ذاكرة العراق.. عدنان الباجه جي (الحلقة 2): العراق في العهد الملكي: الخلافات بين الحكومة والمعارضة لا تقود إلى الاقصاءات وتشويه السمعة

ذاكرة العراق.. عدنان الباجه جي (الحلقة 2): العراق في العهد الملكي: الخلافات بين الحكومة والمعارضة لا تقود إلى الاقصاءات وتشويه السمعة

لم يشغل الساسة العراقيين الأوائل موضوع المناصب بقدر اهتمامهم ببناء العراق واستقلاله
الأحد - 6 شهر ربيع الثاني 1431 هـ - 21 مارس 2010 مـ
الباجه جي متحدثا لـ«الشرق الأوسط» (تصوير: حاتم عويضة)
معد فياض
حدث هذا قبل أن تتغير بغداد بسنوات كثيرة، ولو أتيح لمصور فوتوغرافي التقاط صورة من الجو لعاصمة العراق في السنوات العشر الأولى من القرن الماضي لاكتشفنا أنها كانت عبارة عن محلات سكنية مغلق بعضها على بعض، تتلاصق بقوة، وتنغلق على داخلها بحميمية لأسباب أمنية بالدرجة الأولى، حتى إن الاتصال بين محلة وأخرى كان محدودا، إذ «عاش سكان كل محلة في شبه عزلة، وكان ولاؤهم الأول لمحلتهم، فكانوا يتعاونون ويشدون أزر بعضهم، ويقفون صفا واحدا ضد اعتداءات وتجاوزات المحلات الأخرى»، وينقل عدنان الباجه جي للحديث عن والده بأنه «كان يشارك فتيان المحلة في (الكسار) أي العراك مع فتيان المحلات الأخرى»، والمحلة التي تنتمي إليها أسرة الباجه جي هي محلة العمار سبع ابكار، وكانت تجاورهم في المحلة عشيرة الجنابيين وآل كبة.
في هذه الحلقة يتحدث الباجه جي عن سنوات طفولته الأولى، وتدشين حياته الدراسية من خلال مدرسة أميركية خاصة كان قد دخلها وهو في الخامسة من عمره، مسهبا في الحديث عن صالات العرض السينمائي التي شُغف بها البغداديون.

كان ببغداد شارع واحد مُعبد، يحاذي نهر دجلة في جهة الرصافة، ومن النهر استمد اسمه (شارع النهر) الذي يمتد من جسر مود (الجنرال البريطاني مود الذي احتل بغداد، وحمل الجسر اسم جسر الأحرار بعد ثورة 14 يوليو (تموز) 1958)، مارا بالمدرسة المستنصرية التي بناها الخليفة العباسي المستنصر بالله قبل ما يربو على ألف عام، قاطعا سوق الخفافين ومسجدها (مسجد الخفافين)، وهو من المساجد التي بنيت في العهد العباسي «وأعاد بناءه الحاج بكر بن عمر الباجه جي»، متواصلا مع سوق السراي، وماضيا حتى السراي الحكومي العثماني في القشلة وشارع المتنبي.

يعود عدنان إلى البيت الذي ولد وترعرع فيه، كان «في محلة الباجه جي قرب جسر مود في شارع النهر، وهو أول شارع كان ببغداد، ويؤدي إلى سوق السراي قبل أن يتم فتح شارع الرشيد، حيث كانت هناك بيوت الكيلانية (عائلة عبد الرحمن الكيلاني، نقيب أشراف بغداد)، وبيت النقيب، وبيوت بعض العوائل اليهودية الغنية، وكانت هناك أيضا محلات الصاغة الصابئة (المندائيين)، صاغة الفضة والذهب، وكان قصر جدي، والد أمي، هناك ويسمى قصر التماثيل، تحول إلى فندق (جبهة النهر) فيما بعد وتهدم».

هناك في هذا المثلث السكني الضيق الذي يحتل جزءا من شارع النهر وشارع الرشيد فيما بعد والسنك، كانت تقع مجموعة من بيوتات العوائل البغدادية الراقية.

أما شارع الرشيد فقد تم فتحه قبل عام 1910، أي قبل ولادة عدنان بـ13 عاما، وسيكون فيما بعد مسرح جولاته في سنوات فتوته وشبابه الأولى (شارع الرشيد من أقدم وأشهر شوارع بغداد، كان يعرف خلال الحكم العثماني باسم شارع خليل باشا جاده سي، على اسم خليل باشا حاكم بغداد وقائد الجيش العثماني الذي قام بتوسيع وتعديل الطريق العام الممتد من الباب الشرقي إلى باب المعظم وجعله شارعا باسمه عام 1910).

ربما تكون الصورة الوحيدة المحفوظة في أكثر من أرشيف لشارع الرشيد والتي يعود تاريخها إلى عام 1919، هي أكثر ما يعبر عن حياة هذا الشارع وقتذاك. تظهر في الصورة بضع عربات تجرها الخيول في شارع تقوم على جوانبه بعض المقاهي والدكاكين، لكن هذه الصورة لم تُظهر أول مدرسة تعلم بها عدنان الباجه جي، فهو الولد الوحيد لعائلته، كان يحيا بعز ودلال، لهذا لم يذهب للدراسة على يد الملا (الكتاتيب) مثل ما درج عليه أبناء جيله، أو والده الذي درس «على يد الملا علي أفندي، وختم القرآن، وكان متدينا إلى حد التعصب، فلم يكتف بأداء الصلاة في أوقاتها بل كان يؤذن في مسجد الباجه جي، ويؤم المصلين، ويحث المتقاعسين من أقربائه وأصدقائه على تأدية فرائض دينهم».

لقد سعى مزاحم الباجه جي إلى أن يتعلم ولده بأرقى المدارس في وقت كانت فيه المدارس شحيحة على أبناء الطبقات الفقيرة، وأحيانا حتى المتوسطة.. يقول عدنان «كان عمري 5 سنوات عندما دخلت مدرسة أميركية خاصة ببغداد، كانت تقع في منطقة السنك بشارع الرشيد، كانت المدرسة للبنين فقط، وكان معنا تلاميذ مسيحيون ويهود والكثير من أبناء العوائل البغدادية المعروفة، مثل محمود بابان الذي صار وزيرا فيما بعد في العهد الملكي، وطلال ناجي شوكت. كانوا يدرسون لنا اللغة الإنجليزية إلى جانب العربية، وكان عندنا أساتذة أكفاء في العربية والتاريخ وقسم منهم لبنانيون، وتخرجت في المدرسة الابتدائية وعمري 11 سنة، وكنت متفوقا في مادتي التاريخ والجغرافيا وضعيفا في الرياضيات، ثم تحسن مستواي في هذه المادة».

وبينما كان الابن يحقق نتائج طيبة ومتفوقة في دراسته، متخطيا أولى مراحلها، كان الأب ينشغل بالسياسة «فخلال هذه السنوات كان والدي منهمكا في العمل السياسي، وفي سنة 1927 عين مندوبا للعراق في لندن، حيث لم يكن وقتذاك لدينا سفراء لأن العراق كان تحت الانتداب البريطاني، وكان توصيف وظيفة والدي هو (DOPLMATIC EGENT) أي الوكيل الدبلوماسي للعراق في لندن، وكان وحده في لندن وبقيت أنا مع والدتي ببغداد».

