»، التابع لاتفاقية التعاون الإقليمي لمكافحة القرصنة والسطو المسلح على السفن في آسيا، سُجِّلت 104 حوادث إجرامية على الأقل العام الماضي، مع تراجعها خلال الرُّبع الأول من العام الحالي.

ويكتسب المضيق أهميةً استراتيجيةً خاصةً بالنسبة للصين، إذ يمرُّ عبره نحو 75 في المائة من وارداتها من النفط الخام المنقول بحراً من الشرق الأوسط وأفريقيا، وفق بيانات شركة «فورتكسا» لتتبع ناقلات النفط.

ويشير «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» إلى أنَّ أزمة إيران أعادت تسليط الضوء على مخاوف قديمة تتعلق بتأثر ممرات حيوية مثل ملقة في حال اندلاع صراعات في بحر الصين الجنوبي أو مضيق تايوان، حيث تمرُّ نحو 21 في المائة من التجارة البحرية العالمية.

كما تشير السلطات في ماليزيا إلى أنَّ مضيق ملقة أصبح أيضاً بؤرة متنامية لعمليات نقل غير قانونية للنفط بين السفن في عرض البحر؛ بهدف إخفاء مصدر الشحنات.