العمالة المنخفضة التكاليف... أزمة ماكرون الكبرى مع أوروبا الشرقية

تزايد الضغوط الداخلية في فرنسا للحد من سياسة «الإغراق الاجتماعي»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لأحد مصانع الزجاج إبان حملته الانتخابية في مايو الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لأحد مصانع الزجاج إبان حملته الانتخابية في مايو الماضي (أ.ف.ب)
TT

العمالة المنخفضة التكاليف... أزمة ماكرون الكبرى مع أوروبا الشرقية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لأحد مصانع الزجاج إبان حملته الانتخابية في مايو الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لأحد مصانع الزجاج إبان حملته الانتخابية في مايو الماضي (أ.ف.ب)

عند زيارة أي موقع كبير للبناء في فرنسا تقريباً، سوف تكون الاحتمالات مرتفعة لأن تجد أغلب العمال ينحدرون من بلدان أوروبا الشرقية. وفي بريطانيا، تجد العمالة في المزارع الإنجليزية من بولندا ورومانيا وبلغاريا هي الغالبة في موسم الحصاد. وما يقرب من نصف سائقي الشاحنات في إسبانيا قادمون من بلدان أوروبا الشرقية كذلك.
والمبدأ الذي تستند إليه هذه الأوضاع - من حرية مواطني بلدان الاتحاد الأوروبي في العمل في أية بقعة داخل الكتلة المكونة لدول الاتحاد الثماني والعشرين - هو المبدأ نفسه الذي يشكل دعامة الاتحاد الرئيسية. ومن الناحية النظرية، فهذا المبدأ يتيح للعمال التحرك عبر جميع أنحاء المنطقة الأوروبية بحثاً عن فرص العمل والمزايا التجارية، من خلال توفير نطاق أوسع للمهارات والمواهب.
بيد أن الشركات هي الأخرى قد استفادت، ومنذ فترة طويلة، من القواعد التي تسمح لها باستقدام العمالة من أية دولة إلى أخرى داخل حدود الاتحاد. والآن، بدأت ردود الفعل في التصاعد لدى بلدان شمال أوروبا، وسط الأدلة المتزايدة على استفادة أرباب الأعمال من قواعد استئجار العمالة الأجنبية منخفضة الأجور، بدلاً من توظيف العمال المحليين.
ويتحرك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي كان قد تعهد بحماية مواطنيه من «المنافسة غير المنصفة» لبلدان شرق أوروبا، بكل صرامة للإعراب عن تركيزه واهتمامه الشديدين على هؤلاء العمال المستأجرين من خارج البلاد، وذلك خلال جولته التي تستمر 3 أيام لزيارة وسط وشرق أوروبا، اعتباراً من أمس (الأربعاء).
وتأتي هذه التحركات، وما يرافقها من ضغوط، في الوقت الذي تواجه فيه الدول ذات الأجور المرتفعة، مثل فرنسا والنمسا وهولندا، المزيد من الضغوط السياسية الداخلية للحد من سياسة الإغراق الاجتماعي، وهي الممارسة واسعة النطاق التي تستأجر فيها الشركات المقاولين من الباطن في دول أوروبا الشرقية، الأعضاء في الاتحاد، وذات الأجور المنخفضة، ونقلهم للعمل في الدول ذات الأجور المرتفعة. وتزيد هذه الممارسة من هوامش أرباح الشركات، غير أنها في أغلب الأحيان ما تستغل حاجات العمالة، عن طريق التخفيض المستمر من الأجور الممنوحة والمنافع الاجتماعية المقدمة.
وكان القلق الناجم عن ارتفاع أعداد العمال الأجانب، لا سيما من بلدان أوروبا الشرقية، الذين يعملون في المجالات الزراعية والإنشائية، وغيرها من القطاعات ذات العمالة الكثيفة، من العوامل المحورية في التصويت البريطاني العام الماضي على مغادرة عضوية الاتحاد الأوروبي، أو ما يُعرف إعلامياً بالـ«بريكست».
وهذه النقطة ليست بعيدة عن أجندات الساسة، بمن فيهم السيد ماكرون، الذي انخفضت معدلات التأييد الشعبي له بصورة كبيرة خلال الشهر الأول من توليه مهام منصبه الرئاسي. وفي مقابلات مع عدد من الصحف الأوروبية البارزة، خلال يونيو (حزيران) الماضي، حث الزعيم الفرنسي دول أوروبا الشرقية على ألا تتعامل مع الاتحاد الأوروبي كما يتعامل أحدنا مع «السوبر ماركت»، وحذر من أن حكومات تلك البلدان سوف تواجه العواقب الوخيمة، إذا ما واصلت الاستخفاف بالقيم الإقليمية لدول الاتحاد.
وقال الرئيس الفرنسي، خلال إحدى المقابلات الأخيرة: «هل تعتقد أنه يمكنني تفسير الأمر للشعب الفرنسي؟ إن الشركات تغلق أبوابها في فرنسا، وتنتقل إلى بولندا، في حين أن الشركات الإنشائية الفرنسية تعين العمالة البولندية بسبب انخفاض أجورهم! إن هذا النظام لا يعمل بصورة سليمة على الإطلاق».
غير أن هذه التهديدات التي أطلقها الزعيم الفرنسي قد أثارت غضب قادة بولندا وهنغاريا وجمهورية التشيك، مما أدى إلى اتساع الفجوة القائمة مع بلدان أوروبا الغربية، التي اندلعت أول الأمر خلال أزمة اللاجئين التي شهدتها القارة العتيقة عندما اصطدم الجانبان حول خطط توزيع طالبي اللجوء السياسي في جميع أنحاء دول الاتحاد الأوروبي. ووجه قادة دول أوروبا الشرقية الاتهامات إلى السيد ماكرون بانتهاج سياسة الحمائية، وهم يتساءلون في الوقت ذاته عن عدم تحرك فرنسا وجيرانها إلى قمع أرباب الأعمال المحليين الذين يسيئون استغلال النظام.
ويقول قادة الدول الأوروبية الشرقية إن بلدانهم، التي انضمت إلى الكتلة الأوروبية الموحدة اعتباراً من عام 2004، خلال أكبر عملية توسيع شهدها الاتحاد، ينبغي أن يُسمح لها بالتنافس على الأجور المنخفضة لتأمين زيادة النمو الاقتصادي، واللحاق بركب الدول الغنية. ومع انضمام بولندا و9 بلدان أخرى من أواسط وشرق أوروبا إلى الاتحاد، حظرت الدول الأعضاء القديمة في الاتحاد عليهم حق الوصول إلى أسواق الأعمال في بلادها.
وفي الأسبوع الماضي، سعى الرئيس ماكرون إلى التخفيف من حدة التوترات، مصرحاً بأنه يرغب في إرساء قواعد جديدة لمكافحة الاحتيال، والحد من الوقت الذي يمكن خلاله نشر الموظفين في بلد آخر داخل الاتحاد الأوروبي، واقتصاره على عام واحد فقط. أما جولته التي تستغرق 3 أيام، فسوف تشمل زيارة كل من النمسا ورومانيا وبلغاريا، وعقد اجتماعات مع رؤساء الوزراء في كل من سلوفاكيا وجمهورية التشيك، أثناء وجوده في النمسا.
وقال الرئيس الفرنسي، خلال مؤتمر صحافي مشترك جمعه مع المستشار النمساوي كريستيان كيرن، في سالزبورغ: «إنني أعتقد، وبصدق، أنه قد حان الوقت لإعادة هيكلة البناء الأوروبي. إن نشر توجيهات العمالة، وأثره على النحو الراهن، يعد خيانة أكيدة للروح الأوروبية المشتركة».
وفي حين أن العمالة المنتشرة خارج بلدانها لا تشكل نسبة تتجاوز 1 في المائة من القوة العاملة الأوروبية، فإن قادة الكتلة الشرقية من أوروبا قد تعهدوا بمكافحة كل الجهود الرامية لتقييد حقوق مواطنيهم في العمل في مختلف أرجاء بلدان الاتحاد.
وخلص البرلمان الأوروبي إلى كثير من الممارسات المشكوك فيها، التي تستغلها الشركات في استقدام العمالة الرخيصة. وتشتمل هذه الممارسات على وضع عناوين بريدية وهمية في دول الاتحاد ذات الأجور المنخفضة، وانتقال العمالة بين كثير من الدول لتفادي زيادة التكاليف التي تجلبها فرص العمل الدائمة. وهناك شركات أخرى تجبر العمال على الإعلان أنهم يعملون لحسابهم الخاص، حتى تتمكن الشركات من تجنب سداد اشتراكات الضمان الاجتماعي القانونية.
ومن شأن هذه الممارسات أن تتحول بسهولة إلى استغلال واسع النطاق، مع افتقار العمالة الرخيصة إلى الحماية الاجتماعية الممنوحة للعمال المحليين. كما أن البلدان المضيفة تفقد أيضاً العائدات الضريبية وودائع الضمان الاجتماعي لصالح بلدان أوروبا الشرقية التي تستند إليها قسائم أجور العمال.
وكانت تلك القضية من قضايا التوتر والشحن السياسي منذ فترة طويلة داخل أوروبا، غير أنها عاودت الظهور على سطح الأحداث من جديد خلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة، عندما عطف السيد ماكرون، ومنافسته السياسية من تيار اليمين القومي المتطرف مارين لوبان، على ذكر حرية حركة العمالة الرخيصة، كأحد مصادر انتشار البطالة والمنافسة غير المنصفة في البلاد.
كما أن قضية إساءة استغلال العمال البارزة قد أثارت كثيراً من الانتقادات والتدقيق السياسي اعتباراً من مارس (آذار) الماضي.
وتحملت إحدى كبريات شركات الإنشاء الفرنسية، وهي شركة «بويغز ترافوس بوبليكس»، غرامة مالية تقدر بنحو 30 ألف يورو، أو ما يساوي 35 ألف دولار، إثر التحقيقات الحكومية المطولة التي خلصت إلى أن الشركة تعاقدت مع وكالات التوظيف الاستغلالية لاستئجار المئات من العمال ذوي الأجور المتدنية من بولندا ورومانيا للعمل في أحد مواقعها داخل فرنسا.
والعمال الذين تم استقدامهم للمساعدة في بناء محطة الطاقة النووية التي تديرها شركة الكهرباء الحكومية الفرنسية «إي دي إف»، في بلدة فلامانفيل الواقعة على الساحل الشمالي الغربي للبلاد، حصلوا على تغطية صحية ضئيلة، أو تكاد تكون منعدمة، في الفترة بين 2009 و2011، أثناء العمل في تشييد المحطة. كما تحملت وكالات التوظيف التي استقدمتهم غرامات مالية بسبب الاحتيال على الدولة الفرنسية، فيما يتعلق باشتراكات الضمان الاجتماعي، التي تقدر بنحو 12 مليون يورو.
وفي العام الماضي، اقترحت المفوضية الأوروبية إصلاح النظام القائم، لكي يلزم شركات التوظيف بدفع أجور العمال المستقدمين على قدم المساواة بالعمال المحليين، وأن أي استقدام للعمالة لا بد أن يتم في مناخ من المنافسة المنصفة، واحترام حقوق العمال. غير أن بلدان وسط وشرق أوروبا تعمدت وقف العمل بتلك المقترحات، وطالبت بروكسل بإجراء المزيد من المراجعة بشأنها. وهناك بعض من الدول الأعضاء في الاتحاد يريدون تولي الأمور بطريقتهم الخاصة.
فلقد شددت النمسا، في الآونة الأخيرة، من تدابير ردع الشركات المحلية عن التعاقد مع العمالة الأوروبية منخفضة الأجور. وخلال الشهر الحالي، فرضت الحكومة النمساوية غرامة على مجموعة «أندريتز»، الهندسية النمساوية، بقيمة 22 مليون يورو، لاستخدامها مقاولاً من كرواتيا لاستئجار نحو 200 عامل كرواتي للعمل في مشروع بتكلفة 7 ملايين يورو، مما يعتبر انتهاكاً مباشراً لقوانين العمل الوطنية العادلة.
ولكن المجموعة الهندسية الصناعية النمساوية استأنفت القرار، بناء على أن الحملة الحكومية النمساوية تعد انتهاكاً لقواعد الاتحاد الأوروبي، وهي تعوق تنظيم المشاريع ومباشرة الأعمال الحرة، وتعرض الوظائف المحلية في البلاد للخطر.
وفي إسبانيا، حذر الاتحاد الوطني لنقابات النقل الإسبانية من أن الإغراق الاجتماعي هو أخطر المشكلات التي تواجه قطاع النقل في البلاد. وقدر الاتحاد الإسباني أن نحو نصف سائقي الشاحنات في إسبانيا مستقدمين من دول أوروبا الشرقية، حيث الأجور أقل بمقدار 8 أضعاف مثيلتها في إسبانيا.
ويعمل كثير من سائقي الشاحنات لدى الشركات الإسبانية التي تنشئ مكتباً رئيسياً لها في بولندا، أو غيرها من بلدان أوروبا الشرقية، ثم تدفع الشركات الضرائب المنخفضة، واشتراكات الضمان الاجتماعي، وفق قوانين الدولة ذات العمالة الرخيصة، وتتجنب بذلك سداد الرسوم الإسبانية المرتفعة.
هذه هي نوعية الممارسات التي يبغي الرئيس الفرنسي ماكرون الحد منها، والقضاء عليها، ولقد صرح بشأنها قائلا: «إن أوروبا التي تحمي عمالها هي أوروبا القادرة على حل قضية العمال المنتشرين».
* خدمة «نيويورك تايمز»



قطر والإمارات تثبتان أسعار الفائدة بالتزامن مع قرار «الفيدرالي»

مصرف قطر المركزي (قنا)
مصرف قطر المركزي (قنا)
TT

قطر والإمارات تثبتان أسعار الفائدة بالتزامن مع قرار «الفيدرالي»

مصرف قطر المركزي (قنا)
مصرف قطر المركزي (قنا)

أبقى مصرف قطر المركزي أسعار الفائدة الرئيسية دون تغيير، إذ ثبّت سعر فائدة الإيداع عند 4.10 في المائة، وسعر فائدة الإقراض عند 4.60 في المائة، وسعر إعادة الشراء عند 4.35 في المائة.

كما أبقى مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي على سعر الأساس المطبق على تسهيلات الإيداع لليلة واحدة عند 3.9 في المائة.

وجاء ذلك عقب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة، كما كان متوقعاً، في ظل استمرار الضغوط التضخمية وانتظار مزيد من البيانات الاقتصادية لتقييم مسار الأسعار.

وجاء القرار بتصويت 10 أعضاء مقابل معارضة عضوين، فضّلاً رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، في مؤشر على استمرار التباين داخل البنك المركزي بشأن الخطوات المقبلة للسياسة النقدية.

وأشار الفيدرالي إلى أن التضخم لا يزال مرتفعاً، لكنه رفع تقييمه لأداء الاقتصاد الأميركي إلى «قوي »، مقارنة بوصفه السابق بأنه يشهد توسعاً «متيناً»، مع الإشارة إلى استمرار قوة الاستثمار ومواكبة مكاسب الوظائف لنمو القوى العاملة.

وأكدت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية أن توافر مزيد من البيانات سيساعدها في تحديد التوجه المناسب للسياسة النقدية، بما يضمن عودة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة في الوقت المناسب.


«وول ستريت» والذهب في المنطقة الخضراء بعد تصريحات وارش

متداول يعمل داخل بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل داخل بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«وول ستريت» والذهب في المنطقة الخضراء بعد تصريحات وارش

متداول يعمل داخل بورصة نيويورك (أ.ب)
متداول يعمل داخل بورصة نيويورك (أ.ب)

ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنحو 0.4 في المائة، الأربعاء، فيما تحوّل الذهب الفوري إلى الارتفاع بنسبة 0.2 في المائة إلى 4066.39 دولار للأونصة، خلال تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش، عقب قرار البنك المركزي تثبيت أسعار الفائدة.

وفي سوق العملات، واصل مؤشر الدولار الأميركي خسائره، متراجعاً بنسبة 0.21 في المائة إلى 102.16 نقطة، فيما قلّص الدولار مكاسبه أمام الين الياباني، مرتفعاً بنسبة 0.05 في المائة إلى 158.03 ين.

وقال وارش إن التضخم في الولايات المتحدة «لا يزال مرتفعاً للغاية»، في وقت تواجه فيه الأسر الأميركية ارتفاعاً في تكاليف البنزين، قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي.

وأضاف، خلال مؤتمر صحافي أعقب اجتماع السياسة النقدية، أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيقلّص عدد اجتماعاته المخصصة لتحديد أسعار الفائدة بمقدار اجتماع واحد العام المقبل.

كما أعلن عن تغيير في كيفية الاستفادة من جدول اجتماعات البنك المركزي، بما يتيح دراسة القضايا الرئيسية التي تواجهه بصورة أكثر عمقاً.

وقال وارش: «نعتقد أن عقد ثمانية اجتماعات سنوياً هو العدد المناسب للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، لكن في عام 2027، سيُخصص أحد الاجتماعات حصرياً لمناقشة الاستراتيجية العامة للسياسة النقدية، من دون توقع إجراء تصويت على سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية أو إصدار بيان بشأن السياسة النقدية».

وأضاف: «ستكون الاجتماعات المتبقية اجتماعات اعتيادية لتحديد السياسة النقدية، وأتوقع أن نخصص في عام 2028 اجتماعين لمناقشة الاستراتيجية وستة اجتماعات لتحديد السياسة النقدية».


رئيس «الفيدرالي»: الاقتصاد الأميركي قوي... ومستعدون للتحرك

رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية (أ.ف.ب)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية (أ.ف.ب)
TT

رئيس «الفيدرالي»: الاقتصاد الأميركي قوي... ومستعدون للتحرك

رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية (أ.ف.ب)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية (أ.ف.ب)

أكد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش أن الاقتصاد الأميركي يواصل التوسع بوتيرة قوية، مدعوماً بمرونة الإنفاق المحلي وقوة الإنتاجية والاستثمارات الرأسمالية، لكنه شدّد في الوقت نفسه على أن التضخم لا يزال مرتفعاً، وأن مسؤولية البنك المركزي تتمثل في إعادته إلى المستوى المستهدف البالغ 2 في المائة.

وقال وارش، خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، الأربعاء، إن اللجنة تشعر بالتفاؤل إزاء التقدم الذي أحرزته خلال فترة قصيرة، وإنها أظهرت استعدادها للتحرك، مشيراً إلى أنه يشعر بالارتياح تجاه المؤشرات المتعلقة بتوقعات التضخم.

لكنه أوضح أن تحديد الخطوات المقبلة للسياسة النقدية يتطلب مزيداً من المعلومات، بما يساعد صانعي القرار على تقييم مسار الأسعار ومدى التقدم نحو تحقيق هدف البنك المركزي.

وأضاف أن النشاط الاقتصادي المحلي لا يزال قوياً، مع استمرار متانة الإنفاق وارتفاع الاستثمارات الرأسمالية وقوة الإنتاجية، وهي عوامل تدعم النمو في الولايات المتحدة.

ورفع الاحتياطي الفيدرالي، في بيانه المصاحب لقرار الفائدة، تقييمه لأداء الاقتصاد من «متين» إلى «قوي»، مشيراً إلى أن الاستثمار لا يزال متيناً، وأن مكاسب الوظائف تواكب نمو القوى العاملة.

ومع ذلك، أقر وارش بأن الضغوط السعرية لم تتراجع بالقدر الكافي، مؤكداً أن الوصول إلى مستهدف التضخم يظل محوراً أساسياً لعمل البنك المركزي.

وقال إن ارتفاع أسعار الطاقة بصورة كبيرة خلال الأسبوع الماضي يمثل تطوراً يتعين أخذه في الحسبان، في وقت لا تزال فيه تكاليف الطاقة تضغط على الأسعار وتزيد تعقيد مهمة السياسة النقدية.

