الفنان التشكيلي السوري عاصم زكريا: أتذكر عادات وتقاليد أهل الحارة في ساروجة بدمشق القديمة

الفنان التشكيلي السوري عاصم زكريا: أتذكر عادات وتقاليد أهل الحارة في ساروجة بدمشق القديمة

في لقاء معه بمرسمه بحي المزرعة وسط العاصمة السورية دمشق يتحدث الفنان التشكيلي السوري المخضرم عاصم زكريا لـ«الشرق الأوسط» عن الشهر الفضيل وذكرياته معه والواقع الحالي قائلاً: إنَّ «قدوم شهر رمضان المبارك في هذه الفترة والأزمة التي تمر بها البلاد منذ أربع سنوات ساعدني في التفرغ أكثر لإنجاز عدد من الأعمال التشكيلية المؤجلة».
ويعود التشكيلي زكريا في ذاكرته إلى تقاليد شهر رمضان والتي عاشها طفلاً وشابًا في حارته ساروجة بدمشق القديمة قبل أن تنتقل الأسرة إلى منزل حديث في حي المزرعة، وقبل أن يغادر إلى العاصمة البريطانية لندن أواسط سبعينات القرن الماضي، حيث مكث هناك عشر سنوات لينتقل بعدها للإقامة في العاصمة السعودية الرياض منذ عام 1985 وحتى العام 2000 ليستقر بشكل نهائي في مدينته دمشق.. يتنهد زكريا وهو يتذكر رمضان أيام زمان في ساروجة قائلاً: «لا تزال راسخة في مخيلتي مذ كنت طفلاً عادات وتقاليد رمضانية افتقدناها مع تطور العصر واتساع المدينة ومنها عادة السكبة بين الجيران خصوصا أن منازلنا في ساروجة متقاربة من بعضها وتتميز بالمشربيات (النوافذ الخشبية المفتوحة على الأزقة والبيوت المقابلة لها) حيث كانت والدتي تمدّ السكبة (وعاء يضم الوجبة الرمضانية اليومية على الإفطار) من المشربية فالمسافة بين المشربيتين لا تتجاوز النصف متر فتعطيها لجارتنا والتي بدورها تفعل نفس الشيء مع والدتي حيث لم يكن هناك حاجة للنزول من البيت والذهاب إلى بيت الجيران وقد جسدت هذه العادة الرمضانية التراثية الجميلة والتي افتقدناها في العصر الحالي في لوحة فنية». يستطرد زكريا: «كذلك ما زالت في ذاكرتي نداءات بائعي الأكلات الرمضانية البسيطة ومنها، المعروك والناعم، حيث كانوا يتفننون بالنداء عليها بعبارات أشبه ما تكون بالقصائد الشعرية، وما زلت أتذكر المسحراتي وطبلته التي افتقدناها، إذ كان يقرع باب أهلي ويوقظنا للسحور، وكان والدي يناوله صحن طعام، كما يفعل الكثير من الجيران في حي ساروجة. أتذكرَّ بل أحنَّ لأيام الطفولة في شهر رمضان، إذ كنت مع شقيقاتي نحضر عروض كراكوز وعيواظ الخاص بالأطفال وكنا ندفع (فرنك سوري) مقابل حضورنا هذا العرض الفريد والذي يُقَدَّمْ من قبل أناس متخصصين بهذا الفن كما هو حال الحكواتي الخاص بالكبار».
من التقاليد الرمضانية تتميز كل بلد بأنواع الأطباق الخاصة الحلويات الخاصة بالشهر ويذكر زكريا ما الأطعمة التي مثلت ملمحا من طفولته ويقول: «من الأكلات الرمضانية التي كنت أحب تناولها على الإفطار أكلة (الباسمشكات) وهي وجبة دمشقية معروفة مؤلفة من اللحم والرز والصنوبر وتحضّر بشكل متقن، وما زلت أتذكر الحلونجي (أبو صياح) الذي كان يأتي به والدي ليحضّر الحلويات الرمضانية لنا في المنزل بعد أن صارت المحلات تغشّها باستخدام السمنة النباتية المستوردة بدلاً من السمن البلدي، وأتذكر فيما بعد كيف كنت أحمل الصدر الذي كانت والدتي تضع فيه الحلويات الرمضانية المعروفة ومنها المعمول والكنافة والأقراص بعجوة وآَخُذُهُ إلى فرن الحارة ليقوم بشيّه ومن ثم أعيده للمنزل فكانت رائحة زكية لا يمكن نسيانها تصدر من هذه الحلويات الرمضانية اللذيذة المذاق».
في أواسط سبعينات القرن الماضي غادر زكريا دمشق إلى لندن وبقي فيها عشرة أعوام ولكنه كان يحرص على العودة لدمشق: «كان أصدقائي يستغربون إصراري على العودة لدمشق في شهر رمضان من كل عام، حيث كنت أقول لهم لا أستطيع التفكير أن أبقى هنا في لندن دون أن أعيش أجواء وروحانية وحميمية الشهر الفضيل في دمشق وخصوصًا في حارتي القديمة وكنت أترك أعمالي ولوحاتي الفنية التي كانت في مرحلة الإنجاز وأتجه للمطار لأحجز على أول طائرة متجهة لدمشق».