الولد العراقي الذي صار وزيراً إسرائيلياً

ران كوهين يصدر سيرته الذاتية... من بغداد إلى تل أبيب

ران كوهين
ران كوهين
TT

الولد العراقي الذي صار وزيراً إسرائيلياً

ران كوهين
ران كوهين

كان لقضية اليهود الذين هاجروا أو هربوا إلى إسرائيل من البلدان العربية بعد عام 1948 تداعيات كثيرة على تشكيل المبنى الاجتماعي والسياسي، فالفجوة الثقافية والاقتصادية في العقود الثلاث الأولى للدولة العبرية مهدت السبل لصعود اليمين إلى الحكم عام 1977 وتراجع اليسار القديم ذا الأخطاء الدوغمائية. في تلك المحطات المفصلية كان هناك من أعاد صياغة اليسار الحديث الذي يؤمن بحقوق الإنسان وأن السلام مع الفلسطينيين والعالمين العربي والإسلامي أمر ممكن من جهة، ومن جهة أخرى ناضل لأجل المساواة الاقتصادية وتكافؤ الفرص والمواطنة ومحاربة العنصرية والمطالبة، ولم شمل العائلات كحل وسط في حال عدم إيجاد حل كامل لحق العودة إلى فلسطين. من تلك الشخصيات البارزة التي أبحرت عكس التيار كان المثقف والسياسي ران كوهين ابن مدينة بغداد الذي هرب إلى إسرائيل عام 1950.
في كتاب سيرته الذاتية الذي يحمل اسم طفولته «سعيد» يفصح عن كثير من وعثاء السياسة التي أدمت وجهه في أكثر من مناسبة في أسلوب قصصي تتداخل فيه الأزمنة والأشخاص والأحداث.
بعد أحداث الفرهود عام 1941 والتنكيل العشوائي بالأحياء اليهودية بسبب انتشار الدعاية النازية وفقاً للمؤرخين العراقيين، التي وثقها إسحق بار موشيه في كتابه «يومان في حزيران»، يستعيد «سعيد» الصور البعيدة لطفولته الجميلة وحياة العائلة حيث عمل والده موظفا بسيطا في السكة الحديدية ووالدته أدارت شؤون المنزل. وتبدأ رحلته اليومية إلى المدرسة بقطع نهر دجلة إلى الضفة الأخرى ليصل إلى مدرسة «إليانس» الفرنسية التي درس فيها مبادئ القراءة والكتابة، ليحدثنا بعد ذلك الأعياد والدفء العائلي والخبز العراقي وأنواع المأكولات والحلويات التقليدية العراقية التي ظلت محببة إليه، وأشجار النخيل التي عاشت في مخيلته. يسرد قصة ذهابه لبيع المسابح في أحد بازارات بغداد لتمكين والدته من شراء معطف شتوي له نظرا لفقر العائلة.
بعد أن ألقت السلطات العراقية القبض على أخيه يعقوب بسبب الانتماء لحلقة مؤيدة للصهيونية انتقلت العائلة إلى أكثر من منزل خوفا من الملاحقة، لكن في أحد أيام 1950 يفاجأ بقرار والدته التي أعطته دينارا وطلبت منه أن يرافق شخصا ما سيأتي لأخذه كي يهرب معه إلى فلسطين ليلتقي شقيقه إيتان الذي سبقه إلى هناك.
من هنا تبدأ رحلة «سعيد» ابن العاشرة إلى عالم الكبار. وتشكل تلك الرحلة المحفوفة بالمخاطر والخوف مدخلا إلى الدور السياسي الذي لعبه لاحقا. بدأت الرحلة من محطة القطار في بغداد مع مجموعة من اليهود إلى البصرة حيث استقبلوا على يد عائلة يهودية للمبيت وبعد عدة أيام تابعوا مسيرهم ليلا مشيا على الأقدام إلى شط العرب بمساعدة مجموعة من البدو حيث قطعوا النهر على قارب بدائي في ظروف غير آمنة. ومن هناك واصلوا مسيرهم في الصحراء حتى بلوغهم الحدود الإيرانية، وأوصلتهم أول ناقلة عسكرية صادفتهم إلى مخيم تركيز لليهود الوافدين من العراق. وبعد عدة أيام تم نقلهم من هناك إلى العاصمة طهران تمهيدا لسفرهم بطائرة كونستاليشن إلى مطار اللد الذي سمي لاحقا مطار بن غوريون.
في إسرائيل بنت الوكالة اليهودية (معباراه) مخيماً انتقالياً فيه شروط حياتية متواضعة أقام فيه اللاجئون اليهود خاصة من لجأوا من البلدان العربية كالعراق والمغرب وتونس وليبيا. بعد وصوله إلى المعبرة التقى أخاه إيتان الذي أخذه إلى كيبوتس «غان شموئيل»، وهناك بدأت حياته الجديدة واستبدل اسم سعيد باسم «ران» الذي يعني سعيدا بالعبرية، ووصل والده ووالدته وإخوته بعد عدة شهور والتأم شمل العائلة.
بدأ الفصل الجديد في حياة «سعيد» من خلال تعرفه على أفكار الكيبوتس وهو قرية زراعية اشتراكية تنادي بالمساواة وتستند إلى الفكر الماركسي الذي بدا مثاليا في الخمسينات والستينات، فعمل في المنجرة وفي البساتين. وفي الكيبوتس كان عضوا في «الخلية البابلية» للفتيان الذين قدموا من العراق، وفي غضون ذلك تعرف أيضاً على الأولاد الناجين من المحرقة النازية وعلى لغة لم تكن مألوفة له هي الايدش التي رفض ديفيد بن غوريون قبولها، وهي لغة تتكلمها غالبية يهود أوروبا قبل الهولوكوست.
بعد إنهائه المرحلة الثانوية والتحاقه بالعمل السياسي كان أول من نادى بإلغاء الحكم العسكري على القرى الفلسطينية في الداخل وبادر مع أصدقائه للقاء القيادي محمد وتد في باقة الغربية، فالحكم العسكري الذي فرضه الحزب الحاكم «مباي» على الأقلية العربية في إسرائيل حتى عام 1966 كان يهدف إلى مصادرة أصواتهم الانتخابية واستغلالهم في أعمال البناء مقابل أجور. أما عزلهم عن المجتمع اليهودي فلم يكن له سبب مقنع.
بعد عام 1967 اتخذت السياسة الإسرائيلية منحى أكثر خطورة فاحتلال مدن وقرى الضفة الغربية لنهر الأردن زاد الانقسام بين المعسكرات الحزبية في إسرائيل خصوصاً بعد رفض الحكومة الإسرائيلية مبادرة السلام البريطانية مع الأردن وتبلور فكرة «أرض إسرائيل الكبرى» التي رفضتها القوى اليسارية. في الوقت نفسه صعدت إلى منصة السياسة أسماء عسكرية جديدة قلبت المعادلات لصالحها بموازاة تصاعد التأييد العربي والعالمي للقضية الفلسطينية.
إلى ذلك كان هناك نهضة لليسار في أوروبا والولايات المتحدة خصوصا بعد حرب فيتنام ومظاهرات الطلبة في فرنسا التي أيدها جان بول سارتر، فوصلت إلى إسرائيل مجموعة من اليساريين اليهود معارضة للفكر الصهيوني «ماتسبن»، أي البوصلة، كان من بين أفرادها شاب فرنسي يدعى «ايلان هليفي» الذي ترك كيبوتس «غان شموئيل» والتحق بالثورة الجزائرية وفيما بعد بمنظمة التحرير الفلسطينية ولعب دورا في العلاقات الدولية فيها.
