استهلال عن داود باشا وتصدير لأنستاس الكرملي

مقتطف من {شعراء بغداد وكتابها}

استهلال عن داود باشا وتصدير لأنستاس الكرملي
TT

استهلال عن داود باشا وتصدير لأنستاس الكرملي

استهلال عن داود باشا وتصدير لأنستاس الكرملي

يصدر قريبا كتاب «بغداد وشعراؤها» عن دار «الوراق» ببيروت. وقد وجد مخطوطاً عند محمود شكري الآلوسي، وهو من أشهر مشاهير علماء بغداد. وبقي مخطوطاً مدة تنوف على نحو 20 سنة. والكتاب يترجم لسير الشعراء خلال فترة داود باشا (1767 - 1851)، وهو آخر ولاة المماليك. وننشر هنا جزءا من مقدمة وتصدير العلامة الأب أنستاس ماري الكرملي، والمراسلات بينه وبين نعوم سركيس فيما يتعلق بمؤلف المخطوط الفعلي، وما إذا كان معرباً أم موضوعاً
«توالت المحن على العراق، ولا سيّما على بغداد، في المائة الثامنة عشرة للميلاد. ومما زاد الطين بلّة، أن شوكة الترك صلبت وخشنت، وتمكنت لغتهم من البلاد، وأصبح أكثرهم ينطقون بهذه اللغة. وما بقي من الأهالي، كانوا يتراطنون؛ إذ أصبح لسانهم خليطاً من ألفاظ مختلفة الأصول؛ من عربية، وتركية، وفارسية، وكردية، وإيطالية. فقيّض الله حينئذٍ لدار السلام، رجلا عظيماً، أعاد إليها بعض الحياة الأدبية، وهو الذي اشتهر بعد ذلك باسم «داود باشا».
كان هذا الرجل، كرجيّاً نصرانيّاً، ولد في تفليس في نحو سنة 1190هـ - 1776م، فسرق من أهله صغيراً، وأُتي به إلى بغداد، فاشتراه واليها سليمان باشا. وكان حسن الصورة، ذكيّاً، خفيف الروح، ترى عليه مخايل النبوغ. فعني مولاه بتهذيبه، وتعليمه جميع العلوم المعروفة يومئذٍ، من عقلية ونقلية، حتى اتجهت إليه الأنظار من كلِّ أديب، وفاضل، وعالم.
فلما رأى مولاه أنه ضليع بما يعهد إليه، عيّنه في المناصب الواحد بعد الآخر، حتى أصبح دفتر دار بغداد. وهو من المناصب التي كان يحسد عليها صاحبها.
ولما عيّن سعيد باشا ابن سليمان باشا، والياً لبغداد، انهزم من العاصمة، لعدم اتفاقه مع ابن مولاه، ثم عاد إلى الزوراء لما وقع الوئام بينهما. ولما قتل سعيد باشا المذكور، أصبح داود باشا والياً للعراق كله.
وكان الولاة يومئذٍ في هذه الديار، مستبدين بحكمهم، مستقلين بإدارتهم، لبعد هذه الربوع عن العاصمة الكبرى، ولصعوبة المراجعة بين الولاة والسلاطين.
فلما رأى الخاقان محمود خان أن الوزير ينقاد لأهواء نفسه، مصراً على الجماح، والمضي في ركوب رأسه، أنفذ إلى العراق الوزير علي رضا باشا والياً عاماً، فحاصر هذا ذاك وحاربه في سنة 1246هـ - 1830م في إبان الطاعون الجارف للخلائق، وفي وقت طغيان دجلة، وغرق بعض محلات بغداد.
فلما رأى كبار بغداد الهول الذي يهددهم فتحوا لعسكر علي رضا باشا، باب البلدة المسمى بالباب الشرقي، ودخل عسكره، واستولى على البلدة، وتمكن من إرسال داود باشا إلى دار الخلافة، فنفي إلى بعض البلاد، ثم عفا عنه السلطان، وأرسله إلى المدينة، مجاوراً لها، وشيخا لحرمها، فتوفي ثمَّ في سنة 1267هـ - 1851م.
وكان داود باشا عمّر مساجد، وجوامع، وأسواقاً، ومن جملة تلك الآثار الباقية إلى اليوم، الجامع المشهور بـ(الحيدر خانة) وهو آية من آي البناء العربي. وكانت أمه سمعت بمبانيه فكانت تبني في تفليس بيعاً وديارات بعدما كانت تسمع عن أبنية ابنها. وكان داود باشا لا يتحرج عن القتل والفتك سياسة ومصادرة بعض المتمولين. وبالجملة كان عالم الوزراء ووزير العلماء، وفي أيامه اشتهر العلماء الذين ورد ذكر أسمائهم هنا. فكان الوزير أول من وضع الحجر الأول في إعادة بناء صرح الأدب في العراق الحديث، وعسى أن يمتد هذا الصرح إلى عنان السماء، وتقوى أُسسه على مدى الدهر، وهو المنتظر منه تعالى.
الأب أنستاس ماري الكرملي
- تصدير
وجدنا هذا الكتيب عند حضرة صاحب الفضيلة والعرفان السيد محمود شكري الآلوسي، من أشهر مشاهير علماء بغداد صاحب التآليف الجليلة الكثيرة. فاستأذناه في نسخه فأذن لنا بذلك، وبقي مخطوطاً في خزانتنا مدة تنيف على نحو عشرين سنة. ولما أصدرنا جريدة (العرب) في أيام الاحتلال البريطاني، استشرنا الأستاذ الآلوسي في نشره فلم ير بأساً في ذلك، إلا أنه زاد في الأمر أنه قال لنا: (لو تصلح عبارته لساغت مطالعته)، فأقدمنا على تنقيح ما فيه من العبارات العامية تحقيقاً لأمنية الأستاذ - رحمه الله-.
بَيْدَ أن ناشري الكتب في عصرنا هذا قد جنحوا إلى استبقاء كتب عصر انحطاط العربية بنصها، إذا ما أريد طبعها لتبقى بحلتها الأصلية ولا تلبس برداً غير ما أُلبست. فالأستاذ يعقوب أفندي نعوم سركيس يعرف أني أنا الذي حاولت تغيير لبسة المؤلف. لكنه لم يرد أن يصرح بكلامه تأدباً وتلطفاً منه. وهذا ما يظهر للقارئ عند وقوفه على جميع ملاحظاته. وعملاً بفكره، أبقينا النص ببردته وعدلنا عن فكر الأستاذ الآلوسي.
الأب أنستاس ماري الكرملي»
- رسالة الأستاذ نعوم سركيس إلى الأب الكرملي
من بغداد في 25 تشرين الأول 1935 وإليها
«حضرة العلامة الأب الجليل أنستاس ماري الكرملي المحترم:
تحيات واحتراماً جزيلاً، أعيد إليكم المخطوط الذي تكرمتم بإعارته إياي وهو المعنون في صفحته الأولى: «شعراء بغداد وكتّابها» (وهذه الكلمة بخطكم. ولنا أن نضيف إليها: «وعلمائها» فإنه قد ترجم بعضهم) في أيام المرحوم داود باشا في حدود سنة 1200هـ - 6 - 1785م إلى سنة 1246هـ -1 - 1830م تأليف الفاضل، والنبيه الكامل عبد القادر أفندي الخطيبي الشهرباني. هذا وإني لأُبدي لحضرتكم الشكر على هذه المنّة وهي ليست الأولى من نوعها فقد سبقتها عشرات.
إن طلبي من حضرتكم إعارة هذا المخطوط - كما تعلمون - هو أنني لما كنت سمعت منكم أن الذي نشر في صحيفة (العرب)، (البغدادية)، في سنة 1917م هو قسم منه، وقد كنت أظن قبل ذلك أنه لم يبق منه شيء غير منشور؛ إذ إن الترجمة المرقمة بعدد 34 الواردة في تلك الصحيفة في عددها المؤرخ في 17 تشرين الأول 1917م ليست بمختومة بكلمة تدل على بقاء باقية منه، فكان غرضي من استعارته الوقوف على التراجم غير المنشورة ليس إلا، بَيْدَ أنه بعد اطلاعي عليه بانت لي فيه مغامز، فرأيت أن أفصح عنها في هذه العجالة. وقد يفوتني شيء من ذلك.
وقد بدا لي أن التراجم غير المنشورة تسع عشرة، وأن الترجمتين الأولى والثانية، وهما ترجمة عبد القادر وداود باشا، ليستا من الأصل الذي لا بدّ أنه كان بالتركية - ولا من تعريب عبد القادر، إن صح أن التعريب له، كما سيجيء، لأن في صدر ترجمته هذا العنوان: (مترجم التذكرة). ويتصدر ترجمة داود باشا قوله: (ترجمة المرحوم داود باشا)، بينما التراجم التي تليهما تتصدرها كلمة (مبحث). وفضلاً عن ذلك، فقد ذكرت ترجمة عبد القادر وفاته مما لا يبقي ريباً فيما قلته.
اعتمدت (العرب) على اسم الكتاب ومؤلفه المدونين في صفحته الأولى، بينما أن الحقيقة تخالف ما جاء فيها عن اسم المؤلف، ولا توافق مضمونه الموافقة التامة كما سيرد. ولا بدّ من (أن) نسبة الكتاب في عنوانه إلى عبد القادر من خطأ النساخ وأشباههم، فإن ترجمته الواردة في أوله ترينا أنه معرب، ولي في ذلك أيضاً شكّ. وإذا رجعنا إلى الكتاب نفسه نجد جملاً وتراجم أُقحمت في الأصل أو في التعريب، فيتبادر إلى البال أن نسخة إما كان فيها حواشٍ فأدخلها المتن من نسخ عليها، فاختلط الحابل بالنابل، فضلاً عن الغلط في نسبة تأليف الكتاب في عنوانه إلى عبد القادر، وسيرد الكلام على ذلك والتحقيق عن المعرب.
لا غرو أن هذا الكتاب ركيك العبارة، كثير الأغلاط الصرفية، والنحوية وغيرها. ومن هذه الأغلاط ما هو للمعرب وما هو للنساخ على ما يلوح لي. وإذ كان ذوق ناشر التراجم في «العرب» يمج ذلك، بدا له أن يقوّم عبارات الكتاب بعض التقويم، فوافق وقوعه في بعض السهو المخل بالمعنى. من ذلك أنه جاء في «العرب» في ترجمة عبد القادر في الكلام على هذا الكتاب قوله: «وضع في ذلك العهد كتابه المذكور» بينما المخطوط يقول: «فبذلك الأثناء ترجم تذكرة الشعراء...» والفرق بين الكلامين - في مثل هذه الحال – ظاهر، فإنه من الواضح أن عبد القادر لم يكن مؤلفاً، وربما كان مترجماً، بمعنى معرِّب لا مترجم رجال، ولنا شواهد أخرى على ذلك كما سيأتي.
الأدلة على أن تأليف الأصل ليس لعبد القادر:
الجملة التي أوردناها آنفاً وفيها أنه مترجم بمعنى معرب.
جاء في المخطوط كذلك في ترجمة عبد القادر قوله: «مترجم التذكرة اسمه عبد القادر....».
وجاء كذلك في المخطوط قوله: «مبحث منلا مختار أفندي... أن المومى إليه والد عبد القادر أفندي المترجم الذي سلف ذكره في الأول...» قلت: لو كان الأصل لعبد القادر. لقال: «والدي» ولما اكتفى - على ما أظن - بترجمته ترجمة مقتضبة قوامها ثلاثة أسطر فقط. ولذكره بصيغة المتكلم كما ورد في مبحث الفاضل نائب بكتاش، ومبحث السيد علي البندنيجي، ومبحث صالح النجار، إذ قال المؤلف: «والدي». وإذ تقول ترجمة عبد القادر: إن التعريب له، دون أن تنسب إليه الأصل، فهذا الوالد الوارد ذكره في المباحث الثلاثة هو غير والده. وإني لأشكّ في أن التعريب له، كما سيجيء، فضلاً عن أن الأصل ليس له، لما سيأتي بيانه، مستخرجاً من مبحث ميرزا محمد. وإن كان التعريب له، فقد زيد عليه.
وهل لنا أن نضيف إلى هذه الأدلة أن ترجمة عبد القادر لم يرد فيها ذهابه إلى شمال بغداد مع أن المؤلف يقول عن نفسه إنه مكث في الموصل من سنة 1227هـ -3 - 1812م إلى سنة 1231هـ - 6 - 1815م، وعودته منها مجتازاً بإربل في سنة 1231هـ، ثم مروره بكركوك وإقامته فيها أياماً، كذلك في سنة 1231هـ.
هل التعريب لعبد القادر؟
تُرينا ترجمته أن التعريب له، ولكني لا أكتفي بذلك، لأن الشكوك تحوم حول هذا القول، ولأنه يصادف أن تأليفاً ينسب سهواً إلى غير صاحبه، فلا بدّ إذن من تدقيق النظر في الأمر وتمحيصه.


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».