أفغانستان حرب لا تنتهي: مستشار أمني أميركي لـ «الشرق الأوسط»: النجاح نراه في أعين الجنود الأفغان

أفغانستان حرب لا تنتهي: مستشار أمني أميركي لـ «الشرق الأوسط»: النجاح نراه في أعين الجنود الأفغان

كابل الجديدة.. ضباط أمن واستخبارات وحراس على الطائرات المتجهة إلى «أرض الشجعان»
الأحد - 15 ذو الحجة 1431 هـ - 21 نوفمبر 2010 مـ
جنود من الشرطة الأفغانية خلال تدريبات خاصة لهم في صحراء هلمند («الشرق الأوسط»)
محمد الشافعي
حتى قبل ساعة السفر الحاسمة من مطار هيثرو على الخطوط البريطانية إلى العاصمة الأفغانية كابل، عبر مطار دبي الدولي، ضمن مجموعة قليلة من ممثلي الصحافة العربية بدعوة من الخارجية الأميركية, للتعرف على الأوضاع العامة في صحراء هلمند ومزار شريف وكابل, ومواقع الخطوط الأولى في مواجهة «طالبان», كان الهاجس الأمني يسيطر على الرحلة, وكانت التعليمات الصادرة تقتضي التعرف على فصيلة دم المسافرين, واستخلاص بوليصة تأمين ضد الحوادث، ومن الأفضل جدا, بوليصة تأمين على الحياة لأنك ذاهب إلى مكان أقل ما يوصف به أنه خطر جدا, وهو ما يفعله معظم الذاهبين إلى أفغانستان, وكانت التعليمات التي تأتي عبر البريد الإلكتروني أو الـ«تكست مسج» تتمثل في ضرورة اصطحاب «سليبنج باج» وبطارية صغيرة ضوءها مموه باللون الأزرق؛ لأنك ستقضي ليلتين في صحراء هلمند في خيام القوات البريطانية في لاشكر غاه، عاصمة الولاية المضطربة, التي تشهد أعمال عنف متزايدة من «طالبان» خلال السنوات الماضية, تتعرف فيها على طبيعة الأحوال على الأرض وستلتقي قيادات من «إيساف» قوة المهام المشتركة التي يشارك فيها جنود من 48 دولة، من بينها عدد من جنود الدول الإسلامية مثل تركيا وماليزيا وجنود دولتين عربيتين هما الأردن والإمارات.
* وفي مدينة دبي كان هناك «بريفنغ» في المساء قبل الإقلاع إلى مطار كابل «هوائي مللي كابل»، وهي نفس اللافتة المعلقة على واجهة المطار منذ أيام (طالبان) قبل 10 سنوات وأضيف إليها فقط «مرحبا في أفغانستان أرض الشجعان».

والتعليمات الأمنية التي شارك فيه ثلاثة من مسؤولي الخارجية الأميركية، اثنان منهما يتحدثان العربية بطلاقة، كانت تقضي بضرورة الحذر وعدم المغامرة لأخذ صور صحافية في القواعد العسكرية قبل الاستئذان أو من داخل عربات الدفع الرباعي المصفحة في هلمند؛ لأنها ستكشف عن أجهزة الحراس الأمنيين وهم ضباط سابقون في الجيش والبحرية, وارتداء قمصان بأكمام طويلة بالنسبة للرجال, وبالنسبة للسيدات ضرورة ارتداء الحجاب حتى في الطائرة المتجهة إلى العاصمة الأفغانية كابل. وكذلك ارتداء الصديرية الواقية من الرصاص التي تزن أكثر من 10 كيلوغرامات والخوذات الواقية قبل صعود طائرات الهليكوبتر التي ستنقل الفريق الإعلامي بين ولايات هلمند وجنوب أفغانستان، حيث تكثر نشاطات المتمردين. أما دانييل، مسؤول الفريق الصحافي الذي رتب إجراءات الرحلة، وهو دبلوماسي محنك من سفارة أميركا في كابل جاء إلى دبي خصيصا لاصطحاب الفريق الإعلامي, فقد كان لا يتوقف عن إصدار التعليمات: لا تفعل ذلك، غير مسموح، أنت لست في نزهة, حذار من التقاط صور فوتوغرافية على ممر الهبوط أو أمام السفارة الأميركية التي باتت اليوم ترسانة ضخمة مسلحة على بعد أمتار من ميدان الشهيد أحمد شاه مسعود الذي اغتالته «القاعدة» قبل يومين من هجمات سبتمبر (أيلول), ولا يمكن الدخول إلى بوابة السفارة إلا بعد إجراءات أمنية للحصول على بطاقة هوية من واقع بيانات جواز السفر وإجازة المسؤولين الأميركيين, ثم إحضار كلب مخصص لشم الحقائب وأجهزة التسجيل والتصوير، حتى لا تكون هناك أي هفوة أو ثغرة أمنية، خصوصا أن الشهيد أحمد شاه مسعود اغتالته «القاعدة» بكاميرا مفخخة أثناء محاولة تسجيل حديث صحافي معه, وداخل السفارة الأميركية في كابل تشعر أنك في بيفرلي هيلز بأميركا أو غرين بارك أو نايتسبردج بلندن, دبلوماسيات بروائح ذكية يلمعن من كثرة النظافة، ورجال في منتهى الأناقة يجلسون أمام مقهى يقدم الكابتشينو والإكسبريسو في باحة السفارة، غير بعيد عن شقق حديثة وحمام سباحة وملاعب تنس، وعلى مقربة من مطعم 5 نجوم يقدم وجبات مدعمة بالدولار, وعلى بعد أقل من 200 متر في ميدان الشهيد أحمد مسعود, ترى الحياة الحقيقية للأفغان على أرض الواقع: شوارع متربة ووجوه متعبة وازدحام مروري لا يطاق يتجه إلى حي وزير أكبر خان وإلى شارع شهرانو الذي يوجد فيه معظم البوتيكات وأكبر البنوك.

وعندما حطت طائرة خطوط «صافي» الجوية ويملكها، بالإضافة إلى مول وفندق ضخم تحت الاسم نفسه «صافي لاند مارك» في شارع شهرانو بوسط كابل, أحد أبرز قيادات المجاهدين الأفغان من هراة. والرحلات اليومية بين كابل ودبي لا تتوقف عن الإقلاع، وهناك أكثر من رحلة لـ«صافي إير» و«كم إير» و«إريانا»، وهي الخطوط الجوية الأفغانية, من كابل إلى دبي، وبالعكس, لتلبية الحاجات اليومية لرجال الأعمال ومتعاقدي الشركات الأمنية.

وفي مطار كابل، المدجج بالعتاد الأميركي, الذي تحول إلى ما يشبه ثكنة محاطة بسواتر ومتاريس خرسانية بعد رحلة طيران نحو 3 ساعات, كانت سيارات ساكسون المدرعة والدبابات والمدرعات وطائرات هليكوبتر وأخرى مدنية صغيرة تابعة للمنظمات الدولية والأمم المتحدة وقوات «إيساف» تنتشر على جنبات المطار، وقبل 9 سنوات عهد الحركة الأصولية المخلوعة لم يكن يعبر المطار إلا طائرة صغيرة تابعة للأمم المتحدة مرتين في الأسبوع تحمل موظفي المنظمة الدولية من كابل وقندهار، العاصمة الروحية للملا محمد عمر، إلى بيشاور وإسلام آباد, وعلى واجهة المطار ما زالت اللوحة القديمة نفسها التي كانت مرفوعة أيام «طالبان» في «مللي هوائي كابل» أي مطار كابل الدولي، الذي لم تكن تحط فيه سوى طائرة صغيرة للصليب الأحمر الدولي، ولكن اليوم حركة طائرات النقل العسكرية والمدنية الهادرة لا تتوقف.

نعم، هناك تغييرات على الأرض في المطار، الذي كانت شوارعه ومكاتبه متربة بائسة, لا يوجد فيها إلا موظف صغير بعمامة سوداء تزين رأسه أيام «طالبان», وخاتم الدخول والخروج يحرسه بأمانة في جيب جلبابه, ولكن اليوم باتت تلمع أرضيته من كثرة النظافة وهناك نوع من الضبط, على الرغم من كثرة الإجراءات الأمنية عند المغادرة، التي تتطلب تفتيش الحقائب نحو 3 مرات وخلع الأحذية والأحزمة من البناطيل قبل الوصول إلى قاعة السفر, وهذه الإجراءات لا تستثني صغيرا أو كبيرا أو أي مسؤول؛ لأن من ينفذها يتبعون شركة أمنية خاصة.

وعلى طائرة «صافي» للخطوط الجوية، المتجهة من دبي إلى كابل عند الساعة الثالثة والنصف صباحا, كان واضحا للعيان أن أغلبية الركاب من ضباط الأمن والاستخبارات والـ«سي آي إيه» في أعمار مختلفة يحملون حقائب صغيرة على الكتف, لا ينشغلون بالحديث مع أحد ويتحاشون نظرات المتطفلين من الغرباء والصحافيين ويشدون أحزمة المقاعد في انتظار الإقلاع، فقد نشرت قوات الأمن الأفغانية حول مداخل كابل 25 حاجزا أمنيا ثابتا، فيما يطلق عليه «الحزام الفولاذي»، وفي داخل العاصمة كابل انتشرت الحواجز الإسمنتية حول المنشآت الحكومية ومقرات البعثات الأجنبية ووكالات الإغاثة الغربية. كما انتشر مئات المسلحين على مسافة أمتار فقط من بعضهم بعضا في شوارع ضاحية وزير أكبر خان التي يسكن فيلاتها حاليا علية القوم الأفغان بعدما كانت في أيام حركة «طالبان» مقرا لبعض قادة «القاعدة» والجهاديين العرب.

أما في لاشكر غاه، عاصمة هلمند ومعقل التمرد, فقد ظهر واضحا أن البريطانيين نجحوا، إلى حد كبير، في إنعاش المدينة بسلسلة مشاريع حركت اقتصادها، في خطوة يأمل التحالف الغربي أن تتكرر في بقية الولايات. ويقر المسؤولون البريطانيون بأن التحسن الأساسي يحصل في دوائر هلمند، بينما الوضع الأمني ما زال صعبا, في عدد من الدوائر في شمال الولاية وجنوبها، مثل سانغين ومرجة اللتين تسلمتهما قوات المارينز الأميركية، لكنها ما زالت تجد صعوبة بالغة في منع «طالبان» من العودة إليهما.

واستمعت «الشرق الأوسط» إلى أكثر من شهادة حية، على شجاعة عناصر حركة طالبان.

وقال ضابط كبير، رفض أن يكشف عن هويته: «ما ينقصهم هو التكتيك العسكري؛ لأن خططهم بدائية، لكنهم يتميزون بشجاعة وإقدام وثبات عند المواجهة، ولا يريدون الفرار.. إنهم يريدون الموت».

وعلى المدرج الرئيسي لمطار كابل في الصباح الباكر قبل أن أنتقل إلى قاعدة باستين العسكرية بوسط صحراء هلمند على طائرة مدنية صغيرة تابعة للسفارة الأميركية تحت شعار «أمبسي إير» ثم بطائرة هليكوبتر من طراز «شينوك»، شاهدت العشرات من الطائرات الحربية من كل نوع تحوم وتقلع وتهبط من طائرات النقل السريع طرازي «سي 130» و«سي 17»، وطائرات هليكوبتر من طراز «شينوك» للنقل، ذات المروحتين، و«أباتشي» المزودة بالصواريخ، وطائرات «هارير» البريطانية، و«إف 15» و«إف 16» الأميركيتين، والهدف الرئيسي هو التخلص من بقايا حركة طالبان الأصولية، أو المتمردين، كما تطلق عليهم قيادة قوات التحالف.

