قلق دولي على ليبيا.. وحفتر يتلقى المزيد من التأييد

القدوة أجل زيارته إلى طرابلس.. ويجري مشاورات لعقد جلسة طارئة للجامعة العربية

خريطة لتوزيع قوات حفتر والميليشيات المتطرفة في مدينة بنغازي بشرق ليبيا («الشرق الأوسط»)
خريطة لتوزيع قوات حفتر والميليشيات المتطرفة في مدينة بنغازي بشرق ليبيا («الشرق الأوسط»)
TT

قلق دولي على ليبيا.. وحفتر يتلقى المزيد من التأييد

خريطة لتوزيع قوات حفتر والميليشيات المتطرفة في مدينة بنغازي بشرق ليبيا («الشرق الأوسط»)
خريطة لتوزيع قوات حفتر والميليشيات المتطرفة في مدينة بنغازي بشرق ليبيا («الشرق الأوسط»)

توقعت مصادر عسكرية وأمنية ليبية، لـ«الشرق الأوسط» أمس، اندلاع المزيد من المعارك العنيفة خلال الساعات المقبلة بين قوات اللواء خليفة حفتر القائد السابق للقوات البرية في الجيش الليبي، والجماعات الإسلامية المتطرفة في ليبيا، فيما حرص كبار المسؤولين في السلطتين التشريعية والتنفيذية على تجنب إعلان دعمهم المباشر للواء حفتر، رغم تأييدهم لعملية الكرامة التي تشنها قواته منذ يوم الجمعة الماضي.
وسادت أجواء من التوتر مدينة بنغازي بشرق البلاد والعاصمة طرابلس بعد مقتل شخصين على الأقل من مالي، لكن مصدرا بوزارة الصحة قال إنه لم تتضح هوية المشاركين في القتال العنيف الذي اندلع فجر أمس قرب العاصمة بعد يومين من اقتحام مسلحين لمقر المؤتمر الوطني العام (البرلمان المؤقت) في واحد من أسوأ أعمال العنف بالمدينة منذ الإطاحة بنظام القذافي.
وردا على شائعات بانضمامه إلى حفتر، قال عز الدين العوامي، النائب الأول لرئيس البرلمان، لـ«الشرق الأوسط» في تصريح مقتضب «أنا مع الجيش والشرطة وضد القتلة التكفيريين». ويعد العوامي أعلى مسؤول ليبي يعلن حتى الآن دعمه غير المباشر لحفتر الذي يخوض معارك متفرقة وعلى فترات متقطعة ضد ميليشيات مسلحة تقودها جماعات إرهابية في شرق وغرب البلاد.
ونفى أحمد الأمين، الناطق باسم الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله الثني، علمه بإجراء اتصالات سرية بين حفتر والثني، كما نفى لـ«الشرق الأوسط» ما أشيع عن انشقاق الصديق عبد الكريم نائب الثني لشؤون التنمية. وأعلنت وزارة الداخلية الليبية في بيان رسمي أصدرته أمس أنها «تؤيد حراك الشعب الليبي نحو قيام دولة مدنية تكفل الحرية والعدالة لجميع المواطنين». وأكدت أن «معركة الشرطة مع التكفيريين لم تتوقف حتى تبدأ».
وبعدما لفتت إلى أن «الشرطة الليبية واجهت بكل قوة محاولات ما وصفته بالإقصاء والتهميش والإذلال والاعتداء على مقراتها»، دعت الوزارة كل منتسبيها إلى الالتحاق بأعمالهم وعدم التغيب من أجل تأمين مقار ومؤسسات الدولة وحماية الشعب، ووضع كل القوات التابعة للوزارة وجميع عناصر الشرطة في حالة الجاهزية وتحت أمر الشعب.
لكن صالح مازق، القائم بأعمال وزير الداخلية الليبي، حرص أمس في تصريحات لقناة محلية على التأكيد على أن وزارته تقف مع «الشعب الليبي» وليس مع اللواء حفتر. ووصف مازق بيان الوزارة الذي بثته وكالة الأنباء الرسمية، عن أن الوزارة انضمت إلى حفتر، بأنه بيان خاطئ. وقال مازق إن هذا البيان لا أساس له من الصحة على الإطلاق، مؤكدا أن الوزارة ليست لها طموحات سياسية، وأن هدفها هو حماية ليبيا وشعب ليبيا فقط. لكن الوكالة الرسمية قالت في المقابل إنها تلقت نص البيان الذي بثته من المكتب الإعلامي بالوزارة، لافتة إلى أنه منشور على موقع الوزارة الإلكتروني على شبكة الإنترنت.
