التسوق الإلكتروني يعيد تشكيل سوق التجزئة

متاجر أميركية تفلس وأخرى تعاني

التسوق الإلكتروني يعيد تشكيل سوق التجزئة
TT

التسوق الإلكتروني يعيد تشكيل سوق التجزئة

التسوق الإلكتروني يعيد تشكيل سوق التجزئة

يشهد قطاع تجارة التجزئة الأميركية تحولات عميقة قد تغير شكله ومضمونه تدريجياً وجذرياً. ولذلك أسباب كثيرة، بينها زيادة الإقبال على التسوق عبر الإنترنت، فهذا الإقبال يسجل معدلات نمو من خانتين منذ عدة سنوات. وفي النصف الأول من العام الحالي، كان النمو 14.2 في المائة.
ففي الوقت الذي تغلق فيه محال وفروع، مع تسريح عمالة من المتاجر التقليدية، تعلن شركة «أمازون» عن وظائف بعشرات الآلاف، كما فعلت الشهر الماضي عندما وظفت 50 ألف أمين مستودع دفعة واحدة. وتضاعف هذا التوظيف لدى شركة التجارة الإلكترونية 3 مرات في 3 سنوات.
على الجانب الآخر، وعلى أرض الواقع، فالقطاع التجاري مأزوم. فوفقاً لعدد من التقارير المتخصصة التي صدرت في الأشهر الأخيرة، يشهد القطاع إفلاس عدد من علاماته، أو مصارعة للبقاء لدى أخرى. وهذا حال سلاسل عريقة مثل «سيرز» و«جي سي بيني» و«ميسيز» التي أغلقت مئات الفروع، وألغت آلاف الوظائف، في الآونة الأخيرة.
وتؤكد مصادر نقابية وعمالية أن عام 2017، وبناء على الوتيرة السائدة منذ بدايته «سيشهد إنهاء خدمات 100 ألف موظف وعامل. ولذلك كلفة اجتماعية لأن معظم هؤلاء قد لا يجدون وظائف أخرى لأنهم من غير حملة الشهادات العلمية أو المهنية العليا. كما أن كل 4 وظائف في التجارة التقليدية لا يقابلها في الإلكترونية إلا وظيفة واحدة فقط».
إنه اقتصاد جديد، جزء من التجارة التقليدية يموت ليحل محله تسوق إلكتروني بأسعار أقل، وخيارات أوسع، وخدمات شخصية أكثر، على المقاس وحسب الرغبة، تقدم للمتسوقين الذين يتمتعون الآن بتوصيل سريع إلى منازلهم وأمكنة عملهم. ففي هذا الجانب، نرى قطاعاً سريع النمو ومتطوراً بحداثة تكنولوجية مفعمة بالإبداع والابتكار، مقابل «ديناصورات تواجه خطر الانقراض»، بحسب تعبير ورد في تقرير لأحد البنوك المقرضة للسلاسل التجارية التقليدية. أما لجوء المحال والمتاجر والسلاسل إلى الخيار الإلكتروني، بفتح منصات بيع «أونلاين» خاصة بها، فقد يرتد سلباً عليها لأن المتسوق عبرها سيستغني عن الذهاب إلى فروعها على أرض الواقع، كما أكد ذلك التقرير المصرفي الذي يوصي بـ«تخفيض الانكشاف على التجارة التقليدية».
أما بداية التحولات، فقد لوحظت منذ 2008، أي بعد اندلاع الأزمة المالية، وهبوط مداخيل شرائح واسعة من الأميركيين. فمنذ ذاك الحين، ازداد الإقبال على المنصات الإلكترونية بحثاً عن سلع أرخص.
إلى ذلك، يضاف عامل اقتصادي هيكلي لا علاقة له بتأثير التسوق الإلكتروني، وهو أنه في الولايات المتحدة الأميركية معدل 2.2 متر تجاري مربع لكل واحد من السكان، وهذا المعدل هو الأعلى عالمياً، مقابل 1.5 متر في كندا التي تأتي في المرتبة الثانية دولياً، وأستراليا ثالثة بمعدل متر تجاري واحد لكل مواطن، أما في بريطانيا فالمعدل 0.46 فقط.
ومع تراجع الإقبال على المتاجر، ارتفع معدل الشاغر في المجمعات التجارية إلى 10 في المائة، وفقاً لإحصاءات أجمعت عليها عدة مكاتب متخصصة بالاستثمار العقاري. وتشير تقارير تلك المكاتب إلى أن «إقفال المساحات التجارية في النصف الأول من 2017 بلغ 7 ملايين متر مربع، أي ما يعادل المساحات المغلقة في كامل 2016، والإغلاق في 18 شهراً يساوي ما مساحته 1900 ملعب كرة قدم».
ويعاني قطاع العقارات التجاري في الولايات المتحدة حالياً الأمرين، بحسب مكتب الاستشارات «غريت ستريت أدفايزر» الذي يؤكد أن مؤشرات هذا القطاع انتقلت من الأخضر إلى البرتقالي. فالطلب تراجع بنسبة 11 في المائة، والعوائد هبطت من 13.5 في المائة في 2015 إلى 9.2 في المائة في 2016، وتشهد هبوطاً إضافياً في 2017. فبعد أن كانت تلك المجمعات، ولعقود طويلة من الزمن، تشكل نقاط جذب للأفراد والعائلات الباحثة عن التسوق والترفيه، يتراجع الإقبال عليها منذ سنوات لأنها لم تعد تقدم جديداً. فالتجربة الممتعة لدى البعض الآن تمر عبر تصفح منصات الإنترنت، وقضاء وقت في مقارنات الأسعار، في جولات تسوق إلكتروني سهل ومشوق.
وتتأثر القطاعات بنسب مختلفة، فهناك ماركات تتعثر مثل «إيربوستال» للألبسة، و«راديو شاك» أو «إتش إتش غريغ» للإلكترونيات، أما رواد تجارة الغذاء فيقاومون جيداً، فالسيطرة مستمرة لمتاجر «وول مارت» و«كروكر». لكن شركة أمازون دخلت هذا القطاع الشهر الماضي، بشرائها متاجر «هول فودز» المتخصصة بالغذاء العضوي والطبيعي، بصفقة قيمتها 13.7 مليار دولار، علماً بأن «أمازون»، ومنذ 2008، أطلقت خدمة توصيل الغذاء، وناشطة في ذلك عبر عدة ولايات أميركية. وبشراء «هول فودز»، لا تطمح «أمازون» لتكون الأولى في هذا القطاع على المدى القصير، بل تستهدف الطبقات الميسورة غير المتوقفة كثيراً أمام عامل السعر، لأنها تفتش عن المنتج العضوي بأي ثمن أحياناً. وستحول أمازون الـ431 متجراً التابعين لـ«هول فودز» إلى «مختبر سوبر ماركت المستقبل»، كما ورد في أحد بياناتها بعد الصفقة.
وبالعودة إلى علامات التعثر، فإن شركة «سيرز»، التي تأسست قبل 131 عاماً، قالت في تقرير إلى المساهمين، وفي إفصاح موجه إلى هيئة أسواق المال بداية 2017 «إن نتائجها التشغيلية تظهر شكاً جوهرياً في قدرتها على الاستمرارية»، وكانت الشركة قد خسرت في آخر 3 سنوات 5 مليارات دولار لأسباب مختلفة، أبرزها فشل دمج شركة «كي مارت» الذي حصل في 2004. فبعدما كان للشركتين 3800 فرع في الولايات المتحدة وكندا في 2007، فان العدد الآن أقل بنسبة 50 في المائة.
إلى ذلك، فسلسلة متاجر «إيروبوستال» للألبسة اقتربت من التعثر هي الأخرى العام الماضي، وكذلك حال «راديو شاك» للإلكترونيات، كما وضعت «إتش إتش غريغ» نفسها تحت قانون الحماية من الإفلاس هذا العام، وليس حال محال «غوردمانز» للألبسة والجواهر والإكسسوارات والتجميل أفضل من ذلك. وهناك إعلانات لإغلاق 3500 فرع لسلاسل ومتاجر مثل «جي سي بيني» و«كروكس» و«ستابلس» و«أبركومبي فيتش» و«أميركان ابيرل»... وستغلق «ميسز» 68 فرعاً، من أصل 700.
وورد في التقرير المصرفي أنه خلال العشر سنوات المقبلة «ستغلق نصف المجمعات المنتشرة في الولايات، وعددها 1100، حتى أن هذه الظاهرة دفعت متخصصين لإنشاء موقع إلكتروني اسمه (ديد مول.كوم)، يرصد المجمعات التي تغلق، ويؤرخ إفلاساتها، ويسرد قصصاً عن معاناتها».
في المقابل، بات لدى شركة أمازون للتسوق الإلكتروني 285 مليون حساب ناشط على منصتها، وتعلن بين الحين والأخر توسعات وتحديثات مذهلة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أطلقت في يونيو (حزيران) الماضي خدمة ملابس للعملاء المميزين (بريميوم)، تخولهم اختيار حتى 15 قطعة تصلهم إلى منازلهم للتجربة والقياس. يختارون منها، ويدفعون ما يشترونه فقط، مع إمكان خفض السعر أكثر إذا وقع الاختيار على أكثر من قطعة ملابس. وفور إعلان هذه الخدمة، هبطت في البورصة أسعار أسهم عدد من شركات النسيج والملبوسات.
ولشركة «أمازون» ميزة ليست عند أي متجر تقليدي، فباستطاعتها استناداً إلى البيانات الهائلة التي على منصتها أن تعرف أولاً بأول ماذا يفضل المتسوقون، وماذا يشترون. وبناء عليه، تستطيع التموضع حيث الإقبال والرواج. لتكون الأسرع في عرض الرائج لأن برامجها الإلكترونية ترصد الاتجاهات بشكل لحظي، بفضل مليارات النقرات التي تحصيها وتخزنها، وتحللها بلمح البصر.
ودفع ذلك ماركات عريقة وغالية وفاخرة إلى عقد اتفاقات معها لعرض منتجاتها على المنصة الإلكترونية، بعدما كانت تلك الماركات تتجنب «أمازون» لبيعها المنتجات الرخيصة، لكن مع الزمن باتت منصة لا يمكن تجاهلها لأن جيل الألفية يفضلها، ويتسوق عبرها، إذ وصلت نسبة المتسوقين من خلالها (من شريحة 18 إلى 37 سنة) نحو 17 في المائة، وتضطر الماركات الفاخرة الآن إلى اللجوء إلى «أمازون» لأن متاجرها التقليدية لا تجذب جيل الشباب.
ولا يقتصر تأثير «أمازون» على التجارة، بل يتجاوز ذلك إلى عالم التكنولوجيا نفسه، بعدما باتت منصة الشركة ثاني محرك بحث في الولايات المتحدة بعد «غوغل»، لذا قبلت الأخيرة عرضاً من «وول مارت» لعرض مئات الآلاف من السلع للبيع، في سباق محموم ستظهر نتائجه الإضافية في السنوات المقبلة، على شكل ثورة تجارية لم يشهد التاريخ مثيلاً لها من قبل. فكما كانت الولايات المتحدة سباقة عالمياً في بناء المجمعات التجارية (المولات) قبل 60 عاماً، فهي الآن ترسم خريطة طريق التجارة على نحو مختلف جذرياً.



«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

TT

«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)

مع تسارع التحولات الاقتصادية عالمياً، وإعادة الدول ترتيب أولوياتها الاستثمارية وسلاسل الإمداد، تبرز السعودية لاعباً محورياً بفضل رؤيتها الواضحة لتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي.

هذا ما أكده الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية»، الدكتور مهند الشيخ، موضحاً أن الفرص التجارية في المملكة تتجه بقوة نحو الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات العملاقة التي يتوقع أن تحقق نمواً سنوياً يصل إلى 29 في المائة على مدى ما بين 7 و8 سنوات مقبلة، بالتوازي مع المشروعات العملاقة والسياحة الدينية والانفتاح المتنامي على تملك الأجانب العقار.

جاءت تصريحات الشيخ لـ«الشرق الأوسط» على هامش «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص»، في الرياض، حيث أوضح أن «المشهد الاقتصادي في المملكة اليوم يقوم على رؤية استثمارية وتجارية واضحة، مدعومة بتشجيع الاستثمار الأجنبي، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكاً رئيسياً في النهضة الاقتصادية الجارية».

وقال إن التحول العالمي الناتج عن الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية جعل الدول أعمق وعياً بأهمية بناء قواعد إنتاج محلية قوية؛ «مما استفادت منه السعودية عبر تسريع برامج التوطين وتعزيز بيئة الأعمال».

الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات

ويرى الشيخ أن الحصة الكبرى من فرص النمو خلال السنوات المقبلة ستكون في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة، مشيراً إلى وجود نقص عالمي في الكفاءات المختصة بتصميم وهندسة هذه المراكز، وكذلك بتصنيع المعدات المرتبطة بها.

وأضاف أن نجاح مراكز البيانات يعتمد بشكل أساسي على سرعة التنفيذ وطرح المشروعات في السوق للمستثمرين أو المستفيد النهائي؛ «مما يجعل توفر الموارد البشرية المؤهلة عاملاً حاسماً».

ولفت إلى أن المملكة «بحكم أنها مصدر رئيسي للطاقة، فإن تمتلك ميزة تنافسية مهمة في هذا المجال، خصوصاً أن مراكز البيانات تعتمد بشكل كبير على الطاقة والتبريد». كما أشار إلى «الاستثمارات المعلنة من قبل شركات محلية من بينها (هيوماين) و(إس تي سي)، إلى جانب التركيز المتصاعد من الجامعات السعودية على إطلاق برامج علمية تدعم احتياجات القطاع الخاص في هذا المجال الذي يشهد نقصاً عالمياً في المهارات».

وأضاف أن موقع المملكة الجغرافي الذي يربط الشرق بالغرب، إلى جانب بنيتها التحتية الرقمية، «يعززان من جاذبيتها بوصفها مركزاً إقليمياً لمراكز البيانات المتصلة بالذكاء الاصطناعي».

إلى جانب التكنولوجيا، أشار الشيخ إلى أن «المشروعات العملاقة المقبلة، واستضافة المملكة فعاليات دولية كبرى، من بينها (كأس العالم لكرة القدم) و(إكسبو)، سيفتحان آفاقاً واسعة أمام قطاعات متعددة». كما توقع نمواً كبيراً في مكة المكرمة والمدينة المنورة بمجال السياحة الدينية، مدعوماً بانفتاح السوق السعودية على الاستثمار الأجنبي والسماح بتملك الأجانب العقار.

محفزات التوطين

وبشأن العوامل الأساسية لنجاح مشروعات التوطين، أوضح الشيخ أن السوق السعودية تمثل ما بين 60 و70 في المائة من سوق الشرق الأوسط؛ «مما يجعل وجود الصناعات داخل المملكة ضرورة تفرضها سرعة الوصول إلى المنتج النهائي، قبل أن يكون مطلباً تنظيمياً». وأضاف أن المحفزات الحكومية لعبت دوراً داعماً من خلال تشجيع توطين بعض الصناعات وتعزيز سلاسل الإمداد.

وبين أن «جونسون كنترولز العربية» تعمل مع نحو 280 مورداً، وأن بعض منتجاتها تضم ما يصل إلى 40 ألف جزء؛ «مما يجعل استدامة سلاسل الإمداد عنصراً حيوياً للمصنعين». كما شدد على أهمية التعاون مع الجامعات السعودية في البحث والتطوير، مشيراً إلى أن هذا التعاون أسهم في رفع المحتوى المحلي؛ «بل ومكّن الشركة من تصنيع منتجات في السعودية وتصديرها إلى أسواق أميركية؛ نظراً إلى تطابق معايير الاستهلاك والجودة».

وأضاف أن وجود مراكز بحث وتطوير ومختبرات محلية يسرّع تطوير المنتجات ويساعد الشركات على تلبية متطلبات الأسواق الإقليمية والدولية.

سلاسل الإمداد وفرص المستقبل

وبشأن توطين سلاسل الإمداد، قال الشيخ إن جائحة «كوفيد19» كانت نقطة تحول عالمية؛ إذ أدركت الدول خلالها أهمية تأمين احتياجاتها داخلياً. وأوضح أن المملكة تشهد اليوم «ثورة اقتصادية» على مستوى المشروعات والبيئة الاستثمارية، «مع توفر قاعدة صناعية محلية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في كثير من المنتجات النهائية».

وأشار إلى أن «الفرص لا تزال واسعة أمام المستثمرين العالميين للدخول في مجال توطين سلاسل الإمداد»، لافتاً إلى أن «هذا القطاع تحديداً ما زال يحمل إمكانات نمو أكبر مقارنة بالمنتجات النهائية التي حققت السعودية فيها مستويات متقدمة من الاكتفاء».

منصة تربط العرض بالطلب

وقال الرئيس التنفيذي إن «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص» يمثل منصة عملية تجمع جميع الأطراف لتمكين الفرص وتحويلها إلى شراكات ومشروعات ملموسة.

يذكر أن «المنتدى» يجمع بين العرض والطلب، عبر ربط شركات محفظة الصندوق بالجهات الحكومية والمستثمرين وشركات القطاع الخاص، بما يفتح آفاقاً واسعة لعقد شراكات جديدة وتشكيل موجة تالية من المشروعات التي تعزز دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.

ويختصر الشيخ المشهد بالقول إن «المملكة اليوم تعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل الصناعة، والابتكار، وسلاسل الإمداد، والكوادر البشرية؛ مما يضعها في موقع متقدم للاستفادة من موجة التحول العالمي المقبلة، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والصناعات المتقدمة».


«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة
TT

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

لم يكن البيان المشترك الصادر عن وزير المالية السعودي محمد الجدعان، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في ختام «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»، مجرد توثيق روتيني لانتهاء الفعاليات؛ بل جاء ليعلن عمَّا يمكن وصفه بـ«مانيفستو العُلا» الاقتصادي الجديد الخاص بالاقتصادات الناشئة.

ولمن يتساءل عن ماهية «المانيفستو»؛ فهو في العُرف السياسي والاقتصادي «وثيقة مبادئ علنية» تُحدد أهدافاً استراتيجية ونيّات حاسمة لإحداث تغيير جذري في واقع قائم. وفي قلب العُلا، لم يكن هذا البيان مجرد كلمات، بل كان «ميثاقاً» يضع خريطة طريق لإنهاء حقبة «التبعية الاقتصادية» وتأسيس عهد تكون فيه الاقتصادات الناشئة هي القائد لا التابع.

التحليل العميق لمخرجات هذا «المانيفستو» يكشف عن تحول جذري: فالاقتصادات الناشئة لم تعد «الخاصرة الضعيفة» التي تئنّ تحت وطأة أزمات الدول المتقدمة، بل تحوّلت إلى «صمّام أمان» يقود اليوم 70 في المائة من النمو العالمي.

لقد أبرز مؤتمر العُلا الصمود الاستثنائي للاقتصادات الناشئة في وجه العواصف الجيوسياسية، بالتقاطع مع إطلاق تنبيه صارم مفاده أن «هذا ليس وقت التراخي». وفي البيان الختامي الصادر عن الجدعان وغورغييفا، تم التأكيد أن المؤتمر في نسخته الثانية رسَّخ مكانته منتدىً عالمياً مخصصاً يركز على التحديات والفرص المشتركة.

كما شدد الجدعان وغورغييفا على أن المرحلة المقبلة تفرض «ضرورة ملحة لتعزيز أطر السياسات والمؤسسات لدعم قدرة الاقتصادات الناشئة على الصمود واستغلال الفرص الكامنة، خصوصاً في ظل بيئة عالمية يكتنفها عدم يقين مستمر، وتحولات جيوسياسية عميقة، وتغير متسارع في أنماط التجارة العالمية والتكنولوجيا».

وقال البيان: «على مدى اليومين الماضيين، ركّزت المناقشات على كيفية تمكّن اقتصادات الأسواق الناشئة من التعامل مع بيئة عالمية تتسم باستمرار حالة عدم اليقين، والتحولات الجيوسياسية، وتغيّر أنماط التجارة، والتطور التقني المتسارع. وتُبرز هذه التحولات العميقة الحاجة الملحّة إلى تعزيز أطر السياسات والمؤسسات بما يدعم القدرة على الصمود ويُمكّن من اغتنام الفرص المتاحة في المرحلة المقبلة».

كسر قاعدة «الزكام» التاريخية

أبرزت مخرجات المؤتمر رسالة جوهرية وهي كسر القاعدة التاريخية التي تقضي بإصابة الأسواق الناشئة بـ«الزكام» كلما عطست الدول المتقدمة. فقد أشار البيان إلى أن الأطر السياساتية الموثوقة التي تبنتها هذه الدول جعلتها أكثر صموداً في وجه التضخم وتقلبات العملات، مما حافظ على قدرتها على النفاذ إلى الأسواق العالمية حتى في ظل ذروة عدم اليقين.

الإصلاحات

كما حدد البيان المشترك أن التحدي الحقيقي الآن ليس مجرد «البقاء» بل «الازدهار» والانطلاق إلى المرحلة التالية من الإصلاحات، وهي الإصلاحات التي تحقق نمواً أعلى وأكثر استدامة وزيادة بفرص العمل. وهنا تبرز ركائز المرحلة المقبلة التي تتجاوز استقرار المؤشرات الكلية إلى تحسين مستوى معيشة الشعوب عبر:

  • إطلاق عنان القطاع الخاص بوصفه المحرك الأساسي، مع ضرورة تقليل البيروقراطية وتعميق الأسواق المالية.
  • الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية.
  • الاستثمار في «الإنسان»: تأهيل الشباب في الدول الناشئة ليكونوا وقوداً لسوق العمل العالمية المتغيرة، وليس مجرد عبء ديمغرافي.

كما بعث المؤتمر برسالة مفادها أنه في ظل التحولات المتسارعة في أنماط التجارة والاستثمار، فإن تعميق التكامل داخل الإقليم وبين الأقاليم المتعددة يوفر فرصاً واعدة ومهمة. ويبقى تمكين التجارة وتعزيز التعاون الإقليمي أمرين أساسيين لاقتصادات الأسواق الناشئة في إطار تكيفها مع المشهد الاقتصادي العالمي المتغير.

تحذير من فخ الظروف المواتية

توازياً مع البيان الختامي، قدم الجدعان وغورغييفا في مقال تحليلي مشترك نشرته «بروجيكت سينديكيت» (Project Syndicate) العالمية، قراءة نقدية لمستقبل الأسواق الناشئة. وقد انطلق المقال من حقيقة تاريخية تغيرت؛ فبينما كان يُقال قديماً: «إذا عطست الاقتصادات المتقدمة، أصيبت الأسواق الناشئة بالزكام»، أثبتت الأزمات الأخيرة -من تضخم ما بعد جائحة «كورونا»، إلى موجات التعريفات الجمركية- أن الأسواق الناشئة باتت تمتلك حصانة ذاتية، حيث استقرت عملاتها، وتباطأ التضخم فيها، وبقيت تكاليف ديونها تحت السيطرة.

ورغم هذا الصمود، حدد الجدعان وغورغييفا «نقاط اليقظة» في أربعة محاور استراتيجية:

أولاً- حذر من «فخ التراخي» والمكاسب الهشة: أكد الجدعان وغورغييفا أن هذا ليس وقت الركون للهدوء.

ثانياً- التحول من «الدفاع» إلى «الهجوم» عبر الإصلاحات: أشاد الجدعان وغورغييفا بنماذج إصلاحية ناجحة؛ مثل البرازيل التي كانت سباقة في رفع الفائدة لمواجهة التضخم، ونيجيريا التي أصلحت نظام تسعير الطاقة، ومصر التي توسع قاعدتها الضريبية وتعتمد الرقمنة. وشددا على أن الصمود لا يترجَم تلقائياً إلى نمو، بل تجب الموازنة بين سياسات تعزيز النمو والحفاظ على «الهوامش المالية» (الاحتياطيات) للحماية من التقلبات.

ثالثاً- الذكاء الاصطناعي والاستثمار في «العنصر البشري»: دعا الجدعان وغورغييفا الدول الناشئة إلى الاقتداء بـالسعودية والهند ودول الخليج في استثماراتها الضخمة في البنية التحتية الرقمية، ووصفاها بالأساس الضروري لتبني الذكاء الاصطناعي. كما ركزا على «العائد الديمغرافي»، مؤكداً أن السكان الشباب هم «أصول اقتصادية» هائلة، لكن بشرط الاستثمار المكثف في تعليمهم وتدريبهم لمواجهة تحديات سوق العمل العالمية.

رابعاً- «التكامل» في مواجهة «التشرذم الجيوسياسي»: أقر الجدعان وغورغييفا بأن التوترات في التحالفات القديمة خلقت حالة من عدم اليقين، لكنها في المقابل خلقت فرصاً لأنماط جديدة من التعاون. وأشارا إلى أن دولاً في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بدأت بالفعل في صياغة روابط تجارية ومالية أعمق، مما يجعل «التعاون الإقليمي» أداة بقاء وازدهار في ظل تراجع العولمة التقليدية.

واختتم الجدعان وغورغييفا بيانهما المشترك بالإعراب عن التقدير للالتزام الذي أبدته اقتصادات الأسواق الناشئة بالتكاتف وتبادل الخبرات واتخاذ خطوات حاسمة لمواجهة التحديات العالمية، متطلعَين إلى مواصلة هذه المناقشات والبناء على هذا الزخم في النسخ المقبلة من مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة.

إن «مانيفستو العُلا» لم يعد مجرد كلمات في ختام مؤتمر، بل هو تعهد دولي بصياغة مستقبل يقوده «المحرك السيادي» للاقتصادات الناشئة، متطلعين إلى بناء زخم أكبر في النسخ المقبلة من هذا المنتدى العالمي الفريد.


رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
TT

رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)

قال نيكولاس كاتشاروف الرئيس التنفيذي لشركة «إنرجيان ‌إنترناشونال»، ​الثلاثاء، إن ‌مصر وجَّهت شركات النفط الدولية بمضاعفة ⁠الإنتاج ‌بحلول عام ‍2030.

وأضاف، وفقاً لـ«رويترز»، أن العقود الحالية تحتاج إلى إعادة ​التفاوض لزيادة إنتاج مشاريع إعادة ⁠تطوير المناطق.

وأوضح أن أسعار الغاز المنخفضة التي دعمت مراحل التطوير السابقة قد «انتهت»، مما يستدعي تحديث الشروط لتشجيع الشركات على استثمار رؤوس أموالها وزيادة الإنتاج في المواقع القائمة.وقال: «لا أستطيع تحديد السعر بدقة، لكن هناك فرقا شاسعا بين أسعار الغاز المحلي وأسعار الغاز المستورد». وأشار إلى أن شركته مدينة لمصر بأكثر من 200 مليون دولار، وقد استلمت مؤخراً 80 مليون دولار، مؤكداً أن الشركة لا تزال واثقة من تعهدات وزير البترول بتسديد المتأخرات المتبقية. كما ذكر أن تدفقات الغاز من إسرائيل إلى مصر قد ارتفعت، وأن خط الأنابيب يعمل الآن بكامل طاقته.