زمن البساطة

زمن البساطة

يعيدني شهر رمضان المبارك طفلاً صغيرًا يلهو في أزقة القرية مع أترابه؛ يتعفر بالتراب.. يخوض في وحول الشتاء مهللاً متيمنًا، على ما يقول الشاعر إيليا أبو ماضي.. يسابق الريح على دروب البراءات والحُبّ الأول الخجول الخفِر الذي يبلغ مداه بمجرد نظرة وابتسامة ويدٍ تشدُّ على يد، وأطفال عراة حفاة لا يهابون حرّ صيف ولا قرّ شتاء، يخالون ساحة الضيعة أوسع مكان في الدنيا.
كان رمضان بسيطًا متواضعًا يشبهنا ويشبه طفولتنا المجبولة بالطين والمتمرغة بالأعشاب، يأتي بلا ضجيج ولا زينة، بلا مبالغات ولا إسراف، وكانت طقوسه يومها أقرب إلى معانيه وأكثر تماهيًا مع رسالته. فالصيام ليس صومًا عن الأكل والشرب فحسب حتى تغدو مائدة الإفطار وليمة «عرمرمية» يرمى معظمها في القمامة فيما آلاف الناس جوعى حول العالم. كنّا نوفر بضعة قروش من «خرجيتنا» (مصروفنا اليومي) لتقديمها إلى يتيم أو محتاج، وكنا شبه يتامى نحنُّ على أشباهنا من الأيتام!
أكثر ما أذكره من أمسيات رمضان ولياليه الأنيسة السحور الحميم المتقشف الذي كانت تعده أمي ثم توقظني لنتناوله معًا: إبريق شاي، لبنة بلدية، زيتون، زعتر وزيت، وخبز مرقوق (على الصاج)، نفترش الأرض حول تلك المائدة المتواضعة وإلى جانبنا قنديل كازٍ يضيء غرفتنا المبنية من حجر وطين، لكن القنديل لم يكن وحده الذي يضيء. كانت أمي أيضا مضاءة بالصلوات والأدعية وبالسريرة الطيبة والابتهالات المباركة، وكنت حين أراها، رحمها الله، أشعر أن غرفتنا الصغيرة قد اتسعت لتحتضن العالم كله. كانت أمي برداء صلاتها الأبيض ويديها المرفوعتين نحو السماء توسّع الأمكنة الضيقة، وما زلت حتى اليوم أؤمن أن بركة رضاها قد فتحت أمامي الأبواب الموصدة وأنارت الدروب الموحشة.
لا يكتمل رمضان المبارك يومها من دون لعبة «الغميضة»؛ أطفالاً ننقسم فريقين في ليل الشهر الأنيس؛ إذ إن الناس يسهرون حتى ميعاد السحور فتبقى البيوت مضاءة تضج بالحركة، وهكذا كنّا نغتنم الفرصة لتلك اللعبة. قلتُ ننقسم فريقين، الفريق الأول يختبئ في مكان لا يعلمه إلا شخص واحد هو بمثابة حكم اللعبة، فيما الفريق الثاني يتوجب عليه العثور على الفريق الأول مستعينًا بخارطة يرسمها الحكم. وهكذا كان ليل رمضان يمضي أنيسًا جميلاً عابقًا بالمودة والرحمة والتراحم، ولم يكن يخلو من بعض «شيطنة» الولدنة؛ إذ أذكر مرةً كيف اختبأت ورفيق لي بين الأضرحة في مقبرة القرية التي كان المسحراتي مضطرًا لعبورها ليليةً في طريقه لإيقاظ النائمين من غير السهارى، وذلك لأنها تجاور منزله، وكنا أنا ورفيقي طويلي القامة، فارتدينا شرشفًا أبيض طويلاً وحملني صاحبي على كتفيه وكمنّا للمسحراتي، ثم نهضنا فجأة قبالته وسط المقبرة، فما كان منه إلا أن فرّ خائفًا مرعوبًا ظنًا منه أن شبحًا من الموتى ظهر له.. ليلتها لم تتسحر الضيعة! تلك بعض ذكرياتي الرمضانية، تمتزج فيها الروحانية بالتراحم بالبساطة بالولدنة، يوم كنّا نحن معشر الأطفال آنذاك زينة رمضان ومصابيحه المضاءة بالإيمان الفطري والشقاوة البريئة، وانتظار عيد الفطر بفارغ الصبر لأجل الملابس الجديدة والمراجيح والحلوى وضحكات البراءة.
أستذكر رمضان طفولتي، ولا أتنكر لرمضان الراهن، لكنني أنحاز إليه كلما كان أكثر بساطة وتقشفًا، وكلما كان الصيام فيه أعمق من مجرد امتناع عن الأكل والشرب. إنه ترويض النفس والشهوات، وتدريب الذات على مكافحة جموحها، وكف اللسان والسمع والبصر عن أذية الآخرين.
رمضان كريم على الجميع.
* شاعر وإعلامي لبناني