الولد العراقي الذي صار وزيراً إسرائيلياً

ران كوهين يصدر سيرته الذاتية... من بغداد إلى تل أبيب

ران كوهين
ران كوهين
TT

الولد العراقي الذي صار وزيراً إسرائيلياً

ران كوهين
ران كوهين

كان لقضية اليهود الذين هاجروا أو هربوا إلى إسرائيل من البلدان العربية بعد عام 1948 تداعيات كثيرة على تشكيل المبنى الاجتماعي والسياسي، فالفجوة الثقافية والاقتصادية في العقود الثلاث الأولى للدولة العبرية مهدت السبل لصعود اليمين إلى الحكم عام 1977 وتراجع اليسار القديم ذا الأخطاء الدوغمائية. في تلك المحطات المفصلية كان هناك من أعاد صياغة اليسار الحديث الذي يؤمن بحقوق الإنسان وأن السلام مع الفلسطينيين والعالمين العربي والإسلامي أمر ممكن من جهة، ومن جهة أخرى ناضل لأجل المساواة الاقتصادية وتكافؤ الفرص والمواطنة ومحاربة العنصرية والمطالبة، ولم شمل العائلات كحل وسط في حال عدم إيجاد حل كامل لحق العودة إلى فلسطين. من تلك الشخصيات البارزة التي أبحرت عكس التيار كان المثقف والسياسي ران كوهين ابن مدينة بغداد الذي هرب إلى إسرائيل عام 1950.
في كتاب سيرته الذاتية الذي يحمل اسم طفولته «سعيد» يفصح عن كثير من وعثاء السياسة التي أدمت وجهه في أكثر من مناسبة في أسلوب قصصي تتداخل فيه الأزمنة والأشخاص والأحداث.
بعد أحداث الفرهود عام 1941 والتنكيل العشوائي بالأحياء اليهودية بسبب انتشار الدعاية النازية وفقاً للمؤرخين العراقيين، التي وثقها إسحق بار موشيه في كتابه «يومان في حزيران»، يستعيد «سعيد» الصور البعيدة لطفولته الجميلة وحياة العائلة حيث عمل والده موظفا بسيطا في السكة الحديدية ووالدته أدارت شؤون المنزل. وتبدأ رحلته اليومية إلى المدرسة بقطع نهر دجلة إلى الضفة الأخرى ليصل إلى مدرسة «إليانس» الفرنسية التي درس فيها مبادئ القراءة والكتابة، ليحدثنا بعد ذلك الأعياد والدفء العائلي والخبز العراقي وأنواع المأكولات والحلويات التقليدية العراقية التي ظلت محببة إليه، وأشجار النخيل التي عاشت في مخيلته. يسرد قصة ذهابه لبيع المسابح في أحد بازارات بغداد لتمكين والدته من شراء معطف شتوي له نظرا لفقر العائلة.
بعد أن ألقت السلطات العراقية القبض على أخيه يعقوب بسبب الانتماء لحلقة مؤيدة للصهيونية انتقلت العائلة إلى أكثر من منزل خوفا من الملاحقة، لكن في أحد أيام 1950 يفاجأ بقرار والدته التي أعطته دينارا وطلبت منه أن يرافق شخصا ما سيأتي لأخذه كي يهرب معه إلى فلسطين ليلتقي شقيقه إيتان الذي سبقه إلى هناك.
من هنا تبدأ رحلة «سعيد» ابن العاشرة إلى عالم الكبار. وتشكل تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر والخوف مدخلا إلى الدور السياسي الذي لعبه لاحقا. بدأت الرحلة من محطة القطار في بغداد مع مجموعة من اليهود إلى البصرة حيث استقبلوا على يد عائلة يهودية للمبيت وبعد عدة أيام تابعوا مسيرهم ليلا مشيا على الأقدام إلى شط العرب بمساعدة مجموعة من البدو حيث قطعوا النهر على قارب بدائي في ظروف غير آمنة. ومن هناك واصلوا مسيرهم في الصحراء حتى بلوغهم الحدود الإيرانية، وأوصلتهم أول ناقلة عسكرية صادفتهم إلى مخيم تركيز لليهود الوافدين من العراق. وبعد عدة أيام تم نقلهم من هناك إلى العاصمة طهران تمهيدا لسفرهم بطائرة كونستاليشن إلى مطار اللد الذي سمي لاحقا مطار بن غوريون.
في إسرائيل بنت الوكالة اليهودية (معباراه) مخيماً انتقالياً فيه شروط حياتية متواضعة أقام فيه اللاجئون اليهود خاصة من لجأوا من البلدان العربية كالعراق والمغرب وتونس وليبيا. بعد وصوله إلى المعبرة التقى أخاه إيتان الذي أخذه إلى كيبوتس «غان شموئيل»، وهناك بدأت حياته الجديدة واستبدل اسم سعيد باسم «ران» الذي يعني سعيدا بالعبرية، ووصل والده ووالدته وإخوته بعد عدة شهور والتأم شمل العائلة.
بدأ الفصل الجديد في حياة «سعيد» من خلال تعرفه على أفكار الكيبوتس وهو قرية زراعية اشتراكية تنادي بالمساواة وتستند إلى الفكر الماركسي الذي بدا مثاليا في الخمسينات والستينات، فعمل في المنجرة وفي البساتين. وفي الكيبوتس كان عضوا في «الخلية البابلية» للفتيان الذين قدموا من العراق، وفي غضون ذلك تعرف أيضاً على الأولاد الناجين من المحرقة النازية وعلى لغة لم تكن مألوفة له هي الايدش التي رفض ديفيد بن غوريون قبولها، وهي لغة تتكلمها غالبية يهود أوروبا قبل الهولوكوست.
بعد إنهائه المرحلة الثانوية والتحاقه بالعمل السياسي كان أول من نادى بإلغاء الحكم العسكري على القرى الفلسطينية في الداخل وبادر مع أصدقائه للقاء القيادي محمد وتد في باقة الغربية، فالحكم العسكري الذي فرضه الحزب الحاكم «مباي» على الأقلية العربية في إسرائيل حتى عام 1966 كان يهدف إلى مصادرة أصواتهم الانتخابية واستغلالهم في أعمال البناء مقابل أجور. أما عزلهم عن المجتمع اليهودي فلم يكن له سبب مقنع.
بعد عام 1967 اتخذت السياسة الإسرائيلية منحى أكثر خطورة فاحتلال مدن وقرى الضفة الغربية لنهر الأردن زاد الانقسام بين المعسكرات الحزبية في إسرائيل خصوصاً بعد رفض الحكومة الإسرائيلية مبادرة السلام البريطانية مع الأردن وتبلور فكرة «أرض إسرائيل الكبرى» التي رفضتها القوى اليسارية. في الوقت نفسه صعدت إلى منصة السياسة أسماء عسكرية جديدة قلبت المعادلات لصالحها بموازاة تصاعد التأييد العربي والعالمي للقضية الفلسطينية.
إلى ذلك كان هناك نهضة لليسار في أوروبا والولايات المتحدة خصوصا بعد حرب فيتنام ومظاهرات الطلبة في فرنسا التي أيدها جان بول سارتر، فوصلت إلى إسرائيل مجموعة من اليساريين اليهود معارضة للفكر الصهيوني «ماتسبن»، أي البوصلة، كان من بين أفرادها شاب فرنسي يدعى «ايلان هليفي» الذي ترك كيبوتس «غان شموئيل» والتحق بالثورة الجزائرية وفيما بعد بمنظمة التحرير الفلسطينية ولعب دورا في العلاقات الدولية فيها.
قاد ران كوهين أول مظاهرة ضد المستوطنات التي بدأ تخطيطها من قبل «حنان بورات» والراب «لافينغر» في الضفة الغربية، وانتقلت المظاهرات بقيادته من الضفة الغربية إلى القدس بعد أن رفضت غولدا مائير بشدة الفكرة أن يلتقي «نحوم غولدمان» الذي شغل في حينه منصب رئيس الكونغرس الصهيوني العالمي مع الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة في أبريل (نيسان) 1970 لإتاحة فرصة للحوار السلمي وأثناء المظاهرة في شارع بن ميمون في القدس أمام بيت غولدا مائير تعرض ران كوهين للضرب من قبل الشرطة الإسرائيلية.
عارض ران كوهين اجتياح لبنان وشاركت حركة «شيلي» أي «السلام الإسرائيلي» التي نظمها خلال دراسته في جامعة تل أبيب مع قوى معارضة من «الفهود السود» وهي حركة شكلها قسم من اليهود المغاربة في الضواحي قامت بمظاهرات احتجاجية على الأوضاع الاقتصادية كما استوعب ناخبين خائبي الرجاء من اليسار القديم والحزب الشيوعي بقناعاتهم التي تماشت مع تطلعات حركة «السلام الآن»، اندمجت حركة «شلي» مع حركة «راتس» بقيادة شولاميت الوني ويوسي ساريد. في عام 1984 دخل ران كوهين إلى الكنيست، استطاع تحالف الحزب الموحد (ميرتس) مع إسحق رابين وشيمعون بيريس في حكومة ائتلاف برلماني واسع إبرام اتفاقية أوسلو عام 1993 وفي عام 1999 أصبح ران كوهين وزيرا للصناعة والتجارة.
كان كوهين رمزا للمعارضة والدفاع عن حقوق الفلسطينيين في الداخل هو أول من طرح قانون الحد الأدنى للأجور والمساكن الشعبية، ويروي كيف استعاد لغته العربية خلال خطبته التاريخية في قرية بيت ساحور المجاورة لبيت لحم حيث استضاف الفلسطينيون عائلات يهودية تقدمية احتجاجا على تقييدات الحكم العسكري.
ويروي المؤلف أيضاً قصة «تسفيا» الشابة اليهودية التي طردت هي ورضيعتها من الخضيرة في الستينات بسبب زواجها من عامل بناء فلسطيني اسمه رشيد وكيف ساند هذه العائلة بموقفه الإنساني وإيجاده لهم مسكنا في كيبوتس «دور» الذي أقيم على أنقاض الميناء الفينيقي قرب حيفا، واعتبر اختياره من قبل الأعضاء الأشكيناز ليصبح السكرتير العام للكيبوتس في «غان شموئيل» أهم إنجاز في حياته.
ونقرأ في مكان آخر من الكتاب فشله في إقناع الشرقيين من اليهود في وادي الصليب في حيفا عندما كان ناشطا في حزب «مباي»، كما لا يخفي المواقف السياسية المحرجة والمواجهات الكلامية الحادة واعتزاله السياسة عندما فقد القدرة على إيجاد دور قيادي يلائم مبادئه.
لم ينس كوهين كابوس هربه من بغداد طفلا، وظل فخورا بكونه عراقيا كغالبية يهود العراق الذين أجلتهم السياسة عن بلاد كانوا جزءا من حضاراتها ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة.



إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان
TT

إيران... السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها

هما كاتوزيان
هما كاتوزيان

في فضاء التفكيك الفلسفي لظاهرة الدولة والمجتمع، تتحرَّك القراءة المُعمَّقة لـ«إيران والثورة 2026»، للمؤرِّخ هما كاتوزيان، حيث يعيد صياغة السردية التاريخية التي انتهت إلى ثورة عام 1979 عبر منظور يربط بين هشاشة البنى المؤسسية والنزوع السلطوي المتعاقب، متجاوزاً الطرح الاختزالي الذي يرى في أحداث تلك الحقبة مجرد صعود فجائي للتيار الديني، ليُقدِّم بدلاً من ذلك أطروحةً سوسيولوجيةً ونفسيةً معقدةً تبحث في جذور الانقطاع التاريخي والمفهوم المثير للجدل الذي يسميه «المجتمع قصير المدى».

تُستمَد القوة النظرية للكتاب من التقاطه الأوهام البنيوية المشتركة بين الأنظمة الشمولية المختلفة، مبيناً كيف تلتقي راديكالية الدولة مع الراديكالية الآيديولوجية المعارضة في نقطة إنكار الواقع المجتمعي، ومبرزاً التناقض الجوهري بين رغبة السلطات المتعاقبة في الضبط المطلق، ونزوع المجتمع الطبيعي نحو التَّعدُّد والتشظي خارج أطر التوجيه القسري.

يتتبع كاتوزيان بكفاءة عالية، وعبر لغة تجمع بين التجريد الفلسفي والتوثيق التاريخي، فترات التَّحوُّل الكبرى في التاريخ الإيراني الحديث بدءاً من سقوط رضا شاه عام 1941، مروراً بالانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953، وصولاً إلى اللحظة الشمولية - المستمرة - التي توجت أحداث السبعينات.

وفي تفكيكه لـ«الثورة البيضاء» التي قادها الشاه محمد رضا بهلوي، يُحدِّد المفارقة في أنَّ التحديث المادي المفروض من الأعلى، والمتمثِّل في شَقِّ الطرق وبناء الجامعات وتطوير الجيش، واكبه تجريفٌ كاملٌ للمؤسسات السياسية القادرة على استيعاب التعددية، وهضم قنوات التعبير الشرعية.

ينكشف للمتأمل في فصول الكتاب منطق التفسير الفلسفي لظاهرة الاستبداد، حيث يؤصل لفكرة أنَّ السلطة المطلقة تحمل في أحشائها بذور فنائها السريع بفعل العزلة النفسية التي تفرضها على الحاكم، ويصف كيف أدَّى سلوك الدولة البهلوية القائم على التسيير الأحادي والاعتماد على جهاز «السافاك» إلى نشوء قطيعة شعورية ونفسية هائلة بين الحكم والناس، لدرجة جعلت المجتمع يرفض الاعتراف بأي منجز مادي تُقدِّمه له السلطة.

يتيح هذا المنظور للقارئ فهم الثورة في 1979 بوصفها انفجاراً مجتمعياً شاملاً شاركت فيه القوى الليبرالية واليسارية والقومية جنباً إلى جنب مع رجال الدين، حيث توحَّدت هذه الأطياف المتناقضة على هدف هدم البنية القائمة، غافلة في الوقت ذاته عن طبيعة البديل المقبل ومآلات التمرُّد الأعزل عن الوعي المؤسسي.

يتجلى عمق التحليل عند مناقشة التداعيات الدولية والإقليمية التي أعقبت لحظة التحول الشاملة، خصوصاً حادثة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية التي يصفها المؤلف بالحدث الكارثي الذي دفع بالبلاد نحو عزلة دولية خانقة وعزَّز من قبضة الراديكالية الدينية في الداخل، ويوثق الكيفية التي استغلت بها السلطة الجديدة هذا المناخ الاستثنائي، مضافاً إليه ظرف الحرب الطويلة مع العراق، لفرض عملية أسلمة قسرية وشاملة للحياة العامة وتطهير المؤسسات من العناصر غير المتماهية مع الآيديولوجيا الرسمية.

هذه القراءة الفلسفية لطبيعة السلطة الثورية تكشف كيف يتحوَّل التمرد على الطغيان، في غياب أطر قانونية راسخة، إلى صياغة طغيان جديد يستعير أدوات القمع السابقة ويغلفها بقداسة غيبية، ما يؤدي بالضرورة إلى إعادة إنتاج الاستبداد بمسوغات ميتافيزيقية أشد وطأة على الوعي الفردي والجمعي.

تتبدى في المقابل جوانب ضعف منهجية واضحة تحد من قدرة هذا العمل على تقديم دليل موضوعي مطلق لفهم الراهن الإيراني. إذ يسقط المؤلف في فخ الانحياز الفكري المسبق عند معالجته السياسة الخارجية المعاصرة للجمهورية الإسلامية، حيث يتجلى في ثنايا تحليله ميل لتحميل القوى الخارجية المسؤولية الكاملة عن تعثر المساعي الدبلوماسية وأزمات الشرق الأوسط، مغفلاً الدور البنيوي للآيديولوجيا التوسعية للنظام نفسه. هذا الخلل في التوازن التحليلي يضعف من رصانة الأطروحة الفلسفية حول المسؤولية السياسية والمجتمعية، ويجعل القراءة السياسية للأحداث الأخيرة تبدو مفتقرة إلى الحياد الأكاديمي الصارم، متغافلة عن حقيقة أن التطرف يغذي بعضه بعضاً في حلقة مفرغة من العنف المتبادل والصراع على مجالات النفوذ الحيوي.

