أفغانستان حرب لا تنتهي - مخاض أفغانستان (10): «التقاوي المصرية» تنقذ سلة القمح الأفغاني

أفغانستان حرب لا تنتهي - مخاض أفغانستان (10): «التقاوي المصرية» تنقذ سلة القمح الأفغاني

تعاون مصري أميركي لحماية ثلاثة أرباع قمح أفغانستان من «الصدأ»
الجمعة - 20 ذو الحجة 1431 هـ - 26 نوفمبر 2010 مـ
فلاحون أفغان يعرضون أكياسا من القمح المصري المقاوم لمرض «الصدأ» («الشرق الأوسط»)
محمد الشافعي
يسابق العلماء الزمن لتسليح أفغانستان ضد غازٍ من نوع جديد، وهو مرض صدأ القمح القاتل الذي ينتقل عبر الهواء ويهدد إنتاج القمح وسلة الغذاء في هذا البلد الذي مزقته الحرب ويمتد تهديده إلى باكستان والهند المجاورتين. وقد تم اكتشاف هذه السلالة الفتاكة الجديدة لمرض صدأ القمح التي تصيب سيقان نبات القمح، والمعروفة اختصارا باسم «UG99»، في كينيا وأوغندا وإثيوبيا والسودان كما ظهرت في قارة آسيا، أولا في اليمن ثم الآن في إيران.
ويقول مورغان بيركنز المستشار الزراعي الأميركي في العاصمة كابل خلال زيارة إلى مزار شريف بشمال أفغانستان اصطحب فيها عددا محدودا من الصحافيين العرب: «إنها مسألة وقت قبل أن يصل هذا المرض إلى أفغانستان ومن ثم إلى باقي دول جنوب آسيا. لقد كنا محظوظين حتى الآن، ولكننا نعرف أن هذا المرض يسير في هذا الاتجاه، ومعظم الأصناف المزروعة في المنطقة معرضة للخطر. وفي الحقيقة، فإن معظم سلالات القمح المزروعة في جميع أنحاء العالم معرضة للإصابة بمرض صدأ الساق، وكان آخر أكبر انتشار لمرض صدأ الساق في خمسينات القرن الماضي». وأوضح: «لقد اشترينا من البحوث الزراعية المصرية 150 طنا من القمح المصري المقاوم للمبيدات أرسلناها على وجه السرعة إلى أفغانستان». وفي مزار شريف، التي تنعم بنوع من الهدوء والاستقرار بعيدا عن الفوضى المنتشرة في الجنوب الأفغاني وهجمات المتمردين، لا حديث هناك سوى عن «مملكات مصر» أو القمح المصري الذي أنقذ سلة غذاء أفغانستان. ويقول الأفغاني شاه محمد مدير محطة الحاصلات الزراعية في مزار شريف «لم نعثر على المرض في أفغانستان بعد، ولكنه موجود في إيران المجاورة». وفي مزار شريف يمكن رؤية الفرحة في عيون الفلاحين الأفغان وهم يحملون أجولة التقاوي المكتوب عليها محطة الغربلة، مركز البحوث الزراعية قويسنا، وكل جوال بداخله 30 كيلوغراما من التقاوي المقاومة لمرض صدأ القمح. ويقول شاه محمد مرض «سرخي أو صدأ القمح لم يظهر بعد في أراضينا ولكن قد يظهر، ولذا فإننا نتخذ كافة الإجراءات. والمستشار الزراعي الأميركي بيركنز جزء من عدد كبير من المدنيين الأميركيين في أفغانستان الذي رافق زيادة كبيرة أعلنها الرئيس باراك أوباما العام الماضي في عدد القوات المرسلة إلى أفغانستان. وتعتبر أميركا أن جهد المدنيين لا يقل أهمية في نواح كثيرة عن جهد العسكريين. فهم أيضا، كالعسكريين، «يحاربون» على أكثر من جبهة من أجل مساعدة الشعب الأفغاني على تحسين ظروف حياته. وبما أن الزراعة هي المصدر الأساسي لرزق نحو 80 في المائة من الأفغان فليس مستغربا بالتالي أن ينصب جزء أساسي من هذا الجهد على «الجبهة الزراعية» الأفغانية. ويقول المسؤول الأميركي بيركنز إن هذه البذور المقاومة للوباء تشكل 65 في المائة من مجموع حاجة أفغانستان للبذور المطلوبة للزراعة في موسم 2011. والقمح هو الغذاء الأساسي في أفغانستان، ويزرع في 60 في المائة من أراضي البلاد الصالحة للزراعة.

وهناك عملية تنسيق بين أربعة فرق إقليمية تضم مستشارين زراعيين أميركيين يعملون انطلاقا من مدن ميمنة (ولاية فارياب) ومزار الشريف (ولاية بلخ) وقندوز (ولاية قندوز) وفايز آباد (ولاية بادخشان). ويقضي هؤلاء معظم وقتهم في تقديم النصح للجانب الأفغاني، خصوصا وزارة الزراعة والري والثروة الحيوانية، في شأن طرق تحسين الإنتاج الزراعي.

وقد أدى تهديد مرض صدأ القمح بهجوم يهدد سلة الغذاء الأفغاني في محاصيلها الزراعية وكذلك دولا أخرى في المنطقة، إلى قيام خبراء القمح بالدعوة إلى استبدال ما لا يقل عن 10 في المائة من حقول القمح في البلاد كل سنة بسلالات أخرى للنبات مقاومة لهذا المرض وقادرة أيضا على التكيف مع الظروف في أفغانستان.

يقول الدكتور محمود عثمانذي، وهو عالم قمح من المركز الدولي لتحسين نباتي الذرة والقمح (سيميت)، الذي يوجد مقره في أفغانستان: «التهديد الذي يشكله مرض صدأ سيقان نبات القمح كبير وذلك لأن جميع المزارعين في أفغانستان يزرعون القمح لاستخدامه في طعامهم أو لبيعه. إذا حدث انتشار وبائي لهذا المرض فستكون له آثار كبيرة اقتصادية وثقافية بعيدة المدى في أفغانستان».

من جهته يقول الاستشاري الزراعي الأميركي بيركنز إن الـ 150 طنا من القمح المصري المقاوم ستنتج نحو 3 آلاف طن سيتم توزيع تقاويها على باقي الولايات الأفغانية، مشيرا إلى مليون هكتار ستتم زراعة نحو 75 في المائة منها بالقمح.

ويحقق النوع الجديد من القمح المصري نجاحا بنسبة 100% في مقاومة الأمراض بدون استخدام أية مبيدات كيميائية. ويحقق النوع الجديد من القمح زيادة في الإنتاجية تقدر بنحو 5 أرادب للفدان الواحد إلى جانب عدم استخدام أي مبيدات نهائيا في مقاومة الأمراض، مشيرا إلى أن ما يؤكد سلامة هذا النوع على صحة الإنسان أنه يتم إدخال جينات من نفس محصول القمح والشعير والذي يعطى ضمان 100% على سلامة صحة الإنسان.

من ناحية أخرى، تمكن العلماء من استنباط صنفين جديدين من القمح بالطرق التقليدية (مصر 1) و(مصر 2)، وللنتائج المتقدمة لهما، استعانت 7 دول للاستفادة من التجربة المصرية وزراعة هذه الأصناف، هي أفغانستان وباكستان والسودان وأوغندا وتونس وتركيا وكينيا. وقال المستشار الأميركي بيركنز إن «هذه الأنواع من القمح تعتبر حائط صد أولي ضد الأمراض الوافدة للمحاصيل وحماية البيئة». وبالإضافة إلى نجاح العلماء المصريين في إنتاج العديد من الأصناف والسلالات المقاومة للمرض، فقد توصل العلماء إلى نتائج أولية تشير إلى إمكانية تسريع تكاثر البذور عن طريق زراعة محصول ثانٍ من القمح في المناطق المرتفعة حيث يكون المناخ أكثر برودة. وقد تم إنشاء ثلاث عشرة جمعية زراعية، تعرف مجتمعة باسم المنظمة الأفغانية للبذور الوطنية (أنصار)، بهدف إنتاج بذور من الأصناف المحسنة وبيعها للمزارعين. لكن هذه الجهود لا تزال تواجه تحديا يتمثل في تلبية الطلب على هذه البذور وخفض سعرها لتكون في متناول الجميع. ويشير عالم إيكاردا الدكتور جاويد رضافي إلى أن المزارع في كثير من الأحيان لا يكون لديه المال الكافي لشراء البذور الجديدة، وهذا يعني أن هذه الجمعيات سوف تضطر إلى بيع مخزونها من البذور إلى غير المزارعين لتستخدم في إعداد الدقيق بدلا من انتظار المزارعين لشرائها بسعر السوق. ويقول الخبراء: «لا يوجد سوى القليل من الأماكن الصالحة لتخزين البذور حتى موسم الزراعة في نوفمبر (تشرين الثاني). وبهذه الوتيرة، سوف يستغرق الأمر أربع سنوات على الأقل حتى تكون هناك كميات كافية من البذور الجديدة متاحة، وهي فترة طويلة جدا بالنظر إلى التهديد الوشيك الذي يشكله مرض UG99 على أفغانستان». وقد تضرر قطاع البحوث والإرشاد الزراعي في أفغانستان بشدة من الحروب التي مزقت البلاد خلال العقود الماضية. وتبذل مراكز البحوث الزراعية جهودا كبيرة لمساعدة المزارعين الأفغان للوقوف على أقدامهم من جديد من خلال مساعدتهم على الاستمرار في الزراعة وتحسين إنتاجهم من المحاصيل المختلفة. وتضمن المساعدة التي تقدمها هذه المؤسسات للمزارعين الأفغان توفير البذور، ليس فقط بذور القمح ولكن بذور الذرة المحسنة والحمص والفول والأرز والبطاطا وذلك بالتعاون مع المعهد الدولي لبحوث الأرز الذي مقره الفلبين، والمركز الدولي لبحوث المناطق المدارية شبه القاحلة في الهند والمركز الدولي للبطاطس في بيرو والمركز العالمي للخضراوات في تايوان. كما تشجع هذه المؤسسات المزارعين الأفغان على زراعة المحاصيل ذات القيمة العالية مثل النعناع والزعفران وعلى ممارسة الزراعة المحافظة على الموارد والبيئة، وكذلك تقوم بجهود حثيثة ومتنوعة لتدريب الباحثين الزراعيين والعاملين في مجال الإرشاد الزراعي والمزارعين.

ووفقا للعلماء المسؤولين عن تحسين الزراعة في أفغانستان، فإن تحقيق الأمن الغذائي في أفغانستان والبلدان المجاورة لها أصبح أمرا بالغ الصعوبة بصورة متزايدة، فقد أدى الجفاف الذي أصاب المنطقة خلال موسم الزراعة عام 2008 إلى انخفاض محصول القمح بصورة حادة ونقص الحبوب المتوافرة. ووفقا لبيانات وزارة الزراعة الأميركية فإن أفغانستان لا تزال تواجه احتمال حدوث «عجز غذائي» على الرغم من الأمطار التي هطلت على البلاد في ربيع هذا العام مما جعل من الممكن الحصول على محصول وفير يقدر بـ 3.4 مليون طن من القمح، بزيادة قدرها 127 في المائة عن محصول العام الماضي. ويقولون إنه قد تم إنتاج ستة أصناف جديدة واعدة من القمح وثلاثة من الذرة في السنوات السبع الماضية، في أعقاب جهود مكثفة من التجارب والإنتاج والحصول على شهادات تؤكد صلاحية الأصناف الجديدة للزراعة في البيئة المحلية. وأكدوا أن التهديد الجديد الذي يفرضه مرض صدأ سيقان نبات القمح فرض الإسراع في الجهود الجارية لتحسين الزراعة في المنطقة. وقد حققت أفغانستان الاكتفاء الذاتي من القمح عام 1978، ويرجع ذلك جزئيا إلى الاعتماد بصورة كبيرة على الأصناف التي توفرها الحكومة، ولكن إنتاج القمح تراوح في الآونة الأخيرة بين 2.3 و4.5 مليون طن سنويا، وهو ما يقل عن معدل الاستهلاك السنوي البالغ 5 ملايين طن».

ووفقا للخبراء الأفغان فإن التصدي لأمراض القمح مثل صدأ الساق والصدأ الأصفر يعتبر أمرا بالغ الأهمية لأي استراتيجية تهدف لتحسين وضع الأمن الغذائي والزراعة في أفغانستان وكذلك للحيلولة دون انتشار مرض صدأ القمح (UG99) إلى باكستان والهند.

وابتلي المزارعون حول العالم بمرض صدأ القمح على مدى آلاف السنين، ولكن تم احتواء هذا المرض على مدى السنوات الخمسين الماضية بفضل الأصناف المقاومة التي طورتها مجموعة من العلماء بقيادة العالم نورمان بورلوغ، الذي حصل على جائزة نوبل بسبب جهوده في هذا المجال.

وللأسف، فقد تم اكتشاف فطر صدأ القمح (Ug99) في عام 1998، في أوغندا وأظهر أنه قادر على التغلب على المقاومة. وقد كان العلماء يراقبون هذا المرض وهو ينتقل بسرعة إلى كينيا، حيث أثبت أنه قادر على تقليص محصول القمح بنسبة تتراوح بين 20 و80 في المائة، وفي بعض الحالات المنفردة تدمير المحصول كاملا.

وخلال ورشة عمل للتعامل مع صدأ القمح والتي عقدت في المكسيك في وقت سابق من هذا العام، وصف باحثون من معاهد زراعية عالمية النجاح في تطور أصناف جديدة من القمح، ليست فقط مقاومة لمرض صدأ السيقان (Ug 99)، ولكن أيضا قادرة على إنتاج كميات أكبر من الحبوب التي تنتجها الأصناف الموجودة حاليا، بأنه تطور تكنولوجي كبير.

وقال العلماء إن أبحاثهم تشير إلى أن 90 في المائة من أصناف القمح المزروعة في مختلف أنحاء العالم معرضة للإصابة بمرض صدأ السيقان، وأن الفطر المسبب للممرض موجود الآن في كينيا وأوغندا وإثيوبيا والسودان واليمن وإيران، ويسير باتجاه جنوب آسيا.

ويتم حاليا استخدام نظام الخرائط العالمية، وهو نسخة معدلة من النماذج التي تستخدمها المنظمة العالمية للأغذية والزراعة لتتبع حركة الجراد، لتتبع والتنبؤ بخط سير المرض UG99، ولكن الخبراء الأفغان أطلقوا نظاما خاصا وبسيطا للإنذار المبكر باستخدام المشاتل البيولوجية لاصطياد فطر صدأ القمح في ثلاثة مواقع، من بينها مدينة هرات قرب الحدود الإيرانية وننغرهار قرب الحدود الباكستانية. ويقول العلماء: «حتى الآن فإن النباتات لم يصبها المرض، ولكن ليس هناك أي شيء يحدد الوقت التي سيستغرقه فطر الصدأ الجديد قبل أن يظهر هنا».

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة