لم يقتصر الهروب إلى الماضي والبحث في الذكريات القديمة على رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين دشن بعضهم صفحات ومجموعات تتناول فقط كل ما هو قديم من صور وأغان، وإنما امتد في السنوات الأخيرة إلى الحملات الترويجية للمنتجات الغذائية والمشروبات الغازية وشركات الاتصالات. وبات أحد ملامح شهر رمضان المبارك في كل عام هو ترقب الإعلان الذي يلقي الضوء على ذكريات عشناها قبل 10 أو 15 وربما 20 عاما.
وعلى سبيل المثال فاجأ النجم عمرو دياب جمهوره في أرجاء الوطن العربي مؤخرا بالعودة نحو 15 عاما إلى الوراء، سواء عبر أغانية القديمة أو الأزياء المميزة التي أطلقها قبل أن تصبح موضة وذلك في إعلان لإحدى شركات، في إشارة إلى أن الحنين إلى الماضي يمثل مفتاحا إلى قلوب كثيرين.
لكن لم تكن هذه أول مرة يتم اللعب على وتر النوستالجيا في التسويق، فقد شهدت السنوات الأخيرة، وبخاصة في شهر رمضان المبارك، الكثير من الحملات الدعائية لشركات المياه الغازية ورقائق البطاطس، التي تستعيد أشخاصا رحلوا عن عالمنا، مثل الفنان الكوميدي الراحل فؤاد المهندس الذي سبب صدمة ما بين الفرح والدهشة لعشاقه حينما ظهر شبيه له قبل عامين في إعلان مشترك لشركتين كبريين، وبالفعل حقق الإعلان رواجا ونجاحا كبيرين مقارنة بغيره من الإعلانات.
ولم تكن هذه الطريقة الوحيدة لاستعادة الذكريات في الحملات الإعلانية، ففي العام الماضي رأينا أبطال مسرحية «المتزوجون»، سمير غانم وشيرين وجورج سيدهم، يطلّون علينا بنفس ملابسهم التي ظهروا بها في المسرحية التي عرضت في أواخر سبعينات القرن الماضي، ليخاطبوا وجدان جمهورهم أيضا من بوابة «النوستالجيا»، أيضا للتسويق لإحدى شركات المياه الغازية.
الشيء ذاته حدث مع منتخب مصر التاريخي الذي شارك بمونديال إيطاليا 1990، والذي ظهر لاعبوه مجددا رغم تقدمهم في العمر مرتدين زي المنتخب آنذاك في محاكاة لمباراة هولندا الشهيرة وهدف مجدي عبد الغني، وبنفس الطريقة كان أداء المطربين حميد الشاعري وهشام عباس لذكريات أغانيهما القديمة بنفس الملابس التي ارتدياها في فيديو كليب أغنية «حلال عليك» في تسعينات القرن الماضي.
من جهتها، قالت الدكتورة سميرة لمعي استشارية الطب النفسي، إن «الإنسان دائما ما يسعى لاستعادة الذكريات القديمة والحياة اليومية والاجتماعية التي عاشها قديما، كما أثنت على التركيز على الذكريات القديمة طالما كانت إيجابية ومفيدة».
ودعت لمعي إلى الإعلاء دائما من القيم الإيجابية التي تم تناولها في الأعمال الدرامية القديمة، مثل مسلسل «ونيس»، والتي جاءت تحمل توعية بشرط أن تكون غير مباشرة لتجدي نفعا. كما لفتت إلى أن ضغوط الحياة والظروف المعيشية الحالية تكاد تكون أنست الناس الابتسامة، ومن ثم تكون الإعلانات مدخلا إلى الذكريات الجميلة، وتابعت «وفي ظل افتقاد الحوار تقريبا داخل الأسرة نتيجة عمل الأب والأم فإن هذه النوعية من الإعلانات تقدم اجتماعيات الماضي التي صرنا نترحم عليها حين نتذكرها».
وأضافت لمعي أن «الذاكرة البشرية تنقسم إلى ثلاثة أجزاء: قديمة ومتوسطة وحديثة، وحين يشعر المرء بالضغوط فإنه يلجأ إلى الذكريات التي تجلب له الراحة النفسية، وغالبا ما تتعلق بمرحلة الطفولة الموجودة في الذكريات القديمة، خاصة لأنها المرحلة المحفورة في ذاكرة أغلبنا مع تقدم العمر».
نوستالجيا إعلانات رمضان والهروب إلى الماضي
10:22 دقيقه