يؤخذ على الكتاب كذلك وقوعه في التعميم التاريخي المفرط من خلال تمديد مفهوم «المجتمع قصير المدى» - وهي النظرية التي يستخدمها المؤلف لوصف تكرار هدم البناء المؤسسي بالكامل، ثم إعادة تشييده من جديد على نحو يمنع تراكم الإنجاز القومي - ليشمل فترات التحول الكبرى كافة في إیران. وبينما يبدو هذا المفهوم فلسفياً وجذاباً من الناحية النظرية، فإنَّه يتناسى الخصائص الفريدة والتعقيدات السوسيولوجية التي ميَّزت كل حقبة على حدة، كاختلاف الديناميات بين الثورة الدستورية الإيرانية عام 1906 وثورة 1979. يضاف إلى ذلك اختزال دور الثقافة الشيعية العميقة التي شكلت الوجدان الشعبي الثائر، والتركيز الزائد على سردية المجموعات السياسية الهامشية بدلاً من تشريح اللحظة الثورية ذاتها.

مع ذلك، كتاب كاتوزيان وثيقة فكرية بالغة الأهمية تحفز على التفكير النقدي في مصائر الأمم التي تعيش تحت وطأة التجاذب بين التحديث السطحي والأصالة المنغلقة، وبين المطرقة والسندان في صراع الآيديولوجيات المتطرفة.

وينجح العمل في إثبات أنَّ الشرعية السياسية قيمة معنوية تولد من رحم العقد الاجتماعي الحقيقي، ويستحيل تصنيعها عبر القوة العسكرية أو فرضها بواسطة الأجهزة الأمنية. لذلك فالإضافة الأساس لهذي المراجعة التاريخية تكمن في التذكير بأن الصراع المستمر في إيران، والذي يتجسد في الاحتجاجات الشعبية المتكررة وحركات الرفض المتصاعدة، هو في جوهره كفاح طويل من أجل استعادة المجتمع صوته الذاتي، وإجبار الدولة على الخضوع لمنطق المساءلة الإنسانية والقانونية، بعيداً عن أوهام الخلاص الثوري الزائف.


معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر
TT

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

معركة مصر ضد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر

في عام 1838، أصدر والي مصر والسودان محمد علي باشا أمراً إلى حكمدار السودان يطلب منه الكف عن منح العبيد والجواري إلى الجنود كمرتبات وهدايا، كما أمر بإطلاق سراح نحو 500 من العبيد الذين أسرهم أحمد باشا أبو ودان، حكمدار السودان، وأمر بإنشاء مستعمرة زراعية على النيل الأزرق لإيجاد عمل مناسب لمن لم يستطع من هؤلاء العبيد العودة إلى بلاده الأصلية.

هذا ما يرصده الباحث ناجي غابة في كتابه «الرق ومقاومته في مصر في القرن التاسع عشر»، الصادر عن «دار العربي» في القاهرة، إلا أنه يذكر أنه من الواضح أن «الباشا» لم يقتنع على الإطلاق بإلغاء تجارة الرقيق لما سوف ينتج عن ذلك من مشكلات لمشروعه التنموي، وسيُحرم من مورد مالي مهم يتمثل في الجمارك المفروضة على العبيد المجلوبين من السودان.

ومع وصول سعيد باشا للسلطة في مصر عام 1853، تبدلت الأمور، حيث يعتبر سعيد أول حاكم مصري يفرض حظراً جاداً على هذه التجارة، إذ أصدر أمراً إلى المفتش العام للوجه القبلي في ديسمبر (كانون الأول) 1854 بمنع دخول العبيد إلى مصر من السودان، كما صدرت أوامر أخرى مشابهة إلى كثير من المديريات والمحافظات، وكذلك إلى جمرك أسوان وإلى ديوان المالية.

نصت هذه الأوامر على إعادة من يرد إلى مصر من السودانيين بغرض البيع ذكوراً أو إناثاً إلى بلادهم مع تدشين ما سُمي بالبوليس النهري في السودان للتأكد من خلو السفن من الرقيق المجلوبين لمصر وإنشاء نقطة تفتيش عند «فاشودة» كانت مهمتها تفتيش كل المراكب الآتية إلى النيل الأبيض والاستيلاء على أي رقيق مهرب.

لم تهتم إنجلترا على المستويين الرسمي والشعبي بالموضوع، حيث كانت مشغولة بقضية إلغاء الرق في أميركا التي كانت تمر بمرحلة حرجة وحاسمة في تلك الفترة. أما السلطان العثماني فقد بدأ من جانبه فرض حظر على هذه التجارة في فبراير (شباط) 1857، وعلى أثرها أرسل فرماناً لسعيد باشا يعلمه بوجوب إلغاء هذه التجارة، ومنعها منعاً مطلقاً، وتنفيذ ذلك خلال مهلة أقصاها ستة أسابيع، وأنه بعد انقضاء هذه المهلة فإن الرقيق المجلوب إلى مصر يطلق سراحه ويعاد لبلاده.

وأوضح أنه إذا قام «الجلاب» بإحضار رقيق مرة ثانية يعاقب بالسجن لمدة سنة، وإذا تكرر منه ذلك تُرفع العقوبة إلى الحبس لمدة سنتين. ومنح هذا الفرمان حق سفن الأسطول الحربي العثماني ضبط السفن وتفتيشها وعتق من فيها من الأرقاء وإرسال التجار إلى الآستانة لمحاكمتهم هناك.

تقدم الكثير من التجار بشكاوى للوالي مفادها أن معيشتهم كانت قائمة على هذه التجارة، وأن هذا سوف يعرضهم لخسائر كبيرة.

وحين تبوأ الخديو إسماعيل الولاية انضم إلى حركة العاملين على تحرير الرقيق، كما حدث مع الرئيس الأميركي إبراهام لينكولن، فبذل جهوداً مكثفةً في هذا المجال بدأها في العام الذي تولى فيه الحكم فأرسل إلى حكمدار السودان حمدي باشا يأمره بتعقب تجار الرقيق لقطع دابرهم، فصدع الحكمدار للأمر وكانت النتيجة ضبط 70 سفينة محملة بالأرقاء الذين تم إطلاق سراحهم وإعادتهم لبلادهم، واعتقال التجار الذين لم يفرج عنهم إلا بعد أن أقروا بعدم العودة للنخاسة مرة ثانية.

حتى ذلك الوقت، لم يكن هناك قانون يعاقب التجار الذين يتم ضبطهم بالرقيق، حيث كان يكتفى بمصادرة ما معهم من العبيد، وفي عام 1864 صدرت أولى العقوبات تجاه «الجلابة»، وهي السجن لمدة شهرين حال ضبطهم بأي رقيق وارد لمصر. ووقعت العقوبة على ستة من «الجلابة» الذين تم ضبطهم بمنطقة «أثر النبي»، جنوب القاهرة، بينما ارتفعت العقوبة لستة أشهر لرجال الإدارة المتهاونين في محاربة تجارة الرقيق.

وفي عام 1877 أجريت مفاوضات شاقة ومضنية بين مصر وإنجلترا، حيث أرادت الأخيرة توسيع نفوذها في أفريقيا، خصوصاً في المناطق الجديدة التي سيطر عليها إسماعيل، بينما أردات مصر كسب اعتراف إنجلترا بحقوق السيادة المصرية على ساحل بلاد الصومال حتى نهر جوبا جنوباً. وفي أعقاب موافقة إنجلترا في مارس (آذار) 1877 على أن تشمل السيادة المصرية ساحل الصومال، تم عقد معاهدتين؛ إحداهما في 4 أغسطس (آب) 1877 خاصة بالتعاون بين الطرفين في محاربة تجارة الرقيق.

وافق الخديو إسماعيل على عقد المعاهدة برغم التعنت الشديد من قبل رجال الدين في مصر، فقد عارضه في ذلك مفتي الديار بزعم أن الاتفاقية مخالفة للشريعة، ولكن إسماعيل لم يأبه باعتراضه بل عزله من منصبه.

وفي يونيو (حزيران) 1880 أنشأ الخديو توفيق «مصلحة إلغاء الرق»، وعُين لرئاستها الكونت ديلا سالا الذي اشتُهر بحماسته في محاربة هذه التجارة وكان أحد كبار الضباط الكبار في حرب المكسيك، كما ابتكر خططاً فعالة لمحاربة قوافل الرقيق التي توقفت معظمها بسب إجراءاته القوية.

أما في فترة الثورة العرابية، فقد شن قادة الثورة حملة ضارية ضد تجار الرقيق، وقد أعلن عرابي أنه «ليس في مصر من يود أن يكون له عبيد غير أمراء بيت الخديو والباشوات الأتراك الذين تعودوا على استعباد المصريين، وأن الإصلاحات الجديدة سوف توجد المساواة بين الناس مهما اختلفوا في الجنس واللون والدين».

واتخذت الحكومة الثورية عدة خطوات عملية في هذا المجال بدأت بحملة جماهيرية تزعمها عبد الله النديم بهدف تكوين جمعية سميت بـ«جمعية الأحرار السودانيين» كان هدفها مساعدة الأرقاء المحررين وتقديم المعونات لهم.

بعد أشهر قليلة من تولي عباس حلمي الحكم، وافق على إنشاء بعض المراكز لمتابعة حركة تجارة الرقيق لتكون بمثابة نقاط حراسة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وبلغت تكاليف إنشائها 600 جنيه مصري، وتم تكليف البكباشي لوتون الإنجليزي الجنسية لقيادتها، كما أصدر في 20 مايو (أيار) 1892 أمراً بإبطال استخدام الرقيق في المقاهي والمحلات العمومية مراعاة للآداب العامة.

وتعتبر معاهدة 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 1895 مكملة للمعاهدة السابقة، حيث لا تختلف عنها كثيراً، وتزيد فقط في أنها نصت على منع التجارة في جميع أنواع الرقيق، بما في ذلك المماليك والجواري البيض، كما أضيف إليها ملحق يتعلق بالإجراءات التفصيلية المختصة بتجارة الرقيق، سواء البائعين أو المشترين.

وفي 21 نوفمبر من العام نفسه، صدرت مذكرة تفسيرية يتضح منها تشديد العقوبة على جالبي الرقيق إلى مدة تتراوح ما بين خمسة أشهر وخمس سنوات.

نتيجة لهذه القوانين الصارمة ونشاط رجال مصلحة منع تجارة الرقيق، انحصرت تجارة الرقيق في مصر، ولم يتبق منها سوى آثار قليلة في السودان، ولذلك احتوت اتفاقية «الوفاق للسودان» الموقعة بين مصر وبريطانيا في 19 يناير (كانون الثاني) 1899 على مادة نصت على منع تجارة الرقيق بالسودان وإزالة ما تبقى من آثاره.


رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»
TT

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

رسائل «من حاتم علي إلى دلع الرحبي»

من خلف عدسة صنعت كثيراً من ذاكرة الدراما السورية، يطلّ حاتم علي في كتاب «رسائل من حاتم علي إلى دلع الرحبي» بصوت آخر، صوت العاشق الذي يكتب بخط يده، والفنان الذي يبوح بقلقه وأحلامه، والإنسان الذي يرى في الحب شراكة فكر وحياة لا عاطفة عابرة.

الكتاب الصادر عام 2025 عن «دار كنعان» للدراسات والنشر في دمشق، في 512 صفحة، يفتح نافذة على جانب وجداني وفني من شخصية المخرج والممثل الراحل حاتم علي، الذي عرفه الجمهور من خلف الكاميرا بهندسته المتقنة للمشهد، وأمامها ممثلاً، فيما تكشف رسائله إلى الكاتبة السورية دلع الرحبي عن عالم حميم يتقاطع فيه الحب مع الفن، والسيرة الشخصية مع أسئلة المسرح والدراما والقضية.

وتقوم خصوصية الكتاب على أنه لا يقدم رسائل حب فقط، بل يرسم ملامح سيرة غير اعتيادية لفنان في بداياته، قبل أن يعرفه الجمهور مخرجاً لأعمال تركت أثراً عميقاً في الذاكرة السورية والعربية، ففي هذه الرسائل يظهر حاتم علي شاباً في مقتبل العمر، منشغلاً بتدريبات المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية، يكتب إلى دلع الرحبي لا ليحكي تفاصيل يومه فحسب، بل ليشاركها خطواته الأولى في الطريق إلى الفن.

وتبدو دلع الرحبي في هذه الرسائل شريكة فكر وحلم، تتلقى الحب بعقل الكاتبة المثقفة وقلب العاشقة، وتتابع ما يصنع خلف الكواليس من قلق واجتهاد وطموح، ومن هنا يتحول البوح الشخصي إلى وثيقة وجدانية وفنية، تكشف عن كيف بدأ وعي حاتم علي يتشكل من المسرح، بوصفه «أبو الفنون»، قبل أن يصبح واحداً من أبرز صناع الدراما السورية.

كتب مقدمة الكتاب الفنان جمال سليمان، الصديق المقرب للعائلة، مشيراً إلى أن «الكتاب وثيقة ثقافية أدبية تحكي قصة حب استثنائية بين حاتم علي ودلع الرحبي، لا تتكون من فصل أو فصلين كما جرت العادة، بل من أربعة فصول، تعود إلى البدايات في المعهد العالي للفنون المسرحية وصولاً إلى مرحلة الزواج».

واعتبر سليمان أن الكتاب هو النقطة الأخيرة في مرحلة «أدب الرسائل» التي امتدت لمئات السنين، آخذاً القارئ في رحلة إلى زمن يمزج بين الشأن الشخصي والمسرحي والدرامي، عبر يوميات وثقها الراحل في رسائله».

تأخذ رسائل حاتم علي بعداً وجدانياً وفنياً؛ إذ يعبّر فيها عن حب روحي يتجاوز ومضات العاطفة السريعة، ليبدو أقرب إلى مشروع حياة قائم على المشاركة والثقة، وقد مزج فيها بين حساسية الفنان الشاب، ولغة المتأمل، ووعي المبدع الذي يدرك أن الفن لا ينفصل عن التجربة الإنسانية.

وتكتسب الرسائل أهميتها أيضاً لأنها كتبت بخط اليد، قبل أن تغزو وسائل الاتصال الحديثة علاقات الناس ومشاعرهم، لذلك تحمل صفحاتها متعة الانتظار، ورائحة الورق، ودفء اليد التي كتبت، في امتداد لسلسلة «أدب الرسائل» التي عرفتها الثقافة العربية، من رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة، ورسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان، وغيرهما.

من خلال الرسائل، يمكن تلمس بدايات عقود من إبداع حاتم علي؛ إذ تبدو خشبة المسرح منطلقاً أول لصقل موهبته في الإخراج والتمثيل، وركيزة لصناعة مخرج قدّم لاحقاً أعمالاً درامية خالدة في الدراما السورية الاجتماعية، وعكست صورة العائلة بكل دفئها.

كما تحضر في الرسائل القضية الفلسطينية، متداخلة مع تأثر علي برسائل غسان كنفاني، ومعايشته لبيئة المخيمات الفلسطينية في دمشق، وهو ما يفسر الزخم الإنساني والفني الذي ظهر لاحقاً في إخراجه مسلسل «التغريبة الفلسطينية»، ذلك العمل الأيقوني الذي حمل ألم التهجير وضياع الهوية والحنين إلى الوطن، ونقل الوجدان العربي إلى مدن حيفا وعكا وذاكرة فلسطين.

صحيح أن الكتاب رسائل حب، لكنه في الوقت نفسه يسرد سيرة فنان من خطواته الأولى، قبل أن يعرف العالم ذلك المخرج المبدع، فهو يصور الاجتهاد والعمل والقلق والأحلام.