مصر تتطلع لعضوية مجموعة «بريكس»

القاهرة تستعرض إمكاناتها الجاذبة أمام قمة شيامن في الصين

مصر تتطلع لعضوية مجموعة «بريكس»
TT

مصر تتطلع لعضوية مجموعة «بريكس»

مصر تتطلع لعضوية مجموعة «بريكس»

تحضر مصر ضيفة في قمة مجموعة دول «بريكس»، المكونة من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، والتي تنطلق غدا الأحد بمدينة شيامن الصينية، خلال الفترة من 3 إلى 5 سبتمبر (أيلول) الجاري.
ووجهت الصين دعوة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لحضور القمة، ورأت الهيئة العامة للاستعلامات في مصر، وهي هيئة رسمية رفيعة تابعة لقطاع رئاسة الجمهورية، أن دعوة الرئيس المصري لهذه القمة تعد بمثابة تقدير لمصر، وإدراك لأهميتها الإقليمية والدولية، والثقة فيما تحققه في مجالات الأمن والاقتصاد والإصلاح السياسي، مشيرة إلى أن مشاركة مصر وعرض رؤيتها على هذه القمة يعزز احتمالات انضمامها لعضوية المجموعة، التي أضحت محط اهتمام كثير من الدول الساعية للانضمام لعضويتها، مثل الأرجنتين ونيجيريا وإندونيسيا.
وأوضح تقرير صادر عن الهيئة أمس، أن انضمام مصر إلى عضوية مجموعة «بريكس» يحمل كثيرا من الفرص والمزايا، خاصة على صعيد التنمية والتجارة والاستثمار، فهذه المجموعة استطاعت في وقت قصير أن تحقق نجاحا ملموسا لصالح أعضائها على نحو أفضل مما حققته مجموعات دولية وإقليمية أخرى تسبقها بسنوات بعيدة، فقد استطاعت دول «بريكس» زيادة التجارة البينية بين أعضائها لتصل في عام 2016 إلى 16.6 تريليون دولار، كما ارتفعت حصتها في التجارة الدولية من 11 في المائة، إلى 16 في المائة، خلال أقل من عشر سنوات.
في الوقت نفسه، فإن تعزيز التعاون الاقتصادي بين مصر ودول مجموعة «بريكس» يفتح آفاقا واسعة أمام الاقتصاد المصري، فالناتج المحلى الإجمالي لهذه المجموعة يبلغ نحو تريليون دولار، بما نسبته نحو 23 في المائة من الاقتصاد العالمي، ولديها خطط استثمارية كبيرة من خلال بنك التنمية التابع لها، برأسمال يبلغ 100 مليار دولار، يضاف إلى ذلك اهتمام المجموعة بتشجيع العلوم والتكنولوجيا والابتكار فيما بينها، حيث تساهم الدول الخمس بنحو 27 في المائة من الأبحاث العلمية المنشورة في المجلات الدولية، وتنفق 17 في المائة من الاستثمارات الدولية في مجالات البحث والتطوير.
ويشير تحليل هيئة الاستعلامات إلى أن مجموعة دول «بريكس» لم تضع شروطا محددة للعضوية أو معايير واضحة لانضمام دول أخرى إليها، فقد بدأت المفاوضات الخاصة بالمجموعة بأربع دول عام 2006، ثم انضمت إليها جنوب أفريقيا عام 2010 بعد مفاوضات بين الطرفين. ويقول التحليل إنه «بالنظر إلى ظروف نشأة المجموعة، وأهدافها، وخصائص دولها، فإن مصر تعد من بين أكثر الدول المؤهلة لاكتساب عضويتها، استناداً لمؤشرات كثيرة، من بينها أن مصر تمثل إضافة مهمة للمجموعة على الصعيد السياسي والاستراتيجي والجغرافي».
وعلى الصعيد الاقتصادي، تشير هيئة الاستعلامات إلى أن «مصر أصبحت اليوم مؤهلة لعضوية المجموعة بنجاحات ومؤشرات كثيرة، بعدما حققت في ثلاث سنوات فقط مستويات ملموسة من الأمن والاستقرار، وبدأت برنامجها للإصلاح الاقتصادي، والذي بدأت آثاره الإيجابية تظهر على أرض الواقع، وتحظى بثقة المؤسسات الاقتصادية والمالية والتجارية العالمية، التي ترى أن مصر تملك اقتصادا بازغا واعدا، فمجموعة (بريكس) أنشئت بين دول الاقتصادات الصاعدة، ومصر اليوم أصبحت إحدى الدول التي ينطبق عليها هذا الوصف».
وطبقا لتقديرات البنك الدولي، احتلت مصر المرتبة 32 على مستوى العالم لعام 2016، حيث بلغ الناتج المحلي الإجمالي لمصر 346.57 مليار دولار، بينما احتلت جنوب أفريقيا - إحدى دول «بريكس» - المرتبة 42 في نفس العام، بناتج محلى إجمالي 280.37 مليار دولار. كما أكد تقرير البنك الدولي «الآفاق الاقتصادية العالمية» الذي صدر في يونيو (حزيران) 2017، أنه من المتوقع أن يسجل معدل نمو الاقتصاد المصري واحدا من أسرع معدلات النمو لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال العامين المقبلين، حيث يتوقع نمو الاقتصاد المصري بنسبة 4.3 في المائة في العام الحالي، و5 في المائة في 2018، و5.3 في المائة في 2019.
ومن المتوقع أن تركز مصر في اجتماعات شيامن على عدد من القضايا المهمة، من بينها تفعيل التعاون بين دول الجنوب، وخاصة التعاون بين دول مجموعة «بريكس» والاقتصادات الناشئة الأخرى ومن بينها مصر، وخاصة في مجالات الاستثمار والبنية التحتية، وتدعيم التعاون بين مصر كممثل للدول العربية في المؤتمر، وبين مجموعة «بريكس» ومن بينها الصين.
وقد شهدت العلاقات التجارية بين مصر ودول تجمع «بريكس» نموا ملحوظا خلال الأعوام الخمسة الماضية، نتيجة الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر، والتي عززت انفتاح الاقتصاد المصري عالميا، وأسهمت في استقرار السوق المصرفية، وتحسن التصنيف الائتماني، واتفاقيات التجارة الحرة التي وقعتها مصر مع كثير من القوى الاقتصادية في العالم.
وتشير الإحصائيات إلى أن حجم التبادل التجاري بين مصر والصين بلغ في عام 2016 نحو 11 مليار دولار، بنسبة انخفاض قدرها 15 في المائة عن عام 2015؛ حيث بلغ حجم الصادرات المصرية إلى الصين 555 مليون دولار عام 2016، مقارنة بنحو 920 مليون دولار عام 2015. كما انخفض حجم الواردات المصرية من الصين خلال عام 2016 بنحو 13 في المائة، حيث بلغت قيمتها نحو 10.4 مليار دولار، مقابل 12 مليار دولار عام 2015.
وتسعى الصين إلى الاستفادة من المزايا التفضيلية التي تتمتع بها مصر، ومن بينها الموقع الجغرافي الفريد والسوق الضخمة التي تضم نحو 90 مليون مستهلك، فضلاً عن كونها بوابة لأكثر من مليار مستهلك يقطنون في الدول التي تتمتع فيها السلع المنتجة في مصر بمعاملة تفضيلية، مثل دول الاتحاد الأوروبي و«الكوميسا» والدول العربية والولايات المتحدة.
وتتركز مجالات التعاون بين مصر والصين في الكهرباء، والبترول، والغاز الطبيعي، والسكك الحديدية، والبنية التحتية، والموانئ، والصناعات المعدنية، ومواد البناء والتشييد، والصناعات الكيماوية، ومستلزمات الإضاءة، والمنسوجات، والأجهزة المنزلية.
ومن جانبها، تسعى الصين إلى تعظيم الاستفادة من مبادرة طريق الحرير في مضاعفة تجارتها مع الدول العربية ومن بينها مصر، وزيادتها من مستوى 240 مليار دولار عام 2015، إلى 600 مليار دولار خلال السنوات المقبلة، بالإضافة إلى الوصول بحجم تجارتها مع أفريقيا إلى 400 مليار دولار بحلول 2020.
ورغم توقعات المؤسسات المالية الدولية بهشاشة النمو الاقتصاد العالمي وتنامي أزمات الديون السيادية بعدد من الاقتصادات الكبرى، فإن قمة «بريكس» تسعى جاهدة لتأسيس مرحلة جديدة من التعاون بين الدول النامية ذات الاقتصادات الكبرى، لمواجهة شبح الركود الاقتصادي والإجراءات الحمائية التي تشكل تهديدا بالغا لحرية التجارة والنمو الاقتصادي العالمي، وإعادة رسم خريطة ميزان القوى الاقتصادية في العالم.
ويشكل تجمع «بريكس» الذي يتخذ من مدينة شنغهاي الصينية مقرا له، قوة اقتصادية وسياسية هائلة، ويبلغ إجمالي عدد سكان دوله الخمس نحو 2.8 مليار نسمة، يمثلون أكثر من 40 في المائة من سكان العالم، ويمتلك نحو 22.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأكثر من 40 في المائة من حجم إنتاج الطاقة العالمي، وأكثر من 16 في المائة من حجم التبادل التجاري العالمي. كما يستأثر بنصف الاحتياطي العالمي من العملات الأجنبية والذهب، ويستحوذ على نصف الاستثمارات الأجنبية المباشرة على المستوى العالمي.



«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

TT

«جونسون كنترولز العربية»: فرص النمو في السعودية تتجه للذكاء الاصطناعي

الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)
الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية» د. مهند الشيخ (الشرق الأوسط)

مع تسارع التحولات الاقتصادية عالمياً، وإعادة الدول ترتيب أولوياتها الاستثمارية وسلاسل الإمداد، تبرز السعودية لاعباً محورياً بفضل رؤيتها الواضحة لتمكين القطاع الخاص وجذب الاستثمار الأجنبي.

هذا ما أكده الرئيس التنفيذي لشركة «جونسون كنترولز العربية»، الدكتور مهند الشيخ، موضحاً أن الفرص التجارية في المملكة تتجه بقوة نحو الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات العملاقة التي يتوقع أن تحقق نمواً سنوياً يصل إلى 29 في المائة على مدى ما بين 7 و8 سنوات مقبلة، بالتوازي مع المشروعات العملاقة والسياحة الدينية والانفتاح المتنامي على تملك الأجانب العقار.

جاءت تصريحات الشيخ لـ«الشرق الأوسط» على هامش «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص»، في الرياض، حيث أوضح أن «المشهد الاقتصادي في المملكة اليوم يقوم على رؤية استثمارية وتجارية واضحة، مدعومة بتشجيع الاستثمار الأجنبي، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكاً رئيسياً في النهضة الاقتصادية الجارية».

وقال إن التحول العالمي الناتج عن الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية جعل الدول أعمق وعياً بأهمية بناء قواعد إنتاج محلية قوية؛ «مما استفادت منه السعودية عبر تسريع برامج التوطين وتعزيز بيئة الأعمال».

الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات

ويرى الشيخ أن الحصة الكبرى من فرص النمو خلال السنوات المقبلة ستكون في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات الضخمة، مشيراً إلى وجود نقص عالمي في الكفاءات المختصة بتصميم وهندسة هذه المراكز، وكذلك بتصنيع المعدات المرتبطة بها.

وأضاف أن نجاح مراكز البيانات يعتمد بشكل أساسي على سرعة التنفيذ وطرح المشروعات في السوق للمستثمرين أو المستفيد النهائي؛ «مما يجعل توفر الموارد البشرية المؤهلة عاملاً حاسماً».

ولفت إلى أن المملكة «بحكم أنها مصدر رئيسي للطاقة، فإن تمتلك ميزة تنافسية مهمة في هذا المجال، خصوصاً أن مراكز البيانات تعتمد بشكل كبير على الطاقة والتبريد». كما أشار إلى «الاستثمارات المعلنة من قبل شركات محلية من بينها (هيوماين) و(إس تي سي)، إلى جانب التركيز المتصاعد من الجامعات السعودية على إطلاق برامج علمية تدعم احتياجات القطاع الخاص في هذا المجال الذي يشهد نقصاً عالمياً في المهارات».

وأضاف أن موقع المملكة الجغرافي الذي يربط الشرق بالغرب، إلى جانب بنيتها التحتية الرقمية، «يعززان من جاذبيتها بوصفها مركزاً إقليمياً لمراكز البيانات المتصلة بالذكاء الاصطناعي».

إلى جانب التكنولوجيا، أشار الشيخ إلى أن «المشروعات العملاقة المقبلة، واستضافة المملكة فعاليات دولية كبرى، من بينها (كأس العالم لكرة القدم) و(إكسبو)، سيفتحان آفاقاً واسعة أمام قطاعات متعددة». كما توقع نمواً كبيراً في مكة المكرمة والمدينة المنورة بمجال السياحة الدينية، مدعوماً بانفتاح السوق السعودية على الاستثمار الأجنبي والسماح بتملك الأجانب العقار.

محفزات التوطين

وبشأن العوامل الأساسية لنجاح مشروعات التوطين، أوضح الشيخ أن السوق السعودية تمثل ما بين 60 و70 في المائة من سوق الشرق الأوسط؛ «مما يجعل وجود الصناعات داخل المملكة ضرورة تفرضها سرعة الوصول إلى المنتج النهائي، قبل أن يكون مطلباً تنظيمياً». وأضاف أن المحفزات الحكومية لعبت دوراً داعماً من خلال تشجيع توطين بعض الصناعات وتعزيز سلاسل الإمداد.

وبين أن «جونسون كنترولز العربية» تعمل مع نحو 280 مورداً، وأن بعض منتجاتها تضم ما يصل إلى 40 ألف جزء؛ «مما يجعل استدامة سلاسل الإمداد عنصراً حيوياً للمصنعين». كما شدد على أهمية التعاون مع الجامعات السعودية في البحث والتطوير، مشيراً إلى أن هذا التعاون أسهم في رفع المحتوى المحلي؛ «بل ومكّن الشركة من تصنيع منتجات في السعودية وتصديرها إلى أسواق أميركية؛ نظراً إلى تطابق معايير الاستهلاك والجودة».

وأضاف أن وجود مراكز بحث وتطوير ومختبرات محلية يسرّع تطوير المنتجات ويساعد الشركات على تلبية متطلبات الأسواق الإقليمية والدولية.

سلاسل الإمداد وفرص المستقبل

وبشأن توطين سلاسل الإمداد، قال الشيخ إن جائحة «كوفيد19» كانت نقطة تحول عالمية؛ إذ أدركت الدول خلالها أهمية تأمين احتياجاتها داخلياً. وأوضح أن المملكة تشهد اليوم «ثورة اقتصادية» على مستوى المشروعات والبيئة الاستثمارية، «مع توفر قاعدة صناعية محلية قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في كثير من المنتجات النهائية».

وأشار إلى أن «الفرص لا تزال واسعة أمام المستثمرين العالميين للدخول في مجال توطين سلاسل الإمداد»، لافتاً إلى أن «هذا القطاع تحديداً ما زال يحمل إمكانات نمو أكبر مقارنة بالمنتجات النهائية التي حققت السعودية فيها مستويات متقدمة من الاكتفاء».

منصة تربط العرض بالطلب

وقال الرئيس التنفيذي إن «منتدى صندوق الاستثمارات العامة والقطاع الخاص» يمثل منصة عملية تجمع جميع الأطراف لتمكين الفرص وتحويلها إلى شراكات ومشروعات ملموسة.

يذكر أن «المنتدى» يجمع بين العرض والطلب، عبر ربط شركات محفظة الصندوق بالجهات الحكومية والمستثمرين وشركات القطاع الخاص، بما يفتح آفاقاً واسعة لعقد شراكات جديدة وتشكيل موجة تالية من المشروعات التي تعزز دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.

ويختصر الشيخ المشهد بالقول إن «المملكة اليوم تعمل على بناء منظومة متكاملة تشمل الصناعة، والابتكار، وسلاسل الإمداد، والكوادر البشرية؛ مما يضعها في موقع متقدم للاستفادة من موجة التحول العالمي المقبلة، خصوصاً في مجالات الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والصناعات المتقدمة».


«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة
TT

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

«مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

لم يكن البيان المشترك الصادر عن وزير المالية السعودي محمد الجدعان، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، في ختام «مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»، مجرد توثيق روتيني لانتهاء الفعاليات؛ بل جاء ليعلن عمَّا يمكن وصفه بـ«مانيفستو العُلا» الاقتصادي الجديد الخاص بالاقتصادات الناشئة.

ولمن يتساءل عن ماهية «المانيفستو»؛ فهو في العُرف السياسي والاقتصادي «وثيقة مبادئ علنية» تُحدد أهدافاً استراتيجية ونيّات حاسمة لإحداث تغيير جذري في واقع قائم. وفي قلب العُلا، لم يكن هذا البيان مجرد كلمات، بل كان «ميثاقاً» يضع خريطة طريق لإنهاء حقبة «التبعية الاقتصادية» وتأسيس عهد تكون فيه الاقتصادات الناشئة هي القائد لا التابع.

التحليل العميق لمخرجات هذا «المانيفستو» يكشف عن تحول جذري: فالاقتصادات الناشئة لم تعد «الخاصرة الضعيفة» التي تئنّ تحت وطأة أزمات الدول المتقدمة، بل تحوّلت إلى «صمّام أمان» يقود اليوم 70 في المائة من النمو العالمي.

لقد أبرز مؤتمر العُلا الصمود الاستثنائي للاقتصادات الناشئة في وجه العواصف الجيوسياسية، بالتقاطع مع إطلاق تنبيه صارم مفاده أن «هذا ليس وقت التراخي». وفي البيان الختامي الصادر عن الجدعان وغورغييفا، تم التأكيد أن المؤتمر في نسخته الثانية رسَّخ مكانته منتدىً عالمياً مخصصاً يركز على التحديات والفرص المشتركة.

كما شدد الجدعان وغورغييفا على أن المرحلة المقبلة تفرض «ضرورة ملحة لتعزيز أطر السياسات والمؤسسات لدعم قدرة الاقتصادات الناشئة على الصمود واستغلال الفرص الكامنة، خصوصاً في ظل بيئة عالمية يكتنفها عدم يقين مستمر، وتحولات جيوسياسية عميقة، وتغير متسارع في أنماط التجارة العالمية والتكنولوجيا».

وقال البيان: «على مدى اليومين الماضيين، ركّزت المناقشات على كيفية تمكّن اقتصادات الأسواق الناشئة من التعامل مع بيئة عالمية تتسم باستمرار حالة عدم اليقين، والتحولات الجيوسياسية، وتغيّر أنماط التجارة، والتطور التقني المتسارع. وتُبرز هذه التحولات العميقة الحاجة الملحّة إلى تعزيز أطر السياسات والمؤسسات بما يدعم القدرة على الصمود ويُمكّن من اغتنام الفرص المتاحة في المرحلة المقبلة».

كسر قاعدة «الزكام» التاريخية

أبرزت مخرجات المؤتمر رسالة جوهرية وهي كسر القاعدة التاريخية التي تقضي بإصابة الأسواق الناشئة بـ«الزكام» كلما عطست الدول المتقدمة. فقد أشار البيان إلى أن الأطر السياساتية الموثوقة التي تبنتها هذه الدول جعلتها أكثر صموداً في وجه التضخم وتقلبات العملات، مما حافظ على قدرتها على النفاذ إلى الأسواق العالمية حتى في ظل ذروة عدم اليقين.

الإصلاحات

كما حدد البيان المشترك أن التحدي الحقيقي الآن ليس مجرد «البقاء» بل «الازدهار» والانطلاق إلى المرحلة التالية من الإصلاحات، وهي الإصلاحات التي تحقق نمواً أعلى وأكثر استدامة وزيادة بفرص العمل. وهنا تبرز ركائز المرحلة المقبلة التي تتجاوز استقرار المؤشرات الكلية إلى تحسين مستوى معيشة الشعوب عبر:

  • إطلاق عنان القطاع الخاص بوصفه المحرك الأساسي، مع ضرورة تقليل البيروقراطية وتعميق الأسواق المالية.
  • الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية.
  • الاستثمار في «الإنسان»: تأهيل الشباب في الدول الناشئة ليكونوا وقوداً لسوق العمل العالمية المتغيرة، وليس مجرد عبء ديمغرافي.

كما بعث المؤتمر برسالة مفادها أنه في ظل التحولات المتسارعة في أنماط التجارة والاستثمار، فإن تعميق التكامل داخل الإقليم وبين الأقاليم المتعددة يوفر فرصاً واعدة ومهمة. ويبقى تمكين التجارة وتعزيز التعاون الإقليمي أمرين أساسيين لاقتصادات الأسواق الناشئة في إطار تكيفها مع المشهد الاقتصادي العالمي المتغير.

تحذير من فخ الظروف المواتية

توازياً مع البيان الختامي، قدم الجدعان وغورغييفا في مقال تحليلي مشترك نشرته «بروجيكت سينديكيت» (Project Syndicate) العالمية، قراءة نقدية لمستقبل الأسواق الناشئة. وقد انطلق المقال من حقيقة تاريخية تغيرت؛ فبينما كان يُقال قديماً: «إذا عطست الاقتصادات المتقدمة، أصيبت الأسواق الناشئة بالزكام»، أثبتت الأزمات الأخيرة -من تضخم ما بعد جائحة «كورونا»، إلى موجات التعريفات الجمركية- أن الأسواق الناشئة باتت تمتلك حصانة ذاتية، حيث استقرت عملاتها، وتباطأ التضخم فيها، وبقيت تكاليف ديونها تحت السيطرة.

ورغم هذا الصمود، حدد الجدعان وغورغييفا «نقاط اليقظة» في أربعة محاور استراتيجية:

أولاً- حذر من «فخ التراخي» والمكاسب الهشة: أكد الجدعان وغورغييفا أن هذا ليس وقت الركون للهدوء.

ثانياً- التحول من «الدفاع» إلى «الهجوم» عبر الإصلاحات: أشاد الجدعان وغورغييفا بنماذج إصلاحية ناجحة؛ مثل البرازيل التي كانت سباقة في رفع الفائدة لمواجهة التضخم، ونيجيريا التي أصلحت نظام تسعير الطاقة، ومصر التي توسع قاعدتها الضريبية وتعتمد الرقمنة. وشددا على أن الصمود لا يترجَم تلقائياً إلى نمو، بل تجب الموازنة بين سياسات تعزيز النمو والحفاظ على «الهوامش المالية» (الاحتياطيات) للحماية من التقلبات.

ثالثاً- الذكاء الاصطناعي والاستثمار في «العنصر البشري»: دعا الجدعان وغورغييفا الدول الناشئة إلى الاقتداء بـالسعودية والهند ودول الخليج في استثماراتها الضخمة في البنية التحتية الرقمية، ووصفاها بالأساس الضروري لتبني الذكاء الاصطناعي. كما ركزا على «العائد الديمغرافي»، مؤكداً أن السكان الشباب هم «أصول اقتصادية» هائلة، لكن بشرط الاستثمار المكثف في تعليمهم وتدريبهم لمواجهة تحديات سوق العمل العالمية.

رابعاً- «التكامل» في مواجهة «التشرذم الجيوسياسي»: أقر الجدعان وغورغييفا بأن التوترات في التحالفات القديمة خلقت حالة من عدم اليقين، لكنها في المقابل خلقت فرصاً لأنماط جديدة من التعاون. وأشارا إلى أن دولاً في جنوب شرق آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بدأت بالفعل في صياغة روابط تجارية ومالية أعمق، مما يجعل «التعاون الإقليمي» أداة بقاء وازدهار في ظل تراجع العولمة التقليدية.

واختتم الجدعان وغورغييفا بيانهما المشترك بالإعراب عن التقدير للالتزام الذي أبدته اقتصادات الأسواق الناشئة بالتكاتف وتبادل الخبرات واتخاذ خطوات حاسمة لمواجهة التحديات العالمية، متطلعَين إلى مواصلة هذه المناقشات والبناء على هذا الزخم في النسخ المقبلة من مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة.

إن «مانيفستو العُلا» لم يعد مجرد كلمات في ختام مؤتمر، بل هو تعهد دولي بصياغة مستقبل يقوده «المحرك السيادي» للاقتصادات الناشئة، متطلعين إلى بناء زخم أكبر في النسخ المقبلة من هذا المنتدى العالمي الفريد.


رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
TT

رئيس «إنرجيان إنترناشونال»: مصر وجَّهت شركات النفط بمضاعفة الإنتاج بحلول 2030

سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)
سفينة حاويات تمر بجوار منصة نفطية في خليج السويس (رويترز)

قال نيكولاس كاتشاروف الرئيس التنفيذي لشركة «إنرجيان ‌إنترناشونال»، ​الثلاثاء، إن ‌مصر وجَّهت شركات النفط الدولية بمضاعفة ⁠الإنتاج ‌بحلول عام ‍2030.

وأضاف، وفقاً لـ«رويترز»، أن العقود الحالية تحتاج إلى إعادة ​التفاوض لزيادة إنتاج مشاريع إعادة ⁠تطوير المناطق.

وأوضح أن أسعار الغاز المنخفضة التي دعمت مراحل التطوير السابقة قد «انتهت»، مما يستدعي تحديث الشروط لتشجيع الشركات على استثمار رؤوس أموالها وزيادة الإنتاج في المواقع القائمة.وقال: «لا أستطيع تحديد السعر بدقة، لكن هناك فرقا شاسعا بين أسعار الغاز المحلي وأسعار الغاز المستورد». وأشار إلى أن شركته مدينة لمصر بأكثر من 200 مليون دولار، وقد استلمت مؤخراً 80 مليون دولار، مؤكداً أن الشركة لا تزال واثقة من تعهدات وزير البترول بتسديد المتأخرات المتبقية. كما ذكر أن تدفقات الغاز من إسرائيل إلى مصر قد ارتفعت، وأن خط الأنابيب يعمل الآن بكامل طاقته.