أفغانستان حرب لا تنتهي - مخاض أفغانستان (8) : عودة الروح إلى التراث الأفغاني

أفغانستان حرب لا تنتهي - مخاض أفغانستان (8) : عودة الروح إلى التراث الأفغاني

كابل تستعيد مجدها الضائع في فنون الزخرفة والعمارة.. وأحفاد شيخ المصورين بهزاد يتألقون في ضاحية مراد خان على هضاب جبال الفيروز
الأربعاء - 18 ذو الحجة 1431 هـ - 24 نوفمبر 2010 مـ
افغانية بارعة في الحفر على الخشب أثناء عملها - فنان افغاني يقوم بزخرفة هوامش إحدى الصور
محمد الشافعي
حرب وقصف ودمار ثم إعادة بناء وتعمير. وقد تكون الملايين قد أنفقت على المساعدات في كابل، لكن المباني والشوارع ظلت دائما أكواما من الركام، تعكس ما مرت به من عنف وتدمير، وأغلب شوارع وسط العاصمة الأفغانية كما هي منذ أيام الحركة الأصولية التي سقطت نهاية عام 2001. وكانت كابل حتى سبعينات القرن الماضي مكانا أثريا من المنازل المبنية بالطوب اللبن، والحدائق الصغيرة المعششة على سفوح تلال هندوكوش، ثم أمضت ربع قرن وهي تتعرض للقصف والقنابل من الروس ثم حروب المجاهدين التي أكلت الأخضر واليابس، يقتل بعضهم بعضا في قصف مدفعي لا يعرف الرحمة لأحياء العاصمة التي احتلوها، فطالبان ثم سقوط الحركة الأصولية بضربات الطائرات الغربية على التوالي. وعلى الأثر أطلق مكان عريق مزدحم برائحة التاريخ الأفغاني تنهيدة، وغرق حتى ركبتيه في اليأس. وتحول مركزه إلى مجرد هكتارات من القذارة التي يعصف فيها الغبار والريح مثل ساحة روما العامة في العصور الوسطى. ولا تزال شذرات من الجدران المنهارة تتدلى من الأطلال مثل صور «دريزدن» بعد الحرب. ويزحف السكان داخلين إلى زرائب الأقبية أو يفترشون ضفتي ما كان ذات مرة نهر كابل الأزرق.
يقول كتاب الدليل الذي رافقني في رحلة التجوال إلى أفغانستان ما بين كابل العاصمة ومزار شريف وصحراء هلمند، إن أفضل نصيحة يمكن تقديمها لزائر أفغانستان هي: «إن عليك أن تخرج من العاصمة وتنجو بحياتك بأسرع ما يمكن»، رغم المفاتن المعمارية التي تروق للمرء، الموجودة في الضواحي، كحديقة مقبرة بابر المرممة، وهو أول إمبراطور مغولي، وتعود جذور ظهير الدين بابر إلى تيمورلنك الذي أقام دولة عظيمة امتدت من دلهي حتى دمشق. وكذلك الضريح الملكي، ثم قرية الفخار التيمورية القديمة التي يجري إعادة بعثها الآن بعد أن سوتها قذائف طالبان بالأرض. لكنّ أحدا لا يذكر البلدة القديمة وسط كابل.

تأسست مؤسسة «جبل الفيروز» (تيركواز ماونتين فاونديشن) لإحياء التراث الأفغاني من زجاج مزخرف وخزف وخطوط عربية في ضاحية مراد خان في شهر مارس (آذار) من عام 2006 كمؤسسة غير ربحية وغير حكومية بدعم ورعاية من الأمير تشارلز ولي العهد البريطاني أمير ويلز، والرئيس الأفغاني حميد كرزاي. ويقتبس اسمها من اسم عاصمة القطر الأفغاني العظيمة في العصور الوسطى، التي دمرها جنكيز خان في عام 1216 وحولها إلى تاريخ. والنصب التذكاري الوحيد الباقي هو مئذنة الجامع الساحرة. ويستدعي اسم المشروع للأذهان التقليد الأفغاني المميز في الفنون والعمارة. وكان لخمسة وعشرين عاما من الحروب آثار مدمرة على الحرف التقليدية داخل أفغانستان، وتعمل جمعية «جبل الفيروز» للعمارة والفنون الأفغانية حاليا على حماية واستعادة هذه الحرف التي تبعث في النفس شعورا بالفخر والسعادة.

أسست جمعية «جبل الفيروز» في يناير (كانون الثاني) عام 2006 على ولي العهد البريطاني يد أمير ويلز والرئيس الأفغاني حميد كرزاي، بهدف ترميم منطقة تاريخية داخل العاصمة الأفغانية وتدريب الرجال والنساء على الحرف التقليدية ودعم عملية التنمية المستدامة في قطاع الحرف. وكان من المقرر إزالة منطقة مراد خان، وهي منطقة سكنية وتجارية يوجد بها الكثير من الأعراق داخل المدينة القديمة بالعاصمة الأفغانية كابل، في إطار مخطط لتطوير كابل خلال السبعينات. وبحلول 2005 باتت هذه المنطقة التي كانت تنبض بالحياة تحت مترين من القمامة، وكان لا يوجد بها مياه نظيفة ولا صرف صحي جيد، وكانت منازل تاريخية تنهار بصورة أسبوعية بسبب غياب عمليات الصيانة والترميم. ومن خلال جهود «جبل الفيروز» توجد منطقة مراد خان حاليا على قائمة صندوق الآثار العالمي لأكثر 100 منطقة معرضة للمخاطر، يحميها قرار رئاسي، كما توظف الأنشطة الدائرة في الموقع تقريبا جميع السكان العاطلين عن العمل بالمنطقة. وتم إزالة القمامة ووضع نظام صرف صحي وأجريت عمليات تمهيد للطرقات ورممت منازل مع عدد من الأبنية التاريخية في المنطقة. وتجمع الجهود المبذولة داخل منطقة مراد خان التراث الثقافي والتنموي من أجل خلق مركز اقتصادي وثقافي داخل العاصمة. كما أسس «جبل الفيروز» المعهد العالي للعمارة والفنون الأفغانية، الذي يجمع حرفيين أفغانا بارزين من أجل عمل تصميمات محلية وتدريب جيل جديد من الحرفيين. وتقوم مدارس الفن والزخرفة والخطوط والأعمال الخشبية والسيراميك التابعة للمعهد حاليا بتدريب أكثر من 70 رجلا وامرأة، كما أنهم يعملون على محو الأمية وتدريس اللغة الإنجليزية والمهارات التجارية وإعداد الطلاب كي يعملوا كحرفيين ورجال أعمال. وخلال عامين سينتقل المعهد إلى أبنية جديدة وتاريخية في منطقة مراد خان مما يثير روحا جديدة داخل المنطقة. ويربط برنامج التنمية التجارية التابع للجمعية، الذي بدأ عام 2007، منتجات مدارس المعهد وحرفيين أفغان آخرين بسوق محلية ودولية، مما يساعد على تعزيز المساواة ورفع مستوى الإنتاج والتسويق. ومن طاقم أولي يتكون من أربعة أفراد، يعمل لدى جمعية «جبل الفيروز» حاليا أكثر من 250 رجلا وامرأة. وتعمل الجمعية بالشراكة مع أهالي منطقة مراد خان ومكتب الرئيس ووزارات التنمية العمرانية والتعليم والإعلام والثقافة وبلدية كابل وجامعة كابل.

كان الجو باردا في مساء أحد الأيام من فصل الربيع داخل كابل مساء. وعلى تل في المنطقة الجنوبية الغربية من المدينة هناك قلعة لها حوائط من الطين، وخلف أسوارها المرتفعة توجد سلسلة من الأفنية والأروقة بها منصات تقليدية منحوتة من الخشب. وهناك البريطاني روري ستيوارت، أحد المشرفين على مشروع «جبل الفيروز»، وذكر مقطعا شعريا للإمبراطور المغولي بابر الذي يعود إلى القرن السادس عشر. ولكن حتى خلال هذه الأيام العصيبة، يمتد سور إلى تل منحدر على الحافة الجنوبية من المدينة القديمة داخل كابل. ومن الأعلى يمكن أن ترى المساحات الممتدة شمالا وصولا إلى جبال هندوكوش المغطاة بالثلوج والممتدة شرقا، مرورا بالمطار وقواعد الناتو الضخمة والممتدة جنوبا، وصولا إلى المحافظات التي يخضع نصفها لسيطرة المتمردين.

وفي ضاحية مراد خان الحرفية هناك العشرات من الطلبة الأفغان يسيرون على خطى الفنان كمال الدين بهزاد، أحد عمالقة التصوير الإسلامي في القرن الخامس عشر، حيث شكّلت أعماله التي تعد من أعظم تحف التصوير روعة وإبداعا، الحروف الأولى في اللغة التشكيلية التيمورية والصفوية، ثالث ورابع مدارس التصوير الإسلامي، وكان تأثيره واضحا على معاصريه ومبعث إلهام خصب لعدد كبير من الفنانين. ويبدع الطلبة الأفغان في كابل الجديدة تحت إشراف أساتذة عظام جاءوا من زمن الفن الأصيل. وكان بهزاد ذا مكانة عظيمة عند محبيه وعشاق فنه سواء من العامة أو الحكام، وقد أعجب به الأمراء والملوك فتسابقوا إلى جمع آثاره الفنية وغالوا في مدحه والثناء عليه، حتى شبهوه بماني الذي كان يُضرب به المثل عند الساسانيين في إتقان التصوير.

وما زالت الفنون التقليدية الأفغانية واحدة من الصناعات الكبرى في البلد، فهي تقدم فرص عمل لأكثر الفئات تهميشا، بمن فيهم النساء والقرويون الفقراء، وبينهم على الخطى طلبة نابهون من تلامذة شيخ الخطاطين بهزار، وهم يتألقون بخطوط الثلث والنسخ والرقعة والطغراء التي كانت مزدهرة في العصر العثماني. ويكرس المعهد جهوده في إحياء الفنون التقليدية والمهارات الحرفية، وفي خلق فرص عمل جديدة للحرفيين والنساء في أفغانستان.

ويجمع المعهد ومدارسه المخصصة للصناعات التقليدية للخزف والأعمال الخشبية وفنون الخط أساتذة الحرف الرياديين في البلد والمستشارين الدوليين معا ليحافظوا على المهارات التقليدية، ويحسنوا التقنيات، ويعدوا تصميمات جديدة. يدرس الطلبة بانتظام خمسة أيام في الأسبوع، ويتلقون تعليما في جميع المناحي الحرفية التي يختارونها في التصميم، وسلامة ومواد الرسم التقني والإدارة، والكتابة بلغة «الداري» واللغة الإنجليزية ومهارات الكومبيوتر وقطاع الأعمال.

ويعمل برنامج «جبل الفيروز» لتنمية الأعمال مع المعهد ومع قطاع الأعمال الحرفية الموجودة من أجل إيجاد أسواق لفنون الحرف الأفغانية، ومن أجل خلق بواعث اقتصادية لتأمين بقائهم. إنه يقدم تدريبات في الأعمال للطلبة والفنانين، لمساعدتهم على التوسع ومهنية إنتاجهم.

أطلقت مؤسسة «جبل الفيروز» موقعا إلكترونيا وكتالوجا لمبيعات المنتجات ذات النوعية العالية لأفضل عشرة فنانين أفغانيين، وكذلك ورشات عمل للمشترين من جميع أنحاء العالم. ويقول بهلوان عزيز، رئيس مجلس شورى ضاحية مراد خان: «نحن مواطني كابل الكبار في السن عانينا كثيرا جدا من حقيقة أن حماية هذه المنطقة تبدو مثل صب قطرات من الماء في فم إنسان عطشان». وتقع ضاحية تيركواز ماونتين فاونديشن بالقرب من فنادق المدينة وسوق الطير القديمة، وهي واحدة من أشهر معالم المدينة. لقد تضررت المنطقة بسبب الإهمال والحرب المستمرة منذ أكثر من 30 عاما، لكن ضاحية مراد خان بدأت رحلة عودة الروح عما كان عليه الوضع قبل عشرات السنين من نهضة فنية معمارية كما كانت تعرف من قبل، وتحتفظ الضاحية المحاطة بجدران سميكة وأبواب خشبية من العصور الوسطى بكثير من نسيجها الأصلي من شبكة الشوارع الصغيرة التي تربط أجزاء السوق، والصروح الدينية، والفنادق والمباني، بشكل يبرز الروابط الفريدة للمنطقة بالتصميم الإسلامي وبنحو أربعمائة سنة من التاريخ الأفغاني. وسكانها يمثلون بشكل جلي مزيجا من مجتمع عرقي وديني، من قبائل «قزلباش» و«طاجيك» و«هزاره» و«بشتون» الذين يعيشون جنبا إلى جنب.

مراد خان التي كانت في ما مضى ضاحية مزدهرة بالتجارة والسكان، كانت مبانيها التقليدية تقطع شوارعها المليئة بالقمامة، وخدماتها العامة غير صالحة أو غير موجودة أصلا. في عام 2006 طلب زعماء مراد خان من مؤسسة «جبل الفيروز» أن يشتركوا معهم من أجل تحسين الخدمات وحماية التراث الحضاري القيم لمنطقتهم. وحققت مؤسسة «جبل الفيروز» ومجتمع مراد خان كثيرا من الإنجازات مثل التخلص من 5000 متر مكعب من القمامة، وخفض مستوى الشارع بمقدار مترين، وتقديم فرص تشغيلية للرجال العاطلين عن العمل في المنطقة، وتركيب مصارف مياه على طول 200 متر، وحفر بئرين جديدتين لمياه الشرب، ورصف شوارع بالحجارة لأول مرة، وتصليح أكثر من 50 مبنى، منها مبانٍ ذات أهمية مركزية للتقاليد المعمارية الأفغانية.

ومن النجاحات التي تحققت النجاح في إدراج مراد خان في قائمة صندوق النصب التذكارية العالمي كواحدة من أكثر مواقع التراث الحضاري عرضة للخطر على النطاق العالمي، وافتتاح مركز لمحو الأمية يقدم تعليما إضافيا إلى 156 طفلا من مراد خان. وبدأت ضاحية مراد خان في إرساء برنامج تدريبي في التطريز لثلاثين امرأة من مراد خان. وتستثمر مؤسسة «جبل الفيروز» في مجالات الحرف الأفغانية التقليدية والمباني التاريخية للحفاظ على هذا التراث، ولإعادة بناء المناطق الحضرية، ولجذب انتباه الزوار، ولتطوير قطاع الأعمال الأفغاني، ولبناء المؤسسات الحكومية، ولرفع مستوى معيشة الأفغانيين. وتقع أفغانستان على تقاطع طرق الحرير القديمة، وبذلك فإنها تمتلك تراثا ثقافيا فريدا هو انعكاس لتاريخ غني يتميز بالتأثيرات المتنوعة، من الحضارات التي مرت بها من فارس واليونان والهندوسية فالبوذية ثم دين الإسلام.

وعلى طول الطريق نحو العاصمة الأفغانية العاصمة كابل فإن إحدى أساطير أفغانستان المعاصرة هي القول بأن الاحتلال الروسي قد انتهى في عام 1988، وأنه بعد ثلاثة عشر عاما من الحرب الأهلية وحكم طالبان تم إرساء الديمقراطية الغربية. ويبدو وسط كابل مبقعا فعلا ببنايات المكاتب على الطراز الغربي، وتظهر مقرات البنوك الكبرى المموهة بالزجاج الأزرق وكذلك صالات الأفراح الفخمة كأنها تغرد خارج السرب مما يحيط بها من مبان عتيقة، وتبدو أشبه بأشياء قادمة من الفضاء الخارجي، حيث بني الكثير منها بطريقة لافتة للأنظار وغطيت بصفائح زجاجية، وزودت بمكيفات الهواء غالية الثمن. وخلفها تقع ضاحية مايكروريان التي بناها الروس، حيث تتجاهل الهكتارات التي تضم مساكن العمال المستطيلة الفضائل المناخية للجدران الطينية والساحات الداخلية. والآن يتم العمل بجد على ترميم الدروب والمنازل والحوانيت في البلدة القديمة إلى الجنوب من النهر. وفي الأزقة خلف سوق الطيور التي تعرف باسم «كا فاروشي» أعيد بناء المباني الطينية ذات الطوابق العلوية الناتئة والنوافذ الخشبية المضفرة، كما رصفت الشوارع المتسخة. ولا تزال الساحات والملاعب تضفي الرصانة على المكان الذي لا يزال يشكل منطقة فقيرة. ولكن هنا يمكن لك أن تشعر بروح أفغانستان. وتظهر الصور الجوية التي تم التقاطها لحي مراد خان في ما بين عامي 1980 و2004 تشابها مع تلك الخاصة بمدينة كوفنتري قبل وبعد الهجوم عليها. وتبدو البيوت والمساجد التي تبقت منها أشبه بمعابد على القمر، وتسمى بأسماء غريبة، مثل السراي الكبير وبيت الأعمدة وبيت الطاووس والبيت الأزرق. وتنظر الوجوه من الأعماق وكأنها تتساءل ما إذا كان هناك زائر يشهر مسدسا أو جرافة. ويتطلع مشروع «تيركواز ماونتين فاونديشن» الخيري البريطاني إلى الاستفادة من مدرسة كانت قد بنيت في قلعة قديمة، وقد وُظف فعلا مهنيون أفغان متقاعدون لتعليم المتدربين فن العمارة التقليدية ونحت الخشب وفن الخط العربي. وهناك مساعٍ لأن يرى الأفغان بأن ثمة روحا لعاصمتهم يجب أن يفتخروا بها، وتستحق إعادة بنائها بحيث يراها العالم.

إن مشروع «تيركواز ماونتين فاونديشن» من أفضل الأشياء التي يمكن أن تحدث لكابل، وهناك مساعٍ لتحويله لأن يكون أكبر بازارات آسيا الوسطى. وخلف هذا المشروع يمتد مرتفع سور البلدة القديمة على طول سلسلة جبلية. وعند أسفله قلعة بالا حصار. والزائر لكابل الجديدة يستطيع أن يرى عشرات الآلاف من مسؤولي الأمم المتحدة الخائفين وخبراء المنظمات غير الحكومية والجنود الأجانب الذين يخرج القليل منهم من معسكراتهم، وبعض هؤلاء ينجزون عملا جيدا في الطب أو التعليم، لكن معظمهم يعيشون في فلل مزودة بحراسة مشددة ويتنقلون في عربات مدرعة. جدير بالذكر أن «تيركواز ماونتين فاونديشن» يستعين بقرابة 350 من السكان المحليين، بينهم الكثير من النساء، في العمل داخل كل من مراد خان والمقر الحالي للمؤسسة. كما تتولى المؤسسة إدارة ثلاث مدارس لتعليم الأعمال الخشبية والخط وصناعة الخزف التقليدية. ومن المقرر أن تفتتح قريبا مدرسة أخرى لصنع الحلي، وأن تنتقل المدارس جميعها في نهاية الأمر من المقر الرئيسي إلى مراد خان، حيث يوجد حاليا مركز لمحو الأمية وعيادة طبية للنساء. ومع ذلك لا يزال هناك الكثير يجب القيام به داخل مراد خان قبل اتخاذ خطوة نقل المدارس إليها. داخل فناء أحد المباني التي كانت متداعية في ما مضى ويُعرف باسم «سراي العظيم»، والذي كان يتم استغلاله في وقت من الأوقات كنزل لاستضافة التجار المارين عبر طريق الحرير، يستخدم عشرات الرجال أغصان شجر الأرز الطويلة في خلط الطمي من أجل بناء جدران جديدة للمبنى.

والزائر لضاحية مراد خان للفنون الحرفية يرى سحابة دخان كثيفة غطت الطريق الذي يطوق ضاحية مراد خان القديمة. وقد تكونت هذه السحابة من أعمال الحدادة بالمنطقة وبفعل الطرق الترابية، وعلى امتداد عقود انهارت ضاحية مراد خان تحت وطأة أطنان القمامة والنفايات، وكانت بمثابة نصب تذكاري يشهد على الحرب التي دارت رحاها بالبلاد على مدار 30 عاما. إلا أن الضاحية تشهد في الوقت الراهن جهودا دؤوبة لإعادة بنائها في إطار ما وصفه البعض بأنه أحد أكثر المشروعات طموحا لبث حياة جديدة في الضاحية المتهالكة. وفي فترة سابقة كانت ضاحية مراد خان تعج بالملاهي الليلية، ما أكسبها سمعة سيئة على امتداد سنوات طويلة باعتبارها واحدة من أكثر ضواحي العاصمة التي تعج ببيوت الدعارة. وتقع الضاحية بقلب العاصمة بالقرب من نهر كابل، وتم تطويرها في القرن الثامن عشر على يد الحاكم المؤسس لأفغانستان أحمد شاه دوراني. وقد قام دوراني ببناء الكثير من المنازل المزخرفة لاستضافة بلاطه الذي انتمى أعضاؤه إلى قبيلة «قزلباش»، وهي جماعة عرقية ينتمي غالبية سكان مراد خان الحاليين إليها. وفي عشرينات القرن السابق تم بناء عشرات المباني المزخرفة بالخشب داخل مراد خان، بجانب منازل الضاحية الأكثر تواضعا المصنوعة من الطمي، إلا أن الكثير من هذه المباني تعرض للتدمير في إطار خطة سوفياتية لتحديث كابل، بينما سقط البعض الآخر بسبب عقود من الإهمال والحروب الأهلية المتعاقبة التي عانت منها البلاد في التسعينات من القرن العشرين. وتتركز الآمال في الوقت الحاضر في أن يعمل استخدام الأساليب الأفغانية التقليدية على إعادة بناء الضاحية بقلب كابل كمصدر إلهام لمشروعات أخرى مشابهة بالمدينة ومختلف أنحاء أفغانستان، حسبما أوضح القائمون على المؤسسة.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة