دينس جونسون ـ ديفيز {عبد الودود} الذي أوصل محفوظ للعالم

أصبح مرجعية عالمية في الأدب العربي

دينس جونسون ديفيز
دينس جونسون ديفيز
TT

دينس جونسون ـ ديفيز {عبد الودود} الذي أوصل محفوظ للعالم

دينس جونسون ديفيز
دينس جونسون ديفيز

كما لو أنه سِيزيف يحملُ صخرة اللغة العربية على ظهره وحيداً 70 عاماً، ويصعد بها مرةً بعد مرة إلى مصاف العالمية، محكوماً أبدياً بعشقها، فتورق في حدائق لغة شكسبير، لكنه لم يخدع إله الموت كما في الأسطورة الإغريقية، فحنت عليه أرض مصر وضمته إلى قلبها عن 94 عاماً. إنه عبد الودود، أو دينس جونسون - ديفيز (1922 - 2017)، شهبندر المترجمين من العربية إلى الإنجليزية، وكبيرهم الذي فقده العرب والعالم، والذي وصفه إدوارد سعيد بأنه «أهم مترجمي العربية إلى الإنجليزية في هذا الزمان». اعتبره الكثيرون الجندي المجهول الذي كان وراء وصول نجيب محفوظ العالمية، وفوزه بيتيمة العرب - حتى اليوم - جائزة نوبل للآداب (1988). من دونه، لم يك لأحد في الغرب، ربما باستثناء دائرة ضيقة للغاية من المتخصصين، أن يسمع - ناهيك بأن يقرأ - بأدباء العرب في عصر الحداثة: يوسف إدريس، ومحمود تيمور، والطيب صالح، ويحيى طاهر، وتوفيق الحكيم، وصنع الله إبراهيم، ومحمود درويش.
قبل عقود قليلة، كان الأدب العربي في المخيال الغربي ليس أكثر من ترجمات القرآن الكريم، ومجلدات «ألف ليلة وليلة»، «فمن بين كل النتاجات العالمية، يبقى وحده الأدب العربي شبه مجهول للغرب، وغير مقروء عنده، في حين أنه يعيش مرحلة تحول نوعي مثيرة للاهتمام»، على حد تعبير إدوارد سعيد. وبالفعل، فإن الأدب العربي الحديث منذ أربعينات القرن الماضي كان يشهد ثورة غير مسبوقة، سواء في الأشكال المستحدثة، كالقصة القصيرة والرواية والمسرحية، أو في الشعر، ديوان العرب ودرة آدابهم. لكن الغرب كان وكأنه أصيب بالصمم، فصرف النظر وأدار ظهره إلى هذه الشعوب المتخلفة اجتماعياً واقتصادياً، المشغولة بالحروب والانقلابات، التي ليس بمقدورها إنتاج أدب يُقرأ عالمياً.
تغيّرت الأمور بشكل ملموس في وقتنا الرّاهن، فهناك الآن مجلات متخصصة بالأدب العربي في لغات العالم الحيّة، وما زالت أعمال محفوظ ودرويش وصالح مطبوعة متداولة في المكتبات الغربية، كما تُمنح جوائز عدة عالمية للرواية العربية، وهناك اهتمام ملحوظ بترجمة الأصوات الأدبية الجديدة، من جيل ما يسمى بالربيع العربي، خصوصاً المهجرين منهم إلى الغرب، وكذلك التجارب النسوية، دون تدقيق أحياناً بقيمتها الأدبية الفعلية.
تحول كهذا حصل دون شك نتيجة تضافر عوامل عدّة، لكن إذا كان ثمة رجل يمكن أن يُنسب إليه معظم الفضل في تقديم الأدب العربي الحديث إلى العالم من نافذته الإنجليزية، فلن يكون سوى جونسون - ديفيز، الذي كان وحيداً دون كلل ولا ملل طوال 7 عقود، وبعوائد رمزية لا تكاد تكفي لتسديد ثمن الحبر والورق الذي أنفق على الترجمة، نقل إلى لغة شكسبير أكثر من 50 عملاً روائياً عربياً، بالإضافة إلى عدة مجموعات من القصص المختارة ودواوين الشعر والمسرحيات، لأهم رواد الأدب العربي الحديث من مصر والعراق وسوريا وفلسطين وغيرها.
كانت الترجمة من العربية بالنسبة لعبد الودود - كما كان يحب الرجل أن يُكنى - أشبه بحالة إدمان جميل لا شفاء منها. فالترجمة، ومن العربية بالذات، لم تكن نشاطاً اقتصادياً مربحاً يكفي ليقيم المرء أوده. وهكذا، تنقل الراحل بين العواصم في وظائف مختلفة على هامش بقايا نفوذ الإمبراطورية البريطانية المائل إلى الغروب، بداية من القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، ثم محامياً لدى المحاكم البريطانية، قبل أن يعود إلى الشرق مرة أخرى مديراً لإذاعة محلية أطلقها البريطانيون في الإمارات المتصالحة، وبعدها تولى منصب السكرتير الأول للبعثة البريطانية لدى إمارة دبي، قبل أن يكون جزءاً من عملية التفاوض مع الحكام المحليين، التي انتهت بداية السبعينات بقيام دولة الإمارات العربية المتحدة، ولاحقاً مستشاراً لشركات الإنشاءات الغربية التي كانت تطمع بمدّ نشاطاتها إلى دول الخليج، قبل استقراره أخيراً في القاهرة مستشاراً لدائرة الأدب المقارن بالجامعة الأميركية، لكنه استمر في الترجمة عبر تلك الأيام كلها، فأصدر ما معدله كتاباً واحداً على الأقل كل عام، فكأن تلك الوظائف المختلفة التي تنقل بينها مجرد عمل للكسب المادي يسمح له بقضاء بقية الوقت مع حبيبته الأثيرة: اللغة العربية.
