علي الدميني: راقبوا المشهد جيداً... صوت الحداثة في السعودية ما زال عالياً

الشاعر السعودي يبحث قلِقاَ عن مسارات جمالية شعرية جديدة

علي الدميني
علي الدميني
TT

علي الدميني: راقبوا المشهد جيداً... صوت الحداثة في السعودية ما زال عالياً

علي الدميني
علي الدميني

«في الطريق إلى أبواب القصيدة» تلتقي الدروب عند تجربة الشاعر السعودي علي الدميني، الذي ساهم بفاعلية في تأسيس الحركة الشعرية الحديثة في المملكة، وأصبح عنواناً بارزاً لمشروع الحداثة المتعثر هناك. قبل عامين التقى نخبة الشعر والنقد والأدب ليقدموا شهاداتهم في تجربة الدميني الشعرية والأدبية ومنافحته الطويلة عن مشروع التجديد، فصبوا تلك الشهادات في كتاب أسموه: «في الطريق إلى أبواب القصيدة.. علي الدميني، دراسات وقراءات وشهادات عن تجربته الشعرية والثقافية».
وصفه الدكتور معجب الزهراني، بأنه: «شاعر غنائي شفاف تتجلى شاعريته الأصيلة حين يتحدث عن الحب»، في حين تصفه الشاعرة فوزية أبو خالد بالشاعر المتمرد «شكلاً ومضموناً كرياح البحر التي لا تستطيع تحمل ملل الاستقرار»...
عن مشروع الحداثة، وأين أخفق؟ وماذا أنجز؟ وتجربة الدميني الشعرية والروائية، وقراءته للمشهد الثقافي العام، التقينا الشاعر السعودي علي الدميني في الدمام حيث يقيم، وأجرينا معه الحوار التالي:
- كنتَ صوتاً لمشروع الحداثة السعودية المتعثر... كيف تنظر اليوم لهذا المشروع؟
- الحداثة وفق قيمها الناظمة لسيادة العقلانية والحرية والديمقراطية وتحرير الكينونة الذاتية والإبداعية من أحمال الإرث والعادات والنمط والقهر الاجتماعي والسياسي، لا تتحقق بشكل عام إلا ضمن منظومة من التفاعلات الجدلية والتكاملية بين المكوّن الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي لأي مجتمع، وليست مقتصرة على الفكر والآداب والفنون فقط، وإن كانت هذه الأخيرة تحتفظ بخصوصية واستقلالية مختلفة.
ولذلك؛ رأينا أن مفاعيل الفكر والفلسفة والحداثة الإبداعية قد رافقت عصور النهضة والأنوار وأسهمت في انبثاق مرحلة الحداثة في الغرب عموماً.
وبدرجة أقل كثيراً، يمكننا القول إن التفاعل الفكري والأدبي في عواصم المراكز العربية من القاهرة إلى بيروت إلى بغداد قد تأثرت وتصادت، ضمن خصوصية البنية الفوقية المنفتحة على الجديد في العالم – مع نتاجات ما هو خارج العالم العربي فكريا وأدبياً، منذ أوائل القرن العشرين المنصرم، رغم تخلّف البنى الثقافية والاجتماعية والسياسية العربية.
- كيف يولد مشروع الحداثة من رحم مجتمع قبلي، وكيف ينمو في بيئة أصولية؟
- يمكننا النظر إلى واقعنا في المملكة، حيث رأينا صوت محمد حسن عواد يدوي مبكراً في معقل الأصولية والقبلية ليبشر بعصر جديد يتطلّع فيه إلى زمن الحرية والفكر الحر والإبداع الجديد، بل إنه كان من أوائل الذين جرّبوا كتابة شعر التفعيلة في العالم العربي. وقد حدث ذلك رغم شراسة المواجهة مع البنى المحافظة اجتماعيا وسياسيا.
وتأتي ضمن هذا السياق أسماء كثيرة جداً، وبخاصة في الحقل السياسي الذي لا نستطيع الحديث عنه هنا، إلى جانب شخصيات بارزة في حقول الأدب والفكر الاجتماعي والإبداع، من أمثال عبد الله عبد الجبار، وحمزة شحاتة، وعبد الله القصيمي، وأحمد سباعي وعبد الكريم الجهيمان، وغيرهم.
