العمالة المنخفضة التكاليف... أزمة ماكرون الكبرى مع أوروبا الشرقية

تزايد الضغوط الداخلية في فرنسا للحد من سياسة «الإغراق الاجتماعي»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لأحد مصانع الزجاج إبان حملته الانتخابية في مايو الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لأحد مصانع الزجاج إبان حملته الانتخابية في مايو الماضي (أ.ف.ب)
TT

العمالة المنخفضة التكاليف... أزمة ماكرون الكبرى مع أوروبا الشرقية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لأحد مصانع الزجاج إبان حملته الانتخابية في مايو الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته لأحد مصانع الزجاج إبان حملته الانتخابية في مايو الماضي (أ.ف.ب)

عند زيارة أي موقع كبير للبناء في فرنسا تقريباً، سوف تكون الاحتمالات مرتفعة لأن تجد أغلب العمال ينحدرون من بلدان أوروبا الشرقية. وفي بريطانيا، تجد العمالة في المزارع الإنجليزية من بولندا ورومانيا وبلغاريا هي الغالبة في موسم الحصاد. وما يقرب من نصف سائقي الشاحنات في إسبانيا قادمون من بلدان أوروبا الشرقية كذلك.
والمبدأ الذي تستند إليه هذه الأوضاع - من حرية مواطني بلدان الاتحاد الأوروبي في العمل في أية بقعة داخل الكتلة المكونة لدول الاتحاد الثماني والعشرين - هو المبدأ نفسه الذي يشكل دعامة الاتحاد الرئيسية. ومن الناحية النظرية، فهذا المبدأ يتيح للعمال التحرك عبر جميع أنحاء المنطقة الأوروبية بحثاً عن فرص العمل والمزايا التجارية، من خلال توفير نطاق أوسع للمهارات والمواهب.
بيد أن الشركات هي الأخرى قد استفادت، ومنذ فترة طويلة، من القواعد التي تسمح لها باستقدام العمالة من أية دولة إلى أخرى داخل حدود الاتحاد. والآن، بدأت ردود الفعل في التصاعد لدى بلدان شمال أوروبا، وسط الأدلة المتزايدة على استفادة أرباب الأعمال من قواعد استئجار العمالة الأجنبية منخفضة الأجور، بدلاً من توظيف العمال المحليين.
ويتحرك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي كان قد تعهد بحماية مواطنيه من «المنافسة غير المنصفة» لبلدان شرق أوروبا، بكل صرامة للإعراب عن تركيزه واهتمامه الشديدين على هؤلاء العمال المستأجرين من خارج البلاد، وذلك خلال جولته التي تستمر 3 أيام لزيارة وسط وشرق أوروبا، اعتباراً من أمس (الأربعاء).
وتأتي هذه التحركات، وما يرافقها من ضغوط، في الوقت الذي تواجه فيه الدول ذات الأجور المرتفعة، مثل فرنسا والنمسا وهولندا، المزيد من الضغوط السياسية الداخلية للحد من سياسة الإغراق الاجتماعي، وهي الممارسة واسعة النطاق التي تستأجر فيها الشركات المقاولين من الباطن في دول أوروبا الشرقية، الأعضاء في الاتحاد، وذات الأجور المنخفضة، ونقلهم للعمل في الدول ذات الأجور المرتفعة. وتزيد هذه الممارسة من هوامش أرباح الشركات، غير أنها في أغلب الأحيان ما تستغل حاجات العمالة، عن طريق التخفيض المستمر من الأجور الممنوحة والمنافع الاجتماعية المقدمة.
وكان القلق الناجم عن ارتفاع أعداد العمال الأجانب، لا سيما من بلدان أوروبا الشرقية، الذين يعملون في المجالات الزراعية والإنشائية، وغيرها من القطاعات ذات العمالة الكثيفة، من العوامل المحورية في التصويت البريطاني العام الماضي على مغادرة عضوية الاتحاد الأوروبي، أو ما يُعرف إعلامياً بالـ«بريكست».
وهذه النقطة ليست بعيدة عن أجندات الساسة، بمن فيهم السيد ماكرون، الذي انخفضت معدلات التأييد الشعبي له بصورة كبيرة خلال الشهر الأول من توليه مهام منصبه الرئاسي. وفي مقابلات مع عدد من الصحف الأوروبية البارزة، خلال يونيو (حزيران) الماضي، حث الزعيم الفرنسي دول أوروبا الشرقية على ألا تتعامل مع الاتحاد الأوروبي كما يتعامل أحدنا مع «السوبر ماركت»، وحذر من أن حكومات تلك البلدان سوف تواجه العواقب الوخيمة، إذا ما واصلت الاستخفاف بالقيم الإقليمية لدول الاتحاد.
وقال الرئيس الفرنسي، خلال إحدى المقابلات الأخيرة: «هل تعتقد أنه يمكنني تفسير الأمر للشعب الفرنسي؟ إن الشركات تغلق أبوابها في فرنسا، وتنتقل إلى بولندا، في حين أن الشركات الإنشائية الفرنسية تعين العمالة البولندية بسبب انخفاض أجورهم! إن هذا النظام لا يعمل بصورة سليمة على الإطلاق».
غير أن هذه التهديدات التي أطلقها الزعيم الفرنسي قد أثارت غضب قادة بولندا وهنغاريا وجمهورية التشيك، مما أدى إلى اتساع الفجوة القائمة مع بلدان أوروبا الغربية، التي اندلعت أول الأمر خلال أزمة اللاجئين التي شهدتها القارة العتيقة عندما اصطدم الجانبان حول خطط توزيع طالبي اللجوء السياسي في جميع أنحاء دول الاتحاد الأوروبي. ووجه قادة دول أوروبا الشرقية الاتهامات إلى السيد ماكرون بانتهاج سياسة الحمائية، وهم يتساءلون في الوقت ذاته عن عدم تحرك فرنسا وجيرانها إلى قمع أرباب الأعمال المحليين الذين يسيئون استغلال النظام.
ويقول قادة الدول الأوروبية الشرقية إن بلدانهم، التي انضمت إلى الكتلة الأوروبية الموحدة اعتباراً من عام 2004، خلال أكبر عملية توسيع شهدها الاتحاد، ينبغي أن يُسمح لها بالتنافس على الأجور المنخفضة لتأمين زيادة النمو الاقتصادي، واللحاق بركب الدول الغنية. ومع انضمام بولندا و9 بلدان أخرى من أواسط وشرق أوروبا إلى الاتحاد، حظرت الدول الأعضاء القديمة في الاتحاد عليهم حق الوصول إلى أسواق الأعمال في بلادها.
وفي الأسبوع الماضي، سعى الرئيس ماكرون إلى التخفيف من حدة التوترات، مصرحاً بأنه يرغب في إرساء قواعد جديدة لمكافحة الاحتيال، والحد من الوقت الذي يمكن خلاله نشر الموظفين في بلد آخر داخل الاتحاد الأوروبي، واقتصاره على عام واحد فقط. أما جولته التي تستغرق 3 أيام، فسوف تشمل زيارة كل من النمسا ورومانيا وبلغاريا، وعقد اجتماعات مع رؤساء الوزراء في كل من سلوفاكيا وجمهورية التشيك، أثناء وجوده في النمسا.
وقال الرئيس الفرنسي، خلال مؤتمر صحافي مشترك جمعه مع المستشار النمساوي كريستيان كيرن، في سالزبورغ: «إنني أعتقد، وبصدق، أنه قد حان الوقت لإعادة هيكلة البناء الأوروبي. إن نشر توجيهات العمالة، وأثره على النحو الراهن، يعد خيانة أكيدة للروح الأوروبية المشتركة».
وفي حين أن العمالة المنتشرة خارج بلدانها لا تشكل نسبة تتجاوز 1 في المائة من القوة العاملة الأوروبية، فإن قادة الكتلة الشرقية من أوروبا قد تعهدوا بمكافحة كل الجهود الرامية لتقييد حقوق مواطنيهم في العمل في مختلف أرجاء بلدان الاتحاد.
وخلص البرلمان الأوروبي إلى كثير من الممارسات المشكوك فيها، التي تستغلها الشركات في استقدام العمالة الرخيصة. وتشتمل هذه الممارسات على وضع عناوين بريدية وهمية في دول الاتحاد ذات الأجور المنخفضة، وانتقال العمالة بين كثير من الدول لتفادي زيادة التكاليف التي تجلبها فرص العمل الدائمة. وهناك شركات أخرى تجبر العمال على الإعلان أنهم يعملون لحسابهم الخاص، حتى تتمكن الشركات من تجنب سداد اشتراكات الضمان الاجتماعي القانونية.
ومن شأن هذه الممارسات أن تتحول بسهولة إلى استغلال واسع النطاق، مع افتقار العمالة الرخيصة إلى الحماية الاجتماعية الممنوحة للعمال المحليين. كما أن البلدان المضيفة تفقد أيضاً العائدات الضريبية وودائع الضمان الاجتماعي لصالح بلدان أوروبا الشرقية التي تستند إليها قسائم أجور العمال.
وكانت تلك القضية من قضايا التوتر والشحن السياسي منذ فترة طويلة داخل أوروبا، غير أنها عاودت الظهور على سطح الأحداث من جديد خلال الانتخابات الرئاسية الفرنسية الأخيرة، عندما عطف السيد ماكرون، ومنافسته السياسية من تيار اليمين القومي المتطرف مارين لوبان، على ذكر حرية حركة العمالة الرخيصة، كأحد مصادر انتشار البطالة والمنافسة غير المنصفة في البلاد.
كما أن قضية إساءة استغلال العمال البارزة قد أثارت كثيراً من الانتقادات والتدقيق السياسي اعتباراً من مارس (آذار) الماضي.
وتحملت إحدى كبريات شركات الإنشاء الفرنسية، وهي شركة «بويغز ترافوس بوبليكس»، غرامة مالية تقدر بنحو 30 ألف يورو، أو ما يساوي 35 ألف دولار، إثر التحقيقات الحكومية المطولة التي خلصت إلى أن الشركة تعاقدت مع وكالات التوظيف الاستغلالية لاستئجار المئات من العمال ذوي الأجور المتدنية من بولندا ورومانيا للعمل في أحد مواقعها داخل فرنسا.
والعمال الذين تم استقدامهم للمساعدة في بناء محطة الطاقة النووية التي تديرها شركة الكهرباء الحكومية الفرنسية «إي دي إف»، في بلدة فلامانفيل الواقعة على الساحل الشمالي الغربي للبلاد، حصلوا على تغطية صحية ضئيلة، أو تكاد تكون منعدمة، في الفترة بين 2009 و2011، أثناء العمل في تشييد المحطة. كما تحملت وكالات التوظيف التي استقدمتهم غرامات مالية بسبب الاحتيال على الدولة الفرنسية، فيما يتعلق باشتراكات الضمان الاجتماعي، التي تقدر بنحو 12 مليون يورو.
وفي العام الماضي، اقترحت المفوضية الأوروبية إصلاح النظام القائم، لكي يلزم شركات التوظيف بدفع أجور العمال المستقدمين على قدم المساواة بالعمال المحليين، وأن أي استقدام للعمالة لا بد أن يتم في مناخ من المنافسة المنصفة، واحترام حقوق العمال. غير أن بلدان وسط وشرق أوروبا تعمدت وقف العمل بتلك المقترحات، وطالبت بروكسل بإجراء المزيد من المراجعة بشأنها. وهناك بعض من الدول الأعضاء في الاتحاد يريدون تولي الأمور بطريقتهم الخاصة.
فلقد شددت النمسا، في الآونة الأخيرة، من تدابير ردع الشركات المحلية عن التعاقد مع العمالة الأوروبية منخفضة الأجور. وخلال الشهر الحالي، فرضت الحكومة النمساوية غرامة على مجموعة «أندريتز»، الهندسية النمساوية، بقيمة 22 مليون يورو، لاستخدامها مقاولاً من كرواتيا لاستئجار نحو 200 عامل كرواتي للعمل في مشروع بتكلفة 7 ملايين يورو، مما يعتبر انتهاكاً مباشراً لقوانين العمل الوطنية العادلة.
ولكن المجموعة الهندسية الصناعية النمساوية استأنفت القرار، بناء على أن الحملة الحكومية النمساوية تعد انتهاكاً لقواعد الاتحاد الأوروبي، وهي تعوق تنظيم المشاريع ومباشرة الأعمال الحرة، وتعرض الوظائف المحلية في البلاد للخطر.
وفي إسبانيا، حذر الاتحاد الوطني لنقابات النقل الإسبانية من أن الإغراق الاجتماعي هو أخطر المشكلات التي تواجه قطاع النقل في البلاد. وقدر الاتحاد الإسباني أن نحو نصف سائقي الشاحنات في إسبانيا مستقدمين من دول أوروبا الشرقية، حيث الأجور أقل بمقدار 8 أضعاف مثيلتها في إسبانيا.
ويعمل كثير من سائقي الشاحنات لدى الشركات الإسبانية التي تنشئ مكتباً رئيسياً لها في بولندا، أو غيرها من بلدان أوروبا الشرقية، ثم تدفع الشركات الضرائب المنخفضة، واشتراكات الضمان الاجتماعي، وفق قوانين الدولة ذات العمالة الرخيصة، وتتجنب بذلك سداد الرسوم الإسبانية المرتفعة.
هذه هي نوعية الممارسات التي يبغي الرئيس الفرنسي ماكرون الحد منها، والقضاء عليها، ولقد صرح بشأنها قائلا: «إن أوروبا التي تحمي عمالها هي أوروبا القادرة على حل قضية العمال المنتشرين».
* خدمة «نيويورك تايمز»



«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».


ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ثقة المستهلك الأميركي تصل إلى أعلى مستوى في 6 أشهر مطلع فبراير

متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
متسوّقون يشاهدون المجوهرات في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفعت ثقة المستهلك الأميركي إلى أعلى مستوى لها في ستة أشهر، مطلع فبراير (شباط) الحالي، رغم استمرار المخاوف بشأن سوق العمل وارتفاع تكاليف المعيشة نتيجة التضخم المرتبط بالرسوم الجمركية على الواردات.

ويُعزى التحسن الشهري الثالث على التوالي في ثقة المستهلك، الذي أعلنته جامعة ميشيغان في استطلاعاتها يوم الجمعة، في الغالب، إلى المستهلكين الذين يمتلكون أكبر مَحافظ استثمارية في الأسهم، مما يعكس ما يُعرَف بـ«اقتصاد على شكل حرف كيه»، حيث تستفيد الأُسر ذات الدخل المرتفع، بينما يواجه المستهلكون ذوو الدخل المنخفض صعوبات أكبر.

قال أورين كلاشكين، خبير اقتصادات الأسواق المالية بشركة «نيشن وايد»: «ربما شهدنا أدنى مستوى لثقة المستهلك، ومن المتوقع أن تدعم العوامل الأساسية الإيجابية التوجهات خلال عام 2026، ما دام الانخفاض الأخير في سوق الأسهم لا يستمر. ومع ذلك لا نتوقع انتعاشاً حاداً في ثقة المستهلكين».

وأعلنت جامعة ميشيغان أن مؤشر ثقة المستهلك ارتفع إلى 57.3، في هذا الشهر، وهو أعلى مستوى له منذ أغسطس (آب) الماضي، مقارنةً بـ56.4 في يناير (كانون الثاني)، في حين كان الاقتصاديون، الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، يتوقعون انخفاض المؤشر إلى 55. ومع ذلك، لا يزال المؤشر أقل بنحو 20 في المائة من مستواه في يناير 2025. وقد أُجري الاستطلاع قبل موجة بيع الأسهم، هذا الأسبوع، التي جاءت مدفوعة بحذر المستثمرين تجاه الإنفاق الكبير لشركات التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي. وارتدّت الأسهم في «وول ستريت»، يوم الجمعة، واستقر الدولار مقابل سلة من العملات، وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية.

وقالت جوان هسو، مديرة استطلاعات المستهلكين: «ارتفعت ثقة المستهلكين الذين يمتلكون أكبر محافظ أسهم، بينما ظلّت ثابتة عند مستويات منخفضة بالنسبة للمستهلكين الذين لا يملكون أسهماً». ولا تزال المخاوف من تدهور الوضع المالي الشخصي نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة خطر فقدان الوظائف منتشرة على نطاق واسع.

وتحسنت معنويات المستهلكين المنتمين إلى الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بينما تراجعت بين المستقلين. يأتي هذا التحسن في المعنويات على النقيض من مؤشر ثقة المستهلك، الصادر عن مجلس المؤتمرات، الذي انخفض في يناير إلى أدنى مستوى له منذ مايو (أيار) 2014. ومع ذلك، أكّد كلا الاستطلاعين ازدياد حالة اللامبالاة تجاه سوق العمل.

وأفادت الحكومة، يوم الخميس، بأن فرص العمل المتاحة انخفضت إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من خمس سنوات في ديسمبر (كانون الأول)، مسجلة 0.87 وظيفة متاحة لكل عاطل عن العمل، مقارنة بـ0.89 في نوفمبر (تشرين الثاني).

وعلى الرغم من استمرار قلق المستهلكين بشأن ارتفاع الأسعار، لكنهم توقعوا اعتدال التضخم، خلال الأشهر الـ12 المقبلة. وانخفض مقياس الاستطلاع لتوقعات التضخم السنوي إلى 3.5 في المائة، من 4 في المائة خلال يناير، وهو أدنى مستوى له منذ 13 شهراً، مما يشير إلى اعتقاد بعض المستهلكين بأن أسوأ آثار الرسوم الجمركية على الأسعار قد ولّت. وفي المقابل، ارتفعت توقعات المستهلكين للتضخم على مدى خمس سنوات إلى 3.4 في المائة، من 3.3 في المائة الشهر الماضي.

وقال جون ريدينغ، كبير المستشارين الاقتصاديين في «بريان كابيتال»: «يركز ؛(الاحتياطي الفيدرالي) على التوقعات متوسطة الأجل، وقد ارتفعت هذه التوقعات، للشهر الثاني على التوالي. ومع ذلك، لن يغير ذلك أي قرار بشأن سعر الفائدة في مارس (آذار) المقبل، إذ سيتوقف مصير هذا الاجتماع على بيانات التوظيف لشهريْ يناير وفبراير».