كان عصر دور العرض السينمائي قد ازدهر ببغداد، إذ افتتحت عدة صالات سينمائية في شارع الرشيد، مثل «رويال سينما» و«سنترال سينما» و«روكسي» و«ريكس» و«علاء الدين»، ومن ثم «الحمراء» و«البيضاء» و«الخيام» و«غرناطة»، وهذه كلها كانت في جانب الرصافة و«بغداد» في جانب الكرخ. وكان الفتيان من جيل عدنان ينبهرون برجل بغدادي يتجول في شارع الرشيد وينادي بصوته الجهوري «أحسن رواية بالبلد.. سنترال سينما» وهو يحمل ملصق الفيلم الجديد كنوع من الدعاية المتوافرة وقتذاك.

لم تكن هذه الصالات حكرا على الأغنياء أو أبناء العوائل المترفة، بل إن البغداديين وبكل فئاتهم ارتبطوا بهذا السحر الجديد وفتنوا به. كانت هناك صالات سينمائية مغلقة (شتوية)، وأخرى صيفية مكشوفة وبلا سقوف تفتتح مساء كنوع من مواجهة صيف بغداد الساخن، وبينما يكون النسيم البارد القادم من نهر دجلة قد منح الصالة المفتوحة متنفسا حياتيا، تكون العوائل البغدادية قد أخذت أماكنها في المقصورات المحجوزة لها مسبقا، بل إن غالبية من هذه العوائل كانت تشتري هذه المقصورات وتبقى محجوزة لها، والأوقات المفضلة للمشاهدة من قبل العوائل هي ما بعد العاشرة ليلا «الدنيا كانت آمنة» حسبما يؤكد عدنان الباجه جي الذي عاش طفولة اعتيادية في حي بغدادي عريق لم تغب صوره عن ذاكرته الصورية، يقول «كنا نلعب، أنا وأقراني من أبناء الجيران كل ما كان معروفا من ألعاب الطفولة وقتذاك، ومنها لعبة (الختيلة) وغيرها».

لكن سحر السينما كان قد سيطر على فتيان جيله «كنا نذهب إلى السينما مع السائق أو مع أحد العاملين في البيت، وغالبا ما كنا نشاهد الأفلام في (رويال سينما) و(سنترال سينما)، كنا نصل إلى صالة السينما بواسطة السيارة، فأنا وعيت الدنيا في عصر السيارات، لكن الناس كانت لا تزال تستخدم العربات التي تجرها الخيول للتنقل».

لا يدع عدنان الباجه جي أي لقطة في مشاهد ذاكرته تفلت منه، يتمعن اللقطات بدقة، لا يهمل أي لون أو صوت أو حركة «أتذكر أن رقم سيارة والدي عندما كان وزيرا للداخلية كان (7 بغداد)، وكان نوعها (أولدز موبيل) كشف، تنتة (ذات سقف متحرك) ولونها أزرق، واشتراها والدي من الوكيل حيث لم يكن استخدام السيارات شائعا في العراق آنذاك، أما السيارة الثانية فكانت (بيوك) وبعد ثورة 14 يوليو 1958 كان رقم سيارتنا (242 بغداد) من دون أن أعرف أين ذهب الرقم الأول».

في صيف 1930 يقرر مزاحم الباجه جي القيام بسفرة عائلية بواسطة سيارته الأولى إلى الشام (دمشق)، ولا يزال عدنان يحتفظ بتفاصيل هذه الرحلة المثيرة بالنسبة له، ذلك أنها «كانت أول سفرة لي إلى خارج العراق، وقد عانينا من الساعات الطويلة للرحلة ومن التراب الذي كان يتسلل إلينا حيث لم تكن نوافذ السيارة مصنوعة من الزجاج وإنما من البلاستيك الشفاف (باغة)، بينما سقفها من الجلد، وكانت محملة بحقائبنا وسلال الطعام (متاع) إذ لم تكن هناك مطاعم على طول الطريق، وقد وصلنا أولا إلى بلدة الرطبة الحدودية التي كانت عبارة عن مركز شرطة فقط، حيث استرحنا قليلا هناك».

ويروي عن والده الذي كان سريع الغضب ولا يهادن في أي قضية وطنية تهم العراق أنه «حضر احتفالا للملك جورج الخامس في (باكنغهام بالاس)، وخصصوا مكانا لوالدي مع ممثلي المستعمرات، فاحتج وقال: أنا لا أقبل أن تضعوني هنا مع المستعمرات، فالعراق دولة مستقلة مع أنها تحت الانتداب، ولنا علاقات مع بريطانيا وفق معاهدات ولسنا مُستَعمرين.. فطلب منه ياسين الهاشمي عدم التصعيد مع بريطانيا» فقد كان للهاشمي، الذي كان وزيرا للمالية في حكومة جعفر العسكري الثانية، تأثير على مزاحم الباجه جي «كونهما كانا في المجلس التأسيسي الذي وضع الدستور، وهناك نحو 20 رسالة منه إلى والدي، الذي كان في جبهة المعارضة التي يتزعمها الأول (الهاشمي)، وبعد أن تم إنجاز الدستور وتم توقيع المعاهدة مع بريطانيا، وضع الملك فيصل الأول المعارضين في الحكومة، وكان هذا أحد أساليبه في تقريب المعارضة منه، وأجبرهم على تنفيذ المعاهدة البريطانية التي وقعها عبد الرحمن النقيب سنة 1922، والتي كانت المعارضة ضدها، وصادق عليها المجلس التأسيسي، وعلى الدستور الذي كان اسمه القانون الأساسي، وفيما بعد تمت المصادقة على اتفاقية النفط».

لم يشغل الساسة العراقيين الأوائل موضوع المناصب بقدر اهتمامهم ببناء العراق واستقلاله، فرئيس الوزارة سيكون في الغد وزيرا في حكومة يترأسها أحد وزرائه السابقين، وهذه المعادلة تكررت في مرات عدة خاصة مع السياسي العراقي نوري باشا (السعيد)، «ففي سنة 1924 ألف الهاشمي الوزارة ودخل والدي فيها كوزير للمواصلات والأشغال، وبقي 11 شهرا، وكان من أعضاء الوزارة ساسون حسقيل (يهودي) وزيرا للمالية، ورشيد عالي كيلاني وزيرا للعدلية، ورضا الشبيبي وزيرا للمعارف، وعبد المحسن السعدون وزيرا للداخلية، ولم يستمر والدي في الحكومة إذ صار من أقطاب المعارضة في الحزب الوطني برئاسة جعفر أبو التمن».

وفي تفحص سريع للأسماء الواردة سنعرف أن هذه الوزارة، كما بقية الوزارات العراقية في العهد الملكي، كانت تضم عراقيين من مختلف الأديان والمذاهب، ففيهم السني والشيعي واليهودي.

قصر التماثيل الذي كانت تحيا فيه عائلة الباجه جي تحول إلى مسرح للأحداث السياسية واللقاءات والسجالات «كنت صغيرا (يقول عدنان) لكنني كنت أشعر بهذا الحراك السياسي الذي كانت تجري أحداثه في بيتنا الذي كان يجمع كبار الساسة أمثال ياسين الهاشمي ونوري السعيد وعلي جودت وجميل المدفعي وجعفر العسكري، وغيرهم. ولم يضع أي سياسي عراقي وقتذاك في حساباتهم هذا شيعي وذاك سني أو عربي وكردي أو مسلم وغير مسلم، فالأحزاب العراقية كانت مختلطة، أبو التمن (شيعي) رئيس الحزب الوطني، وأعضاؤه مزاحم الباجه جي، ومحمود رامز (سنة)، ومحمد مهدي كبة (شيعي) رئيس حزب الاستقلال، ومعه فائق السامرائي وصديق شنشل (سنة)، وأعضاء الحزب الشيوعي، ومن ثم حزب البعث لاحقا، كانوا خليطا من السنة والشيعة والعرب والأكراد والتركمان والمسيحيين، وهذا كان وضع جميع الأحزاب السياسية في العراق ( ماكو شي اسمه سني وشيعي)، كان من يفكر بهذه الطريقة هم المعممون (الملالي) لأنهم يعرفون أن نفوذهم قائم على أساس الطائفية».

