المخرج اللبناني زياد دويري بين «البطولة» و«التطبيع»

المخرج زياد دويري في مهرجان البندقية السينمائي (أ.ف.ب)
المخرج زياد دويري في مهرجان البندقية السينمائي (أ.ف.ب)
TT

المخرج اللبناني زياد دويري بين «البطولة» و«التطبيع»

المخرج زياد دويري في مهرجان البندقية السينمائي (أ.ف.ب)
المخرج زياد دويري في مهرجان البندقية السينمائي (أ.ف.ب)

أخلي سبيل المخرج زياد دويري بعد أن صادرت السلطات اللبنانية جوازي سفره الفرنسي واللبناني فور وصوله إلى مطار بيروت، إثر عودته من باريس لحضور العرض الأول لفيلمه الجديد «قضية رقم 23»، مساء الأحد 10 سبتمبر (أيلول).
وذكرت صحيفة «لوريان لو جور» أن القاضي صقر صقر انتهى من التحقيق مع المخرج اللبناني - الفرنسي في «موضوع الدخول إلى إسرائيل»، وذلك خلال تصويره فيلم «الصدمة» قبل 4 سنوات، الذي امتنع لبنان عن ترشيحه لجوائز «الأوسكار»، وسحبت رخصة العرض منه في لبنان والعالم العربي، كما حذفه المهرجان القطري للأفلام من جدوله وقررت لجنة المقاطعة في الجامعة العربية منع الفيلم.
وتم إطلاقه دون توجيه تهم إليه بعد أن أمضى نحو 3 ساعات في التحقيق. وأكد المحامي نجيب ليان أن دويري استرد جوازي سفره.
وأوضح المخرج في وقت سابق أن الأمن العام حجز جوازي سفره الفرنسي واللبناني. وأنه أوقف في مطار بيروت نحو ساعتين ونصف الساعة.
وأضاف المخرج: «أنا مجروح جداً. أتيت إلى لبنان ومعي جائزة من مهرجان البندقية. والأمن العام اللبناني سمح بعرض فيلمي. لا أعرف من وراء ما حصل. ثمة أذى في هذه المسألة وسنعرف في المحكمة من وراء هذه الدعوى».
وأشار مصدر قضائي مواكب للتحقيق لوكالة الصحافة الفرنسية إلى أن دويري «تُرك بسند إقامة، ومن المرجح أن يحيل مفوض الحكومة الملف إلى المحكمة العسكرية لاستكمال المحاكمة بجنحة دخول بلاد العدو من دون إذن مسبق».
لكن المحامي ليان أكد أن دويري كان قد «وجه رسالة إلى السلطات اللبنانية أبلغها فيها أنه يريد أن يصور على أرض الواقع دفاعاً عن القضية الفلسطينية»، مشيراً إلى أنه «لم يتلقَ أي رد من وزارة الدفاع» اللبنانية.
,أثار توقيف الدويري جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، فانقسمت الآراء بين مدافع عن هذا السينمائي باسم «حرية التعبير»، ومنتقد لذهابه إلى تل أبيب وتعامله مع طاقم إسرائيلي أثناء تصوير فيلم «الصدمة».
فبعد أن ضجت وسائل الإعلام المحلية والعربية بخبر توقيف دويري، تفاعلت قضيته سياسياً وشعبياً عل حدٍ سواء. وعلى قاعدة «يا فرحة ما تمت» عبّر رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن غضبهم إزاء هذا التصرف، حيث احتل الوسم #زياد_دويري المرتبة الأولى في قائمة الموضوعات الأكثر متابعة على «تويتر» في لبنان على مدى يومين.
وفيما يلي بعض التغريدات اللافتة من أهل السياسة والفن والإعلام ورواد مواقع التواصل، الذين استنكروا بمعظمهم ما حدث، مشيرين إلى أنه كان يجب أن يُستقبل بحفاوة وتكريم. فيما قارن بعضهم آسفاً بين ترحيل إرهابيي «داعش» الذين اغتالوا العسكريين اللبنانيين وبين محاكمة «دويري» على تصوير فيلم، مع التشديد على أن الفن لا علاقة له بالسياسة وزواريبها.
من جهته، نفى المخرج أن يكون قد تعامل مع إسرائيل أو روج لها. ورداً على سؤال أمام المحكمة، قال: «أنا لم أطبع مع إسرائيل، أنا ناضلت من أجل القضية الفلسطينية».
واعتبر وزير الثقافة اللبناني غطاس خوري في تغريدة له على موقع «تويتر»، أن دويري مخرج لبناني يجب احترامه وتكريمه.
وندد رئيس حركة الاستقلال النائب ميشال معوض بالحادثة، وذكر في تغريدة له أنه «كان الأجدر بالمعنيين استقبال المخرج زياد دويري العائد بجائزة أفضل ممثل عن فيلمه (القضية 23) من مهرجان البندقية بالسجاد الأحمر والتكريم، وليس بالأصفاد والاحتجاز».
لكن موقف الإعلامية اللبنانية رابعة زيات يأتي مغايراً لما سبق. فكتبت في تغريدة أن «الإبداع لا يبرر خيانة الوطن والارتماء بحضن إسرائيل»، حسب قولها.
واتهم الصحافي في جريدة «الأخبار» اللبنانية بيار أبي صعب، دويري بأنه «ارتكب جريمة أخلاقية وسياسية ووطنية بلا حساب من قبل الدولة والقانون» حين أقام في إسرائيل لأشهر بين عامي 2010 و2011، حيث صور فيلمه «الصدمة» مع ممثلين إسرائيليين ومنتج ومنفذ إسرائيلي.
ويتساءل أبي صعب: «ماذا ترانا نقول لزياد دويري الذي أقام شهوراً في إسرائيل، وصرف فلوسه فيها، ثم لم يقطع الصلة بها. هل المطلوب منا الآن أن نمحو كل ذلك بكبسة زر؟».
ويعتبر أبي صعب أن السماح لدويري بعرض فيلمه الجديد من دون اعتذار أو محاسبة «اعتراف لبناني رسمي بشرعية التعامل مع إسرائيل». وأكد أنه: «لا يمكن لنا أن نقبل بمحو آثار الجريمة، وتبييض سجل زياد دويري، كي يعود بطلاً إلى بلاده كأن شيئاً لم يكن!».
أما الصحافي فراس حاطوم فغرد قائلاً: «اسما فلسطين وهي محتلة والقانون بجرم اللي بزورا».
نيران الحرب الإلكترونية لم تقف عند صفحات رواد مواقع التواصل من السياسيين والصحافيين، إنما تعدت ذلك لتغزو صفحات عدد كبير من المواطنين اللبنانيين، معبرين عن مواقفهم حيال توقيف دويري:
- أحمد عطايا: «الإبداع لا يبرر الخيانة #زياد_دويري».
- رامي أبو ضاهر: «بتمنى عا مجلس النواب يحدد لنا أصحاب أيّا مهن فيهم يروحوا عا إسرائيل... بس المخرج؟ أو شرط يكون مبدع كمان؟».
- يورغو البيطار: «بلبنان بيتم اعتقال مبدعين من أمثال #زياد_دويري وبينترك القتلة والإرهابيين والمجرمين يسرحوا ويمرحوا بلا حساب».
- أمير أبو عديلة: «اليوم تم توقيف #زياد_دويري في المطار لأنه عاد وبحوزته جائزة... لو عاد وبحوزته متفجرات لكان بطل قومي ولا أحد يستطيع إيقافه».
- تيريسا حداد: «حكومة 1: تختار فيلم زياد دويري لتمثيل لبنان في الأوسكار. حكومة 2: تحقق معه بجرم التعامل مع إسرائيل #لبنان_بلد_العجائب!».
ومن الجدير ذكره أن فيلم دويري الأخير «قضية رقم 23» كان قد حصل على إذن بالعرض التجاري، من «جهاز الرقابة على المصنفات الفنية»، التابع للمديرية العامة للأمن العام.
وشارك دويري أخيراً في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي 2017، وحاز فيه الممثل الفلسطيني كامل الباشا على جائزة أفضل ممثل عن دوره في «القضية 23».
ولوضع مقاربة عادلة للمسألة، راجع عدد من المغردين قانون العقوبات اللبناني، ضمن «الصلات غير المشروعة بالعدو»، في المادة 285 (معدلة وفقاً للقانون الصادر بالمرسوم 15698 تاريخ 6/ 3/ 1964 والقانون 239 تاريخ 27/ 5/ 1993)، الذي ينص على التالي:
• يعاقب بالحبس سنة على الأقل وبغرامة لا تنقص عن مائتي ألف ليرة لبنانية كل لبناني وكل شخص ساكن لبنان أقدم أو حاول أن يقدم مباشرة أو بواسطة شخص مستعار على صفقة تجارية أو أي صفقة شراء أو بيع أو مقايضة مع أحد رعايا العدو أو مع شخص ساكن بلاد العدو.
• يعاقب بالعقوبة ذاتها كل لبناني وكل شخص في لبنان من رعايا الدول العربية يدخل مباشرة أو بصورة غير مباشرة ودون موافقة الحكومة اللبنانية المسبقة بلاد العدو حتى وإن لم يكن المقصود من دخوله أحد الأعمال المنصوص عليها في الفقرة السابقة من هذه المادة.
لكن المسألة ليست في وضوح القانون المرعي الإجراء، بل في واقع أنه طوال تلك السنوات التي أعقبت تصوير «الصدمة»، زار دويري، الذي يحمل الجنسية الفرنسية كذلك، لبنان باستمرار من دون أن يسائله أحد عن مخالفته القانون اللبناني، بغض النظر ما إذا كان الدويري قد زار إسرائيل بغية الدفاع عن القضية الفلسطينية، أو بهدف «التطبيع» كما يزعم البعض.

- نبذة عن حياته
ولد زياد دويري في بيروت عام 1963، ونشأ إبان الحرب الأهلية، حيث صور أفلامه الشخصية بكاميرا 8 ملم. سافر وعمره عشرون عاماً للدراسة في الولايات المتحدة الأميركية، وتخرج عام 1986 من جامعة سان دييغو بشهادة في السينما.
عمل مساعد تصوير ومصوراً في لوس أنجليس من عام 1987 وحتى 1997 على كثير من الأفلام لمخرجين منها 3 أفلام للمخرج كوينتن تارانتينو.
في عام 1998 كتب زياد دويري وأخرج فيلمه الطويل الأول «بيروت الغربية»، الذي نال شهرة واسعة وإعجاب النقاد، وكثيراً من الجوائز في مهرجانات حول العالم، أتبعه فيلم «قالت ليلا» الذي عرض في مهرجان «صن دانس» وغيره.
في المحصلة، إن كان الموضوع قارب خواتيمه القضائية بسلاسة، حسب محامي الدويري، فإن مفاعيله السياسية والثقافية، التي طالت الشارع اللبناني مشعلة جدلاً واسعاً لا يبدو أنها ستنتهي قريباً، إذ أعاد الموضوع النقاش بشأن أشكال التطبيع الثقافي وحدوده، واستنسابية القضاء اللبناني والأجهزة الأمنية في التعامل مع خرق القانون من عدمه. وبين طرفي الانقسام، لا تنفك مساحة اللقاء تتقلص، فكل طرف يزداد تمسكاً بموقفه وعدائية تجاه الآخر، ليكاد يغيب الطرح القانوني في مقاربة المسألة، على حساب المناكفات السياسية التي يمكن أن تستحضر عشرات الملفات العالقة. ويبقى السؤال: «الأولوية لمن: الإبداع أم القانون؟».


مقالات ذات صلة

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

يوميات الشرق الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق فيلم «صوت هند رجب» الأفضل عربياً في استفتاء «نقاد السينما المصريين» (الشركة المنتجة)

«نقاد السينما»: «أبو زعبل 89» و«صوت هند رجب» و«خاطئون» أفضل أفلام 2025

أعلنت جمعية نقاد السينما المصريين، برئاسة الناقد أحمد شوقي، فوز الفيلم الوثائقي المصري «أبو زعبل 89» للمخرج بسام مرتضى بوصفه أفضل فيلم مصري.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق يُعرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

«وقائع زمن الحصار» يرصد معاناة الفلسطينيين تحت وطأة الاحتلال

يطرح الفيلم الجزائري «وقائع زمن الحصار» للمخرج والكاتب الفلسطيني عبد الله الخطيب، رؤية سينمائية تنحاز إلى الإنسان العادي في قلب المأساة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

في فيلمه الروائي القصير «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال» بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي. يراهن المخرج على الصمت والمراقبة.

أحمد عدلي (القاهرة)

مسرح «زقاق» يطفئ أنواره بعد عِقد من الإبداع

فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)
فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)
TT

مسرح «زقاق» يطفئ أنواره بعد عِقد من الإبداع

فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)
فرقة مسرح زقاق تودع جمهورها على أمل لقاء جديد (مسرح زقاق)

أعلن جنيد سري الدين، أحد مؤسسي «زقاق»، إقفال مسرح الفرقة في الكرنتينا بالعاصمة بيروت. وأوضح أنهم كانوا يأملون استمرار الخشبة التي انطلقت قبل 10 سنوات بدل أن تتحوّل إلى معمل.

تأسس فريق «زقاق» عام 2006 في فرن الشباك، ثم انتقل إلى الكرنتينا، حيث أنشأ مسرحاً نشطاً طوال عِقد كامل. خلال هذه السنوات، قدَّم الفريق أكثر من 40 عملاً مسرحياً، ونظَّم ورشاً درَّبت نحو 7200 مشارك، واستقبل ما يزيد على 129 ألف متفرج.

جنيد سري الدين (مسرح زقاق)

لكن لماذا يُقفل هذا المسرح أبوابه في وقت تحتاج فيه المدينة إلى مسارح جديدة؟

يجيب سري الدين في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «نواجه تكاليف تفوق قدراتنا المادية وأكبر من استثماراتنا، فجميع أشكال الدعم والتبرعات التي تلقيناها لم تُفضِ إلى النتائج المرجوة».

ويشير إلى أن ثِقل التكلفة المالية وعدم قدرة الفريق على تحمّلها، يقابله سبب آخر يتمثّل في الحاجة إلى التوجّه نحو آفاق أوسع، ويضيف: «شعرنا بضرورة القيام بنقلة نوعية مختلفة، ولذلك نخطط لمشروع جديد يرتبط ارتباطاً مباشراً بالمدينة».

ورغم الصعوبات التي تواجه الفريق، يؤكد سري الدين أن تغيير المكان لا يعني التوقف عن العمل، بل قد يكون أحياناً ضرورة لانطلاقة أفضل.

علاقة فريق «زقاق» بمسرحه في الكرنتينا تتجاوز البعد المكاني. فهي علاقة مشبعة بالذكريات والتحديات واللحظات الحلوة والمرّة، ويعلّق جنيد: «نحن ممتنون لكل ما أنجزناه في هذا المكان، الذي نعدّه قطعة من روحنا. صحيح أننا نشعر بالحزن لمغادرته، لكن البلد بأكمله يعيش حالة تشتّت، ولن نسمح لهذا الواقع بأن يؤثر سلباً علينا. من الضروري القيام بتحولات مدروسة لنتمكّن من البقاء والاستمرار».

وفي عام 2024، وخلال الحرب التي شهدها لبنان في جنوبه، اضطر مسرح «زقاق» إلى إلغاء مشاريع فنية عدّة، فرفع الصوت عالياً، وطالب، من خلال بيان أصدره، بضرورة إيجاد حلول جذرية تحمي الفن في لبنان. ومما جاء فيه: «يُواجه الفن الجريمة، ويحمي التماسك المجتمعي، ويُعزز الشعور بالوجود المشترك». وأضاف: «نعلم أنه بإمكان الجهود الفردية التأثير على النقاش العام وإعادة بناء القيم التي تُحقق إمكانية تغيير عالمي أشمل. ونترقَّب عودة اللقاء بأمان لنتشارك من جديد الأعمال الفنية».

يُطفئ مسرح زقاق أنواره بعد 10 سنوات من العمل الإبداعي (مسرح زقاق)

هذا اللقاء الذي كان يرنو إليه لم يدم إلا نحو سنة. فجاء قرار الإقفال لينسف كل الآمال بإمكانية الاجتماع تحت هذا السقف مدة أطول؛ «لقد كان بإمكاننا استغلال الفترة القصيرة التي تفصلنا عن موعد انتهاء عقدنا مع أصحاب المكان، فنمدِّد حياته الفنية قبل أن نتحوَّل إلى وجهة أخرى. لكن وضعنا المادي وغلاء الإيجارات دفعانا إلى تسريع عملية المغادرة».

ولا يخفي سري الدين عتبه على الدولة اللبنانية، في ظل إهمالها وغياب دعمها للفن وأهله، ما يسهم في شرذمة هذا القطاع، ويقول: «المراكز الثقافية عندنا معرَّضة دائماً للتوقف عن العمل. وتكلفة الإيجارات المرتفعة تُشكل سبباً أساسياً في تخريب مسيرة مسارح تبحث عمَّن ينتشلها من أزماتها. وبصورة عامة، لا توجد رعاية جدية من الدولة للاهتمام بالوجهات الثقافية».

في المرحلة المقبلة، يتجه فريق «زقاق» نحو افتتاح مسرح جديد يحافظ على هدفه الأساسي: دعم الفنان وتشجيعه، وفتح مساحات تتيح له بلورة مواهبه والمشاركة في أعمال مسرحية تعبّر عن أفكاره، ويتابع: «إنها لحظة انتقالية نعوِّل عليها كثيراً. القرار كان صعباً جداً، لكننا نعمل على تحويله إلى طاقة نستمد منها الأمل لولادة مختلفة».

ويأسف جنيد لنيَّة تحويل مسرح «زقاق» في الكرنتينا إلى معمل أو مصنع، قائلاً: «كنا نتمنى الحفاظ على روحه الثقافية والفنية. فهذا المكان تربَّينا وكبرنا في ظلّه، ويعني لنا الكثير كفريق ناضل لنشر ثقافة المسرح الأصيل».

مشهد من إحدى المسرحيات التي عرضت على خشبة زقاق (مسرح زقاق)

يُذكر أن فريق «زقاق» قدّم مئات الأعمال المسرحية، من بينها: «ثلاث أبيات من العزلة»، «بينوكيو»، و«ستوب كولينغ بيروت»، و«نص بسمنة ونص بزيت»، وغيرها.

وكان فريق مسرح «زقاق» قد تأثر مباشرة بتداعيات الانفجارات والحروب في لبنان؛ «لقد اضطررنا إلى ترميمه أكثر من مرة، وكذلك بعد انفجار بيروت. وكما المقاهي والمطاعم المنتشرة في المنطقة، تمسَّكنا برسالة لبنان الثقافية وبدأنا المشوار من جديد. عمر فريقنا اليوم يتجاوز الـ20 عاماً، وشكَّل هذا المكان جزءاً من مشوارنا لا نستطيع بالتأكيد نسيانه».

ويختم جنيد سري الدين: «في غياب دعم من الجهات الرسمية، لا بد أن نصل إلى نهايات من هذا النوع. لكن في المقابل، يبقى افتتاح مسرح جديد الخطوة الأهم. فالمدينة تعاني اليوم خسارة مساحات متتالية في المجال الفني عامة، والثقافي المسرحي خاصة. وسنكمل المشوار ونتحدَّى الصعاب رغم كل شيء».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


المتحف البريطاني ينجح في بقاء قلادة ذهبية للملك هنري الثامن

قلادة ذهبية (رويترز)
قلادة ذهبية (رويترز)
TT

المتحف البريطاني ينجح في بقاء قلادة ذهبية للملك هنري الثامن

قلادة ذهبية (رويترز)
قلادة ذهبية (رويترز)

نجح المتحف البريطاني في جمع مبلغ 3.5 مليون جنيه إسترليني لضمان بقاء قلادة ذهبية ذات صلة بزواج الملك هنري الثامن من زوجته الأولى، كاترين أراغون، ضمن مقتنياته الدائمة، حسب «بي بي سي» البريطانية.

وكان المتحف، الواقع في قلب لندن، قد أطلق حملة تبرعات في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي للاستحواذ على قلادة «قلب تيودور» بصفة نهائية، وهي التي عثر عليها أحد هواة الكشف عن المعادن في حقل بمقاطعة وارويكشاير عام 2019.

