أصبحت حليمة يعقوب خلال هذا الأسبوع أول امرأة وأول مسلمة تتولى منصب رئيس جمهورية سنغافورة، أحد أنشط المعاقل الاقتصادية في آسيا والعالم. يعقوب (63 سنة)، وهي محامية وسياسية نقابية عصامية، تتحدر من أصول هندية - مالاي، بينما يتحدر زوجها من أصول عربية يمنية، وتجدر الإشارة إلى أن المواطنين المتحدرين من أصول صينية يشكلون غالبية كبيرة تربو على 74 في المائة من سكان سنغافورة البالغ تعدادها السكاني أكثر بقليل من خمسة ملايين و600 ألف نسمة، في حين لا تزيد نسبة المسلمين عن 14 في المائة من السكان. ومن ناحية ثانية، يأتي تبوء حليمة يعقوب منصب الرئاسة في سنغافورة إنجازاً سياسياً إضافياً كبيراً للمرأة الآسيوية التي كانت الرائدة على مستوى العالم عندما أصبحت الزعيمة السريلانكية التاريخية سيريمافو بندرانايكه عام 1960 أول امرأة تُنتخَب ديمقراطياً لقيادة بلد في العالم.
عندما تُروى قصص النجاح لا بد أن تُذكر سنغافورة...
سنغافورة الدولة - الجزيرة، التي تُعد إحدى أصغر دول العالم مساحة وأوسعها أفقاً وأعظمها طموحاً ومنجزات، هي اليوم عملاق اقتصادي وخدماتي على مستوى العالم. ولعل هذه الدولة التي لا تزيد مساحتها عن مساحة مدينة أوروبية من الحجم تختصر في تركيبتها وتكوينها كثيراً من الأبعاد الحضارية والثقافية. فهي على سبيل المثال تحمل اسماً هندياً سنسكريتياً يعني «مدينة الأسود»، وهي تشكل جغرافياً (رغم كونها جزيرة) امتداداً لشبه جزيرة الملايو، ثم إن غالبية سكانها من الصينيين، ومنهم صانع نهضتها الحديثة رئيس وزرائها السابق لي كوان يو (1923 - 2015، حكمها بين 1959 و1990). ولكن قصة نجاحها الاقتصادية اتصلت أيضاً بالبريطانيين والحضارمة اليمنيين العرب الذين هاجروا قبل عقود كثيرة إلى جنوب شرقي آسيا، وحققوا نجاحات، وجمعوا ثروات وأسهموا في نشر الثقافتين والإسلامية والعربية في جزر الهند الشرقية وشبه جزيرة الملايو، وفيهما قامت دول إندونيسيا وماليزيا وبروناي، بجانب سنغافورة.
بطاقة هوية
وُلِدت حليمة بنت يعقوب يوم 23 أغسطس (آب) 1954 لعائلة الأب فيها هندي مسلم كان يعمل حارساً وتوفِّي عندما كانت حليمة لا تزال في الثامنة من عمرها، وأم من المالاي (سكان الملايو). ولقد ربّتها أمها التي أسهمت إسهاماً كبيراً في شحذ همتها وطموحها. أما زوجها فهو من أصول يمنية عربية اسمه محمد عبد الله الحبشي (وهو متقاعد حالياً) وأثمر زواجهما خمسة أولاد.
تميّزت حليمة منذ نعومة أظفارها بالذكاء والرغبة في التحصيل العلمي، وبالفعل التحقت باثنتين من أفضل مدارس سنغافورة الخاصة، هما مدرسة سنغافورة الصينية للبنات (أُسِّست عام 1899) ومدرسة تانجونغ كاتونغ للبنات (مدرسة إنجليزية أسست عام 1953). وبعد إكمالها دراستها الثانوية التحقت بجامعة سنغافورة الوطنية، التي تعد من أكثر جامعات آسيا تميزاً واحتراماً أكاديمياً، وفيها درست الحقوق... تخرّجت حاملة الإجازة في الحقوق عام 1978، وباشرت ممارسة المهنة بعدما دخلت نقابة المحامين السنغافورية عام 1981. ولاحقاً، حصلت على درجة الماجستير في الحقوق، ومن ثم، منحتها الجامعة نفسها درجة الدكتوراه الفخرية عام 2016.
النقابات... ثم السياسة
شقّت حليمة يعقوب طريقها صعوداً في دنيا السياسة من بوابة النقابات العمالية، إذ باشرت العمل كمسؤول قانوني في المؤتمر الوطني لنقابات العمال السنغافوري، وترقّت في عملها إلى أن أصبحت مديرة لقسم الخدمات القانونية في المؤتمر بحلول عام 1992. كما عملت نائبة للأمين العام ومديرة لأمانة التنمية النسائية والأمينة التنفيذية لنقابة لاتحاد عمال الصناعات الكهربائية والإلكترونية. ثم خلال سبع سنين، في العام 1999 عيّنت مديرة لمعهد سنغافورة للدراسات العمالية الذي يعرف اليوم باسم «معهد أونغ تينغ تشيونغ للدراسات العمالية».
وفضلاً عما سبق، انتخبت يعقوب نائبة الرئيس العمالية للجنة المعايير في المؤتمر العمالي الدولي في جنيف (سويسرا) بين عامي 2000 و2002، وكذلك عام 2005. وفي عام 2004 كانت الناطق العمالي باسم المؤتمر العمالي الدولي لشؤون تطوير الموارد البشرية والتدريب.
في المعترك السياسي
غير أن انطلاق حليمة يعقوب في المعترك السياسي جاء عام 2001 عندما انتُخِبت نائبة في مجلس النواب (البرلمان) السنغافوري عن دائرة جورونغ في وسط مدينة سنغافورة. ثم، في أعقاب الانتخابات العامة التي أُجريت في البلاد عام 2011، خطت خطوة كبرى في عالم السياسة عندما عيّنت وزيرة دولة في وزارة التنمية السكانية والشباب والرياضة. وبعد سنة واحدة، عام 2012، وعلى أثر تعديل وزاري تولّت حقيبة وزيرة دولة في وزارة التنمية المجتمعية والأسرية، كما تولّت رئاسة المجلس المحلي لمنطقة جورونغ.
وبجانب المناصب الوزارية، رشح رئيس الوزراء السنغافوري لي هسيين لوونغ يوم 8 يناير (كانون الثاني) 2013 حليمة يعقوب لخلافة مايكل بالمر في رئاسة مجلس النواب الذي اضطر للاستقالة من منصبه إثر فضيحة شخصية. ويوم 14 من الشهر نفسه انتخبت رئيسة لمجلس النواب، لتغدو أول امرأة تشغل هذا المنصب في تاريخ سنغافورة.
بعدها، في يناير 2015 ثبتت يعقوب موقعها في قيادة حزبها، حزب حركة الشعب، عندما ضمت إلى اللجنة المركزية للحزب، وهي أرفع هيئة لاتخاذ القرارات فيه. وخلال العام نفسه كانت المرشح الوحيد للحزب عن الأقليات العرقية والدينية الذي خاضت قائمته المعركة الانتخابية عن دائرة مارسيلينغ - يو تي المُستحدثة. ويومذاك فازت بمقعدها عن هذه الدائرة، وجدّدت فوزها خلال العام الحالي، قبل أن تستقيل من مناصبها الحزبية والسياسية لكي تترشح لرئاسة الجمهورية.
هذه الخطوة، أي إعلان الاستقالة من جميع مناصبها الحزبية والسياسية، اتخذتها حليمة يعقوب يوم 6 أغسطس الماضي. وكانت المعركة هذه المرة مخصّصة للمرشحين المتحدّرين من المالاي. وفي هذا السياق كانت يعقوب في نظر المراقبين والخبراء المرشح الأبرز وشبه الحتمي لحزب حركة الشعب لهذا المنصب بدعم من رئيس الحكومة لي هسيين لوونغ.