وقد صدرت أولى ترجماته عام 1947، وكانت مجموعة قصص قصيرة لمحمود تيمور. وحاول أن يثير حماسة الناشرين البريطانيين الكبار لترجمات الأدب العربي، فنشرت له مطبعة جامعة أكسفورد عام 1968 أنطولوجيا لقصص عربية قصيرة، ضمت أعمالاً ليوسف إدريس وزكريا تامر والطيب صالح ونجيب محفوظ، ثم أصدر أعمال الأديب السوداني الطيب صالح ضمن سلسلة الأدب الأفريقي، عن دار هاينمان، قبل أن يقنع الأخيرة بإطلاق سلسلة من ترجمات الأعمال العربية، معظم عناوينها من نتاجه، إضافة إلى مجموعات متلاحقة لنماذج أدب القصة القصيرة والرواية في العالم العربي. لكن أهم مجموعة أدبية متكاملة ضمن هذا المشروع الفكري الضخم كانت أعمال صديقه الحميم الأديب المصري نجيب محفوظ. عبد الودود آمن مبكراً بالموهبة الأدبية لذلك الموظف المصري التقليدي، في وقت كانت قلة فقط من المصريين قد سمعت به أصلاً. وفعلاً، قادت تلك الترجمات إلى تعريف العالم بأدب محفوظ، ومن ثم حصوله على نوبل للآداب، قبل أن يترجِم جل أعماله بداية التسعينات، بعد أن أصبح اسم محفوظ متداولاً بين القراء في أرجاء المسكونة.
ولد عبد الودود في كولومبيا البريطانية بكندا، ثم تنقل مع والديه البريطانيين عبر شرق أفريقيا، بين القاهرة ووادي حلفا (شمال السودان) وأوغندا وكينيا، قبل إصابته بالديسنطاريا وهو في الثانية عشرة من عمره، ليُرسل لتلقى العلاج والنقاهة والتعليم في إنجلترا. وقد كتب في مذكراته، التي نشرتها مطبعة الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2006، بعنوان «حياة بين سطور الأدب العربي الحديث» (قدّم لها نجيب محفوظ)، أنه التقط أولى كلماته العربية بينما كان يلعب مع رفاقه السودانيين في شوارع وادي حلفا المغبّرة، فبقيت موسيقاها مطبوعة في ذهنه، على الرغم من أنه نسي معظمها عند عودته إلى المملكة المتحدة. في المدرسة، قضى أوقاتاً بائسة قبل أن يؤهله امتحان دخولٍ لدراسة اللغة العربية بجامعة كامبردج المرموقة، حيث كانت تُدرّس ذلك الحين كما لو كانت لغة كلاسيكية ميتة، مثل اللاتينيّة أو العبرية. عمله في هيئة الإذاعة البريطانيّة (القسم العربي) قدّم له صورة مغايرة عن لغة الضاد: كانت لغة حيّة نابضة تؤثر على الملايين، وتوحد بينهم في منطقة أكبر من أوروبا كلها، وهنالك تنشّق أولى جرعات إدمانه المؤبد من أفيون الترجمة.
أصبح عبد الودود مرجعية عالمية في الأدب العربي بحكم الواقع، ومُنح 2007 جائزة الشيخ زايد للكتاب، كشخصية العالم الثقافيّة لذلك العام، وعينته بيوتات نشر مستشاراً لها لشؤون الآداب العربية.
وطوال معظم عمره المديد كان جونسون - ديفيز أقرب ما يكون للبوذية بأفكاره الدينية، لكنه انتهى إلى اعتناق الإسلام عندما عاش في القاهرة، وترجم حينها 3 مجلدات من الأحاديث النبوية الشريفة.
ترك شهبندر المترجمين بصمته على حرفة الترجمة عالمياً، مُحكماً قبضته على نصوصه الأجنبية التي لم تُفلِت منه يوماً، كما يحدث مع الكثيرين. لم يُماثله أحد في عشقه لتلك الحرفة المشكوك دوماً بخيانة القائمين عليها؛ خرج من سياجات اللغة الأكاديمية ليشتغل بجد على لغة الإعلام، وسكن إلى عواصم العرب في المشرق وحوض النيل والخليج والمغرب، وشهد تحولات أزمنتهم. وكان قبل أن يترجم لأحدهم يعايش أجواءه، ومصادر عوالم نصوصه، ويقترب من «حرافيشه»، ويستقي شيئاً من روحه، قبل أن يسكبَ النص في كأس لغته الإنجليزية الأم. كانت تلك المهمة الإبداعية تستهلكه مادياً وعاطفياً، فالترجمة عنده نقل مناخ ثقافي كامل للنصوص، لا مجرد ترجمة للكلمات المطبوعة. وقد كتب في مذكراته أنه كان يقرر هجران حبيبته اللغة بعد كل عمل لشدة إرهاقه، ولكنه كما عاشق لا يتوب، ما يلبث أن يعود سريعاً ويغرق في حضن عمل آخر.
ما أجملكم يا صبيان وادي حلفا الأشقياء الذين أوقعوا هذا الرجل في عشق العربية، فأفنى عمره مرتحلاً في أروقتها، مُشرعاً لها نافذة بين آداب العالم، قبل أن تضُمَّه رمال صحراء القاهرة، وتعتز به العربيّة: أمة ولغة وحضارة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.