وقد أعلن المتحف أخيراً عن بلوغ هدفه التمويلي بعد تلقيه تبرعات شعبية بقيمة 360 ألف جنيه إسترليني، إلى جانب سلسلة من المنح المقدمة من صناديق ائتمانية ومؤسسات فنية.

وفي السياق نفسه، صرح نيكولاس كولينان، مدير المتحف، قائلاً: «إن نجاح هذه الحملة يبرهن على قدرة التاريخ على إلهام الخيال، ويوضح أهمية أن تستقر قطع مثل (قلب تيودور) في المتاحف».

هذا، وقد كشفت الأبحاث التي أجراها المتحف عن أن القلادة ربما صُنعت للاحتفال بخطوبة ابنتهما الأميرة ماري (التي كانت تبلغ عامين آنذاك) من ولي العهد الفرنسي (الذي كان يبلغ ثمانية أشهر) في عام 1518. وتجمع القلادة بين «وردة تيودور» ورمز «الرمان» الخاص بكاترين، كما تحمل شعاراً مكتوباً بالفرنسية القديمة «tousiors» وتعني «دائماً».

وعقب اكتشافها، أُدرجت القلادة بموجب «قانون الكنوز لعام 1996»، والذي يمنح المتاحف والمعارض في إنجلترا فرصة الاستحواذ على القطع التاريخية وعرضها للجمهور. ومن أجل عرضها بشكل دائم، تعين على المتحف سداد مكافأة مالية للشخص الذي عثر عليها وصاحب الأرض التي اكتُشفت فيها.

وقد حرص المتحف على اقتناء القلادة نظراً لندرة القطع الأثرية الباقية التي توثق زواج هنري الثامن من كاترين أراغون. وأوضح المتحف أن أكثر من 45 ألف فرد من الجمهور أسهموا في الحملة، وهو ما غطى ما يزيد قليلاً على 10 في المائة من المبلغ المطلوب.

كما حصل المشروع على دعم بقيمة 1.75 مليون جنيه إسترليني من «صندوق ذكرى التراث الوطني»، المعني بحماية الكنوز التراثية المتميزة والمهددة بالضياع في المملكة المتحدة. وشملت قائمة الجهات المانحة أيضاً جمعية «صندوق الفنون» الخيرية، وصندوق «جوليا راوزينغ»، وجمعية «أصدقاء المتحف البريطاني الأميركيين».

وفي حديثه لبرنامج «توداي»، عبر إذاعة «بي بي سي 4»، أضاف كولينان: «إن تكاتف 45 ألف مواطن وتبرعهم بالمال لإبقاء هذه القطعة في البلاد وعرضها أمام العامة، يعكسان الحماس الشعبي تجاه هذا الأثر. إنها حقاً قطعة فريدة من نوعها».


السعودية تفتح أبواب الفصول الدراسية لعالم الألعاب الإلكترونية

حلقة في سلسلة الاهتمام السعودي بقطاع الألعاب الإلكترونية (واس)
حلقة في سلسلة الاهتمام السعودي بقطاع الألعاب الإلكترونية (واس)
TT

السعودية تفتح أبواب الفصول الدراسية لعالم الألعاب الإلكترونية

حلقة في سلسلة الاهتمام السعودي بقطاع الألعاب الإلكترونية (واس)
حلقة في سلسلة الاهتمام السعودي بقطاع الألعاب الإلكترونية (واس)

أعلنت السعودية مجموعة خطوات لتعزيز تحول الفصل الدراسي إلى حاضنة تقنية متقدمة، وإدماج صناعة وتطوير الألعاب الإلكترونية في منظومة التعليم العام والجامعي والتدريب التقني والمهني، واستحداث مسارات مهنية مبتكرة تخدم جودة التعليم وتدعم مهارات المستقبل، والاستفادة من الحلول التقنية الحديثة والذكاء الاصطناعي والمحاكاة التعليمية.

وشهدت العاصمة السعودية، الاثنين، توقيع 3 مذكرات تفاهم استراتيجية بين وزارة التعليم، والمعهد الوطني للتطوير المهني التعليمي، وشركة تطوير للخدمات التعليمية من جهة، ومجموعة «سافي» للألعاب الإلكترونية (المملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة) من جهة أخرى.

وتهدف هذه المذكرات إلى إدماج صناعة وتطوير الألعاب الإلكترونية في المناهج الدراسية، والتدريب التقني، والابتعاث، وتحويل السعودية إلى مركز عالمي لهذا القطاع الحيوي.

وتشمل مجالات التعاون إدراج الألعاب الإلكترونية في المناهج، بالتنسيق مع المركز الوطني للمناهج، وإطلاق مسابقة وطنية لصناعة الألعاب، وتدشين «مختبر سافي للألعاب والابتكار».

وتمتد الشراكة لتشمل التطوير المهني للمعلمين، واعتماد أكاديمية «سافي» ضِمن معاهد الشراكات الاستراتيجية، وتطوير ألعاب تعليمية تفاعلية مخصصة لمنصة «مدرستي».

يوسف البنيان وزير التعليم والأمير فيصل بن بندر بن سلطان نائب رئيس مجموعة «سافي» خلال التوقيع (وزارة التعليم)

المنهج السعودي من «الوعاء التقليدي» إلى أدوات الابتكار

في قراءة تحليلية لهذه الخطوات، أكد الدكتور عثمان محمد الشقيفي، الباحث في الإدارة التربوية والثقافة التنظيمية، أن المناهج التعليمية في السعودية باتت تتسم بمرونة عالية وقدرة استثنائية على التكيف مع المتغيرات المتسارعة.

ويقول الدكتور الشقيفي، لـ«الشرق الأوسط»: «لم تعد المناهج في السعودية مجرد وعاء لنقل المعرفة التقليدية، بل أصبحت أدوات حيوية لتشكيل جيل قادر على التفكير النقدي والابتكار، وهذه الاستجابة ليست تحديثاً سطحياً، بل هي إعادة هيكلة عميقة للفلسفة التعليمية مدعومة بالبحث العلمي».

ويستشهد الدكتور الشقيفي بالتحولات الأخيرة، مشيراً إلى إدراج مقرر «التفكير الناقد» وتحديث مواد الحاسب لتشمل لغة «بايثون» والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وصولاً إلى استشراف المستقبل عبر علوم الفضاء، تزامناً مع المهمات الفضائية السعودية الرائدة.

من «الاستهلاك» إلى «الإنتاج»

وحول الشراكة مع مجموعة «سافي»، يرى الدكتور الشقيفي أنها تمثل خطوة محورية تهدف إلى تحويل طلاب المدارس والجامعات من مجرد مستهلكين للتقنية إلى منتجين ومطورين لها.

ويضيف: «إنشاء مختبرات رقمية وتطوير محتوى تفاعلي يعززان الدافعية والتحصيل الدراسي، وفق ما تؤكده الدراسات العلمية. هذا التحول يعكس إدراكاً عميقاً بأن مهارات القرن الحادي والعشرين تتجاوز اكتساب المعرفة إلى القدرة على تحليل المعلومات واتخاذ القرارات المستنيرة».

وتسعى مذكرات التفاهم الجديدة إلى إعداد كوادر وطنية عبر مسارات برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث ومسار «واعد»؛ لضمان مواءمة مُخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل في قطاع الألعاب الإلكترونية، الذي يُعد من الركائز الواعدة في الاستراتيجية الوطنية للاستثمار.

ويشهد قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية في السعودية نمواً لافتاً، برزت من خلاله إنجازات السعودية في طريقها لتصبح قوةً رائدةً في مستقبل صناعة الألعاب عالمياً، ضِمن رؤيتها الطموحة لبناء منظومة متكاملة في هذا المجال.

ومنذ إطلاق الأمير محمد بن سلمان، الاستراتيجية الوطنية للألعاب والرياضات الإلكترونية، في 15 سبتمبر (أيلول) 2022؛ تنفذ هذه الاستراتيجية بـ86 مبادرة، تديرها نحو 20 جهة حكومية وخاصة، ومنها حاضنات الأعمال، واستضافة الفعاليات الكبرى، وتأسيس أكاديميات تعليمية، وتطوير اللوائح التنظيمية المحفّزة. تأتي خطوة إدماج الألعاب الإلكترونية في القطاع التعليمي لتمثل حلقة في سلسلة الاهتمام السعودي بهذا المجال.