معركة الرئاسة 2017
أعطت حليمة يعقوب إشارة الانطلاق لحملتها الانتخابية في معركة رئاسة الجمهورية يوم 25 أغسطس الماضي، واستثمرت خلالها إمكانياتها في مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية المتعددة. ومع أن بعض الجهات طرحت علامات استفهام حول ما إذا كانت ارتكبت مخالفة لقوانين الانتخابات ببدئها حملتها قبل إغلاق باب الترشيحات، فإن الهيئة القانونية المختصة أوضحت أن حظر الحملات يسري حصراً على المرشحين بعد تسميتهم. كذلك شكك بعض المشككين في استقلاليتها السياسية وهي المرتبطة بفترة طويلة بحزب حركة الشعب، بل إنها لم تستقل منها إلا قبل شهر واحد من إطلاقها حملتها. لكنها ردّت على المشككين بالإشارة إلى أنها فعلت ما فعله الرئيس السابق الراحل أونغ تينغ تشيونغ الذي انطلق هو الآخر من قاعدة حزبية. ولم تتوقف الاعتراضات والتشكيكات على الجوانب الإجرائية بل شملت في بعض الحالات كفاءة يعقوب في الإدارة المالية.
مع هذا، كانت يعقوب، في نهاية المطاف المرشح الوحيد الذي استوفى شروط الترشيح، ولهذا السبب ضمنت الفوز بالمنصب ودخول التاريخ كثامن رئيس جمهورية لسنغافورة من دون الاضطرار لخوض معركة انتخابية.
موقفها من الإسلام الراديكالي
أخيراً، مما أسهم في بناء الاحترام الواسع لحليمة يعقوب على امتداد الساحة السياسية في سنغافورة انفتاحها واعتدالها وواقعيتها السياسية في بلد متعدد الثقافات والهويات. ومع أنها سياسية ونقابية مسلمة تعتز بدينها، فإنها كانت دائمة صريحة وناشطة في مواجهة الحركات الراديكالية والمتشددة التي تتوسل العنف والإرهاب. ومعروف أن منطقة جنوب شرقي آسيا شهدت عدداً من أحداث العنف الإرهابي، كتفجيرات جزيرة بالي الإندونيسية عام 2005 التي اتهم بها تنظيم «الجماعة الإسلامية»، كما تعرف منذ مدة نشاطات لحركات متشددة كحال بعض الحركات المتشددة الناشطة في جنوب الفلبين. وفي الفترة الأخيرة أطلقت يعقوب إدانات شديدة لجرائم تنظيم داعش في سوريا والعراق.
- سنغافورة في سطور
الاسم الرسمي: جمهورية سنغافورة
الموقع: سنغافورة عبارة عن جزيرة صغيرة قبالة الطرف الجنوبي لشبه جزيرة الملايو التي تشكل جزء اليابسة الآسيوية لدولة ماليزيا بجنوب شرقي آسيا
العاصمة: مدينة سنغافورة
المساحة: 719.1 كلم مربع
تعداد السكان: نحو خمسة ملايين و600 ألف نسمة
النظام السياسي: جمهوري ديمقراطي - رئيسة الجمهورية حليمة يعقوب ورئيس الوزراء لي هسيين لوونغ
الحزب الحاكم: حزب حركة الشعب
اللغات الرسمية: الإنجليزية، والمالاي، والهوايو ماندارين الصينية، والتاميلية
التوزيع العرقي للسكان: الصينيون 74.3 في المائة، المالاي 13.3 في المائة، الهنود 9.1 في المائة، آخرون 3.3 في المائة.
توزّع الهويات الدينية للسكان: البوذيون 33.2 في المائة، المسيحيون 18.8 في المائة، المسلمون 14 في المائة، التاويون (والديانات الوطنية) 10 في المائة، الهندوس 5 في المائة، ديانات أخرى 0.6 في المائة - ويعتبر 18.5 في المائة من السكان أنفسهم لا دينيين.
الناتج الوطني الإجمالي - القدرة الشرائية - وفق تقديرات 2017: 508.449 مليار دولار (المرتبة الـ39 في العالم)
معدل الفرد من الناتج الوطني: 90724 دولاراً (المرتبة الثالثة في العالم)
العملة: الدولار السنغافوري
مؤشر التنمية الإنسانية: مرتفع جداً (المرتبة الخامسة في العالم)
مؤشر جيني لتوزّع الثروة: مرتفع (المرتبة الـ30 في العالم)