- ماذا عنك؟
- إذا أتينا إلى حقل الشعر تحديداً، فإنني أعد نفسي غصناً في شجرة التجديد والرنو إلى الحرية والحداثة في العالم كله، مثلما أراني في بلادنا واحداً ممن مضوا في هذا الدرب الطويل، الذي امتد من العواد إلى حسن القرشي وغازي القصيبي إلى محمد العلي، وجيلي الذي أنتمي له.
- هل يمكن أن تنجز تجربة حداثية في الأدب بمعزل عن المجتمع؟
- يمكن لنا القول إن مشوار الحداثة في الأدب والشعر في بلادنا تحديداً لا يمكن له أن ينجز مشروعه الحداثي الحلمي إلا حين تتكامل للمجتمع كل مقومات تبنّي قيم وآليات تحقيق زمن الحداثة، في أبعادها الحياتية المختلفة. ولذلك؛ يأخذ الشعر وبقية الفنون الأخرى في بلادنا دوراً تنويرياً ونهضوياً وفنياً مهماً في هذا السياق وهذه المرحلة.
- ماذا حقق هذا المشروع على الصعيد العام؟
- أؤكد أن مشروع الحداثة الأدبية والفنية في بلادنا قد تغلّب على كل العنف المضاد له من كافة الجهات الاجتماعية والرسمية، واستطاع أن يرسم لوحة مشرقة نعتز بها: في النقد الأدبي والشعر والسرد والتشكيل والمسرح التجريبي والسينما الجديدة، رغم كل العقبات!
وإن أردنا الوقوف على الشعر بصفة خاصة، فإننا سنرى عدداً من شعرائنا يقفون في مقدمة الأسماء الشعرية البارزة في العالم العربي، مثل محمد العلي، ومحمد الثبيتي، وفوزية أبو خالد، وأحمد الملا، وجاسم الصحيح وعلي الحازمي، وسواهم.
- الشاعر أحمد الملا، يرى أن «الحداثة في السعودية ليست في حاجة إلى آباء»... في رأيك ماذا يبقى من الحداثة إذا تخلت عن ذاكرتها؟
ــ أؤكد مجدداً؛ أن الأفكار والآداب والفنون تمتلك خصيصة انفعالها وتفاعلها مع واقعها الموضوعي المحدد جغرافياً والتأثير فيه، لكنها تمتلك الاستقلال الذاتي وخاصية الانتشار خارج ذلك الواقع عبر «الكتاب»، والمثاقفة مع الآخر؛ ولذا يمكن لأي منّا أن يكون له آباء في التنوير والحداثة الأدبية، من خارج إطارينا المحلي والعربي، وهذا ما يجعل كلام أحمد الملا هنا صحيحاً!
- أشرفتَ على ملحق «المربد» الثقافي (جريدة اليوم) في ذروة المعركة بين الحداثيين وخصومهم... إلى أي حد نجح «المربد» في توفير حاضنة للأصوات المهمشة في ذلك الوقت؟
- لم يكن «المربد» هو المنبر النشط الوحيد في مرحلته، فقد كانت هناك مجلة «اليمامة» وصحف «عكاظ» و«الرياض» و«الجزيرة» ثم مجلة «اقرأ». ولكننا اختططنا في المربد طريقاُ واضحة المعالم تهدف إلى تشجيع حركة الحداثة الأدبية وقيمها الثقافية المتعددة رؤية وتشكيلاً، وإبراز الأصوات المعبّرة عن تلك القيم واستهدافاتها بقدر الإمكان. ورغم الإمكانات المادية الشحيحة للجريدة في تلك المرحلة (1974 – 1982)، إلا أن «المربد» قد استقطب ورعى الكثير من الأقلام الإبداعية في الشعر والقصة والنقد، وقد كان منبرا مبكراً لنشر قصائد شعراء النثر في بلادنا، الذين عانوا من التهميش.