بشكل عام، فإن مطار كابل، أو بالأحرى القاعدة الأميركية، مكدسة بالأسلحة والمواد اللوجيستية. ولم تكن الهليكوبتر من طراز «كوبرا» في حالة سكون فقط فوق مرابضها، ولكن كان يحلق بعض منها فوق المطار وأطرافه كل نصف ساعة، كما أن دورية من الدبابات والمصفحات تدور حول المطار باستمرار، والتعليمات الأمنية الصارمة من الضباط العسكريين حتى لحظة السفر إلى قاعدة باستين العسكرية بوسط صحراء هلمند، في اليوم التالي على طائرة «شينوك» عسكرية كانت لا تتوقف: لا تفعل ذلك، غير مسموح، أنت لست في نزهة, حذار من التقاط صور فوتوغرافية على ممر الإقلاع قبل السفر إلى مطار لاشكر غاه بعاصمة هلمند, أين الصديرية الواقية من الرصاص والخوذة؟ لا تخرج من السيارة، ارمِ بنفسك على الأرض عندما تسمع صوت الرصاص. وقبل أن يركب الصحافيون العربات المصفحة ذات الدفع الرباعي، كان عليهم التوقيع على استمارات تؤكد أنهم مسؤولون عن حياتهم وليس لهم الحق في المطالبة بأي تعويض، فقط سيبلغ الجيش الصحيفة أو الوسيلة الإعلامية بإصابتهم أو موتهم، وستبلغ الصحيفة الأقربين بما حدث لهم من مكروه, كان التوقيع على الاستمارة في ليلة الخروج إلى عاصمة هلمند أشبه بصدمة نفسانية, أي أننا بالفعل في حالة حرب وفي كل سيارة كان هناك اثنان من الصحافيين، وفي المقدمة اثنان من الحراس الأشداء, وهما: مايك, ولي, كانا بريطانيين من الذين خدموا في القوات الخاصة من قبل, أحدهما من مانشستر والآخر من برمنغهام, وأحدهما خدم في العراق 5 سنوات, وكانا في منتهى التحفظ من جهة الكلام والإجابة عن التطفل الصحافي, حتى نوع الأسلحة التي يحملانها رفضا الحديث عنها, وقبل الدخول إلى السيارة سألني الحارس بلهجة واثقة: هل أحضرت الأنسولين معك؟ «لإصابتي بداء السكري» شعرت أنه يعرف الكثير عني, وأبلغني برقم اللاسلكي في السيارة، وكان رقم 614، وقال إذا حدث لنا شيء عليك الاتصال بغرفة العمليات، والسيارة مجهزة بأجهزة تحديد المكان عبر الأقمار الصناعية, مؤكدا عدم الخروج من السيارة إلا بعد استئذانهما, وعدم خلع الصديرية الواقية والخوذة.

وداخل كل سيارة ضباط مدججون بالسلاح الآلي «إس 80», وفي الطريق إلى مسجد الشيخ زايد في أول محطة توقف بعاصمة هلمند كانت عيون الجنود والضباط تفحص الطريق خوفا من العبوات الناسفة, وتتخوف تلك العيون أيضا كلما اقتربت السيارات السريعة أو دراجات بخارية على الطرق المسفلتة وأخرى غير ممهدة يقودها أفغان يرتدون العمامات السوداء.

ومنذ الخروج في الصباح الباكر من بوابة معسكر قيادة القوات البريطانية في لاشكر غاه، وبعد وضع الخوذة والدرع الواقية وربطها بإحكام حول الصدر، وترديد دعاء السفر عدة مرات في العربة المدرعة: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون»، كنت أراقب الحراس الأشداء وهم ضباط سابقون في الجيش البريطاني وأيديهم على البنادق، وطبنجات جاهزة على الفخذ للتعامل مع الخطر أيضا, بوجوه متجهمة, وكان الموكب مكونا من 5 سيارات «لاند روفر» مصفحة، وكانت التعليمات من الحراس الأشداء: لا تغادر السيارة إذا حدث تبادل لإطلاق النار حتى نأمرك نحن بذلك، وعندما تسمع إطلاق نار ارمِ بنفسك على الأرض لو كنت خارج السيارة.. وكانت التعليمات عبر اللاسلكي بين السيارات الثلاث: لا تتوقف، على يمينك دراجة نارية قد تكون لانتحاري، ابعد عنها، احذرها، لا تجعل السيارة المقبلة من الطرف تدخل بيننا، اكسر عليها بسرعة.. وعندما سأله زميلي في السيارة عن نوع السلاح الذي يحملانه، أجاب بنظرة غاضبة: لا تسأل كثيرا, ولا تلتقط صورا من داخل السيارة لأنها ستكشف عن نوع أجهزتنا.

ويقول البريطاني مايكل أونيل، الذي عمل من قبل في السودان، رئيس فريق إعادة البناء الإقليمي في هلمند: إن غالبية دوائر الولاية، وليس فقط العاصمة لاشكر غاه، باتت تشهد اليوم تحسنا ملحوظا في الأمن والاقتصاد وحكم القانون والصحة والعدل والتعليم.

وأوضح، في لقاء مع مجموعة من الصحافيين العرب شاركت فيه «الشرق الأوسط» في مقره في عاصمة هلمند: «لقد تحسنت الأوضاع بالتأكيد، لكنها ما زالت صعبة». وأوضح أن 12 دائرة، من أصل 14 تتألف منها ولاية هلمند، بات لها اليوم حاكم يمثل الحكومة الأفغانية، مع إقراره في الوقت عينه بأن هذا الوجود الحكومي يختلف من دائرة إلى أخرى بحسب قوة المتمردين. ويمثل ذلك، بلا شك، تقدما كبيرا مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات قليلة فقط. وأكد أن حاكم ولاية هلمند، محمد غلاب منجل، طلب من مسؤولي الإدارات المحلية في الولاية استخدام السيارات على الطرق بدلا من طائرات الهليكوبتر لإعطاء انطباع أفضل أمام السكان المحليين والزوار الأجانب. ووسط الحراسة الأمنية المشددة زارت «الشرق الأوسط» مسجدا جامعا جديدا تبنيه الإمارات العربية تحت اسم مسجد الشيخ زايد, بإشراف من شركة «عثماني غروب للمقاولات», ومن المقرر افتتاحه في غضون شهور قليلة. واعترف المهندس، المشرف على مشروع البناء، بأن حاكم الولاية منجل حل كثيرا من المشكلات التي اعترضت البناء, وبتدخل شخصي منه, وعندما نزل الصحافيون من السيارات، وانتشر الحراس الأشداء في موقع المسجد، أحسست أن الحرب الخاطفة ستندلع، من خلال تجهمهم وأحاديث «الواكي توكي» عبر أجهزة اللاسلكي فيمن بينهم وبين المركز الرئيسي في معسكر لاشكر غاه الذي يشرف عليه البريطانيون. كذلك زارت «الشرق الأوسط» ثانوية زراعية، ومصنعا للرخام, وأكد محمد ظاهر، مدير الثانوية الزراعية، أن الطلبة يزداد أعدادهم مع استقرار الحالة الأمنية؛ حيث يبلغ عدد الطلاب نحو ألف طالب، ومع تزايد أعمال العنف ينخفض عدد الطلبة إلى نحو 100 طالب في مدرسة بها 24 مدرسا و4 إداريين, و6 حراس, وفي المدرسة الزراعية يتعلم الطلبة دروسا في الفيزياء والبشتو والداري والمواد الزراعية والتاريخ والجغرافيا واللغة الإنجليزية, وعلى الرغم من أن المخاوف الأمنية هي العنوان الأبرز لرحلة الذهاب إلى لاشكر غاه، عاصمة هلمند، فإن هناك علامات مضيئة أيضا على الجانب الآخر, منها الأسواق العامرة بالسكان المحليين، الذين كانوا يتسوقون ملابس عيد الأضحى المبارك وحاجياته, على الرغم من أننا شاهدنا تلك الأسواق من على بُعد أو مررنا بها مرور الكرام من دون توقف, ومن العلامات الرائعة في رحلة الذهاب إلى عاصمة هلمند, الميجور البريطاني مارك تايلاند، وهو المسؤول الإعلامي بمعسكر لاشكر غاه, وهو خريج هندسة طيران قبل أن يلتحق بالقوات الجوية الملكية، وعلى مدار الـ24 ساعة، كانت مهمته، بابتسامة رقيقة، تخفيف العبء عن الصحافيين, وتقديم المعلومة وترتيب اللقاءات الصحافية داخل المعسكر, وإقناع الحراس الأشداء بتخفيف الإجراءات الأمنية المفروضة على الصحافيين من أجل قليل من الحركة, ولاحظت «الشرق الأوسط» أن الفريق الأمني أخذ طريق العودة مخالفا تماما لطريق الذهاب إلى قلب عاصمة هلمند؛ وذلك حتى لا تكون «طالبان» قد زرعت عبوات ناسفة في طريق العودة, أما نظرة الحارسين الحادة إلى راكبي الدراجات النارية أو قائدي السيارات والتاكسي وإشارة من أيديهما كانت كافية لإبعادهم عن الموكب خوفا من نيات الانتحاريين الاقتراب من الموكب الأمني, بعد أن غير الانتحاريون مظاهر الحياة في عموم أفغانستان, وكان الجنود يحيون الأطفال على جانبي الطرق بابتسامة سريعة, ويتبادلون الهمهمات كلما استشعروا خطر الانتحاريين، الذي لا أحد يتوقعه.

وفي صحراء هلمند بمنطقةٍ ما بعيدة عن أي عمران أو مبانٍ مخصصة لدروس ضرب النار، تعرفت «الشرق الأوسط» إلى شباب أفغان يتدربون في أكاديمية الشرطة على تحسين أدائهم ضمن خطة تسلم الأفغان المهام الأمنية, وقال المستشار الأمني الكولونيل الأميركي تيري والكر لـ«الشرق الأوسط» إنه يرى النجاح في عيون الجنود الأفغان البسطاء، الذين يريدون بدء حياة جديدة بعيدا عن الوقوع في براثن «طالبان», وقال: يوجد في المعسكر 316 جنديا، مشيرا إلى أن المدربين يتعايشون مع الجنود الأفغان: يأكلون معهم وينامون أيضا معهم في خيام قريبة منهم، حتى يشعر الجميع بالأمن والأمان. وأشار إلى أن الجهود الأميركية لن تنجح ما لم يتم بناء قوات أفغانية قادرة على حفظ الأمن وإعادة الأمن والاستقرار. وأوضح المستشار والكر: «نحن ننتصر ونفوز على الأرض، ولكن نحتاج إلى مزيد من الوقت. ويبدو أن نشر هؤلاء العسكريين في هلمند يدخل ضمن استراتيجية أميركية تهدف إلى الإظهار للأفغان أن قواتهم الذاتية هي التي ستتولى شؤونهم في نهاية المطاف بعد طرد مقاتلي (طالبان) من الولاية. كما أن الأميركيين يعتقدون، بلا شك، أن نشر هؤلاء الشرطيين الجدد (غير الفاسدين) سيظهر للمواطن العادي أنه بات بإمكانه اللجوء إليهم للشكوى من دون أن يخشى أحدا، وهو أمر لم يكن سهلا في السابق مع الشرطة المحلية المكروهة، بسبب الفساد المستشري في صفوفها وظاهرة تعاطي أفرادها المخدرات».

لكن والكر، وهو ضابط متقاعد خدم 34 سنة في المارينز ويشرف حاليا على تدريب العسكريين الأفغان في صحراء هلمند، يؤكد أن القوات الأميركية حققت نجاحات كبيرة بعد عام واحد من بدء انتشارها في هلمند التي كانت في السابق تخضع فقط للقيادة البريطانية (عدد البريطانيين حاليا أقل من 10 آلاف جندي في مقابل 20 ألفا من المارينز الأميركيين). ويعتبر والكر أن من الأفضل عدم وجود شرطة أفغانية بالمرة إذا كان عناصرها غير مدربين أو فاسدين، كما كان الحال إلى وقت قريب في كثير من قطاعات الشرطة المحلية في هلمند. ويضيف: «إننا اليوم، بعد سنة من العمل، نملك فعلا شرطة أفغانية قادرة على أن تقاتل وأن تنقل المعركة إلى صفوف العدو».

ويشير إلى أن الأميركيين يدربون عناصر الشرطة، ليس فقط على تقنيات القتال، بل أيضا على حكم القانون وقيادة العربات العسكرية والإسعافات الطبية، وأيضا على القراءة والكتابة. بينما قال الكولونيل الأفغاني شاه خان هوتك: إن 4% من الجنود الأفغان لا يعودون إلى التدريب بعد حصولهم على إجازات إلى العوائل, مشيرا إلى أن بعضهم أيضا ينضم إلى صفوف المتمردين. وقال: إن الخريجين يتم توزيعهم إلى ولايات ومدن أخرى وليس في هلمند فحسب مثل باكتيكا ومزار وند علي ومارجا.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة