ترمب يندد بعنف اليمين المتطرف بعد انتقادات

«إف بي آي» يحقق في حادثة الدهس بشارلوتسفيل

مواطنون وضعوا أكاليل من الزهور تكريماً لروح قتيلة حادثة الدهس في شارلوتسفيل أمس (رويترز)
مواطنون وضعوا أكاليل من الزهور تكريماً لروح قتيلة حادثة الدهس في شارلوتسفيل أمس (رويترز)
TT

ترمب يندد بعنف اليمين المتطرف بعد انتقادات

مواطنون وضعوا أكاليل من الزهور تكريماً لروح قتيلة حادثة الدهس في شارلوتسفيل أمس (رويترز)
مواطنون وضعوا أكاليل من الزهور تكريماً لروح قتيلة حادثة الدهس في شارلوتسفيل أمس (رويترز)

أعلن متحدث باسم البيت الأبيض، أمس، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يندد «بكل أشكال العنف»، بما فيها «بالتأكيد» ذلك الذي يمارسه المنادون بتفوق العرق الأبيض والنازيون الجدد، وذلك بعد اتهامه بالتساهل مع اليمين المتطرف.
وقال المتحدث إن «الرئيس قال بقوة أمس (السبت) إنه يدين كل أشكال العنف، وانعدام التسامح والكراهية. وهذا يشمل بالتأكيد المنادين بتفوق العرق الأبيض، و(جماعة) كو كلوكس كلان، والنازيين الجدد، وكل المجموعات المتطرفة».
من جهتها، استنكرت إيفانكا ترمب، ابنة ومستشارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، «العنصرية، والاعتقاد بتفوق العرق الأبيض والنازيين الجدد»، بعدما واجه والدها انتقادات لرد فعله على العنف الذي شاب مسيرة لليمين المتشدد قبل يوم في مدينة شارلوتسفيل.
وقالت إيفانكا ترمب، في سلسلة من التعليقات عبر موقع «تويتر» صباح أمس، إنه «لا مكان في المجتمع للعنصرية، والاعتقاد بتفوق البيض والنازيين الجدد. علينا أن نتحد كأميركيين، ونصبح بلداً موحداً».
وشهد تجمع لحركات من اليمين المتطرف الأميركي أعمال عنف أسفرت عن سقوط قتيلة ونحو 20 جريحاً في شارلوتسفيل بولاية فرجينيا، وتلاه جدل بعدما لم يذكر الرئيس دونالد ترمب اسم جماعات المنادين بتفوق العرق الأبيض والنازيين الجدد.
وقتلت امرأة في الثانية والثلاثين من العمر عندما صدمتها سيارة عمداً، كما ذكر شهود عيان أن حشداً جاء للاعتراض على تجمع لليمين الأميركي المتشدد، من نازيين جدد وأميركيين يؤمنون بتفوق البيض ومنظمة «كو كلوكس كلان» واليمين البديل (آلت رايت).
من جهة أخرى، قتل شرطيان في تحطم لمروحيتهما بالقرب من المدينة، من دون أن يعرف ما إذا كانت هناك علاقة بين هذا الحادث وأعمال العنف. وجرت مواجهات بين المتظاهرين من الجانبين قبل تجمع اليمين في شارلوتسفيل الذي ألغته السلطات في نهاية المطاف في هذه المدينة التاريخية الصغيرة، الواقعة في شرق الولايات المتحدة.
وأدان ترمب أعمال العنف في شارلوتسفيل، السبت، من دون أن يشير إلى مسؤولية هذا الطرف أو ذاك فيها. وقال من نادي الغولف الذي يملكه في بيدمينستر في ولاية نيوجيرسي، حيث يمضي عطلته: «ندين بأشد العبارات الممكنة هذا التعبير الكبير عن الكراهية والتعصب الأعمى، وأعمال العنف التي تسبب بها أطراف كثيرة». وأثار تصريحه الذي بدا أنه يساوي بين المعسكرين غضباً لدى الديمقراطيين، وبعض الاستياء لدى الجمهوريين في حزبه.
وقال ترمب إن «الكراهية والانقسام يجب أن يتوقفا، وأن يتوقفا فوراً». ورداً على أسئلة لصحافيين، رفض ترمب إدانة حركات اليمين المتطرف بالتحديد.
وانتقدت الديمقراطية هيلاري كلينتون، التي هزمت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة أمام ترمب، الرئيس الأميركي، دون أن تذكر اسمه. وكتبت في تغريدة أن «كل دقيقة نسمح لذلك بالاستمرار عبر تشجيع ضمني، أو بعدم التحرك، هي عار وخطر على قيمنا».
وعبر السيناتور الجمهوري عن فلوريدا ماركو روبيو أيضاً عن موقفه، في تغريدة على «تويتر»، وقال إنه «من المهم جداً أن تسمع الأمة الرئيس يصف حوادث شارلوتسفيل بما هي عليه فعلاً؛ هجوم إرهابي نفذه مؤمنون بتفوق البيض».
بدوره، خرج الرئيس السابق باراك أوباما عن صمته، مستشهداً بكلمات لنيلسون مانديلا، رمز النضال ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، حيث قال: «لا أحد يولد وهو يكره شخصاً آخر بسبب لون بشرته أو أصوله أو ديانته».
وأدان وزير العدل جيف سيشنز، مساء السبت، «التعصب العرقي والكراهية» بعد أعمال العنف في شارلوتسفيل، وقال في بيان إن أعمال العنف «تضرب قلب القانون والعدالة الأميركيين»، وأضاف: «عندما تجري مثل هذه الأفعال بدافع التعصب العرقي والكراهية، فإنها تخون قيمنا الأساسية، ولا يمكن التسامح معها».
وفتح مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) تحقيقاً في ظروف إقدام شخص على صدم حشد من المتظاهرين بسيارته في مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا. وقال سيشنز إنه أجرى محادثات مع مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كريس كراي، ومع مسؤولين في هذا الجهاز في شارلوتسفيل، ومع مسؤولين عن حفظ النظام في فرجينيا، في شرق الولايات المتحدة حيث تقع المدينة.
وأعلنت إدارة «إف بي آي» في ريتشموند (فرجينيا)، في بيان، فتح تحقيق في «ملابسات الحادث الذي تسببت فيه آلية بقتل، السبت» في شارلوتسفيل. ومن الأسباب التي دفعت مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى تولي القضية أن الرجل المتهم بصدم الحشد بسيارته قدم من ولاية أوهايو، بشمال شرقي الولايات المتحدة، مما يتطلب تدخل الشرطة الفيدرالية.
وذكرت شبكة التلفزيون الأميركية «سي إن إن» أن المشتبه به جيمس أليكس فيلدز جونيور (20 عاماً)، وأصله من أوهايو، اتهم بالقتل، والتسبب بجروح، وبجنحة الفرار. وقال شاهد عيان لوكالة الصحافة الفرنسية: «كنا نمشي في الشارع، عندما قامت سيارة سوداء أو رمادية بصدمنا، وصدم الجميع. وبعد ذلك، رجعت إلى الخلف، وصدمتنا من جديد».
وروى رجل آخر كان حاضراً أن «فتاة على الأرض أصيبت بجروح. كان الأمر متعمداً. تعمدوا الرجوع إلى الوراء». وأصيب آخرون بجروح في أوقات أخرى من المظاهرة والمظاهرة المضادة.
وكان الإعلان عن هذا التجمع لليمين المتطرف، الذي سعى لإدانة مشروع تفكيك تمثال لجنرال جنوبي مؤيد للعبودية خلال حرب الانفصال، يثير قلقاً كبيراً. وقد وصفته المنظمات المناهضة للعنصرية بأنه أكبر تجمع لهذا التيار السياسي منذ عقد، مع مشاركة مئات الأشخاص فيه.
ومنذ بداية النهار، كان عدد من المتظاهرين يحملون أسلحة نصف آلية بموجب قانون فرجينيا الذي يسمح بذلك. ومع بدء مواجهات عنيفة جداً، أعلنت السلطات المحلية حالة الطوارئ، ومنع التجمع. ورفع كثير من أنصار اليمين المتطرف أعلام الكونفدرالية، التي يعتبرها كثير من الأميركيين رمزاً للعنصرية، وأدّى بعضهم التحية النازية.
أما الناشطون المعادون للعنصرية، فقد رفعوا رايات حركة «حياة السود تهم» (بلاك لايف ماترز)، التي تحتج باستمرار على سقوط سود ضحايا للاستخدام المفرط للقوة من قبل الشرطة، وقد هتفوا: «نقول: لا للخوف العنصري»، و«لا نازيين، لا كو كلوكس كلان، لا فاشيين، في الولايات المتحدة».
وقبيل مساء السبت، أصبح وسط شارلوتسفيل شبه مقفر؛ لا وجود فيه سوى لقوات كبيرة من الشرطة. وهاجم حاكم فرجينيا، مساء السبت، المجموعات اليمينية المتطرفة، وقال: «لديّ رسالة لكل الذين يتحدثون عن تفوق البيض والنازيين الذين جاؤوا إلى شارلوتسفيل، رسالتنا بسيطة وواضحة: عودوا إلى بيوتكم، ولا نرحب بكم في هذه المنطقة».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended