مزجت المنطقة التاريخية بمدينة جدة، ذكريات الزمن الماضي بالحاضر، بعد أن أضفت على مهرجانها في نسخته الثانية «رمضاننا كدا2» رونقا إبداعيا يواكب معها التطور الذي باتت معه الواجهة الأولى لزوار وسكان المحافظة الساحلية القابعة غربي السعودية خلال شهر رمضان المبارك، رغبة في مشاهدة التراث والتعرف على الموروث الثقافي للمنطقة، والاستماع بالعادات الجداوية والأكلات الشعبية على طول مسار المهرجان الممتد لـ1000 متر، زاخرا بالفعاليات المتنوعة التي أضاءت مساره بـ5 آلاف فانوس حجازي، لتحاكي رمضان في جدة قبل 68 عاما.
«رمضاننا كدا2» مهرجان حمل مضامينه رسالة تربط الزائر بحقبة زمنية مضت وسط أجواء دينية وفعاليات شعبية ماتعة، تظهر العادات والتقاليد التي اندثرت في زخم التغييرات التي طالت المجتمع المحلي بتنوع أنشطته وفعالياته بما يتوافق مع رغبات وطموحات الزائرين الذين تجاوزا يوم أمس حاجز النصف مليون.
وفي الوقت الذي يتسابق نجوم ومشاهير هوليوود على اعتلاء منصات التتويج والتقاط الصور التذكارية على السجادة الحمراء، أتاحت إدارة فعاليات «رمضاننا كدا2» للزوار فرصة الظهور أمام عدسات الكاميرات على السجادة الحمراء والإحساس بالنشوة التي يشعر بها النجوم، حيث يستهل الزائر جولته بالسير على السجادة الحمراء محفوفا بالأهازيج والمواويل الحجازية متوقفا لالتقاط الصور الفوتوغرافية، قبل أن يشرع في استكمال جولته على الأجنحة والأركان التي تستهدف جميع أفراد الأسرة.
الخطوات الأولى لحظة دخولك إلى الفعاليات تقودك إلى منطقة كاملة مخصصة للأطفال تقام فيها أنشطة ترفيهية وتثقيفية تضم فعالية «المركب» وفعالية «خارجة البزورة» تهتم بجميع أنشطة الأطفال وتقوم بدور «الحضانة»، يمارس خلالها الأطفال لعبة تركيب مكعبات بيوت جدة القديمة، وألعاب الرمل، بهدف ربطهم بتلك الحقبة التاريخية وسط أجواء ترفيهية.
بينما انتشرت الفعاليات على طول المسار وتمثل في سوق أهالينا بخان أبو عنبة، إضافة إلى المقاهي وبسطات الأكلات الشعبية التي اشتهرت بها المنطقة قبل عقود طويلة، ومن الأنشطة المركزية أيضا ما يتعلق بالفن التشكيلي والرسم الجمالي، حيث حددت في «كان كدا» الذي خصص للتشكيليين، وزقاق الرسامين، إضافة إلى «بيوتنا كدا»، عبر تجسيد كامل للبيت الحجازي، متكامل المنافع.
وللتاريخ الثقافي نصيب عبر فعاليات عدة، تتمثل في صالون ثقافي يقام في المنطقة التاريخية بيت باعشن أعادت للمنزل حقبة زمنية مضت، حينما كان يشرع أبوابه لاستقبال الأدباء والمثقفين والمفكرين للتحاور والنقاش معهم، حيث كانت تشهد ساحات الكثير من الجلسات الأدبية بحضور المثقفين، لتعيد الأمسية البريق الذي غاب لسنوات مضت، لتدشين حفيدة العائلة الأديبة مها باعشن أولى الأمسيات الثقافية في بيت عائلتها العريق الذي استضاف وجودها ثقافية وأدبية متنوعة في أجواء أشبه بصالونات أدبية لرواد الأدب العربي، تتم استضافة ضيف واحد في كل ليلة طوال عشرة أيام.
ودشنت حفيدة العائلة الأمسيات بندوة لها استلهمت خلالها تاريخ وحضارة المنطقة التاريخية بكافة صورها وأشكالها، مشيرة إلى أن عشقها واستحضارها للتاريخ والمخزون التراثي يعود لكونه يشكل معظم جوانب حياتها مبرزة أعمالها ورواياتها الأدبية، معتبرة بيت باعشن التاريخي الذي يحتضن هذه الأمسيات الأدبية التي تتعايش مع شهر رمضان، صالونا ثقافيا للرسوخ التاريخي، الذي يستند عليه حيث يتجاوز عمره 200 عام، كأعرق بيوت جدة القديمة، الذي بني في عام 1273ه.
في الجانب الآخر، يكفي نظرة واحدة على جناح «بارع» المشارك ضمن فعاليات المهرجان كفيلة بإقناعك أن النساء هن المسيطرات على صناعة الحرف اليدوية، وفي الطرف الأيمن من الجناح تجلس الحرفية فاطمة التي استطاعت أن تحول شغفها للبحر، كونها تعيش مع أسرتها التي تقطن بالقرب منه، وتتردد عليه بشكل مستمر، إلى لوحات تشكيلية تدر عليها دخلا ماديا جيدا.
في الوقت الذي أكد علي صالح المشرف الإداري على الجناح أن الإقبال النسائي على البرامج الحرفية أكثر من شقائقهن من الرجال، مرجعا ذلك إلى تفرغ الإناث ورغبتهن الكبيرة في الانخراط في برامج جمعية الأيدي الحرفية بمنطقة مكة المكرمة المنتهي بمشروع أو توظيف.
بينما يلفت نظر الزائر جناح مستشفى الأمل بمحافظة جدة المشارك بالمهرجان قياسا بالإقبال الذي يشهده الجناح من الزوار الذين وصفو مشاركة المستشفى بالمبادرة الجميلة لتوضيح مخاطر آفة الإدمان للشباب وطرح تجارب المتعافين.
في الوقت الذي أكد نايف العلي مدير إدارة العلاقات العامة والإعلام بالمستشفى أن مشاركتهم بالفعاليات تأتي لإبراز التجارب للاستفادة منها والتحذير من الآفة المهلكة للشباب عبر رسم لوحات فنية تحكي مرحلة ما قبل التعافي، والأثر العائد لتخلص منها، مبينا أن المستشفى لديه قسم بالتوعية الصحية وينفذ من خلاله جميع الحملات التوعوية، مشيرا إلى أن المستشفى استقطب فريق عمل مكونا من أخصائيين نفسيين واجتماعيين، إضافة إلى مرشدين متعافين يشاركون بالتناوب طيلة أيام الفعاليات.
في المقابل، حرصت اللجنة المنظمة للفعاليات على وضع 50 لوحة إرشادية على جنبات المسارات، تهدف إلى إرشاد وتعريف الزائرين بالمنطقة، رغم وجود مجموعة شباب موزعين في نقاط عدة، في الوقت الذي خصص مركز إعلامي متكامل يشرف عليه نخبة من الإعلاميين متاح على مدار الساعات المخصصة للمهرجان والذي يبدأ في استقبال الزوار من العاشرة إلى الثانية فجرا يوميا.
بينما تتضافر جهود القطاعات الأمنية كافة لتوفير الراحة للزائرين للاستمتاع بعبق الماضي، في الوقت الذي أكد اللواء مسعود العدواني مدير شرطة جدة أن الحالة الأمنية داخل وخارج الفعاليات «ممتازة» خلال جولة ميدانية له في مسارات الفعاليات، مشيرا إلى أن الشرطة تشارك بقطاعاتها كافة لتعمل على راحة الزوار وإخراجها بالشكل المطلوب تنفيذا لتوجيهات الأمير مشعل بن ماجد بن عبد العزيز محافظ جدة رئيس اللجنة العليا للمهرجان.
المنطقة التاريخية بجدة تمزج الماضي بالحاضر
12:21 دقيقه
