في كلامه عن الرسل والأنبياء، لم يغفل القرآن الكريم الحديث عن كثيرات من زوجاتهم. تنوع الحديث بين مدح وثناء وبشرى بالنعيم الدائم في جانب، وقدح وذم وتهديد ووعيد بالعذاب في جانب آخر، تبعا للدور الذي أدته كل منهن تجاه زوجها النبي ورسالته. الكثيرات كنّ وفيات لأزواجهن، مؤمنات برسالاتهم، متمسكات بعبادة الله تعالى وحده، مخلصات في إعانتهم، لمواجهة ظلم الكافرين وعنادهم ومكائدهم.
وهناك من انحازت للشيطان ضد زوجها ورسالته، وانضمت لأعدائه، وساعدتهم على وضع العراقيل وإثارة العقبات أمام دعوته، وشاركت في الإساءة إليه، والسخرية منه.
نماذج مهمة تستأهل منا دراستها، لاستخلاص العبر منها، والاستفادة بها في بناء حاضرنا ومستقبلنا.
نحن اليوم في ضيافة سيدة فضلى، مؤمنة عابدة تقية نقية، بارعة الجمال، مبهرة وخاطفة للأنظار، زوجة نبي ورسول، وأم نبي، وجدة نبي.
أحبها أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام حبا شديدا لدينها وحسنها الباهر وقرابتها منه، فهي أول من آمن به وبدعوته حين بعثه اللَّه هاديا لقومه.
إنها السيدة سارة رضي الله عنها زوجة خليل الله إبراهيم عليه السلام.
يقول عنها الكاتب أحمد خليل جمعة في كتابه «نساء الأنبياء في ضوء القرآن والسنة»: إن سارة زوجة نبي ورسول وأحد أولي العزم من الرسل، وثاني أفضل الخلق على الإطلاق، وأبو الأنبياء خليل الرحمن سيدنا إبراهيم عليه السلام، وإليها ينتهي نسب أنبياء بني إسرائيل.
* دعوة مستجابة
خرجت سارة مهاجرة في سبيل الله مع زوجها وابن أخيه لوط عليهما السلام إلى فلسطين، ولما اشتد الجفاف هناك هاجرت مع زوجها مرة أخرى إلى مصر.
في ذلك الوقت كان ملك مصر يأمر حراسه وجنوده بأن يخبروه بأي امرأة جميلة تدخل البلاد، ولما كانت سارة بارعة الجمال، انتشر الخبر بقدومها، فلما علم الملك وأدرك إبراهيم عليه السلام معرفة الملك بقدومهما، ولما يعرفه عن حب هذا الرجل للنساء الجميلات، قال لها: إنه لو علم هذا الجبار أنك امرأتي يغلبني عليك، فإذا سألك فأخبريه أنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك.. فهي أول من آمن بإبراهيم عليه السلام، ثم آمن به لوط ابن أخيه عليه السلام، فكان هؤلاء الثلاثة هم الذين آمنوا على الأرض في ذلك الوقت.
وطلب الملك من جنوده أن يحضروها إليه، ولما وصلت القصر، دعت الله ألا يخذلها، وأن يحيطها بعنايته ويحفظها من شره، وأقبلت تتوضأ وتصلي وتقول: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي هذا الكافر، فاستجاب الله دعاءها.
وعندما أراد الملك أن يمد يده إليها بسوء شُلت، فقال لها: ادعي ربك أن يطلق يدي ولا أضرك، فدعت سارة ربها واستجيب دعاؤها، وعادت يده سليمة، لكنه أراد أن يمدها إليها مرة ثانية، فشلت مرة ثانية، فطلب منها أن تدعو له أن يطلق يده ولا يمسها بسوء، ففعلت، فاستجاب الله دعاءها، لكنه نكث بالعهد فشُلت يده مرة ثالثة، فقال: ادعي ربك وعاهدها ألا ينكث عهده فدعت الله فعادت يده سليمة وقال لمن جاء بها أن يخرجها من أرضه وأمر لها بجارية هي «هاجر»، وتركها ترحل من أرضه بسلام، فلما رأى إبراهيم عليه السلام سارة قادمة إليه استفسر عما حدث، قالت: خيرا كف الله يد الفاجر، وأخدمنا خادما.
* غيرة سارة
ويضيف الدكتور مصطفى مراد عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر في كتابه «زوجات الأنبياء»: ورجعت سارة وسيدنا إبراهيم مرة أخرى إلى فلسطين.
ومرت الأيام والسنون ولم تنجب سارة الولد لإبراهيم، ليكون له سندا، فقد كانت عاقرا لا تلد، وإشفاقا على زوجها، أخذت تفكر في أن تزوج إبراهيم عليه السلام بأخرى رحمة به، لأنه كان تواقا للولد.
وهبت سارة هاجر المصرية لزوجها إبراهيم فاتخذها زوجة ثانية له، وما أن دخل بها حتى حملت فأنجبت له إسماعيل. وكم كان ذلك اليوم عصيبا على سارة عندما رأت فرح إبراهيم عليه السلام بالولد ولم تكن هي أمه فنفد صبرها من الغيرة، فأقسمت ألا يؤويها وجاريتها سقف واحد خوفًا من أن يبتعد عنها نبي الله إبراهيم ويقبل على زوجته الجديدة.
وجاء الوحي إلى إبراهيم عليه السلام أن يأخذ هاجر وإسماعيل إلى مكة، فخرج بهما، حتى وصلوا إلى مكة، وهناك تركهما وهو يقول: «رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ».. (إبراهيم: 37 ـ 38). فأقامت هاجر وطفلها ولا ثالث لهما إلا الله، واستجاب الله دعاء خليله وأخذت الناس تتوافد عليهما من كل مكان.
* بشرى إسحاق
ويذكر الكاتب محمد علي الصابوني في كتاب «النبُوة والأنبياء»، أنه عندما زار إبراهيم عليه السلام نفر فألقوا إليه السلام فرده عليهم، فأمر سارة بذبح عجل سمين وقدمه إليهم، لكنه تعجب عندما وجدهم لا يأكلون، وكان هؤلاء النفر ملائكة جاءوا إلى إبراهيم عليه السلام في هيئة رجال تجار، فطمأنوه إلى أنهم رُسل ربه ولا يجيئون بمكروه، ولكنهم أُرسلوا لإهلاك قوم لوط، لأنهم عصوا نبي الله لوط، ولم يتبعوه، فاطمأنت زوجته سارة من كلامهم، وضحكت استبشارا بهلاك القوم الظالمين.
فبشرتهما الملائكة بأنها سوف تلد ولدا اسمه إسحاق وأن هذا الولد سيكبر ويتزوج ويولد له ولد يسميه يعقوب في حياتهما، وهو والد سيدنا يوسف عليهما السلام، فلما سمعت سارة كلامهم، صرخت وتعجبت: «قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».. (هود: 73ـ 72).
وحملت سارة بإسحاق عليه السلام ووضعته، فبارك الله لها ولزوجها فيه.. وقيل إنها كانت تبلغ تسعا وتسعين سنة وإبراهيم عليه السلام مائة وعشرين سنة.. وماتت سارة ولها من العمر 127 عامًا.
* ينشر بترتيب مع وكالة
«الأهرام» للصحافة