من جهتها، اكتفت حكومة الثني بتوجيه رسالة مفتوحة إلى عمداء البلديات ورؤساء المجالس المحلية تضمن مبادرتها ذات النقاط العشر لحل الأزمة السياسية في البلاد عبر حل البرلمان وإعادة انتخاب رئيس الحكومة في جلسة سرية. ودعت الحكومة المجالس المحلية في أنحاء البلاد إلى مساندة اقتراحها. وقالت في بيان لها «إننا نرجو من جميع رؤساء هذه المجالس دراسة المبادرة بأسرع وقت ممكن».
وكان الثني قد التقى أمس رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وسفراء دول الاتحاد الأوروبي والقائم بالأعمال الأميركي، حيث أحاطهم علما بالتطورات التي حدثت خلال الأيام الماضية في مدينتي طرابلس وبنغازي، كما شرح مبادرة حكومته إلى المؤتمر الوطني بشأن معالجة الأوضاع الراهنة. وقال بيان لمكتب الثني إن السفراء أعربوا عن دعم منظمة الأمم المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية لهذه المبادرة، وأنهم يرون فيها الحل الأمثل لما تمر به ليبيا من أزمة في الوقت الراهن.
وأعلن تحالف القوى الوطنية، الذي كان يقوده الدكتور محمود جبريل رئيس أول حكومة للثوار، أنه يؤيد ويدعم الجيش الليبي في حربه للقضاء على الإرهاب ومصادر تمويله، لكنه اشترط أن تلتزم قيادات الجيش الوطني بوعدها الذي قطعته على نفسها أمام شعبها بعدم التدخل في الحياة السياسية بأي شكل من الأشكال، وكذلك حماية الخيار والمسار الديمقراطي الذي اختاره الليبيون في السابع عشر من فبراير (شباط) الماضي.
في المقابل، دعت غرفة عمليات ثوار ليبيا، الثوار للانسحاب بشكل مؤقت وعاجل من الجيش الليبي، وأكدت أن ثوار ليبيا لن يدخلوا في اقتتال داخلي، ولن يشاركوا في سفك دماء الليبيين، ولن يسهموا في إدخال ليبيا حروبا أهلية، المنتصر فيها خاسر. واعتبرت الغرفة التي يسيطر عليها الإسلاميون أن ما يجري حاليا من عمليات عسكرية انقلاب عسكري هدفه فقط الاستحواذ على السلطة، وإعادة عهد الديكتاتورية من جديد، عبر محاربة الثوار، وإجهاض ثورة 17 فبراير، على حد قولها.
واندلعت في الساعات الأولى من صباح أمس معارك عنيفة باستخدام الصواريخ والأسلحة الثقيلة والمتوسطة في عدة مناطق متفرقة من العاصمة طرابلس، حيث قال سكان محليون وشهود عيان إنهم سمعوا أصوات انفجارات ناجمة عن معارك ضارية بأسلحة مضادة للطائرات وصواريخ الجراد بالقرب من معسكرين للجيش في المدينة. وقال سكان إن عدة انفجارات مدوية وقعت بالقرب من ثكنة اليرموك في حي صلاح الدين، كما وقعت أيضا معارك ضارية بالقرب من معسكر للجيش في ضاحية تاجوراء الشرقية التي قال أحد سكانها «إننا نسمع انفجارات مدوية وطلقات نارية بالقرب من المعسكر لكننا لا نعرف من يطلق النار».
وقالت وكالة الأنباء الرسمية إن سكان طرابلس عاشوا ليلة أول من أمس على دوي أصوات الانفجارات في عدة مناطق، مما تسبب في حالة من الخوف والقلق والترقب، مشيرة إلى أنه في ظل الغياب الواضح لمؤسسات الدولة الرسمية، خاصة الأمنية منها، تنتشر في الشارع الشائعات والاتهامات المتبادلة.
ونجا العميد حسن بوشناق، رئيس أركان القوات البحرية، من محاولة اغتيال بعدما استهدف مجهولون مسلحون موكبه لدى توجهه لمقر عمله. وقال العقيد أيوب قاسم، المتحدث الرسمي باسم البحرية، إن الحادث أسفر عن إصابة بسيطة لرئيس الأركان وسائقه واثنين من الحراسات الذين تبادلوا إطلاق النار مع المسلحين في الضاحية الغربية للعاصمة.
وكانت رئاسة أركان قوات الدفاع الجوي قد أعلنت انضمامهما الكامل إلى قوات حفتر، ودعت في بيان لها الشعب الليبي في المدن والقرى الليبية كافة، إلى دعم الجيش الوطني والشرطة. وعقب هذا البيان تعرض المقر الإداري لرئاسة أركان الدفاع الجوي لقصف صاروخي لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنه، بالإضافة إلى هجوم مسلح آخر منفصل أسفر عن وقوع خسائر وأضرار مادية.
وقالت الرئاسة في بيان لها إنه عقب تصريح رئيس الأركان العميد جمعة العباني بوقوفه مع مطالب الشعب الليبي في نبذ العنف واستقرار الأمن في ليبيا، قامت مجموعة مسلحة مجهولة الهوية، بالعدوان على المقر، والسطو المسلح على الممتلكات الشخصية للأفراد من سيارات وأجهزة حواسيب، بالإضافة إلى العبث بالملفات وإتلاف محتوياتها.
وساد أمس التوتر الشديد معظم ضواحي مدينة بنغازي بشرق ليبيا، حيث رصدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» ما وصفته بترقب وهدوء حذر مع تمركز لقوات كبيرة بالضواحي للكتائب والميليشيات الإسلامية المسلحة معززة بمدنيين، بالإضافة إلى انتشار لأعلام سوداء (للجهاديين) في مفترقات وجزر دوران بعض المناطق. وقال إعلامي وأحد سكان بنغازي إن الإسلاميين متمركزون بمناطق محاذية وتجهيزات دفاعية عالية.. «لقد وضعوا بعض الحاويات بمناطق متفرقة»، مضيفا «نحن في انتظار المعركة الحاسمة.. التحشيد بلغ ذروته من الطرفين. نحن هنا جميعا ننتظر مظاهرات يوم الجمعة بحكم العادة».
إلى ذلك، قتل مسلحون في مدينة بنغازي مهندسا صينيا بعد خطفه من مقر عمله. وقالت السفارة الصينية إن المهندس كان واحدا من ثلاثة آخرين يعملون في شركة تشييد صينية خطفوا من مقر عملهم، مشيرة إلى أنه تم العثور عليه في وقت لاحق مصابا بعيار ناري ولفظ أنفاسه الأخيرة في المستشفى بينما أطلق سراح زميليه.
ونفى مسؤولون رسميون ما تردد أمس عن إغلاق ميناء بنغازي البحري، وقالوا إنه يعمل بشكل اعتيادي، وإن الحركة التجارية لم تتوقف عن العمل طيلة الأيام الماضية. وتكافح المؤسسات الجديدة في ليبيا منذ انتهاء حرب 2011 التي أطاحت بنظام حكم القذافي للحصول على دعم شعبي وإحراز تقدم نحو الديمقراطية الكاملة، لكن الحكومة المركزية عاجزة عن بسط سيطرتها على كتائب وميليشيات ساعدت في الإطاحة بالقذافي وأصبحت تتحدى سلطة الدولة لفرض مطالبها. وبعد ثلاثة أعوام من انتهاء حكم القذافي لا تزال ليبيا تعاني الاضطرابات، فهي بحكومتها الهشة وببرلمانها المنقسم وبجيشها الناشئ غير قادرة على السيطرة على جماعات متنافسة من مقاتلين سابقين غالبا ما يتحدون إرادة الدولة.
وكان حفتر حليفا للقذافي، لكنه انقلب عليه في الثمانينات، وهو أحدث شخصية تظهر في شبكة المقاتلين السابقين بليبيا والميليشيات والمتشددين الإسلاميين الذين يتنافسون على السيطرة على أجزاء من البلاد. ويوم الجمعة الماضي بدأ حفتر ما سماه حملة عسكرية على الإسلاميين في بنغازي بشرق البلاد، وأعلن أيضا المسؤولية عن الهجوم على البرلمان في طرابلس. وفي معركة سياسية بشأن من يسيطر على ليبيا زادت الحكومة الضغط على البرلمان ليوقف عمله إلى حين إجراء انتخابات برلمانية عامة في شهر يونيو (حزيران) المقبل، في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة لحل أزمة بشأن البرلمان تشمل كتائب قوية لمقاتلين سابقين بالمعارضة.
ويأتي البرلمان المنقسم بين إسلاميين وقوى مناهضة للإسلاميين في صلب الأزمة، بعد أن هاجم مسلحون موالون للواء حفتر مقر البرلمان بمدافع مضادة للطائرات وطالبوا بتعليق أعماله.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.