زوجات الأنبياء - الحلقة (7): «هاجر» أم «الذبيح» .. ثقتها بربها أعادت الحياة إلى مكة

زوجات الأنبياء - الحلقة (7): «هاجر» أم «الذبيح» .. ثقتها بربها أعادت الحياة إلى مكة

وصفها التاريخ بأنها «أم العرب العدنانيين».. تمثل بحق صورة مؤثرة ورائعة للأم في حنوها وآلامها، وللزوجة المطيعة، والمؤمنة القوية.
أخلصت النية لله عز وجل، فرعاها ورزقها وطفلها من حيث لا تحتسب.. كانت وستظل نموذجا رائعا للمؤمنة الصابرة الواثقة بالله تعالى.
إنها السيدة «هاجر» المصرية، زوجة خليل الله ورسوله إبراهيم عليه السلام، وأم نبي الله إسماعيل عليه السلام.
يذكر الدكتور مصطفى مراد عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر في كتابه «زوجات الأنبياء» أن «هاجر» هي الجارية التي جاءت بها السيدة سارة زوجة سيدنا إبراهيم إلى أرض كنعان، بعد رحلتها المشهورة إلى أرض مصر في صحبة زوجها، عندما خرج من بلاده مهاجرا بدينه.
كانت سارة عاقرا وتقدم بها العمر، فعزمت على أن تهب زوجها إبراهيم عليه السلام «هاجر» كزوجة لتنجب له الولد عندما وجدت إبراهيم عليه السلام يشتاق إلى الأبوة والولد من صلبه.
وعندما حملت «هاجر»، ثم وضعت وليدها سيدنا إسماعيل عليه السلام لم تحتمل سارة الموقف الذي أثار داخلها مشاعر الغيرة وأقسمت ألا يؤويها وجاريتها سقف واحد، وروى الثعلبي أنه في ذلك الوقت جاء أمر من الله إلى إبراهيم بأن يأخذ زوجته الثانية «هاجر» ووليدها إلى مكة.
وانطلق سيدنا إبراهيم تتبعه هاجر وبين ذراعيها وليدها إسماعيل وانتهى بهم المسير عند مكة. وكانت حينذاك مقفرة وقاحلة لا زرع فيها ولا ماء خاوية من البشر، وعند ربوة حمراء كانت قائمة هناك حيث بقايا البيت العتيق، اتخذ لهما عريشا من بعض أغصان الشجر، وترك لها جراب تمر وسقاء ماء ثم هم بالرجوع من حيث جاء كما رواه الطبري وابن الأثير.
وتضرعت السيدة هاجر إلى سيدنا إبراهيم ألا يدعها وولدهما في ذلك المكان الموحش والمهجور، لكنه لم يبال بما تقوله ولم يستجب إلى توسلاتها فأعادت هاجر سؤالها: أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ آلله أمرك بهذا؟
أجاب دون أن يلتفت: أجل.
فقالت «هاجر» في استسلام خاشع: إذن فالله لا يضيعنا.. فقد عرفت معنى اليقين بصدق وعد الله، وعرفت كيف تكون معينة لزوجها على طاعة ربها، من دون أي تردد ولا خوف.. وأطرقت صامتة، فلم تر «إبراهيم» وقد رفع وجهه إلى السماء حين غيبته ثنية الوادي، وابتهل إلى الله في توسل: (ربنا إني أسكنتُ من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليُقيمُوا الصلاة، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون. ربنا إنك تعلم ما نخفى وما نعلن، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء).. (إبراهيم:37 و38).

* بئر «زمزم»
ويضيف الكاتب محمد علي الصابوني في كتابه «النبُوة والأنبياء» أن سيدنا إبراهيم عليه السلام استأنف مسيرته عائدا إلى زوجته السيدة سارة.
وأقبلت هاجر على ولدها تستمد منه الأنس والعزاء، وقد شغلت بالنظر إلى وجهه اللطيف الحبيب، فلم تشعر أول الأمر بوحدتها الرهيبة في البرية المقفرة ولم تدرك حق الإدراك قسوة موقفها في الوادي الأجرد، وبين الجبال الصخرية السود. حتى نفدت مئونتها الضئيلة، وبدأ الظمأ يناوش الصغير، لقد نفد الماء والزاد، والأم لا تجد ما تروى به ظمأ وليدها، ولا تجد ما ترضعه، والطفل يصرخ جوعًا وعطشًا.
فهبت مذعورة تبحث عن قطرة ماء، وبدا لها أن تصعد إلى أعلى، فنظرت أي الجبال أدنى من الأرض، فإذا «الصفا» قريب منها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا؟، أو تجد بعض الطعام أو الشراب وتسمعت: هل تؤنس صوتا؟ ولكنها لا تجد فتنزل مسرعة وتصعد جبل «المروة»، وصعدت علها ترى أثرا من حياة، ولا أثر، وفعلت ذلك سبع مرات.
وظلت هكذا تسعى بين «الصفا» و«المروة»، حتى نال منها التعب والإعياء ونفدت حيلتها، فتهاوت على الرمال إلى جانب ولدها الذي كان لهُاثه الظامئ يمزق قلبها تنتظر المصير الفاجع يائسة ومستسلمة.
فجمعت كل ما بقي لها من قوة، وزحفت بعيدا عن ولدها إسماعيل المحتضر، ثم غطت وجهها بلفاعها وهى تقول: لا أنظر موت الولد، فيبعث الله جبريل عليه السلام فيضرب الأرض بجناحه، لتخرج عين يجري منها الماء، انبثق ماء «زمزم» فهرعت هاجر نحوها وهى تحس موجة دافقة من القوة والحيوية في كيانها، وأقبلت ترتوي، وتسقي ولدها إسماعيل، وتقول لعين الماء: زُمي زُمي، فسميت هذه العين زمزم. ودبت الحياة في الوادي الأجرد.

* ذبح «إسماعيل»
وبعد فترة أقبلت قوافل تجارة من طريق كداء في طريقها إلى الشام، فأبصروا فوجدوا طيرا يحوم على ذلك الوادي، فقالوا: إن هذا الطير يحوم على ماء. وأرسلوا دليلهم، فعاد وأخبرهم بوجود الماء.
وكانت هاجر وولدها عند ذلك النبع المبارك. فأرادوا البقاء بجوارهما لما رأوا عندها الماء، فقالوا لها إن شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك. وإن شئت رحلنا، فأذنت لهم بالسكن بجانبها. وشاركوهما في ماء زمزم واستأنست بهم، وشب وليدها بينهم، وتعلم منهم اللغة العربية الفصحى وهو أول من نطق باللغة العربية من العرب، وتعلم منهم أيضا تدريب الخيل واستأنسها.
وبجوار البيت العتيق نشأ إسماعيل عليه السلام، ولما بلغ أشده جاءه أبوه إبراهيم عليه السلام يقص عليه رؤياه: (قال يا بني إني أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى. قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين).
وبعدها حدث موقف الفداء العظيم، ثم أُمر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بوحي من الله أن يرفعا قواعد البيت العتيق وأن يطهراه للطائفين والعاكفين والركع السجود. وفعلا ما أمرهما به الله.
قيل إن «هاجر» توفيت وعندها من العمر 90 سنة، ودفنها إسماعيل عليه السلام بجانب بيت الله الحرام.