- أين هي أصوات الحداثيين اليوم؟
- من يتابع منابرنا الثقافية في الصحف والأندية الأدبية وجمعيات الفنون ومنصات التواصل الاجتماعي وفي المكتبات ومعارض الكتاب، سيرى صوت الحداثة عالياً في مختلف الحقول. وقد قمنا بإعداد ملف خاص عن راهن الحركة الشعرية في المملكة مؤخراً، سينشر قريباً في مجلة «بيت الشعر» المغربية، وسيبهجك ما يعبر عنه ذلك الملف من غنى التجديد الإبداعي وتعدّد منابعه في راهن المشهد الذي ينتظم القصيدة العمودية وقصيدتي التفعيلة والنثر، وقصيدة الشعر الشعبي الحديث. أما النقد الأدبي، فإننا نعيش أزهى مراحل تطوره وبخاصة لدى شبابنا وشاباتنا في رسائل الماجستير والدكتوراه، ولك أن تطّلع على سلسلة عن هذا النتاج يصدرها النادي الأدبي في جدة.
- خصوم الحداثة استثاروا الحساسية الدينية لعرقلة حركتها... ماذا فعل الحداثيون حتى لا يقعوا في الفخّ المنصوب لهم؟
- خصوم الحداثة لم يتركوا باباً إلا دخلوا منه للوقوف ضدها، من خلال اختلاق تُهَمِ التغريب والتخريب والجناية على لغة القرآن، بحسب عبد الله بن خميس، إلى التكفير في كتاب عوض القرني وكتاب سعيد الغامدي وفتاوى الآخرين، لكن الحداثة رغم كل التضحيات، قد كسبت الرهان! فالحراك في الزمن يمضي في طريقه الواعدة، مهما تكاثرت النصال على النصالِ المضادة.
-- مسكون بالقلق
- هل ما زلت تهتف: «ظمئي دمي، وحجارة الوادي لساني»...؟ وهل ما زلتَ مسكوناً بالقلق: «وحدي بلا أرقٍ يؤانسني، من دون يدٍ تدلّ فمي على الذكرى وتسأل عن مكاني»؟
- نعم، ما زلت كذلك، أرِقاً قلقاً باحثاً عن مسارات جمالية شعرية جديدة، تروي ظمأي في الطريق الطويلة نحو غدٍ أجملَ، لا أراه اليوم، لكنني لا أشك في أنه يتخلّق في كل لحظة، ليشرق على وجودنا الدامي!
- كيف التقى الشعر الحداثي بالشعر الجاهلي، كما في مجموعتك «بياض الأزمنة»... وكيف عبر خندق التاريخ، وتقاطعات اللغة؟
- مثلما نحتفي بالسياب ومجايليه بوصفهم آباء للحداثة الشعرية المعاصرة، فإنني ممن تعمر ذاكرتهم مخايل منجز شعرية آباء الحداثة الشعرية العربية المتمثلة بأبي تمام وأبي نواس والمعري والمتنبي وغيرهم، التي أضاءها أدونيس في كتاب بهذا الخصوص.
ولذلك فإن تجربتي الشعرية في هذا المسار تنهض على ما يلي:
1ــ التفاعل مع الجزء الحي من الذاكرة الشعرية العربية التي تفتح النص على جمالياتها الحافلة بروح المكان والتاريخ ودرامية عبق التجربة الإنسانية المتعددة التجليات الجمالية والدلالية، في الاغتراب والرفض للظلم ولمنهج سطوة القبيلة، فأمضي إلى توظيف تلك الحمولات بصفتها معادلا للبعد الأسطوري في نسيج حداثة قصيدتي الجديدة.
2ــ لا يقوم استدعائي لتلك الذاكرة وفق التناص الحرفي، وإنما وفق جهد خاص لاستحضار التناص ونقضه في اللحظة نفسها، مثل «وظلم ذوي القربى، بلادي حملتها- على كتفي شمساً وفي الروح موقدي»، أو «وتحبني وأحبها»، حيث يتبدى الانحراف، في حداثة نصي، عن البيت الأصلي للمنخّل اليشكري باستخدام فاعلية الاختلاف عوضا عن المشاكلة، لإبراز وظيفة مغايرة، ترتكز على تجسيد موقف وموقع المرأة، بصفتها فاعلة وليس تابعة!
كما تجلّى ذلك في الاستحضار المضاد للذاكرة في المثل العربي «ما تبقى من العمر إلا الكثير» بدلا من «القليل»! وسوى ذلك من التفاعلات.
- لماذا تعثّر مشروعك مجلة «النص الجديد»؟
- عملت على تحويل مشروع مجلة «النص الجديد» من مشرع فردي طرحه الأستاذ عبد الله الخشرمي، ليصدر من قبرص، إلى فكرة منبر ثقافي وإبداعي شارك في تأسيسه أبرز أدباء بلادنا، ليكون مظلة لفعالياتهم النقدية والفكرية والإبداعية، حينما أظلمت ساحتنا الأدبية الرسمية جرّاء الهجوم على تيار الحداثة منذ عام 1988م. وقد أدت المجلة دورها بفاعلية عالية، وكان لي الدور المحوري في استمرارها خلال ثمانية أعوام، حتى استعادت ملاحقنا الأدبية المحلية عافيتها، ورأينا أنه من الأفضل توقُّف المجلة.
- صدرت لك رواية يتيمة، هي «الغيمة الرصاصية» (1998)، ورغم تميزها في مقاربة الظروف الاجتماعية والسياسية... إلا أنك لم تكرر هذه التجربة، لماذا...؟
- حظيت هذه الرواية باهتمام جيد من النقاد والمتابعين في بلادنا وفي العالم العربي، لكنني بإزاء كل ذلك أرى أن اليُتْم كان يطاردني دائماً، ولعلها كانت أجمل أشكال اليتم، وأفدحها أيضاً!
- كيف لشاعر يسكن فضاءات قصيدة النثر، كتابة قصيدة التفعيلة... هل تمثل تلكم الفضاءات سجناً للشاعر؟
- مثلما تبلورت جماليات قصيدة التفعيلة عبر عقود ماضية، فإن قصيدة النثر قد تطورت سماتها وبلاغتها المغايرة للتفعيلة رؤية وتعبيراً وفي استراتيجيات خطابها أيضاً. وإذا كان هناك قلّة من شعراء التفعيلة البارزين قد تمكنوا من الإبداع في السياقين معاً، مثل عدنان الصائغ، وقاسم حداد، ومحمد الدميني وإبراهيم زولي، إلا أن الشاعر الذي بدأ تجربته بقصيدة النثر فإنه حتماً سيعجز عن كتابة قصيدة التفعيلة، لعدم توفره على الإيقاع المصاحب لإبداعيتها!
- كيف ترى الحركة الشعرية الشابة الناهضة في أرجاء الوطن؟
- أرى في راهن حركتنا الشعرية بشكل عام ملامح تجربة شديدة الثراء والتنوع والتميز والتمايز، بما يبعث فينا الأمل والابتهاج.
-- الربيع المخطوف
- أنت شاعر ملتزم بالقضايا الوطنية، وقصيدتك الرائعة: «ولي وطنٌ قاسَمتهُ فتنة الهوى، ونافحتُ عن بطحائه من يقاتلُه» شاهدة على وعيك الوطني، هل ترى أن الشاعر محكوم بمواقفه أم بإبداعه؟
- يلهمني ضميري الثقافي ومسؤوليتي الشخصية عن إنسانيتي، خصيصة التفاعل الصادق مع القضايا الإنسانية والوطنية والقومية، وأرى ذلك عنصر إثراء لرؤية النص واستراتيجية خطابه. ولكن مختبري الشعري الخاص لا ينحاز إلى إنتاج القصيدة المباشرة أو الشعارية، وإنما يعمل على إبداع رؤية نص يسرّب دلالاته الثقافية في نسيج جمالي، يتوسل الإيجاز والإلماح، والإحالة الرمزية إلى ما يقع خارجه من تلك المكونات، دون أن يذهب إلى التقريرية المباشرة.
لذلك؛ فإن الشاعر محكوم بجمالية شعرية رؤيته وموقفه إزاء كل شيء في هذا الكون، لا بغيرها، مهما بلغت تضحياته النضالية!
- إلى أي حد أثّرت تجاربك الشاقة والمراحل الصعبة التي مررت بها في إنضاج تجربتك الشعرية؟ هل تشعر بأن السياسة أخذت من علي الدميني أكثر مما أعطته...؟
- في سياق ما يُعرف بـ«التجربة الشعرية» للشاعر، تأخذ حساسيته اللغوية والفنية، وثقافته واهتماماته ورؤيته للحياة والعالم، موقعها الرئيس في تشكيل سمات خصوبة تلك التجربة، عبر خطابها الجمالي والدلالي.
لذا؛ أعتقد أن مسارات حياتي الشخصية والوجدانية والاجتماعية والسياسية قد أسهمت كثيراً في تشييد معمار تجربتي الشعرية؛ لأن نهر الشعر المقدّس يعْبُرُ دائماً على جسر مصاهر التفاعل مع حمولات الأحلام والآمال والآلام جميعاً.
ولكن الاهتمام بالشأن العام، وفي جانبه السياسي تحديداً، والذي بقدر ما يضيف للتجربة من أبعاد ومحفزات مهمة، إلا أنه يستنزف جزءاً مهماً من زمن الشاعر، الذي كان يحتاج إليه للتركيز على الشعر وتطوير الشعرية. وقد يعمل ذلك الاهتمام على رفع وتيرة نبرة المباشرة في خطاب الشعر، إلا أنني قد عملت على تجاوزه باستمرار.
فَقْدُ مساحات الحرية ومناخات الترحال ومُتَع التعارف مع شعراء العالم العربي وغيرهم، حتى فقدت اليوم ــ وأنا على مشارف السبعين ــ الرغبة والمقدرة على السفر، الذي كان يبهجني في السنوات البعيدة!
بيد أني متأكد من أنني، ومن خلال ملَكَة النسيان، قد تجاوزت كل ذلك، وكتبت نصوصي الشعرية التي أعتزّ بتميزها وخصوصيتها في الوقت نفسه.
- ألا ترى أن الربيع العربي كشف عن مدى تجذر القبلية والعصبية والطائفية في مجتمعاتنا العربية؟
- يا صاحبي، تلك المكونات ساكنة في تراثنا وتاريخنا العربي الثقافي والفقهي والسياسي، لكن الدول العربية التي برزت بعد مرحلة التحرر من الاستعمار، وضمن مرحلة الاستقطاب بين معسكري الرأسمالية والاشتراكية، انحازت إلى خطاب عام وجديد يرفع شعار العدالة الاجتماعية والحرية والدولة الحديثة؛ مما جعل تلك اللافتة تغطي على عورات تلك المكونات القبلية والطائفية. ولكن ذلك لم يغير من طبيعة التركيبة المتعمقة في المجتمع العربي (سياسيا واجتماعياً)، وبخاصة أن الأنظمة قد توسلت بأدوات القمع والإقصاء والاضطهاد. وأصبحنا كما قال نزار قباني «لقد لبسنا قشرة الحضارة\ والروح جاهلية».
وحين تراكمت لحظات الغضب الشعبي لدى مكونات المجتمع كافة ضد سلطات الاستبداد، نجح الربيع العربي في الإطاحة بمعظم تلك الأنظمة بفعل موضوعي ذاتي أولاً، ثم بعوامل إسناد خارجية مختلفة المستوى، من تونس إلى مصر إلى اليمن وليبيا ثم إلى سوريا. ولأن القوى التقدمية كانت مقموعة أو ضعيفة، فقد خرج مارد التوظيف السياسي للدين، وأدواته الطائفية من قمقمه التاريخي، فاستولى على مبادرات الربيع العربي في كل مكان.
لذا؛ تكشفّت الصورة عن ذلك المخزون المقموع من دون بديل سابق أو حاضر، وتبدّت في همجية العنف الديني والطائفي، ونتجت منها كل المآسي «الإسلاموية» السياسية في الشارعين السني والشيعي على حدٍ سواء، في أرجاء المنطقة العربية كافة!
ورغم كل ذلك، فإنني متفائل بأن هذه الكوارث ستسهم في الحد من التغوّل السياسي للأنظمة العربية كلها، وللقوى «الإسلاموية» معها في المستقبل المنظور!
- ماذا يعني لك الفوز بجائزة صديقك الراحل محمد الثبيتي تحديداً؟
- سعدت بالجائزة لسببين: أولهما أنها تخلّد اسم شاعر يُعدُّ من أبرز الشعراء المعاصرين في المملكة والعالم العربي، والآخر لأنني أول من نال هذه الجائزة بإجماع لجنة الاختيار. لكنني، وكما أكرر دائماً، أرى أن تنال عائلة الشاعر جزءاً من هذه الجائزة، مالياً!



ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».