قاد ران كوهين أول مظاهرة ضد المستوطنات التي بدأ تخطيطها من قبل «حنان بورات» والراب «لافينغر» في الضفة الغربية، وانتقلت المظاهرات بقيادته من الضفة الغربية إلى القدس بعد أن رفضت غولدا مائير بشدة الفكرة أن يلتقي «نحوم غولدمان» الذي شغل في حينه منصب رئيس الكونغرس الصهيوني العالمي مع الرئيس جمال عبد الناصر في القاهرة في أبريل (نيسان) 1970 لإتاحة فرصة للحوار السلمي وأثناء المظاهرة في شارع بن ميمون في القدس أمام بيت غولدا مائير تعرض ران كوهين للضرب من قبل الشرطة الإسرائيلية.
عارض ران كوهين اجتياح لبنان وشاركت حركة «شيلي» أي «السلام الإسرائيلي» التي نظمها خلال دراسته في جامعة تل أبيب مع قوى معارضة من «الفهود السود» وهي حركة شكلها قسم من اليهود المغاربة في الضواحي قامت بمظاهرات احتجاجية على الأوضاع الاقتصادية كما استوعب ناخبين خائبي الرجاء من اليسار القديم والحزب الشيوعي بقناعاتهم التي تماشت مع تطلعات حركة «السلام الآن»، اندمجت حركة «شلي» مع حركة «راتس» بقيادة شولاميت الوني ويوسي ساريد. في عام 1984 دخل ران كوهين إلى الكنيست، استطاع تحالف الحزب الموحد (ميرتس) مع إسحق رابين وشيمعون بيريس في حكومة ائتلاف برلماني واسع إبرام اتفاقية أوسلو عام 1993 وفي عام 1999 أصبح ران كوهين وزيرا للصناعة والتجارة.
كان كوهين رمزا للمعارضة والدفاع عن حقوق الفلسطينيين في الداخل هو أول من طرح قانون الحد الأدنى للأجور والمساكن الشعبية، ويروي كيف استعاد لغته العربية خلال خطبته التاريخية في قرية بيت ساحور المجاورة لبيت لحم حيث استضاف الفلسطينيون عائلات يهودية تقدمية احتجاجا على تقييدات الحكم العسكري.
ويروي المؤلف أيضاً قصة «تسفيا» الشابة اليهودية التي طردت هي ورضيعتها من الخضيرة في الستينات بسبب زواجها من عامل بناء فلسطيني اسمه رشيد وكيف ساند هذه العائلة بموقفه الإنساني وإيجاده لهم مسكنا في كيبوتس «دور» الذي أقيم على أنقاض الميناء الفينيقي قرب حيفا، واعتبر اختياره من قبل الأعضاء الأشكيناز ليصبح السكرتير العام للكيبوتس في «غان شموئيل» أهم إنجاز في حياته.
ونقرأ في مكان آخر من الكتاب فشله في إقناع الشرقيين من اليهود في وادي الصليب في حيفا عندما كان ناشطا في حزب «مباي»، كما لا يخفي المواقف السياسية المحرجة والمواجهات الكلامية الحادة واعتزاله السياسة عندما فقد القدرة على إيجاد دور قيادي يلائم مبادئه.
لم ينس كوهين كابوس هربه من بغداد طفلا، وظل فخورا بكونه عراقيا كغالبية يهود العراق الذين أجلتهم السياسة عن بلاد كانوا جزءا من حضاراتها ما يقرب من ثلاثة آلاف سنة.



«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي
TT

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها التي تركتها مفتوحةً على المستقبل. لقد أنجزته وهي تدرك، على الأرجح، أن المعرفة لا تتوقف عند حدود العمر، وأن الكتاب يستطيع أن يصل إلى قارئه حتى بعد غياب صاحبه؛ ولذلك فإن نشره اليوم لا يمثّل إضافة جديدة إلى رصيدها الغني فحسب إنما يحمل أيضاً معنى الوفاء لكاتبة اقترن اسمها طوال أكثر من نصف قرن بالكتابة والحرية والفضول المعرفي والدفاع عن حق الإنسان في التفكير.

رحلت لطفية الدليمي في عمّان في الثامن من مارس (آذار) عام 2026، بعد يوم واحد من بلوغها السابعة والثمانين، تاركةً وراءها منجزاً واسعاً توزّع بين الرواية والقصة والمسرح والدراسة والمقالة والترجمة. ولم تكن وفاتها غياباً لروائية عراقية بارزة فحسب إنما لشخصية ثقافية نادرة استطاعت أن تجمع بين حساسية المبدعة، ودقة المترجمة، وشغف الباحثة، وصلابة المثقفة المدافعة عن المرأة والحرية المدنية.

منذ مجموعتها القصصية الأولى «ممرّ إلى أحزان الرجال» عام 1970، شقّت لطفية الدليمي لنفسها طريقاً متفرّداً في السرد العراقي. لم تتعامل مع المرأة بوصفها موضوعاً اجتماعياً جاهزاً، ولا بوصفها ضحيةً صامتة، بل جعلتها ذاتاً تفكر وترغب وتقاوم وتعيد بناء عالمها الخاص وسط عالم مضطرب. وفي أعمال مثل «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«بذور النار» و«حديقة حياة» و«سيدات زحل» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مشروع أومّا»، تتداخل الذاكرة الفردية بالتاريخ العراقي، ويصبح مصير المرأة مدخلاً إلى مساءلة الحرب والمنفى والعنف والمدينة والسلطة والخراب.

غلاف الكتاب

لم تكن رواياتها منفصلة عن أسئلتها الفكرية؛ فقد ظلّت لطفية الدليمي تكتب كما لو أن الرواية مختبرٌ للمعرفة، وأن الخيال ليس نقيضاً للفكر إنما أحد أكثر أشكاله عمقاً؛ ولهذا انتقلت بحُرية بين السرد والفلسفة والعلوم وتاريخ الحضارات وقضايا المرأة، من غير أن ترى بين هذه الحقول حدوداً مغلقة. كانت تؤمن بأن الثقافة الحقيقية تنشأ عند تقاطع المعارف، وأن الكاتب لا يستطيع فهم الإنسان إذا عزل الأدب عن تحولات العلم والتقنية والمجتمع.

وتكشف ترجمتها الأخيرة «التحوّل الكبير» عن هذه الروح بأوضح صورها. فهو يضم مجموعة منتقاة من المقالات والدراسات المترجمة عن الإنجليزية، كتبها علماء وفلاسفة وروائيون ومفكرون معاصرون، وتدور حول أسئلة الذكاء السردي، والثورة الصناعية الخامسة، والذكاء الاصطناعي، والوعي، والفيزياء، والاقتصاد، ومستقبل الجامعات، والحرية، والحظ، والكتابة، ومعنى الحياة الجيدة. لا تجمع هذه النصوص أطروحة مغلقة، بل يجمعها القلق المعرفي والرغبة في إعادة النظر في المسلّمات.

لقد كتبت لطفية الدليمي في تقديمها لهذا الكتاب أن القراءة نوعان: قراءة تلبي حاجة وظيفية عابرة، وقراءة تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وكانت ترى أن كتابها ينتمي إلى النوع الثاني، فهو لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله: الكتابة في نظرها ليست وسيلة لتوزيع الأجوبة إنما طريقة لتوسيع السؤال وزعزعة اليقين وتدريب العقل على الشك الخلّاق.

أما الترجمة، فلم تكن عند لطفية الدليمي عملاً موازياً للكتابة أو نشاطاً ثانوياً في مسيرتها. كانت جزءاً جوهرياً من رؤيتها الثقافية. لقد نظرت إليها بوصفها فعلاً لاستضافة الأفكار داخل العربية، وتوسيعاً لحدود المكتبة والقارئ معاً. ومن خلال ترجماتها نقلت أعمالاً في الرواية والفلسفة والعلوم والنقد والدراسات المستقبلية، من «بلاد الثلوج» لياسوناري كاواباتا و«ضوء نهار مشرق» لأنيتا ديساي و«من يوميات أناييس نن»، إلى كتب كولن ولسون وتيري إيغلتون وستيفن هوكينغ ونك بوستروم وبول ديفيز ومارتن ريس، فضلاً عن مختاراتها من حوارات كبار الروائيين والعلماء والفلاسفة.

كانت تختار ما تترجمه وفق حاجة ثقافية واضحة، لا وفق شهرة الاسم وحدها؛ فقد انشغلت بأسئلة الرواية الحديثة، والعلاقة بين الأدب والفلسفة، والثقافتين العلمية والأدبية، ومستقبل الإنسانية، والذكاء الاصطناعي، والتحولات المعرفية الكبرى؛ ولهذا تبدو ترجماتها، عند قراءتها اليوم، أجزاءً من مشروع واحد متكامل: إدخال القارئ العربي إلى النقاش العالمي المعاصر، مع الحفاظ على وضوح اللغة وكرامة الفكرة.

ارتبطت لطفية الدليمي بدار المدى بعلاقة ثقافية وإنسانية طويلة، ولم تكن بالنسبة إليها مجرد مؤلفة أو مترجمة تتعاقد الدار على نشر كتاب لها. كانت واحدة من الكتّاب الذين أسهموا في تكوين هوية المدى ومشروعها الثقافي. وقد احتفت بها الدار ككاتبة ومترجمة ومثقفة عراقية كبيرة، وحرصت على نشر كتبها وإعادة طباعة أعمالها السابقة، لتبقى متاحة للأجيال الجديدة من القرّاء.

أعادت المدى تقديم أعمالها السردية والفكرية والترجمية، من «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«موسيقى صوفية» و«شريكات المصير الأبدي»، إلى «مسرّات النساء» و«إذا كنت تحب» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مملكة الروائيين العظام» و«عصيان الوصايا» و«إضاءة العتمة» و«كاليدوسكوب» و«مشروع أومّا» و«آفاق لا نهائية» و«كراساتي الباريسية» و«بعيداً عن ضوضاء العالم»، إلى جانب عدد كبير من ترجماتها. وهكذا لم تحتفِ المدى باسمها في مناسبة عابرة، بل عملت على حفظ مشروعها الأدبي والمعرفي كاملاً، ونشره وإعادة طباعته وإيصاله إلى القارئ العربي.

الكتاب لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله

يأتي كتاب «التحوّل الكبير» اليوم ليواصل هذه العلاقة حتى بعد رحيلها؛ ففي هذا الكتاب نسمع صوتها في الاختيار، وفي ترتيب الموضوعات، وفي ملاحظاتها التي تسبق النصوص، وفي اللغة التي تمنح الأفكار المعقّدة وضوحاً من دون أن تسلبها عمقها. إنها حاضرة فيه بوصفها مترجمة، ولكنها حاضرة أيضاً بوصفها قارئةً كبيرة تقود قارئها إلى الكتب والأسئلة التي رأت أنها جديرة بالبقاء.

لم تتمكن لطفية الدليمي من رؤية هذا الكتاب مطبوعاً، لكن الكتاب يحمل أثرها كاملاً. وربما كان من العزاء أن يكون آخر ما يصل منها إلى القراء كتاباً عن العالم الآتي فهي التي أمضت حياتها تنظر إلى ما وراء اللحظة، وتبحث عن المعرفة القادرة على مقاومة العزلة والخوف واليقين. لقد رحلت الكاتبة، لكن الأسئلة التي اختارتها ما زالت حية، والكتب التي كتبتها وترجمتها ما زالت تفتح نوافذها على العالم.

وبنشر هذا الكتاب، تودع دار المدى واحدةً من أبرز كاتباتها ومترجماتها، لا بكلمات الرثاء وحدها، بل بالطريقة التي تليق بها أكثر هو أن تضع كتابها بين أيدي القرّاء، وأن تترك صوتها يواصل الحديث إليهم. إنه كتابها الأخير، لكنه هديتها الأثيرة لي شخصياً؛ فقد وجدتها خير من يضعني في قلب الحاضر واستشراف المستقبل من خلال ترجمة كتاب يجعلني أقرب إلى ما يرتقي بي معرفياً إلى مستوى فهم القفزات العلمية والإبداعية في كل الميادين التي جعلت عالمنا مفتوحاً على تحقيق أكبر قفزة في تاريخ العلم والتكنولوجيا والمعرفة الإنسانية، مواجهة تحدي عقل الإنسان ومخلوقاته المثيرة والمريبة... ثورة الذكاء الاصطناعي ومآلاته...!

كأنّها أدركت أن لقاءنا الأخير إنما هو وداعٌ أبدي، وهي تُقبِل بشغفٍ على إعداد وترجمة التحول الكبير!


إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم
TT

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي الرصين والتحليل السياسي. ويكمن إنجازه المحوري في استعادة سؤالٍ طالما أزاحته لغاتُ الدبلوماسية والأمن والتنمية والضرورة الإنسانية: مَن يمتلك السلطة الشرعية لتقرير مستقبل فلسطين السياسي؟

ينطلق الغصين من مفارقةٍ حاسمة: فلسطين لم تفتقر يوماً إلى الإدارة. فقد جرى إحصاء الفلسطينيين وتصنيفهم وتسجيلهم ومسحهم وتمثيلهم وتهجيرهم وإغاثتهم والتفاوض بشأنهم بكثافةٍ استثنائية. أمّا ما حُجِب عنهم فهو الاعتراف بهم مصدراً للسلطة التي تُمارَس على أرضهم وحياتهم. إنهم حاضرون في كل موضعٍ من السجلّ الإداري، لكنهم قلّما يظهرون بوصفهم الذات السياسية صاحبة الحق في القرار. لقد جُعِلوا مرئيين بوصفهم «سكّاناً»، وظلّوا في الوقت نفسه غيرَ مرئيين سياسياً بوصفهم شعباً صاحب سيادة.

هذا التمييز بين الإدارة والسلطة هو ما يمنح الكتاب تماسكه اللافت. ينتقل الغصين من مذكّرة هربرت صمويل عام 1915 ووعد بلفور، مروراً بانتداب عصبة الأمم، وتحطيم المؤسسات الفلسطينية التمثيلية، ونشوء «منظمة التحرير الفلسطينية»، ومسار أوسلو، وحوكمة المانحين، والإدارة الإنسانية، وصولاً إلى تدمير غزة في زمننا الراهن. ويكشف كيف أنّ أحداثاً يفصل بينها عادةً التسلسلُ الزمني والاختصاصُ المعرفي والمفردات إنما تنتمي إلى بنيةٍ واحدة متصلة: سلطةٌ تُمارَس على الفلسطينيين في حين يظلّ مصدرها خارجاً عنهم.

ويبلغ الكتاب ذروة أهميته حين يقرأ المؤلف الوثائق الرسمية على نحوٍ يناقض ادّعاءاتها الحياد. فالمذكّرات والتصريحات والإحصاءات وتقارير اللجان والقرارات القانونية والخرائط وبطاقات التموين وأنظمة التصاريح... لا يعاملها الغصين بوصفها سجلّاتٍ محايدة ساكنة، بل أدواتٍ يُنظَّم بها الواقع السياسي. يسأل: مَن يُسمَّى، ومَن يُعترَف به، ومَن يُمثَّل، ومَن يُختزَل إلى مجرّد فئة؟ وتأتي مناقشته للانتداب نافذةً حادّة؛ إذ تُشكَّل جماعةٌ واحدة بوصفها ذاتاً سياسية ذات مؤسسات معترَف بها وغايةٍ قومية، في حين تُصاغ الأغلبية العربية عبر التجريد، بوصفها «سكّاناً» أو «طوائف» أو «شرائح من السكّان». وليس هذا الإغفال عرضياً، بل هو ما يؤسّس التمييزَ الذي يقوم عليه النظام الأوسع.

وتكمن قوّة الحجّة في بيان كيف تصمد هذه البنية أمام كل تبدّلٍ في المفردات. فالمذكّرة تصبح إعلاناً، والإعلان يصبح انتداباً، والانتداب يصبح أمراً عسكرياً، والأمر العسكري يصبح تصريحَ مرور، ثم يفسح تصريحُ المرور المجال، لاحقاً، لمعايير المانحين، وأُطر إعادة الإعمار، وعتبات المجاعة، وقواعد البيانات، وسياسات ضبط المحتوى. تغدو المصطلحات أكثر تقنيةً وأكثر إنسانيةً في الظاهر، في حين تبقى العلاقة الكامنة على حالها دون تغيير.

وتُعدّ معالجة الغصين للعمل الإنساني من أهمّ إسهامات الكتاب. فهو لا يشكّك في ضرورة الإغاثة، وإنما يبيّن كيف تُترجَم الحقوق إلى احتياجات. فشعبٌ يطالب بالحرية السياسية يصير «سكّاناً» بحاجة إلى المساعدة، ويصير سلبُ الأرض والملكية «حالة طوارئ» تُدار. وتبرز غزة بوصفها فضاءً مُداراً يُحسَب فيه البقاءُ على قيد الحياة ذاته بالسعرات الحرارية وحمولات الشاحنات والسجلّات والعتبات المؤسسية. وتزداد الآلةُ دقّةً كلما تراجع الاعتراف السياسي.

وتمتدّ الحجّة بالقوّة ذاتها إلى المجال الرقمي. فالشهادة الفلسطينية تحكمها منصّاتٌ تقرّر ما يجوز أن يُرى أو يُتداوَل أو يُبحَث عنه أو يُحذَف. وتغدو الرؤية ذاتها مسألةً إدارية. فأنظمةٌ خاصة بالترتيب الخوارزمي وضبط المحتوى والتصنيف، تكتسب القدرةَ على تحديد ما إذا كانت التجربة الفلسطينية ستظلّ متاحةً للذاكرة العامة.

وتتّسم لغة الكتاب بالوضوح والانضباط والدقّة الأخلاقية. يكتب الغصين بتحفّظٍ متعمَّد، تاركاً للسجلّ الوثائقي أن يفضح العنف المتواري خلف مصطلحاتٍ مثل «التنسيق» و«الحوكمة» و«إعادة الإعمار» و«الأمن» و«الوصول الإنساني». والحصيلة ليست مجرّد تاريخٍ لفلسطين، بل تشريحٌ للمؤسسات واللغات التي تُظهر القوّةُ الخارجيةُ من خلالها نفسَها بوصفها ضروريةً ومحايدة.

يقدم كتاب توفيق جويد الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم» مساهمة مهمة في حقل الدراسات الفلسطينية والقانون الدولي ودراسة الإمبراطورية. فهو يبرهن أنّ المشكلة الجوهرية ليست مجرّد الاحتلال، أو سلب الأرض، أو انعدام الدولة، وإن كانت تشمل هذه الثلاثة جميعاً، بل هي السؤال غير المحسوم: مَن يملك الحقّ المعترَف به في اتخاذ القرار؟

* أكاديمية فلسطينية


باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض
TT

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

باحث سعودي يتتبع تاريخ أقدم الأسر في الرياض

تعد قبيلة وائل من بني حنيفة أول من سكن مدينة الرياض التي كانت تعرف بـ«حجر اليمامة»، وأصبح لها كيان معتبر واستقرار دائم، وكان منهم الملوك والأمراء الذين حكموا وسط الجزيرة العربية بشعار الأرستقراطية القبلية.

جاء اسم آل عساكر كإحدى الأسر العريقة التي سكنت الرياض من عشرات القرون، وتولوا إماراتها في فترات من تاريخها، وسجل أفراد الأسرة حضورهم في المجتمع على مختلف الأصعدة.