نحن وسط خطوط تتشابك وقد تتعقد، أحداث وأسماء وصور وتواريخ، يجب أن يكون كل حدث في مكانه الصحيح، وأن تتصل الخطوط من غير أن تتقاطع، وبما عرف عنه من عقلية منظمة، يرتب عدنان الباجه جي الأحداث، ويحرص على أن تكون في موقعها المناسب والصحيح، يصمت قليلا، ينظم ملفات الذاكرة المتّقدة، ترتسم، من دون أن يدري حتى، على وجهه سحابة شفافة من أسى، ويستطرد «كان هدف وعمل السياسيين العراقيين هو الوطن والناس، وكانوا مثقفين ومنفتحين وما عندهم هذه القسوة التي نشهدها اليوم، يختلفون سياسيا أو فكريا لكنهم يبقون أصدقاء وأصحابا، ولا قاتل ولا مقتول ولا سجن ولا خطف.. بل إن السياسيين حتى وإن كانوا مختلفين إلا أنهم يتزاورون ويتبادلون الأحاديث الاجتماعية كأحبة، وغالبا ما يأتون مع عوائلهم، زوجاتهم، وأبنائهم لتوطيد اللحمة الاجتماعية فيما بينهم».

وهذه اللقاءات السياسية لم تكن تخلو من روح إنسانية شفافة، ومن المزاح والنكتة «كنا، أنا وأبناء جعفر العسكري، نزار وقيس وزياد، متقاربين عمريا، ونلعب معا سواء في بيتنا أو في بيتهم، وكان نوري السعيد يزورنا دائما، أتذكر ذات صيف، كان عمري 10 سنوات، عندما جمعنا ذات مرة واستأجر زورقا أخذنا فيه إلى جزيرة صغيرة كانت تظهر خلال الصيف وسط نهر دجلة، كان الوقت ليلا، وضوء القمر ينير النهر، فسبحنا بالنهر، ثم جاءوا بالسمك المسكوف لنتعشى، بينما كان السعيد يشرب العرق لوحده وهو يراقبنا فرحا، وعمل هذه النزهة لغرض التفريج عن الأولاد، ثم دعانا لنقف في صف واحد مثلما العسكر وأشار إلى مسناة تقع في الضفة المقابلة وكنا قريبين منها (مسناة بيت الشابندر)، والمسناة هي (مرفأ نهري للزوارق كان يقيمه البغداديون أمام بيوتهم أو في مناطقهم السكنية التي تقع على ضفة النهر)، وقال: الآن رددوا بصوت عال ما أقوله لكم.. وفعلنا، حيث كان يشتم محمود جلبي الشابندر، وبدأنا نردد ما يقوله السعيد: محمود جلبي شابندر، انت ما تستحي، انت حرامي.. وكنا نطلق أصواتنا بكل قوتها ونردد ما يقوله بحماس كبير وسط قهقهات نوري باشا، إذ كان يضحك ملء روحه بينما كان الشابندر يجلس في المسناة ويسمع كل شيء من غير أن يرد. هذا كان جزءا من التناحر أو الاختلاف بين السياسيين، مع أن الشابندر لم يكن سياسيا، بل كان تاجرا لكنه كان متهما بتهريب الذهب، وقد أراد السعيد أن يوصل له رسالة عدم رضا، وفي الوقت ذاته أن يمزح معه، ونقل لنا والدي أن الشابندر عندما التقى السعيد بعد هذه الحادثة عاتبه بود وقال له: هاي شنو باشا ليش هيجي.. وهما يضحكان. هكذا كانت العلاقات والخلافات».

لم تكن الخلافات بين الحكومة والمعارضة تقود إلى الإقصاءات أو تشويه السمعة، بل عبر رسائل ساخرة وغير جارحة، «ففي قصة أخرى رويت على مسامعنا عن السعيد الذي كان رئيسا للوزراء والمعارض محمود رامز المعروف بجديته ورصانته، وذات مرة كان السعيد عائدا من سفرة من خارج العراق فالتقى برامز وقال له أمام الآخرين: محمود لقد جلبت لك صوغة هدية.. فسأله رامز عن الهدية: شنو هيه؟ (ما هي).. فأجابه السعيد: اشتريت لك ملابس داخلية حرير حمراء اللون.. فاحتج رامز قائلا: هاي شنو باشا. وفي حادثة مشهورة هي الأخرى، جاء موظف كبير بالحكومة إلى جعفر العسكري وكان رئيسا للوزراء، وقال له: باشا أنا مسافر إلى لندن، ما هي الأماكن التي تقرح أن أزورها هناك، متاحف أو مكتبات (باعتبار أن العسكري كان قد عاش في لندن)؟.. فأجابه رئيس الوزراء: من الأفضل أن تقوم بزيارة الحمامات هناك لترى كم هي نظيفة. وهذه المزحة كانت تنطوي على نقد وتوجيه أكثر منها مزحة. كانت هناك علاقات اجتماعية، والسياسيون كانوا يتمتعون بروح إنسانية وروح نكتة وسخرية».

تزامن إنهاء عدنان الباجه جي لدراسته الابتدائية عام 1934 مع «عرض الحكومة على والدي مزاحم الباجه جي منصب الممثل عن العراق في عصبة الأمم في جنيف، والوزير المفوض في روما. لم يكن هناك سفراء للعراق، فالوزير المفوض هو الذي كان مسؤولا عن البعثة الدبلوماسية للبلد، ووافق والدي، لكنه لم يأخذني معه لأنه أراد أن أبقى وأتعلم في دولة عربية، لهذا ذهبت إلى كلية فيكتوريا (مدرسة إنجليزية داخلية) في الإسكندرية، كان عمري 11 سنة، وسافرت من بغداد إلى دمشق ومن ثم إلى بيروت بواسطة السيارة».

في بيروت تتشكل الدهشة الأولى في عيون وروح الصبي القادم من مدينة قديمة هي بغداد، مدينة بلا أبنية عالية، بلا ألوان بهيجة، وتخلو من زحمة الحياة وتدفقها اليومي، بل إن الدهشة الأكبر شكلها البحر، وبكثير من العناية والاهتمام يصف عدنان هذه اللقطة وكأنه يرسمها بريشة فنان، ويرفقها بموسيقى صوتية ساحرة، يقول «شاهدت البحر واندهشت منه وأحببته، حيث لم أكن قد شاهدت في بغداد سوى نهر دجلة»، وسوف تستمر علاقته مع البحر وتتوطد أكثر عندما يكون في أحضانه وليس مجرد مشاهد له من الضفاف البرية، سوف يتنفس رائحته عن قرب،ويتبلل وجهه برذاذه، ويسمع صوت أمواجه «من بيروت استقللنا الباخرة إلى مدينة الإسكندرية في مصر في رحلة بحرية استغرقت يومين».

وعلى الرغم من متاعب والدته ومشاقها في المشي، فإنها لم تتحمل فكرة سفر ابنها الوحيد وهو في الحادية عشرة من عمره إلى خارج بغداد، بل إلى عالم بعيد جدا عن محلة الباجه جي وشارع النهر، إلى الإسكندرية، قاطعا ما يقرب من ألفي ميل من البراري من بغداد إلى دمشق، ثم إلى بيروت، وثمة مئات الأميال البحرية وصولا إلى ميناء الإسكندرية، يقول «رافقتني والدتي إلى الإسكندرية حيث عاشت هناك لسنة واحدة وبعدها عادت إلى بغداد وأنا بقيت في المدرسة الداخلية».

أدار عدنان وهو في الثانية عشرة من عمره، حياته وحده في مدرسة داخلية إنجليزية بكل هدوء، مستفيدا من كل الفرص التي أتاحتها المدرسة من جهة والحياة في المدينة المصرية الساحلية «كانت الدراسة ممتازة» يوضح، فهي «مثل مدارس هاروو في لندن وتعتمد مناهجها، وقد استفدت كثيرا منها والدراسة كانت باللغة الإنجليزية، وخارج المدرسة كنا نذهب إلى البحر في الإسكندرية ونسبح في الصيف».

كان العمل الدبلوماسي للدولة العراقية الفتية يوزع مزاحم الباجه جي بين مقر عصبة الأمم في جنيف وموقع عمله كرئيس للبعثة الدبلوماسية لبلده في روما، لكن قلبه كان عند نجله الوحيد عدنان، لهذا «وفي أول عطلة صيفية طلب والدي من عمي أن يصطحبني إلى روما حيث كان والدي يعمل، ووالدتي بقيت ببغداد لأنها كانت مريضة ومقعدة، كما أنها امرأة بغدادية لا تحب مغادرة مدينتها ولم تكن على قدر واسع من الثقافة والاطلاع».

ومع أن هذه السفرة سياحية وترفيهية، إلا أن مزاحم الباجه جي الحريص على تنشئة ولده وفق قيم معرفية وأخلاقية راقية، جعل من زيارة عدنان إلى العاصمة الإيطالية مناسبة للتعلم والثقافة والاطلاع، ويشاء حظه السعيد أن يهيئ له شخصية عراقية مثقفة لتتولى مهمة الدليل الثقافي والمعلم له، يقول «في روما أرادني والدي أن أتعلم وأطلع على الثقافة الإيطالية، وكان هناك قس عراقي اسمه بولص هندو، من عائلة عراقية معروفة (بيت هندو)، فطلب منه والدي أن يأخذني لأرى روما، فكان هندو يأخذني إلى المواقع الأثرية ويشرح لي قصص المواقع وأسماءها وأحداثها، ثم أخذني لزيارة الكنائس، بدءا بكاتدرائية القديس بطرس الكبيرة وعموم الفاتيكان وأعمال مايكل أنغلو والتماثيل. كان هذا القس رجلا مثقفا ومطلعا ودمث الأخلاق، وكان يلقي علي المحاضرات القيمة في التاريخ والفن والعمارة كقصص مشوقة، وزرنا المغارات التي كان يختبئ بها المسيحيون عندما كانوا مضطهدين، ويسمونها (كتاكوم)، يعني شاهدت واطلعت على روما بطريقة لم تتح لأي سائح آخر.. شاهدت كل روما، الكنائس والقصور، وأنا أحب التاريخ، لهذا استمتعت بهذه الزيارة خاصة أن معلومات هندو كانت مفيدة كونه شخصا متمكنا». ويمضي في هذه الرحلة مع والده إلى أقصى مدياتها الجغرافية والمعرفية والسياحية «في تلك العطلة الصيفية زرنا ألمانيا وسويسرا، كون والدي كان مندوبا في عصبة الأمم في جنيف، وزرنا باريس، ولندن». وكمن ينتبه إلى اكتشاف تفصيل ربما، أو خيل إليه أنه فاته شيء في السابق، ينبهنا إلى معلومة يجدها جديرة بالتنويه «يعني أنا في طفولتي وشبابي تمتعت بأمور كانت الأغلبية الساحقة من العراقيين محرومة منها، ولم يطلعوا على ما شاهدته أنا وعشته، فعندما كان عمري 12 سنة زرت كل أوروبا تقريبا، ووقتذاك كان هذا الأمر مستحيلا تحقيقه من قبل الآخرين، وعنى الكثير بالنسبة لي، خاصة أن السفر والتنقل لم يكن متاحا مثل اليوم».

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة