في كلامه عن الرسل والأنبياء، لم يغفل القرآن الكريم الحديث عن كثيرات من زوجاتهم. تنوع الحديث بين مدح وثناء وبشرى بالنعيم الدائم في جانب، وذم وتهديد ووعيد بالعذاب في جانب آخر، تبعا للدور الذي أدته كل منهن تجاه زوجها النبي ورسالته.
الكثيرات كنّ وفيات لأزواجهن، مؤمنات برسالاتهم، متمسكات بعبادة الله تعالى وحده، مخلصات في إعانتهم، لمواجهة ظلم الكافرين وعنادهم ومكائدهم.
وهناك من انحازت للشيطان ضد زوجها ورسالته، وانضمت لأعدائه، وساعدتهم على وضع العراقيل وإثارة العقبات أمام دعوته، وشاركت في الإساءة إليه، والسخرية منه.
نماذج مهمة تستأهل منا دراستها، لاستخلاص العبر منها، والاستفادة بها في بناء حاضرنا ومستقبلنا.
خلقت أمنا حواء من شيء حي، لتسكن إلى أبي الأنبياء، وعاشت في نعيم الجنة، لا تشعر فيها بالجوع أو العري. ذكرها الله تعالى في سور البقرة والأعراف وطه، فهي أم الأمهات، وقدوتهن في الأمومة والعطاء والبناء.
غزلت ونسجت، وعجنت وخبزت، وعلمت بناتها أعمال النساء كلها، لتستمر حياة البشرية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
مرّت حواء بأوقات سعادة كثيرة، كما تألمت وعانت في أوقات أخرى، وعاشت يوما أمّا لقاتل ومقتول في آن واحد.
يذكر الدكتور مصطفى مراد، عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر في كتابه «زوجات الأنبياء» أن حواء كانت أم البشرية كلها، وأنها أم كالأمهات الأخريات، تحمل وتضع حملها.. وهي أول زوجة في التاريخ، وأول امرأة تلد على ظهر الأرض.. قال الله تعالى: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير».. (سورة الحجرات: 13).
كانت حواء تلد في البطن الواحد ابنا وبنتا، وفي البطن التالي ابنا وبنتا، فيحل زواج ابن البطن الأول من بنت البطن الثاني.. قال تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا».. (سورة النساء: 1).
* فتنة إبليس
ويقول الدكتور أحمس حسن صبحي في كتابه «المبعوثون إلى الأرض - قصص الأنبياء»: إننا لا نستطيع رسم الصورة الحقيقية لحياة أم البشرية في بداية وجودها، ولكننا نستطيع أن نعيش في ظلال الآثار التي وصلتنا عن حواء.
في الجنة أباح الله تعالى لآدم وحواء أن يتمتعا بكل ما فيها من ثمار وفاكهة، ويقتربا من كل شيء إلا شجرة واحدة أمرهما بألا يأكلا منها، قال سبحانه: «وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين».. (البقرة: 35).
وعاشت حواء مع آدم بين أشجار الجنة إلى أن جاء إبليس اللعين بالفتنة، وقد ذكر بعض المفسرين أنه ليس صحيحا ما تذكره بعض الروايات من إغواء حواء لآدم وتحميلها مسؤولية الأكل من الشجرة، فلم يُذكر في آيات القرآن وقوع هذا من حواء.
روى ابن عساكر من طريق أبي القاسم البغوي، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هبط آدم وحواء عُريانين جميعا، عليهما ورق الجنة، فأصابه الحر حتى قعد يبكي ويقول لها: يا حواء قد آذاني الحر، قال: فجاءه جبريل بقطن، وأمرها أن تغزل وعلمها، وأمر آدم بالحياكة وعلمه أن ينسج» وقال: «كان آدم لم يجامع امرأته في الجنة، حتى هبط منها للخطيئة التي أصابتهما بأكلهما من الشجرة»، قال: «وكان كل واحد منهما ينام على حدة، وينام أحدهما في البطحاء والآخر من ناحية أخرى، حتى أتاه جبريل فأمره أن يأتي أهله»، قال: «علمه كيف يأتيها، فلما أتاها جاءه جبريل فقال: كيف وجدت امرأتك؟ قال: صالحة».
* قاتل ومقتول
ويضيف الدكتور مصطفى مراد في كتابه «زوجات الأنبياء» أن حواء وضعت توأمين هما قابيل وأخته لوذا، كما ولدت هابيل وأخته إقليميا. وكبر الأبناء في رعاية أمهم حواء إلى أن أوحى الله عز وجل إلى آدم أن يزوج قابيل توأمة هابيل، ويزوج هابيل توأمة قابيل الذي لم يرض بهذا الزواج، لأن توأمة هابيل أقل جمالا، وجمح عن طاعة والده، وبيّت الغدر لأخيه، وأقبل على قتله، فقال هابيل في هدوء ما حكاه القرآن الكريم في قوله تعالى: «لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين».. (المائدة: 28).. وقتل قابيل هابيل، قال تعالى: «فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين».. (المائدة 30).
ويوضح الكاتب أحمد خليل جمعة في كتابه «نساء الأنبياء في ضوء القرآن والسنة» أن حواء حزنت حزنا كبيرا وطويلا على قتل هابيل، فالقاتل والمقتول ولداها.
ويروي الطبري - رحمه الله - في تاريخه أن حواء حملت بابنها شيث بعد مقتل هابيل بخمس سنين، ومعنى «شيث» هبة الله، وسماه سيدنا آدم والسيدة حواء بهذا الاسم لأنهما رُزقاه بعد أن قُتل هابيل. وقالت من أجل أنه قد وهب لي خلفا من هابيل الذي قتله قابيل.. وولد لشيث أنوش.
وكان عمر آدم يوم ولد له «شيث» مائة وثلاثين سنة، وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة، وكان عُمر شيث يوم ولد له أنوش مائة وخمسًا وستين، وعاش بعد ذلك ثمانمائة سنة وسبع سنين. وولد له بنون وبنات غير أنوش.
قال محمد بن إسحاق: ولما حضرت آدم الوفاة عهد إلى ابنه «شيث» وعلمه ساعات الليل والنهار، وكذلك عبادات تلك الساعات، وأعلمه بوقوع الطوفان بعد ذلك.
ولما توفي آدم عليه السلام - وكان ذلك يوم الجمعة – جاءته الملائكة بحنوط وكفن من عند الله عز وجل - من الجنة، وعزوا فيه شيث عليه السلام.. قال ابن إسحاق: وكسفت الشمس والقمر سبعة أيام بلياليها.
وبعد موت الأب قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث عليه السلام، وكان نبيا بنص الحديث الذي رواه ابن حبان في صحيحه، عن أبي ذر مرفوعا أنه أنزل عليه خمسون صحيفة.
وعندما مات آدم عليه السلام حزنت عليه حواء حزنا شديدا، وعاشت بعده سنة ثم ماتت، ودفنت معه.
رضي الله عن أبينا آدم، وأمنا حواء، وأسكنهما جنته.
* ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة
