السريالية... فلسفة الحرية

أصبحت موضة دارجة لا يخلو منها أي عمل فني أو ديوان شعري

أندريه بريتون - سلفادور دالي
أندريه بريتون - سلفادور دالي
TT

السريالية... فلسفة الحرية

أندريه بريتون - سلفادور دالي
أندريه بريتون - سلفادور دالي

ليس من السهل تبسيط النظريات الفلسفية المعقدة كالدادائية والسوريالية، ولكننا سنحاول ذلك. ومعلوم أنهما ظهرتا وراء بعضهما البعض في بدايات القرن العشرين، بل كانت الثانية بنت الأولى وامتداداً لها. فلا سريالية من دون دادائية. ولكن ما معنى هذه المصطلحات الهجينة والغريبة على الأذن العربية؟
لقد ظهرت الحركة الدادائية عام 1916 في مدينة زيوريخ بسويسرا على يد الكاتب تريستان تزارا. وكانت في البداية عبارة حركة عبثية فوضوية في مجال الفن والأدب عموما. وقد تشكلت بشكل عفوي أو عشوائي كرد فعل على مجازر الحرب العالمية الأولى. ومعلوم أنه سقط فيها ملايين البشر بين قتلى وجرحى ومعطوبين ومقعدين. ولذلك شعر الكتاب الأوروبيون بالغضب العارم تجاه هذه المذبحة الكبرى وقرروا الخروج على المألوف ومعارضة كل التقاليد الشائعة في المجتمع الأوروبي للتعبير عن غضبهم وتمردهم. فهذه التقاليد هي التي أدت إلى الكارثة في نظرهم. وبالتالي فيحق الخروج عليها. وهنا نلتقي بمشكلة العلاقة بين السياسة والثقافة. فكما أن المثقفين العرب هاجوا وماجوا بعد هزيمة 5 يونيو (حزيران) فإن مثقفي أوروبا جن جنونهم أيضا بعد مجزرة الحرب العالمية الأولى.
ولذلك قرروا الخروج على العقلانية الكلاسيكية في الأدب والفن لأن العقل لم يستطع أن يمنع اندلاع الحرب وقتل ملايين الشباب الأوروبي في معارك طاحنة وعبثية في آن معا. هذا هو الباعث الأول لتشكيل الحركة. وقد سموها «دادا» بشكل عشوائي أيضا لأنهم عندما كانوا مجتمعين في مقهى «فولتير» بزيوريخ فتحوا القاموس هكذا لا على التعيين فوقعوا على كلمة «دادا» فسموا حركتهم بها. وبالتالي فالعملية كلها اعتباطية أو عبثية من أولها إلى آخرها. ولكن العبثية تحتوي أحياناً على شحنات تحريرية هائلة. العبثية هنا تعني الفوضى المبدعة الخلاقة. وهذا ما كانوا يبتغونه. فليس بالعقل الصارم وحده يحيا الإنسان. العقل أحيانا قد يعني الاعتقال. ولذا فإن شطحات الخيال الجنونية أكثر ملاءمة للإبداع الأدبي من العقل الناشف أو العقلانية الضيقة. إنها وقود الشعر والنثر على حد سواء. ويوميا قد تحتاج لأن تعيش، ولو لثوان، لحظات سريالية، مرتفعا فوق سطح هذا الواقع الكئيب الباهت. شكراً إذن للشطحات الخيالية، شكرا للحظات السريالية.
المهم أن هؤلاء القوم قالوا في بيانهم التأسيسي إن الحركة الدادائية تهدف إلى التحرر من كل القيود المرهقة والأعراف الاجتماعية الامتثالية. إنها دعوة للانطلاق والحرية في الكتابة الأدبية أو الرسم التشكيلي أو أي تعبير آخر عن الواقع والوجود. وقالوا إن عبثية الحرب العالمية الأولى ينبغي أن تقابلها عبثية أخرى على صعيد الأدب والفن. والواقع أن الحركة الدادائية كانت عبارة عن رد فعل على قيم الحضارة الغربية بمجملها.
وهي قيم ترتكز على أساس العمل في المصانع من الصباح إلى المساء، وعلى النظام الصارم بل وشبه العسكري لهذا العمل بالذات. وقال مؤسسو الحركة إنهم قرروا الإضراب عن العمل والعيش بشكل هامشي والتسكع في الطرقات والدروب والعيش في الحانات. وهكذا ثاروا على المجتمع البورجوازي بكل قيمه الراسخة وأصبحوا يجدون الجميل قبيحا والقبيح جميلا على طريقة بودلير أو رامبو. ألم يقل رامبو في ديوانه الشهير فصل في الجحيم: «لقد أجلست الجمال على ركبتي ووجدته مريرا وشتمته»؟ ألم يعبر بودلير عن «أزهار الشر» أفضل تعبير؟ ألم ينزل إلى الطبقات السفلى للجحيم؟
وبالتالي فالحركة العبثية أو الفوضوية في الفن والشعر ظهرت قبل الدادائية وتجد جذورها عند رامبو المشهور بأنه كان أكبر متمرد وأزعر في التاريخ (هذا إذا ما استثنينا لوتريامون الذي فاقه جنونا وعبثية). وبالتالي فالحركة الدادائية هي في الأصل حركة تبحث عن الانعتاق والحرية. إنها مفعمة بالتمرد على كل شيء. ولكن هذه الحركة لم تدم طويلا، والشاعر الفرنسي أراغون يعتبر أنها انتهت بعد خمس سنوات من تأسيسها أي عام 1921 - 1922. ثم أردف قائلا إن قصائد تريستان تزارا أسكرتني وأنعشتني طيلة حياتي كلها.
وبعد موت الدادائية جاء دور السريالية التي كانت استمرارية لها مع بعض التوسيع والتنويع والتعميم. والواقع أن السريالية كانت هي الأقوى والأكثر رسوخاً وانتشاراً في العالم. فلا يزال هناك أدب سوريالي أو فن تشكيلي سوريالي حتى الآن. في حين أنه لم يعد هناك أدب دادائي.
لقد انتهى عهد ترستان تزارا وجاء عهد أندريه بريتون الذي أسس الحركة السريالية في باريس عام 1924: أي بعد موت الحركة الدادائية بسنتين فقط. فقد نشر في ذلك العام البيان السريالي الشهير الذي لا يقل خطورة عن البيان الشيوعي. وفيه يقول ما معناه إن السريالية تعتقد بوجود واقع يتجاوز الواقع الحالي الذي نراه ويتفوق عليه. إنه واقع ما فوق الواقع (وهذا هو المعنى الحرفي لكلمة سريالية باللغات الأجنبية). إنه واقع الحلم والشرود الذهني والتوترات النفسية اللاواعية بذاتها.
وهذا الواقع الذي يتجاوز الواقع هو ما كان السابقون قد تجاهلوه وأهملوه. وبالتالي فإننا نكتشفه من جديد ونعيد إليه الاعتبار. والكتابة ناتجة عن هذا الواقع العُلوي، واقع الحلم والهيجانات النفسية وليس الواقع العقلاني الذي نراه أو نصطدم به كل يوم. بمعنى آخر فإن السريالية تعبر عن الوعي الباطني العميق لا الوعي الظاهري السطحي.
لهذا السبب خلع أندريه بريتون المشروعية على الكتابة الأتوماتيكية التي تسرح وتمرح، لا رادع لها ولا وازع. وهي كتابة حرة، منفلشة، تسير على هواها من دون قيود أو حدود. إنها الكتابة التي تفلت من سيطرة العقل الواعي الذي يشبه الشرطي المسلط فوق رأسك من حيث المراقبة والقمع. والعقل الواعي الجمعي هو العقل الامتثالي السائد. إنه العقل الإرهابي للمجتمع الذي جنن فان غوخ ودفعه إلى الانتحار دفعا. انظروا لكتاب أنطونين آرتو: «فان غوخ، منحور المجتمع». ومعلوم أن آرتو ذاته جننه المجتمع أيضا. بل وجنن عباقرة آخرين عديدين. المجتمع أحيانا قاس لا يرحم.
على هذا النحو راحت الحركة السريالية تشق طريقها وتسيطر على الأجواء الأدبية والفنية الباريسية طيلة العشرينات وحتى الخمسينات من القرن الماضي. بل وأصبحت موضة دارجة لا يخلو منها أي عمل فني أو ديوان شعري أو كتابة أدبية أيا تكن. فبيكاسو في مجال الفن التشكيلي كان سرياليا أيضا أو قل مر بالمرحلة السوريالية قبل أن يتجاوزها إلى مدارس أخرى. وقل الأمر نفسه عن سلفادور دالي الذي كان يجسد الجنون الكامل في الرسم والفن. وقد أطلق لمواهبه وبواعثه الدفينة العنان وأنتج لوحات سريالية رائعة لا تزال تدهشنا حتى الآن.
والواقع أن السريالية تعني في أحد معانيها تحرير الطاقات الدفينة الكامنة في أعماقنا والمقموعة من قبل المجتمع الذي نعيش فيه. وهذا هو أجمل معنى للسريالية. فالمجتمع يمنعنا من الانطلاق، من التعبير الحر عن كل ما يجول في خاطرنا بحجة أنه نجس أو شاذ أو مجنون أو غير طاهر أو لا أخلاقي، الخ. السريالية تقول لنا: تحرروا من كل ذلك، عبروا عن أنفسكم، انطلقوا، لا تترددوا في كتابة حتى الأشياء المخجلة التي قد تخطر على ذهنكم حتى ولو صدمت المجتمع. نعم إن الموقف السريالي هو موقف تحد تجاه المجتمع. نعم إنه يهدف إلى تحرير الطاقات المخزونة والتعبير عن أشياء ما كان أحد يتجرأ على البوح بها سابقا وفي طليعتها الأشياء الجنسية.
هذا وقد اعتمد السرياليون على مرجعيات أدبية وشعرية كبرى تعود إلى القرن التاسع عشر من أجل تدعيم حركتهم الفنية الجديدة. ومن أهم هذه المرجعيات الشاعر جيرار دونيرفال الذي مات مجنونا بل ومنتحرا في عز شبابه. شنق نفسه على عمود كهرباء في ساحة شاتليه وسط العاصمة الفرنسية. ومعلوم أنه خلّف وراءه كتابات رائعة يختلط فيها الحلم، بالذكرى الوهمية، بالجنون. وربما كان هو أول من اخترع مصطلح السريالية أو بالأحرى ما فوق الطبيعية. فقد كان يعتقد بوجود عالم آخر غير هذا العالم الطبيعي الواقعي الذي نعيش فيه. إنه عالم ما فوق طبيعي أو ما فوق واقعي. إنه عالم يقف وراء هذا العالم مباشرة. ثم تبنى السرياليون أيضا شاعرا منبوذا جدا هو: لوتريامون.
ومن مرجعيات السرياليين أيضا الشاعر الكبير آرثر رامبو الذي دعا إلى تغيير الحياة. ومعلوم أن ديوانه المدعو «بالإشراقات» مليء بالأشعار الغامضة والصور المتفككة التي تعبر عن اختلاجات الوعي الباطني والتي تخرج على منطق المعنى المتماسك كليا. بمعنى آخر فإنه ديوان لا معنى له أو يصعب أن تعثر فيه على معنى متماسك. من هنا جاذبيته التي لا تضاهى.
ومن مرجعياتهم أيضا فرويد بالطبع لأنه اكتشف منطقة اللاوعي: أي تلك القارة السحيقة والمظلمة من أعماق الإنسان. بل ومن مرجعياتهم كارل ماركس الذي قال: «من قديم الزمان والفلاسفة مشغولون بتفسير العالم، وقد آن الأوان لتغييره». وبالتالي فالحركة السريالية هي حركة ثورية راديكالية على كل الأصعدة والمستويات: أي على صعيد التعبير الشكلي، واللغة، والأسلوب، والفن التشكيلي.
كما أنها ثورية على مستوى الأفكار والمضامين. ولهذا السبب جذبت إليها شعراء كبارا ليس أقلهم رينيه شار، وأراغون، وبول ايلوار، وسواهم عديدين. بل وحتى السينما أصبحت سريالية.
ثم انتقلت الحركة الباريسية إلى شتى أنحاء العالم. فهناك سريالية فرنسية وألمانية وروسية بل وحتى عربية... الخ. هذا وقد عشنا لحظات سريالية كثيرة في باريس أيام زمان. وساعدنا ذلك على التحرر من القمع الشرقي الرهيب الذي كان يلاحقنا ويمنعنا من الانطلاق والانعتاق. تحررنا من تربية ذلك الشيخ المتزمت المظلم الذي كان عبقرياً في فن القمع والكبت والإرهاب. هل سنمضي عمرنا كله في محاولة التخلص منه؟



«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان
TT

«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان

تنطلق اليوم (الأربعاء) في الرياض الدورة الأولى من «ملتقى نالا للسرد»، بمشاركة عدد من الأدباء والنقاد والباحثين والمبدعين. وتنظّم جمعية آداب وفنون السرد «نالا» الملتقى على مدى يومين.

وتُخصَّص باكورة دورات الملتقى للقصة القصيرة، التي تحمل اسم «دورة القاص محمد علي علوان»، للاحتفاء بتجربة أحد رواد القصة السعودية، وما قدَّمه من منجز أدبي أسهم في إثراء المشهد السردي المحلي.

وقال يوسف المحيميد، رئيس مجلس إدارة الجمعية والمشرف العام على الملتقى، إن الدورة الأولى تجمع عدداً من الأدباء والأكاديميين والكتّاب والمهتمين بالسرد، مشيراً إلى أن اختيار تجربة القاص علوان يأتي وفاءً لمنجزه الإبداعي وإسهاماته في تطور القصة السعودية. وأكد أن الملتقى يسعى إلى فتح مساحات للحوار والنقد في التحولات التي يشهدها هذا الفن الأدبي، وقضاياه الفنية والجمالية.

ويحتفي الملتقى في برنامجه بالأديب السعودي محمد علي علوان، أحد أبرز كتّاب القصة القصيرة في السعودية، الذي توفي في أغسطس (آب) 2024 عن عمر ناهز 73 عاماً.

وُلد محمد علوان في أبها عام 1950، وحصل على درجة البكالوريوس في الأدب العربي من كلية الآداب بجامعة الملك سعود عام 1974. وعمل في وزارة الإعلام منذ تخرجه، وتولى الإشراف الثقافي في عدد من الصحف والمجلات، كما شغل منصب وكيل الوزارة لشؤون الإعلام الداخلي.

نشر الراحل 6 مجموعات قصصية، وأشرف على الصفحات الثقافية في كل من مجلة «اليمامة» وصحيفة «الرياض» لسنوات عدّة. كما شارك في أمسيات قصصية نظَّمتها الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون، وكان عضواً مؤسساً في «مؤسسة عسير للصحافة والنشر».

ويتضمن الملتقى عرضاً مرئياً يتناول جوانب من سيرة القاص الأدبية، إلى جانب تكريمه وتدشين أعماله الكاملة، بما يسهم في توثيق تجربته وإبراز أثرها في مسيرة القصة السعودية.

وإلى جانب الاحتفاء بمسيرة الأديب السعودي علوان، يشتمل البرنامج العلمي في يومه الأول على قراءات نقدية تتناول تجربته، وجلسات تبحث الخصائص الفنية للقصة المعاصرة والثيمات البارزة في القصة القصيرة، إضافة إلى تقديم عدد من الشهادات والتجارب الإبداعية في مجال الكتابة القصصية.

ويبحث المشاركون في اليوم الثاني أثر التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة، وحضور المدينة في السرد القصصي السعودي المعاصر، من خلال أوراق ومداخلات يقدّمها عدد من النقاد والباحثين والمبدعين، بينما تُختتم أعمال الدورة بإعلان التوصيات.

وأنهت اللجان التنظيمية والفنية والإعلامية استعداداتها لانطلاق الملتقى واستقبال المشاركين والضيوف، في خطوة تسعى الجمعية من خلالها إلى ترسيخه منصةً للحوار في فنون السرد، ودعم حضور القصة السعودية ومبدعيها في المشهد الثقافي.


من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري
TT

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة، فإن الجيل الذي سمّي بجيل السبعينات في لبنان هو أحد أكثر الأجيال تميزاً في الدور، وثراءً في التجربة، وتمزقاً بين الخيارات.

على أن الطالع الدراماتيكي لأبناء ذلك الجيل، قد شاء لهم وهم في أوج التفتح أن يشهدوا بأمّ أعينهم هزيمة يونيو (حزيران) عام 1967، وقصف مطار بيروت بعدها بعام واحد، ومظاهرات أبريل (نيسان) الصاخبة بعدها بعامين، وأن يواكبوا في الآن ذاته صعود المقاومة الفلسطينية وحركة اليسار الجديد، بما جعلهم يقفون على التخوم الفاصلة بين لبنانين متبايني الهوية والدور، قبل أن يقضي الاثنان معاً على مذبح التناحر الأهلي.

عقل العويط

وحيث كان من الطبيعي أن تحتضن الجامعة اللبنانية في تلك الفترة الكثرة الكاثرة من أبناء الفقراء والبورجوازية الصغيرة، وفق التصنيف الماركسي التقليدي، وأن تتحول بالتالي إلى بؤرة للتغيير وحركات الاحتجاج على ما اعتُبر آنذاك فساد السلطة وخنوعها ومواقفها السياسية المتخاذلة، فإن كلية التربية بالذات كانت «درة» التاج الجامعي، وواسطة عقده الأثمن.

ولا يعني ذلك أن كل المنتسبين إلى الكلية، كانت لديهم الأهداف ذاتها والطموح إياه، حيث إن بعض الملتحقين بها لم يروا فيها سوى المحطة التي لا بد من اجتيازها، للالتحاق بسلك التعليم الثانوي، الذي يوفر لهم الحد المقبول من الاستقرار والأمن المعيشي. إلا أن البعض الآخر راهنوا من خلالها على ما يتعدى الجانب الدراسي التقليدي، مؤثرين تحويلها إلى واحة متنوعة للتحصيل المعرفي، وإلى مساحة لتلاقح الأفكار، وإلى حاضنة مثلى لمغامرة التجديد وتيارات الحداثة الوافدة.

علوية صبح

على أن الدور الذي أنيط بالكلية، لم يأت من الفراغ المحض ولم يكن وليد الصدفة المجردة، بل تضافرت على تحقيقه عوامل عدة، بينها الامتحانات الجدية والنزيهة، التي كان على الطلاب المتبارين خوضها، لكي يحظوا بفرصة الالتحاق بالكلية. وبينها أن المقبولين من الطلاب كانوا قادمين من كافة مدن البلاد وقراها، ومن مناطقها الزراعية وأطرافها النائية، بما حوّل الكلية إلى وطن مصغر، تتفاعل بين ظهرانيه صفوة منتقاة من الطلبة المتفوقين، وأصحاب المواهب الفتية، والمخيلات الباحثة عن التفتح.

كما أن المنحة المالية التي كان يتقاضاها الطلبة المنتسبون للكلية، قد لعبت دوراً غير قليل في جعلها تتبوأ دورها الريادي بين كليات الجامعة الأخرى. ليس فقط لأنها تمنح هؤلاء مكافأة مادية لا توفرها أي مؤسسة أكاديمية مماثلة، بل لأن إعفاء الطلاب من مشقة البحث عن وظيفة أو مهنة توفر لهم سبل العيش، هو ما أتاح لهم التفرغ الكلي للدراسة، بقدر ما أتاح للكلية أن تتحول إلى ورشة دائمة للتفاعل الثقافي والفكري بين مكوناتها المختلفة.

حسن داود

لم تعد الكلية بهذا المعنى مجرد مؤسسة رسمية لتدريب الطلاب وتهيئتهم لمهنة التعليم، وهي التي حملت عند تأسيسها عام 1951 اسم «دار المعلمين العليا»، بل تمكنت بعد ذلك بسنوات من أن تتجاوز دورها الأساسي، لتتحول إلى منارة ثقافية حقيقية، وإلى مشروع فريد للتغيير وصناعة المستقبل. اللافت بهذا الخصوص أن ما حدث في بيروت الستينات والسبعينات، قد حدث ما يشبهه تماماً في بغداد الأربعينات، إذ كانت دار مماثلة لإعداد المعلمين، تضم بين جنباتها كلاً من بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة، وتهيئ لهم الفرصة النموذجية والنادرة لإطلاق مشروع الحداثة الرائد، الذي لم يشهد الشعر العربي مثيلاً له عبر تاريخه.

ومع أن الفضل في ما أصبحت عليه الكلية، بنسختها اللبنانية، كان عائداً من بعض وجوهه إلى النخبة المنتقاة من أساتذتها، بينهم أدونيس وخليل حاوي وخالدة سعيد وأنطون غطاس كرم وأنيس فريحة والمطران جورج خضر ويمنى العيد وعلي شلق وريمون جبارة وميشال عاصي وغيرهم، فإنه كان عائداً من وجوه أخرى لنضالات الحركة الطلابية اللبنانية، كما للصفوة المختارة من الطلاب، الذين كان كلٌّ منهم يرسم للكلية دوراً يتجاوز دورها الأكاديمي، ويجعل منها صورة مصغرة عن الوطن الآخر، الذي كان يطمح لبنائه على مقاس أحلامه. ولن يعود من المستغرب تبعاً لذلك، أن يعمد العديد من الطلاب الناشطين والقياديين إلى الامتناع عن المشاركة في امتحانات نهاية العام، بهدف تمديد سنوات الدراسة لأقصى مدة ممكنة.

بول شاؤول

على أن سحر كلية التربية الفريد لم يكن متأتياً من قاعاتها الدراسية فحسب، بل كان منبثقاً بشكل خاص من ردهة الكافتيريا الواسعة، والواقعة أسفل المبنى الغربي، التي شهدت طاولاتها ومقاعدها أعمق النقاشات الفكرية والسياسية، وشهدت زواياها النائية ولادة الكثير من القصائد والنصوص النثرية، فيما شكلت من ناحية أخرى مسرحاً مناسباً لنشوء الصداقات وقصص الحب. اللافت في تلك الحقبة أن النجاح أو الفشل في نسج العلاقات العاطفية بين الطلاب والطالبات لم تكن معاييره متصلة بمنسوب الوسامة أو الثروة أو توفر السيارة والشقة السكنية، بل كان الطالب الأكثر صلة بالقراءة، والأكثراكتنازاً بالمعرفة، هو الأقدر من سواه على الفوز بقلوب الفتيات.

أما المهرجان الشعري السنوي الذي كان ينظمه ويشرف عليه بول شاوول، وآثر إعطاءه شكل المباراة بين الشعراء الشبان، فقد تحول من خلال مستوى المشاركين فيه، ولجنته التحكيمية المؤلفة من كبار الشعراء والنقاد اللبنانيين، إلى مناسبة دورية استثنائية، ينتظر انعقادها الكثيرون، ويقطع الفائز بجائزتها الخطوة الأولى على طريق الكتابة الشائك.

كلية التربية التي أُفرغت من الجدوى وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل 50 عاماً لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه

وإلى الشعراء والروائيين والمسرحيين والرسامين، كان ثمة نخبة واعدة موازية من القادة الطلابيين والمفكرين السياسيين والمناضلين من أجل التغيير. وإذا لم يكن بالمستطاع تسمية كل أولئك الذين تضافرت جهودهم لتضييق المسافة بين واقع وطنهم المتردي، وصورته المقابلة في نصوصهم ومخيلاتهم، والذين ما زال بعضهم يتصدر المشهدين الثقافي والسياسي في لبنان حتى يومنا هذا، يمكنني أن أسمي من بينهم، على سبيل المثال لا الحصر، عصام خليفة وأنور الفطايري وأنطوان سيف وبول شاوول ونصير الأسعد وإلياس عطالله وغسان شربل وجورج سمعان وإلياس خوري ورشيد الضعيف ومحمد العبدالله وعقل العويط وهاشم الأيوبي وحمزة عبود وعلوية صبح وهدى بركات وجودت فخر الدين وحسن داود وشربل داغر.

ولن تفوتني الإشارة في هذا الصدد إلى أن دور الكلية الثقافي لم يقتصر على الأنشطة الخاصة بأساتذتها وطلابها وحدهم، بل هي تعدت ذلك الدور لتجعل من قاعاتها المختلفة مساحة للثقافة والتنوير، يقف على منصاتها عشرات المبدعين اللبنانيين والعرب. وإذا كان البعض قد رأوا في وقفتهم تلك جواز مرورهم باتجاه التكريس، كما اعترف شاعر المحكية أسعد جوان، فقد استضافت الكلية سعيد عقل ومحمد الفيتوري وموريس عواد، إضافة إلى محمود درويش، الذي لم يتوان عن القول في الأمسية التي دعي لإقامتها، بأنه يشعر بالرهبة والخوف، لأنه يقف على المنبر الأكثر اتصالاً بمغامرة التجديد، معتبراً أن الأمسية تلك هي الامتحان الشعري الأصعب الذي يخوضه في حياته.

على أن ذلك الحلم الوردي لم يدم طويلاً، ليس فقط لأن الحرب الأهلية وما تلاها من كوارث قد أطاحت بجزء كبير منه، بل لأن السلطات المتعاقبة لم تستطع ابتلاع تلك الجرعة الفائضة من الحرية، وذلك المناخ غير المسبوق من الاندماج الوطني، فعملت على إجهاض التجربة من أساسها، لتقتصر مهمتها على تهيئة القادمين من الكليات الأخرى، للانخراط في مهنة التعليم، ولسنة واحدة لا أكثر، وليتوزع ما تبقى من المبنيين اللذين تشغلهما الكلية على مؤسسات جامعية أخرى. ومع ذلك فقد يبدو الأمر من بعض وجوهه، كما لو أن كلية التربية، التي أُفرغت من الجدوى، وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل خمسين عاماً، لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه، وعن الكيان الواعد الذي تعامل معه القائمون على مقدراته كغنيمة حرب، ولم يترددوا بعد ذلك في تحويله إلى حطام.


3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
TT

3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا

تبنّى الأمويون فن النحت، واعتمدوه بشكل خاص في ميدان العمارة المدنية، كما تشهد مجموعة من القطع الأثرية، أهمّها تلك التي خرجت من بين أطلال قصر يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بدأ استكشاف هذا الموقع في نهاية القرن التاسع عشر، وجرت أعمال المسح فيه خلال ثلاثينات القرن الماضي، وتبيّن أنه بُني في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على عدد كبير من التماثيل المتنوّعة، منها 3 قطع يمثل كلّ منها رجلاً مدرعاً. ويوحي هذا الزي المشترك بأن هذه الأنصاب تجسّد قامات متنوّعة من العسكر، أي من «مجتمع الجيش» كما جاء في تعريف «لسان العرب».

لم يصل أيٌّ من هذه التماثيل الثلاثة بشكل كامل للأسف، غير أن ما تبقّى منها يسمح بتحديد تكوينها الأول، واللافت أنها تمثّل اختلافاً كبيراً في بنيتها كما في أسلوبها الفني. تحضر إحدى هذه القطع على شكل قامة منتصبة فقدت رأسها. وتقابلها قامة أخرى فقدت كذلك رأسها، وبقيت منها كتلتان مهشّمتان. تمثّل القطعة الثالثة نموذجاً مغايراً، وهي على شكل تمثال نصفي يضمّ الرأس والصدر. تحاكي هذه المجسّمات من حيث الحجم المقياس الطبيعي للإنسان، ويتبنّى كلٌّ منها طرازاً فنياً خاصاً يتجلّى في الشكل الخارجي كما في الصياغة المتبعة في النقش والنحت. تتميّز القطعة الأولى بقامتها المنتصبة، وتتبنّى الطراز الكلاسيكي الروماني بشكل لا لبس فيه، ويتجلّى هذا الطراز في البنية التشريحية الخاصة بها، كما في زيّها التقليدي.

تمثّل هذه القامة رجلاً يقف بثبات، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، شاهراً بيده سيفاً سقط القسم الأعلى منه وضاع. تتدلّى الذراع اليسرى وتبدو ملتصقة بالصدر، وتمسك اليد بترس دائري زُيّن بشبكة من النقوش الزخرفية، تتكوّن من سلسلة دوائر ملتفة حول ذاتها، أكبرها شريط مزيّن بالزخارف اللولبية، يليه شريطان نحيلان مجرّدان. وتحضر في الوسط كتلة ناتئة على شكل قبّة، تعلوها سلسلة من الخطوط العمودية المرصوصة على شكل أسنان المشط. يرتدي هذا العسكري اللباس الروماني التقليدي، ومقوّماته سترة مدرّعة تنسدل وتحجب أعلى الساقين، مع حزام معقود حول الخصر. تزيّن هذه السترة 4 سلاسل من المساحات البيضاوية المرصوصة، تحاكي ما يُعرف بـ«لبوس الحديد» في «لسان العرب»، وتعلو هذه اللبوس منصات الكتف التقليدية المزيّنة بمساحات مماثلة، تنعقد على شكل سوارين عريضين حول أعلى الذراعين. يبدو هذا التمثال رومانياً من حيث الأسلوب، ويعكس نموذجاً شاع في تدمر كما في البتراء خلال القرون التي سبقت ظهور الإسلام.

اتخذ هذا النمط طابعاً محلياً نتيجة لهذا الانتشار، ويحفل الميراث الأدبي بالشواهد التي تؤكّد ذلك، منها قول أبو الأخزر الحماني: «مقلصاً بالدرع ذي التغضن/ يمشي العرضنى في الحديد المتقن». وقول عمرو بن معديكرب الزبيدي: «إن تلقَ عمراً فقد لاقيت مدرعاً/ وليس من همه إبل ولا شاء».

تأتي القطعة الثانية على شكل كتلتين منفصلتين لم يتمّ جمعهما كما يبدو. تمثّل إحدى هاتين الكتلتين الصدر، وتمثّل الأخرى الساقين، وفيهما يبدو اللباس على شكل عباءة تمتدّ حتى حدود الركبتين، كاشفة عن سروال فضفاض. يتبنّى هذا اللباس الطراز الساساني، ويعلوه شريط مضفور بسلسلة من الدوائر ينسدل حول العنق، وحزام مماثل ينعقد حول الخصر. تزين السروال شبكة متجانسة من المربّعات الملتوية تُعرف باسم «المُعين»، وتزيّن العباءة سلسلة تحاكي التعزيزات القشرية، ممّا يجعل منها قميصاً مدرّعاً، أي «قميص من حديد يلبس وقاية من السلاح»، كما يقول «لسان العرب».

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو كما أشرنا على شكل تمثال نصفي، يجسّد كما يبدو جندياً مدرّعاً يعتمر خوذة عريضة تعلوها قبة مزيّنة بشبكة من الخطوط العمودية. فقد هذا الجندي ذراعه اليمنى، وبدت ذراعه اليسرى مرفوعة في اتجاه صدره، غير أن يده تساقطت وبات من الصعب تحديد حركتها الأصلية. الوجه دائري ومكتنز، مع شاربين مقوّسين ولحية قصيرة تلتف حول ذقنه. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان، والعينان شاخصتان، وهما لوزيتان، ويتوسّط كلاً منهما بؤبؤ دائري عريض، يعلوه ثقب دائري غائر. الأنف قصير وناتئ، والثغر صغير، مع شق أفقي بسيط يفصل بين شفتيه. يماثل هذا الوجه في تكوينه الوجوه العديدة التي خرجت من قصر هشام في خربة المفجر، ويعكس نسقاً محلياً طبع النتاج الفني الأموي الخاص بميدان النحت.

تؤلّف هذه القطع المنحوتة مجموعة صغيرة تعكس صورة مختزلة لـ«مجتمع الجيش» في العالم الأموي، وتقابلها صورتان تفصيليتان من جداريات قصير عمرة في الأردن، تظهر في كلّ منها صورة عسكري يعتمر كذلك خوذة عريضة مقبّبة. يتكرّر هذا النموذج في لوح مستطيل منجز بتقنية الجص الجيري المنحوت، مصدره موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية في البادية السورية. تعلو هذا اللوح صورة فارس يظهر معتمراً خوذة مشابهة، ملتحفاً لباساً مدرّعاً، تعلوه شبكة من التعزيزات القشرية.

من ناحية أخرى، تشكّل هذه المجموعة الصغيرة رافداً من مجموعة كبيرة من الصور المنحوتة خرجت من موقع خربة المفجر في البادية الفلسطينية، وتقابل هذه المجموعة أخرى مشابهة خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. تشكل هذه الصور المنحوتة دليلاً حياً على استمرارية هذا الفن في بلاد الشام في ظل الحكم الأموي، بعد تراجعه في العهد البيزنطي، كما تؤكّد تبنّي السلطة الحاكمة لهذا التقليد في ميدان العمارة المدنية تحديداً.