عمليتا دهس جديدتان في مرسيليا والادعاء يستبعد عملاً إرهابياً

القبض على الجاني عن مدخل المرفأ القديم ونجاة المدينة المتوسطية من مقتلة واسعة

رجال البحث الجنائي يجمعون الأدلة من سيارة الدهس التي استهدفت محطتي حافلات وأدت إلى مقتل شخص وإصابة آخرين بمدينة مرسيليا الساحلية جنوب فرنسا أمس (أ.ب)
رجال البحث الجنائي يجمعون الأدلة من سيارة الدهس التي استهدفت محطتي حافلات وأدت إلى مقتل شخص وإصابة آخرين بمدينة مرسيليا الساحلية جنوب فرنسا أمس (أ.ب)
TT

عمليتا دهس جديدتان في مرسيليا والادعاء يستبعد عملاً إرهابياً

رجال البحث الجنائي يجمعون الأدلة من سيارة الدهس التي استهدفت محطتي حافلات وأدت إلى مقتل شخص وإصابة آخرين بمدينة مرسيليا الساحلية جنوب فرنسا أمس (أ.ب)
رجال البحث الجنائي يجمعون الأدلة من سيارة الدهس التي استهدفت محطتي حافلات وأدت إلى مقتل شخص وإصابة آخرين بمدينة مرسيليا الساحلية جنوب فرنسا أمس (أ.ب)

حتى عصر أمس، لم تكشف السلطات الأمنية في مدينة مرسيليا هوية الشخص الذي اقتحم بحافلته الصغيرة موقفين للحافلات «الباصات» في المدينة المتوسطية فأجهز على امرأة في الأربعينات من عمرها وأصاب رجلا بجروح خطيرة.
ونجح الرجل البالغ من العمر 35 عاما في الوصول بحافلته المسروقة إلى المرفأ القديم للمدينة الذي يبعد نحو 9 كلم عن موقع الحافلات الثاني والذي يعتبر نقطة الجذب السياحية الرئيسية لمرسيليا. وعلى أحد مداخل هذا الحي المكتظ بالناس، نجحت شرطة مرسيليا في إلقاء القبض عليه. من يعرف المدية المتوسطية التي اختارها الرئيس إيمانويل ماكرون وزوجته وجهة لقضاء عطلتهما الصيفية، يعي تماما أن مرسيليا نجت من مقتلة كبيرة ربما وصلت إلى ما عرفته مدينة نيس في يوليو (تموز) من العام الماضي. فالمرفأ القديم محاط بالمقاهي والمطاعم كما أنه المنطلق للبواخر السياحية التي تجول على الجزر القريبة من المدينة وعلى خلجانها الصغيرة والقرى المنثورة بعيدا عن ضوضاء المدينة. لكن سرعة الشرطة في توقيف هذا الرجل أنقذ مرسيليا من مقتلة جديدة عن طريق الدهس وهي الطريقة البدائية للأعمال الإرهابية التي أصبحت رائجة بشكل يثير قلق السلطات الأمنية لعجزها عن منع وقوعها. وما شهدته مدينة برشلونة ومنتجع كامبريلس ليل الخميس الماضي كاد أن يتكرر أمس في مرسيليا.
لكن الفرق بين الحادثين ليس فقط في أعداد الضحايا بل خصوصا في «طبيعة» العمل الإرهابي. ذلك أن مرتكب اعتداء مرسيليا، على ضوء المعلومات المتوافرة للأجهزة الأمنية والنيابة العامة، لا يملك «بروفايل» الإرهابي رغم أنه كان معروفا لدى الشرطة لمجموعة من الجنح كتهريب المخدرات وامتلاك أسلحة نارية غير مرخص لها والتهجم على رجال الأمن، لكن الأهم من ذلك وهو الحجة التي استند إليها مدعي عام مدينة مرسيليا لاستبعاد العمل الإرهابي هو أن الشرطة وجدت بحوزة الرجل المعني رسالة صادرة عن مصح للطب النفسي ما يعزز فرضية الرجل المختل عقليا أو المريض نفسيا.
وقال كزافيه تارابو أمس للصحافة إن «التحقيق يتجه إلى فرضية الاضطراب النفسي» مضيفا أنه «ليس هناك أي شيء يسمح حاليا بوصف هذا العمل بأنه عمل إرهابي». وأشار المدعي العام إلى أن الشرطة عثرت «مع سائق السيارة» على رسالة على صلة بمستشفى للطب النفسي، ونتجه إلى هذه الفرضية. وأفادت معلومات أمنية بأن اسم الجاني غير موجود على لوائح الأشخاص الراديكاليين الذين يشكلون خطرا على الأمن العام. وتأتي عملية الدهس الجديدة بعد أيام قليلة على عملية قام بها رجل جزائري الأصل في مدينة لوفالوا ــ بيريه الواقعة على مدخل باريس الغربي استهدف خلالها مجموعة من الجنود المكلفين السهر على أمن المنشآت الحساسة والأماكن العامة في إطار عملية «سانتينيل». وأسفرت العملية عن جرح ستة عسكريين. وحتى تاريخه لم يتوصل التحقيق إلى إقامة الرابط بين الجاني وبين تنظيمات إرهابية كداعش أو النصرة.
كان صباح أمس يشي بيوم مشمس جميل في المدينة الساحلية التي تستقطب سنويا مئات الآلاف من السائحين والزوار. ولم تكن الساعة قد تجاوزت السابعة والنصف «بالتوقيت المحلي» عندما انقض سائق حافلة صغيرة من طراو «رينو ماستر» على موقف للحافلات في الدائرة الثالثة عشرة من المدينة حيث أصيب رجل بجروح بالغة. واتجه السائق عقب ذلك نحو الدائرة الحادية عشرة «وهما بعيدتان عن مركز المدينة» وهناك انقض مجددا، وفق شهود عيان، على موقف آخر فدهس امرأة كانت تنتظر وحدها مرور الباص فدهسها بعنف ما أدى إلى مقتلها. وقال شاهد عيان إن الحافلة الصغيرة انطلقت بعد حادثة الدهس «الثانية» بسرعة فائقة.
بيد أن أحد المشاة نجح في تسجيل رقم لوحتها المعدنية الذي نقل للشرطة. وبفضل كاميرات المراقبة المنتشرة في المدينة، تم تتبع الحافلة وإيقافها والقبض على سائقها قريبا من المرفأ القديم. وعمدت الأجهزة الأمنية إلى فرض طوق على المرفأ القديم وطلبت من المصطافين والمواطنين الابتعاد عن المنطقة لإجراء التحريات اللازمة حول السيارة والتأكد من خلوها من المتفجرات. وأضافت مصادر الشرطة أن الرجل المعني لم يكن مسلحا. وأفاد شاهد عيان رأى مباشرة طريقة توقيفه بأن شرطيا بلباس مدنية كان يحمل رشاشا هو من أوقف الجاني وأمره بالخروج من السيارة وأن الأخير تردد نحو ثلاث دقائق قبل أن ينصاع. وبحسب تقارير صحافية، فإن الجاني ليس من سكان مدينة مرسيليا.
حتى أمس، بقيت مرسيليا بمنأى عن العمليات الإرهابية ولكن ليس بمنأى عن العنف. ذلك أنها تعاني من عنف مهربي ومروجي المخدرات ومن عمليات تصفية الحسابات الدائمة بين العصابات التي تتنافس على السيطرة على هذه التجارة الرائجة. ففي العام 2016 وحده، شهدت المدينة سقوط 34 قتيلا في شوارعها بينهم 29 ضحية بسبب المتاجرة بالمخدرات.
ومن جانب آخر، تعيش في المدينة جاليات مهاجرة كثيرة العدد في أحيائها الشمالية وغالبيتهم من شمال أفريقيا ومن أفريقيا السوداء. وتعاني هذه المناطق من العنف «اليومي» الأمر الذي يسمم أجواء المدينة ويوفر لليمين المتطرف مادة لإيديولوجيته العنصرية ولعدائه للإسلام والمسلمين. ورغم استبعاد العمل الإرهابي فإن الحادث حظي بمتابعة سياسية وإعلامية واسعة بسبب الأجواء العامة المخيمة على فرنسا والتي سقط فيها 239 قتيلا ومئات الجرحى بسبب الأعمال الإرهابية منذ مطلع عام 2015 وبعد عودة البرلمان لممارسة مهامه التشريعية في الأسابيع القليلة المقبلة، فإنه سيبدأ بمناقشة مشروع قانون خاص بتعزيز صلاحيات الأجهزة الأمنية على المستويات كافة تمهيدا لخروج فرنسا من حالة الطوارئ التي مدد العمل بها حتى الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وفرضت حالة الطوارئ على البلاد منذ نحو العامين وتم تمديدها ست مرات. وسبق للرئيس فرنسوا هولاند أن أعلن الصيف الماضي رغبته في وضع حد لها إلا أن عملية نيس الإرهابية أثنته عن تنفيذ وعده.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».