موقفان متشابهان لنبي الله وخليله ورسوله إبراهيم (عليه السلام) انتهيا بنتيجتين مختلفتين تماما.
زيارتان قام بهما نبي الله إبراهيم (عليه السلام) لولده نبي الله إسماعيل (عليه السلام) في مكة المكرمة، انتهت كل منهما برسالة رمزية من الأب لابنه الغائب ترتب على كل منهما موقف يناقض الآخر.
عقب الزيارة الأولى طلق نبي الله إسماعيل زوجته استجابة لأمر أبيه، أما الزيارة الثانية فكانت سببا في تثبيت الزوجة الثانية، دعما لاستقرار الأسرة.
فمنذ ترك خليل الله إبراهيم (عليه السلام) زوجته «هاجر» وابنها نبي الله «إسماعيل» في مكة إلى جوار بيت الله الحرام تنفيذا لأمر ربه، كان يتردد بين الحين والآخر عليهما لزيارتهما.
كان الوضع في مكة قد تغير، وتحول الوادي من «غير ذي زرع» إلى «عمران» وفد إليه الناس من كل مكان، ليعيشوا مع إسماعيل وأمه.
ومن القبائل التي نزلت للإقامة بمكة مع أم إسماعيل وولدها قبيلة «جرهم»، وكان أبناؤها أول من نزل مكة حيث نشأ معهم إسماعيل، وتعلم منهم اللغة العربية الفصحى، ومن تلك القبائل أيضا «العماليق»، وقد تزوج نبي الله إسماعيل عليه السلام من القبيلتين.
* غياب القناعة والرضا
في إحدى زياراته عرف خليل الله إبراهيم (عليه السلام) بعد وصوله إلى مكة أن السيدة «هاجر» رضي الله عنها ماتت، وأن ابنه إسماعيل عليه السلام تزوج فتاة من قبيلة العماليق تدعى «عمارة بنت سعد بن أسامة».
توجه إبراهيم عليه السلام إلى بيت ابنه إسماعيل فلم يجده، فسأل امرأته عنه، فقالت: «خرج يبتغي لنا (أي يسعى في طعامنا وشرابنا)».
ثم سألها عن عيشتهم وهيئتهم، فقالت: «نحن بِشَرٍّ (أي في شرّ).. نحن في ضيق وشدة»، فشكت إليه.
فاختتم خليل الله إبراهيم عليه السلام حواره معها بقوله: «إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، وقولي له يُغَيِّر عتبة بابه».
ويعلق الكاتب محمد علي قطب في كتابه «زوجات الأنبياء وأمهات المؤمنين» على هذا الحوار بين خليل الله إبراهيم (عليه السلام)، وزوجة ابنه نبي الله إسماعيل (عليه السلام)، قائلا: «أدرك - خليل الله إبراهيم عليه السلام - أنها ليست في قناعة ورضا، وأنها ليست بالزوجة الصالحة الجديرة بنبي، فآثر الرحيل.. ولم يخبرها عن نفسه بشيء».
ولم تنته آثار اللقاء عند هذا الحد، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا، فقال: «هل جاءكم من أحد؟».
قالت: «نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته بأننا في جهد وشدة».
قال: «هل أوصاك بشيء؟».
قالت: «نعم.. أمرني أن أقرئك السلام، ويقول لك غيّر عتبة بابك».
قال: «ذاك أبي، وقد أمرني بأن أفارقك، الحقي بأهلك»، فطلقها.
وهكذا أنهى عدم الرضا وغياب القناعة وإفشاء أسرار البيوت، هذه العلاقة الزوجية التي ربطت بين نبي الله إسماعيل، وعمارة، بعد نصيحة خليل الله إبراهيم التي تركها في رسالته لابنه إسماعيل.
* زوجة صالحة
أما الزيارة الثانية لإبراهيم (عليه السلام) لولده فقد شاء القدر ألا يجده هذه المرة أيضا، في بيته، فسأل امرأته الجديدة «السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي» عنه، فقالت: «خرج يبتغي لنا».
فقال خليل الله: «كيف أنتم؟».
فأجابت: «نحن في خير وسعة»، وأثنت على الله.
فسألها: «ما طعامكم؟».
فأجابت: «اللحم».
فقال: «فما شرابكم؟».
فأجابت «السيدة بنت مضاض»: «الماء».
وهنا دعا خليل الله (عليه السلام) ربه قائلا: «اللهم بارك لهم في اللحم والماء».
ثم توجه خليل الله إبراهيم إليها بالكلام مرة أخرى قائلا: «إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه».. وانصرف إبراهيم عليه السلام عائدا دون أن يلقى إسماعيل (عليه السلام).
فلما عاد إسماعيل إلى بيته، سأل زوجته: «هل أتاكم من أحد؟».
فأجابته: «نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا، فأخبرته أننا بخير».
فعاد إسماعيل عليه السلام، يسأل زوجته، «أأوصاك بشيء؟».
فأجابته: «هو يقرئك السلام ويأمرك بأن تثبت عتبة بابك».
فتهلل إسماعيل قائلا: «ذاك أبي، وأنت العتبة، أمرني بأن أمسكك».
لقد أدرك إبراهيم (عليه السلام) أن هذه الزوجة الجديدة، تتمتع بالرضا والقناعة، وتشد من أزر زوجها، ولا تفشي أسراره، وأنها تعين زوجها على مشكلات الحياة، فأمره بالاستمساك بها، وهي صفات لم يجدها في الزوجة الأولى التي أمر إسماعيل بأن يفارقها.
* دروس مهمة
يقول الدكتور شعيب الغباشي، الأستاذ في جامعة الأزهر، في كتابه «أعلام النساء في القرآن الكريم»: «هذه زوجة إسماعيل عليه السلام التي نصح إبراهيم (عليه السلام) ابنه بأن يتمسك بها، وقد ولدت لإسماعيل اثني عشر رجلا، هم (نابت، وقيدر، وأدبيل، ومبشا، ومسمع، ودوما، وماس، وأدد، وطور، ونفيس، وطما، وقيدمان)».
ومن أبناء إسماعيل (عليه السلام) نشر الله العرب. واختار الله تعالى إسماعيل فبعثه إلى العماليق - في ما قيل- وقبائل اليمن. ويضيف الغباشي: «إننا عندما نقرأ سورة مريم نجد أن الله تعالى يثني على نبيه ورسوله إسماعيل بن إبراهيم، عليهما السلام، بأنه كان صادق الوعد، وأنه كان يأمر أولاده وزوجه، بالصلاة والزكاة.. قال تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيًّا.. وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا)» (مريم: 54 - 55).
إن الوقوف على المعاني الدقيقة، المستفادة من حواري خليل الله إبراهيم (عليه السلام)، مع زوجتي ابنه إسماعيل (عليه السلام) يمكن أن يضع أمام نسائنا وبناتنا دروسا مهمة لتيسير الحياة بإيمان رضا وقناعة ورحمة ومودة.
لقد أدرك خليل الله (عليه السلام) أن زوجة ابنه الأولى لا تحفظ سرا، وتبوح بما يمكن أن يؤلم زوجها، ويهدد بنيان أسرتها، وينال من المودة والمحبة بينهما، فسارع إلى دعوة ابنه إلى تغيير عتبته.
فلما التقى زوجته الثانية وجدها مؤمنة بالله راضية بما رزقها وزجها من نعم، قانعة بما لديهما، تحفظ أسرار بيتها، وتصون زوجها، وتوفر لأسرتها أسباب الأمان والاستقرار، فسارع أيضا إلى دعوة ابنه إلى التمسك بها، وعدم التفريط فيها.
