الظروف الصعبة في غزة ترفع معدلات الاكتئاب... والتفكير بالانتحار

مياه ملوثة بمجاري الصرف الصحي على شاطئ بمدينة غزة... وسلّط موت فتى خلال سباحته في مياه آسنة أخيراً الضوء على المشاكل الكبيرة التي يواجهها قطاع غزة (أ.ف.ب)
مياه ملوثة بمجاري الصرف الصحي على شاطئ بمدينة غزة... وسلّط موت فتى خلال سباحته في مياه آسنة أخيراً الضوء على المشاكل الكبيرة التي يواجهها قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

الظروف الصعبة في غزة ترفع معدلات الاكتئاب... والتفكير بالانتحار

مياه ملوثة بمجاري الصرف الصحي على شاطئ بمدينة غزة... وسلّط موت فتى خلال سباحته في مياه آسنة أخيراً الضوء على المشاكل الكبيرة التي يواجهها قطاع غزة (أ.ف.ب)
مياه ملوثة بمجاري الصرف الصحي على شاطئ بمدينة غزة... وسلّط موت فتى خلال سباحته في مياه آسنة أخيراً الضوء على المشاكل الكبيرة التي يواجهها قطاع غزة (أ.ف.ب)

لم يتحمل «ف.ر» الذي يبلغ من العمر 45 عاماً، مطالبات المواطنين له بتسديد الديون المتراكمة عليه، فقرر قبل أسبوع إنهاء حياته بإغلاق محل يمتلكه في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة وربط حبل بسقف محله ليشنق نفسه. انتحر، كما يقول معارف له؛ للتخلص كما يبدو من الضغوط النفسية الكبيرة التي كان يتعرض لها في ظل أوضاع اقتصادية صعبة وحياة مأساوية كان يعيشها.
كان «ف.ر» يملك محلاً للحدادة والألمنيوم يعمل فيه منذ سنوات، وكان بحالة مادية ممتازة قبل أن تتدهور ظروفه الاقتصادية نتيجة الوضع العام في غزة وتراجع الطلب على عمله، حتى أصبح ما يجنيه من مال مقابل عمله أقل بكثير مما يحتاج إليه لتأمين احتياجات ومتطلبات منزله الكثيرة؛ ما دفعه إلى الاستدانة وبمبالغ كبيرة حتى تراكمت عليه الديون ولم ير مجالاً للتخلص منها سوى الانتحار.
وبحسب إحصاءات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من جهات طبية وأمنية فلسطينية في غزة، فقد سُجّلت منذ بداية العام الحالي خمس حالات انتحار، إحداها لسيدة. ومنذ بداية أغسطس (آب) الحالي، سُجّلت حالتا انتحار، إحداها للشخص المشار إليه سابقاً (ف.ر) والثانية لطفل يبلغ من العمر 13 عاماً. وتأتي هذه الحالات الجديدة بعدما سُجّلت في العام الماضي (2016) 17 حالة انتحار و80 محاولة انتحار في غزة، بالمقارنة مع 5 حالات سُجّلت عام 2015 و35 محاولة انتحار في العام ذاته.
ووفق الإحصاءات ذاتها، تُسجل حالات محاولة انتحار في شكل شبه يومي بين سكان القطاع الذين يعانون ارتفاعاً في حالات الاكتئاب نتيجة الظروف الصعبة التي يعيشونها. وغالبية هذه الحالات تتم عبر محاولة شخص ما حرق نفسه، أو الشنق، أو استخدام كميات كبيرة من الأدوية بمختلف أنواعها.
ويقول الشاب «خالد.غ» البالغ من العمر 27 عاماً ويقطن في حي النمساوي غرب خانيونس، إنه بدأ أخيراً رحلات علاج نفسي لدى أحد الأطباء المختصين بعد محاولته الانتحار مرتين، الأولى في يونيو (حزيران) من العام الماضي والثانية في أبريل (نيسان) من العام الحالي. وتناول في محاولة الانتحار الأولى مادة سامة كادت أن تقضي على حياته، لكن تم إنقاذه بصعوبة، في حين تناول في المرة الثانية كميات كبيرة من الأدوية، إلا أن الأطباء نجحوا في إنقاذ حياته مرة أخرى، ليعود إلى حياته بشكل طبيعي بعد أيام من تلك المحاولة الأخيرة. ويُرجع خالد محاولاته إنهاء حياته إلى الظروف الصعبة التي يعيشها منذ سنوات. وأشار إلى أنه اقترب من عامه الـ28 دون أن يستطيع الحصول على فرصة عمل ثابتة يستطيع من خلالها بناء مستقبله، مضيفاً أنه لم يتزوج حتى الآن، ولا يوجد أي أفق أو طريق واضحة أمامه للزواج، أو بناء حياته في الوقت القريب.
وتعيش عائلة «خالد» في منزل متهالك لا يصلح للعيش الآدمي، حيث يتكون المنزل من مساحة تقل عن 70 متراً. ويشير خالد إلى أن الحياة ضاقت به ولم يعد قادراً على تحمل أعبائها، وبخاصة أنه يُعتبر المعيل الوحيد لعائلته المكونة من 6 أفراد هو أكبرهم. ويقول خالد لـ«الشرق الأوسط» إن ما دفعه إلى محاولة الانتحار ليس أسباباً شخصية في ذاته مثل عدم قدرته على الزواج وبناء عائلة مثل بقية الشبان الآخرين، بل إن ما دفعه إلى ذلك عدم قدرته على توفير احتياجات عائلته، وتراجع حالتهم الاقتصادية المزرية في ظل تدهور الأوضاع العامة في قطاع غزة.
ويأمل خالد، كما الآلاف من سكان قطاع غزة الذين يعيشون في ظروف حياتية قاسية، في تحسن الأوضاع وفتح الآفاق أمامهم للعمل وتحسين حياتهم أملاً في بناء مستقبل واعد. إلا أن ذلك يبدو بعيد المنال في ظل الظروف السياسية الحالية التي تنعكس في شكل مباشر على الواقع الاقتصادي والحياتي في غزة.
وتوضح إحصاءات أعدتها مؤسسات مختصة أن أكثر من 55 في المائة من عائلات قطاع غزة تعيش تحت خط الفقر الشديد. وتواجه 73 في المائة من العائلات في غزة ارتفاعاً في حوادث العنف الاجتماعي، بحسب ما تكشف هذه الإحصاءات.
ويربط مراقبون حالات الانتحار والتفكير بمحاولة الانتحار بالواقع الاقتصادي الصعب وانتشار البطالة وارتفاع نسب الفقر المدقع في المجتمع الغزي، ما يزيد من حالة الاكتئاب في صفوف المواطنين ويدفع بعضهم للتخلّص من حياته. وشهدت نسب البطالة في القطاع ارتفاعاً كبيراً وصل إلى ما يزيد على 60 في المائة.
وأفاد إحصاء صدر عن المرصد الأورو - متوسطي بداية العام الحالي، بأن 55 في المائة من سكان القطاع يعانون من الاكتئاب، وأن 50 في المائة من أطفال غزة في حاجة إلى دعم نفسي، في حين أشار إحصاء لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» إلى أن نحو ثلث اللاجئين الفلسطينيين في غزة، والبالغ عددهم 1.2 مليون نسمة، ظهرت لديهم أعراض اضطرابات نفسية واجتماعية، مشيراً إلى أن الحصار المفروض على القطاع لا يؤثر فقط في النواحي البدنية والاقتصادية والاجتماعية للسكان، لكن يعرّضهم أيضاً لمستويات عالية من الضغط النفسي والاجتماعي. وفعّلت «الأونروا» مؤخرا 21 مركزاً تابعاً للوكالة لاستقبال اللاجئين الذين ظهرت لديهم أعراض اضطرابات نفسية واجتماعية في القطاع، وبدأت بتشغيل 31 مشروعاً تجريبياً من أجل دمج الرعاية الصحية النفسية والدعم النفسي الاجتماعي ضمن خدمات الرعاية الصحية. وترى الجهات الأمنية في غزة، أن معدلات الجريمة وحتى محاولات الانتحار طبيعية ولا يوجد فيها أي خطر حقيقي على اعتبار أن الدول الأخرى تسجّل حالات أكثر، في حين تعتبر مراكز حقوقية ما يجري خطيراً كونه يعكس الواقع المأسوي في قطاع غزة. ويقول الدكتور فضل عاشور، اختصاصي الطب النفسي والعصبي في كلية الطب بجامعة الأزهر بغزة: إن الانتحار سمة إنسانية يختارها الشخص بشكل طوعي بعد اضطراب عقلي ناتج من حالة من الاكتئاب جراء التفكير بأنه يعتبر أن لا معنى لحياته، وأنه لا بد من إنهائها. ويوضح، أن الانتحار يمر بثلاثة مراحل، أولها التفكير في الانتحار، وهذا قد يدوم أو يقصر زمنياً، وثانيها وضع خطة لكيفية الانتحار إما حرقاً أو شنقاً أو بطريقة أخرى، والمرحلة الأخيرة تتمثل في التنفيذ و«قلائل هم الذين يصلون إلى هذه المرحلة على رغم وجود كم كبير جداً ممن يفكرون بالانتحار ولديهم الخطة لذلك، لكنهم لا يصلون إلى مرحلة التطبيق، وإن وصل بعضهم إلى التطبيق فإنهم لا ينجحون جمعيهم في ذلك».
ولفت عاشور في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن الغالبية العظمى من شباب غزة، وبخاصة جيل ما بين 20 إلى 35 سنة ممن حرموا من كل شيء، سواء العمل أو الزواج وعدم وفرة المال ووجود فراغ هائل في حياتهم، هم أكثر المرشحين للانتحار في ظل الأوضاع الحياتية الصعبة وانغلاق الأفق، وبخاصة أن الأزمات الحالية باتت تصيب كل فرد بالمجتمع وليس فقط الوضع السياسي والاقتصادي العام.
واعتبر أن الحصار المشدد على القطاع والحروب والوضع الاقتصادي وانعدام الأمل منذ سنوات، جميعها أسباب «قتلت الأمل في صفوف الغزيين»، ولا سيما الشباب منهم، و«أفشلت كل أمل ممكن بعد تجارب مخادعة بوجود انفراجات». وقال: إن الواقع الحالي لا يمكن أن يتغيّر سوى من خلال تغيير الواقع السياسي الذي يؤثر اقتصاديا وحياتياً على المجتمع.



«الحرس» الإيراني يعيد رسم خريطة تحصينات الحوثيين

مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
TT

«الحرس» الإيراني يعيد رسم خريطة تحصينات الحوثيين

مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)
مسيّرة أطلقها الحوثيون من مكان غير معروف باتجاه ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

بالتزامن مع التصعيد العسكري الذي بدأته الجماعة الحوثية في اليمن، أعادت قياداتها توزيع مراكز وجودها وإدارة مؤسساتها في مناطق سيطرتها، وسط إجراءات أمنية مشددة؛ تحسباً لاستهدافها، شملت تحويل فنادق رئيسية في صنعاء والحديدة وصعدة ومدن أخرى إلى مقار مؤقتة لإدارة الأجهزة الأمنية والمخابراتية والمؤسسات المدنية.

وقالت مصادر أمنية يمنية لـ«الشرق الأوسط» إن ضباطاً من «الحرس الثوري» الإيراني يتولون الإشراف على إدارة التصعيد، وإن ما يسمى السفير الإيراني لدى الحوثيين، علي محمد رضائي، يشرف شخصياً على غرفة عمليات تدير الجوانب العسكرية والأمنية في مناطق سيطرة الجماعة.

ووفق المصادر، فقد تلقى مسؤولون أمنيون ومخابراتيون ووزراء ورؤساء هيئات حكومية في حكومة الحوثيين غير المعترف بها دولياً تعليمات بالانتقال إلى فنادق والإقامة فيها ومواصلة أداء مهامهم من هناك، في إجراء قالت المصادر إنه يهدف إلى الاحتماء بالمدنيين والنزلاء وتجنب استهداف القيادات.

القيادي الإيراني محمد رضائي (يسار) يشرف على غرفة التصعيد الحوثي (إعلام محلي)

وأفادت المصادر بأن «الحرس الثوري» أنشأ غرفة عمليات خاصة لمتابعة التصعيد الميداني والخطاب الإعلامي المواكب له، بما في ذلك الترويج لمزاعم الحصار والمطالبة بصرف رواتب الموظفين الحكوميين، في محاولة، وفق المصادر، لإظهار التصعيد على أنه مرتبطاً بقضايا داخلية، بينما يتمثل هدفه الرئيسي في دعم طهران خلال مواجهتها مع الولايات المتحدة.

وأضافت أن الضباط الإيرانيين يتوقعون أن يرد تحالف دعم الشرعية على التصعيد باستهداف القيادات الحوثية الأمنية والعسكرية والحكومية، على غرار ما حدث خلال مراحل سابقة؛ الأمر الذي دفع بالجماعة إلى اتخاذ احتياطات إضافية لحماية قادتها.

الفنادق «مخابئ»

وفق المصادر، فقد جرى نقل عدد من القيادات الحوثية إلى فنادق داخل المدن الرئيسية الخاضعة للحوثيين، واختيار عناصر مخابراتية موثوقة لتكون حلقة وصل بينها وبين الجهات التي تديرها.

وتتولى هذه العناصر نقل التوجيهات والطلبات إلى المستويات الأدنى في المؤسسات والمرافق الحكومية، إضافة إلى توفير المعلومات والاحتياجات للقيادات الموجودة في أماكن الإقامة الجديدة.

قيادات حوثية اختفت عن المشهد عقب استهداف اجتماع سري لحكومتهم (إعلام محلي)

وقالت المصادر إن هذا التغيير شمل وزراء في حكومة الحوثيين ورؤساء هيئات ومؤسسات، تلقوا توجيهات بمواصلة أعمالهم من داخل الفنادق التي جرى توزيعهم عليها في صنعاء ومدن أخرى، بينما أوكلت إلى قيادات الصف الثاني مهمة إدارة النشاط العام.

وتزامنت هذه الإجراءات مع اختفاء عدد من قادة الصف الأول وامتناعهم عن الظهور العلني، وانتقالهم إلى أماكن أكبر أمناً، وفق المصادر، التي أشارت إلى أن الجماعة فرضت في الوقت نفسه إجراءات أمنية إضافية على الفنادق، وربطت بعضها بشبكات تابعة لأجهزة المخابرات والشرطة الخاضعة لسيطرتها؛ بهدف مراقبة النزلاء والتحقق من هوياتهم ومنع أي اختراقات أمنية.

صعدة منطقة مغلقة

بشأن قيادات الصف الأول في الجماعة الحوثية، قالت المصادر إن عدداً منهم انتقل إلى محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للجماعة في شمال اليمن، التي تحولت، وفق وصفها، منطقةً أمنيةً مغلقةً تخضع إجراءات الدخول إليها والخروج منها لتدقيق وموافقات مسبقة.

وأشارت المصادر إلى وجود مواقع حوثية محصنة تحت الجبال في المحافظة تُستخدم للاحتماء وإدارة العمليات العسكرية وتخزين الأسلحة، إضافة إلى مواقع أخرى استُحدثت في محافظات مختلفة.

قيادات الصف الثاني في الجماعة الحوثية تتولى إدارة النشاط العام (إعلام محلي)

كما تلقى قادة ومشرفون حوثيون يديرون المؤسسات الحكومية المحتلة تعليمات من عناصر «الحرس الثوري» بالانتقال إلى فنادق المدن الرئيسية، في حين أُبلغ قادة الوحدات العسكرية بالبقاء في خنادق ومواقع محصنة جرى تجهيزها في مناطق مختلفة.

وقالت المصادر إن الجماعة الحوثية استحدثت شبكة من الأنفاق والمواقع المحصنة للاختباء وإدارة العمليات العسكرية، خصوصاً في محافظات إب وحجة والحديدة، ضمن إجراءات تقول المصادر إنها تستهدف تقليل احتمالات رصد القيادات ومراكز القيادة والسيطرة.

وتُرجع المصادر هذه الإجراءات إلى تجربة الجماعة خلال فترة هجماتها على حركة الملاحة في جنوب البحر الأحمر، منذ أواخر 2023 وحتى الربع الأول من 2025، حين لجأت القيادات العسكرية والأمنية إلى مواقع سرية ومساكن بعيدة عن مراكز النشاط العلني؛ مما ساعد، وفق المصادر، على تجنيب عدد من القيادات الاستهداف خلال الضربات الأميركية والإسرائيلية.

إلا إن تلك الإجراءات لم تمنع استهداف اجتماع سري لحكومة الحوثيين، وفق المصادر؛ ما أدى إلى مقتل رئيس الحكومة و9 من وزرائها، إضافة إلى استهداف رئيس أركان الجماعة، رغم الإجراءات التي اتخذتها القيادات لإخفاء أماكن وجودها.

مواقع إطلاق متعددة

بالتوازي مع إجراءات حماية القيادات الحوثية، أشرف ضباط إيرانيون، وفق المصادر، على استحداث مواقع إضافية في مناطق التماس، واختيار مواقع لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة؛ حتى لا تعتمد الجماعة على نقطة واحدة لإطلاق هجماتها.

وتقول المصادر إن توزيع مواقع الإطلاق يهدف إلى تقليل فرص رصدها واستهدافها، وإن هذه المواقع توزعت بين محافظات إب وتعز والبيضاء، وظهر ذلك خلال الهجوم الصاروخي المكثف الذي استهدف ميناء المخا.

ووفق المصادر، فقد أطلقت الجماعة نحو 20 صاروخاً من مناطق في محافظة إب، سقط بعضها في أطراف المحافظة، كما استخدمت مناطق خاضعة لسيطرتها بريف تعز لإطلاق دفعات أخرى من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

أضرار واسعة لحقت بمنشآت ميناء المخا اليمني جراء الاعتداءات الحوثية (أ.ف.ب)

وأفادت مصادر يمنية بأن الحوثيين استخدموا معسكرَي الأمن المركزي والحرس الجمهوري في مدينة إب لإطلاق عدد من الصواريخ، فيما أُطلقت صواريخ أخرى من منطقة الأقحوز بمديرية مقبنة غرب تعز، ومن منطقة الحوبان في ضواحي مدينة تعز.

كما استخدمت الجماعة، وفق المصادر نفسها، معسكراً تابعاً لها في منطقة البرح بمديرية مقبنة، القريبة من المخا، لإطلاق معظم الطائرات المسيّرة المشاركة في الهجوم.

وتشير هذه التحركات، وفق المصادر، إلى محاولة الحوثيين إعادة توزيع منظومة القيادة والسيطرة ومواقع إطلاق الأسلحة، بالتوازي مع إخفاء القيادات السياسية والأمنية والعسكرية داخل تجمعات سكانية وفنادق ومواقع محصنة؛ في مسعى لتقليل تكلفة الاستهداف خلال مرحلة التصعيد الحالية.


3 قتلى بهجوم حوثي على سفينة تجارية في باب المندب

أضرار واسعة لحقت بميناء المخا اليمني جراء هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)
أضرار واسعة لحقت بميناء المخا اليمني جراء هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

3 قتلى بهجوم حوثي على سفينة تجارية في باب المندب

أضرار واسعة لحقت بميناء المخا اليمني جراء هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)
أضرار واسعة لحقت بميناء المخا اليمني جراء هجمات الحوثيين (أ.ف.ب)

وسّعت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران نطاق تصعيدها العسكري في اليمن، باستهداف سفينة تجارية في مضيق باب المندب، الثلاثاء، بالتزامن مع قصف صاروخي ومسيّر طال مدينة المخا الساحلية وميناءها وأحياء سكنية في مأرب ومناطق في تعز، بعد يومَين من هجمات متواصلة على مواقع عسكرية ومنشآت ومناطق مدنية.

وأفادت مصادر يمنية عسكرية، الثلاثاء، بأن هجوماً حوثياً استهدف سفينة تجارية في باب المندب، وأسفر، وفق معلومات أولية، عن مقتل ثلاثة من أفراد طاقمها، بينهم إندونيسي وباكستانيان.

صاروخ حوثي ضمن هجمات استهدفت ميناء المخا اليمني (رويترز)

ونقل الإعلام العسكري التابع لقوات المقاومة الوطنية الحكومية المرابطة في الساحل الغربي اليمني أن الجماعة الحوثية استهدفت السفينة في مضيق باب المندب، فيما لم يصدر حتى الآن تعليق من الحوثيين بشأن الهجوم أو ملابساته.

وبالتزامن، أعلنت المقاومة الوطنية أن الحوثيين استهدفوا مدينة المخا بخمسة صواريخ باليستية وعدد من الطائرات المسيّرة، في هجوم يأتي بعد سلسلة ضربات تعرضت لها المدينة وميناؤها خلال اليومين الماضيين.

هجمات مستمرة

أوضحت مصادر محلية أن الحوثيين استهدفوا، فجر الثلاثاء، مدينة المخا بثلاث ضربات صاروخية، طالت إحداها الميناء، فيما أفاد المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية بأن المدينة وميناءها تعرضا لقصف بالصواريخ الباليستية.

وجاء القصف بعد سماع انفجارات في مدينة إب، قالت مصادر محلية إنها ناجمة عن إطلاق صواريخ باليستية باتجاه المخا، وسط معلومات أولية عن إطلاقها من مناطق في شرق تعز، في حين لم تتوافر، وقت إعداد التقرير، معلومات نهائية عن حجم الأضرار أو الخسائر الناجمة عن الضربات الأخيرة.

مسيرة حوثية هاجمت بها الجماعة ميناء المخا (رويترز)

وفي مأرب، قال الجيش اليمني إن الحوثيين استهدفوا أحياء سكنية في المدينة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، فيما تحدث سكان عن سماع دوي انفجارين يرجح أنهما نتجا عن تصدي الدفاعات الجوية لهجمات مسيّرة.

وتزامن التصعيد مع مواجهات على جبهة تعز، حيث أعلن الجيش اليمني إحباط محاولة تسلل حوثية في جبهة الكريفات شرق المدينة، وأفاد بأسر عدد من عناصر الجماعة، من دون تحديد عددهم أو تقديم تفاصيل إضافية عن العملية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


العليمي للسفراء: مرحلة الاعتداءات الحوثية بلا كلفة انتهت

العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (إعلام حكومي)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (إعلام حكومي)
TT

العليمي للسفراء: مرحلة الاعتداءات الحوثية بلا كلفة انتهت

العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (إعلام حكومي)
العليمي مجتمعاً في الرياض مع سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن (إعلام حكومي)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي إن التصعيد الأخير الذي تنفذه جماعة الحوثي الإرهابية يمثل اختباراً جديداً لجدية المجتمع الدولي في حماية فرص السلام في اليمن، مطالباً الدول الراعية للعملية السياسية بموقف واضح إزاء استهداف المدنيين والمنشآت الاقتصادية والموانئ التجارية.

وأضاف العليمي، خلال لقائه، الاثنين، سفراء الدول الراعية للعملية السياسية في اليمن، أن الحكومة اليمنية لم تبدأ التصعيد ولم تبحث عنه، لكنها لن تسمح بأن يتحول التزامها بالسلام إلى «تصريح مفتوح» للحوثيين لاختيار توقيت الهجمات وأماكنها، ثم مطالبة الأطراف الأخرى بضبط النفس عند الرد.

وتطرق رئيس مجلس القيادة إلى الهجوم الحوثي بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة على ميناء المخا في الساحل الغربي، وما أسفر عنه من ضحايا مدنيين، بينهم نساء وأطفال، مشيراً إلى أن الهجوم استهدف منشآت مدنية وخدمية وليس موقعاً عسكرياً.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

وأوضح أن الهجوم طال الرصيف البحري ومرافق خدمية ورافعات مخصصة لمناولة البضائع والسلع الغذائية، إلى جانب عدد من السفن التجارية الراسية في الميناء، كما ألحق أضراراً بالمستشفى السعودي ومصلحة الهجرة والجوازات ومشاريع للمياه.

تصعيد غير مسبوق

وضع العليمي هجوم المخا في سياق سلسلة من التصعيد الحوثي المستمر منذ أسابيع، مشيراً إلى ما وصفه بمحاولة تسيير رحلات جوية لـ«الحرس الثوري» الإيراني إلى صنعاء، واستهداف السفن التجارية، والهجمات التي طالت أعياناً مدنية في السعودية، وصولاً إلى الهجمات في مأرب وحضرموت والساحل الغربي.

وقال إن تلك الهجمات طالت مواقع للقوات المسلحة ومنشآت سيادية وأعياناً مدنية ومخيمات للنازحين، معتبراً أن الاعتداءات لم تعد مرتبطة بجبهة عسكرية منفردة، وإنما باتت، وفق تعبيره، اعتداءً على الدولة اليمنية بكاملها.

أضرار واسعة تسببت فيها الهجمات الحوثية على ميناء المخا اليمني (أ.ف.ب)

وجدد رئيس مجلس القيادة اليمني تحذيرات الحكومة اليمنية السابقة من صعوبة بناء سلام مستدام مع جماعة مسلحة تحتفظ بقدرات صاروخية باليستية، وتتحكم في قراري الحرب والسلم، بينما تضع قادتها، بحسب قوله، فوق الدولة وسيادة القانون.

وتابع العليمي أن الحكومة «لم تختبر الخيار العسكري أولاً، بل اختبرت السلام أولاً»، مشيراً إلى أنها التزمت خلال السنوات الماضية بالتهدئة وضبط النفس، وسهلت حركة الطيران والموانئ وتدفق السلع، وتجاوبت مع جهود الأمم المتحدة والدول الشقيقة والصديقة، رغم ما ترتب على ذلك من كلفة سياسية واقتصادية.

وأضاف أن الحكومة فعلت ذلك انطلاقاً من قناعة بأن «حياة اليمنيين أغلى من أي شيء آخر»، محملاً ما وصفه بالتساهل الدولي خلال السنوات الماضية جانباً من مسؤولية وصول الوضع إلى المرحلة الحالية.

لا اعتداء بلا كلفة

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني إن المعادلة الميدانية والسياسية تغيرت، وإن جماعة الحوثي «يجب أن تدرك أن مرحلة الاعتداء بلا كلفة انتهت»، مؤكداً أن القوات المسلحة اليمنية أصبحت، وفق تعبيره، أكثر جاهزية.

وأشار إلى أن التطورات الأخيرة أثبتت، بحسب قوله، أن الاعتداءات على مأرب وحضرموت والساحل الغربي لم تمر دون رد، وأن الدولة لن تسمح للحوثيين باحتكار قرار بدء المواجهة وتوقيتها ومكانها وحجمها، ثم احتكار قرار التوقف عنها.

ودعا رئيس مجلس القيادة المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في حماية قواعد النظام الدولي، وفي مقدمتها حماية المدنيين والمنشآت والأعيان المدنية والموانئ التجارية، واحترام سيادة الدول، ورفض استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لفرض مكاسب سياسية أو اقتصادية غير مشروعة.

وحذر من أن الصمت أو استخدام لغة ملتبسة تجاه التصعيد قد لا يساعد على التهدئة، بل قد تفسره جماعة الحوثي باعتباره مساحة لمزيد من التصعيد.

وقال العليمي مخاطباً سفراء الدول الراعية للعملية السياسية: «نحن لا نطلب من أصدقائنا بيانات تضامن مع الحكومة بقدر ما نطلب الدفاع عن قواعد يفترض أنها تخص النظام الدولي كله»، داعياً إلى عدم المساواة مجدداً بين الدولة والجماعات المسلحة.

وطالب بموقف سياسي دولي واضح وسريع يدين استهداف الموانئ والمنشآت المدنية والمدنيين، ويحمل الحوثيين مسؤولية التصعيد، مع دعم حق الحكومة اليمنية في حماية مواطنيها ومؤسساتها ومنشآتها الاقتصادية في إطار القانون الدولي.

وفي رسالة مباشرة إلى الدول الراعية للعملية السياسية، قال العليمي إن أصدقاء اليمن طلبوا من الحكومة طوال السنوات الماضية «أن نعطي السلام فرصة»، مؤكداً أنها فعلت ذلك «بكل مسؤولية، وربما أكثر مما كان متوقعاً». وأضاف: «واليوم نطلب من أصدقائنا أن يعطوا الدولة فرصة أيضاً».