وتواجه الولايات المتحدة تحدياً في الموازنة بين استمرار قوة النشاط الاقتصادي والحاجة إلى احتواء ارتفاع الأسعار.

فالإبقاء على السياسة النقدية مشددة لفترة أطول قد يزيد تكلفة الاقتراض على الأسر والشركات، في حين أن التسرع في تيسيرها قد يعرقل التقدم نحو استعادة استقرار الأسعار.

وكان الاحتياطي الفيدرالي قد قرر، الأربعاء، تثبيت سعر الفائدة الرئيسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.75 و4 في المائة، كما كان متوقعاً، في تصويت انقسم فيه أعضاء اللجنة بنتيجة عشرة أصوات مقابل صوتين.

وعارضت عضوة مجلس المحافظين ليزا كوك ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك القرار، مفضلتين رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وعكس التصويت اختلافاً في تقدير المسار المناسب للسياسة النقدية في ظل استمرار الضغوط السعرية.

ففي حين فضّلت الأغلبية الإبقاء على الفائدة دون تغيير وانتظار مزيد من البيانات، رأت كوك وهاماك أن رفعها قد يكون ضرورياً لمواصلة الضغط على الأسعار.

وشدد وارش على أن اللجنة تحتاج إلى مزيد من المعلومات لتحديد الموقف الملائم للسياسة النقدية، من دون أن يقدم إشارة حاسمة بشأن القرار المقبل.

ويترك ذلك مسار الفائدة مفتوحاً أمام احتمالات متعددة، في وقت تترقب فيه الأسواق ما إذا كان البنك المركزي سيعود إلى رفعها في ديسمبر (كانون الأول)، كما تشير توقعات المستثمرين.

ويأتي هذا الحذر في ظل استمرار التضخم أعلى من المستوى المستهدف، بعد نحو خمس سنوات ونصف السنة من عدم عودته إلى هدف البنك المركزي.

كما تثير الضغوط المستمرة مخاوف من أن تعتاد الشركات والأسر وتيرة أعلى من ارتفاع الأسعار، بما قد يجعل إعادة التضخم إلى المستوى المستهدف أكثر صعوبة.

وفي جانب آخر من تصريحاته، أعلن وارش أن جدول اجتماعات لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية سيتغير اعتباراً من الخريف المقبل، موضحاً أن عقد ثمانية اجتماعات سنوياً يُعد عدداً مناسباً.

ويعني ذلك تغييراً في الجدول الزمني لاجتماعات السياسة النقدية ابتداءً من عام 2027، وفق ما أعلنه رئيس البنك المركزي.

ردة فعل الأسواق على تصريحات وارش

وتزامنت التصريحات مع تحركات في الأسواق المالية، إذ قلّص الذهب خسائره خلال الجلسة، لكنه ظل منخفضاً بنحو 0.1 في المائة إلى 4054.53 دولار للأونصة.

كما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية عن أعلى مستوياتها خلال اليوم، في حين هبط مؤشر «بلومبرغ» للدولار الفوري إلى أدنى مستوى له خلال الجلسة، بالتزامن مع تصريحات وارش.

وعكست التحركات استجابة الأسواق لتصريحات رئيس البنك المركزي بشأن توقعات الأسعار واستعداد «الفيدرالي» للتحرك، رغم أن تثبيت الفائدة لم يبدد حالة عدم اليقين بشأن المسار المقبل.

ولا تزال تكاليف الاقتراض وتطورات أسعار الطاقة واتجاهات التضخم من العوامل الرئيسية التي ستحدد توقعات المستثمرين بشأن قرارات البنك المركزي في الأشهر المقبلة.

وبينما أبدى وارش ارتياحاً إزاء المؤشرات المتعلقة بتوقعات التضخم، فإنه لم يعتبر ذلك دليلاً على انتهاء المهمة، مؤكداً أن اللجنة ستواصل متابعة البيانات قبل اتخاذ قرارات جديدة.

ويضع ذلك الأسواق أمام مرحلة من الترقب، مع استمرار التباين بين قوة الاقتصاد الأميركي والحاجة إلى إحراز تقدم أكبر نحو استقرار الأسعار.