الباحث الدكتور راشد العساكر أنجز كتاباً عن الأسرة سماه: «الرياض الزاهر في تاريخ آل عساكر»، رصد فيه تاريخ الأسرة خلال القرون التي مضت مفيداً أن الأسرة تنتسب إلى قبيلة بني حنيفة من وائل ومسكنهم في الرياض - حجر اليمامة - منذ ما يقرب الألفي سنة، وكان أغلب سكان مدينة حجر اليمامة التي عرفت فيما بعد ببلد مقرن (الرياض اليوم) هم من آل يزيد من بني حنيفة ومنهم الدروع، ويظهر أنهم أحد فروع آل يزيد.

سكنت الأسرة في محلة «مقرن» التي تشكل مع محلة «معكال» أكبر محلتين في بلد الرياض مع بعض الأماكن الأخرى التي أطلق عليها في القرن الثاني عشر الهجري اسم الرياض، والمقصود أن هذه الأسرة عاشت في بلد الرياض، ولا نعرف أن أحداً عاش في غيرها، وقد تملكت أسرة آل عساكر أشهر حديقة عرفت في مقرن عند القرن العاشر الهجري، وهي تسمى «الكبيشية»، وتقع اليوم شمال مسجد جامع مقرن - جامع الرياض، كما تملكوا محلة تعرف بـ«فرحة آل عساكر» قبل منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وتملكوا محلة بقرب مسجد الباهلية، وكذلك في محلة الشرقية وغيرهما من الأماكن.

وأما جد الأسرة من الأم فهو عبد المحسن بن سعيد الدرعي الحنفي، أمير بلد مقرن، تولى الإمارة بعد منتصف القرن التاسع وأوائل القرن العاشر الهجري.

وهو من قبيلة الدروع المنتسبة إلى بني حنيفة الذين حكموا هذه المنطقة، ويبدو أن عبد المحسن بن سعيد أو أباه هو الذي راسله جد آل سعود مانع بن ربيعة المريدي من الدروع عندما كان في القطيف، وقدم عليه، وأقطعه المليبد وغصيبة المعروفة في الدرعية، وليكون مانعاً له من نفوذ آل يزيد الحنفيين أبناء عمه وبصفة عبد المحسن بن سعيد أمير حجر اليمامة واستقر آل سعود في الدرعية سنة 850هـ.

وقد مدح شاعر - حجر اليمامة - جعيثن اليزيدي الحنفي آل عساكر وعمتهم جليلة، وهجا بها شخصاً يقال له ابن حراش، ويمكن من خلال هذه القصائد التعرف على بعض ملامح تلك الفترة.

وجعيثن عاش في محلة الجزعة جنوب منفوحة، وقيل إنه أميرها من قبل عبد المحسن بن سعيد الدرعي الحنفي. وتعد هذه القصائد أقدم ما عثر عليه من الشعر العامي لدى شعراء الرياض، خصوصاً ومن أوائل القصائد النجدية المدونة.

وقد كانت جليلة معروفة بأفعال الخير والإحسان ومساعدة المحتاجين في الرياض، حتى أن محلة خان شليلة، المعروفة شرق منفوحة، اليوم، تنسب إليها، حيث إن اسمها خان جليلة، ولكن العامة تسهل نطق الاسم فعرفت بذلك، حيث قامت جليلة بعمل استراحات وخانات فيها.

والخان من معانيه في اللغة العربية السوق، حيث عندما يأتي الحجاج وغيرهم من جهة الأحساء وشرق الجزيرة في طريقهم إلى مكة والمدينة يمكثون في الرياض، فيبيتون بها ويتناولون الطعام ويتزودون بالمؤن في هذه المحلة، فعرفت واشتهرت بذلك، واسم خان جليلة قد تغير إلى خان شليلة، وذلك في القرن الثالث عشر الهجري تقريباً.

وقد برزت شهرة حديقة الكبيشية عندما تملكها أمير بلد مقرن بعد منتصف القرن التاسع الهجري عبد المحسن بن سعيد ثم آلت إلى ابنتيه جليلة ومريم.