حكومة روحاني... تهدئة مع المحافظين وانقلاب على الحلفاء

حكومة روحاني... تهدئة مع المحافظين وانقلاب على الحلفاء
TT

حكومة روحاني... تهدئة مع المحافظين وانقلاب على الحلفاء

حكومة روحاني... تهدئة مع المحافظين وانقلاب على الحلفاء

«أحد الذين يقضون ليلاً بارداً في زاوية القبر، اسمه آرمان، سيبقى عالقاً في ذهني، آرمان ضائع وجدوه في القبر... العار لنا». هذه العبارة وردت في رسالة للمخرج الإيراني الفائز بالأوسكار مرتين، أصغر فرهادي، يعبر فيها عن حزنه العميق لوضع الطبقات المهمشة والفقيرة في إيران، بعد نشر تقرير صادم عن سكان القبور في طهران في فبراير (شباط) الماضي.
تعني آرمان بالفارسية الغاية المنشودة، وهنا استخدم فرهادي براعته الفنية لتقديم تراجيديا المهمشين. في جانب آخر من رسالته يؤكد أن «بعض المتلاعبين في السياسة سيجعلون من تقارير كهذه ذريعة لتسخين فرن الألاعيب السياسية والانتخابية المترهلة». ويضيف: «للأسف فإن حرارة الفرن لن تدفئ أجساد الأطفال والنساء والرجال المشردين في زوايا القبور والحدائق وتحت الجسور».
لكن رغم تحذير المخرج الإيراني، فإن الأوضاع المعيشية عامة، خصوصاً معاناة الفقراء، أصبحت بعد أشهر قليلة محور الحديث في انتخابات الرئاسة الإيرانية. قبل الدخول في إجراءات الانتخابات، تحدث المرشد الإيراني علي خامنئي مرات عدة عن ضرورة المشاركة الواسعة في الانتخابات. دعوة خامنئي لم تكن جديدة، إذ سبقتها مواقف مشابهة في الانتخابات المتتالية التي رفعت الحرج عن النظام في ظل أزمة المشروعية منذ إعلان «ولاية الفقيه» هوية للنظام الصاعد بعد ثورة 1979. لكن الجديد في مواقف المرشد الإيراني انتقادات غير مسبوقة للوضع المعيشي وأزمة البطالة في إيران.
فُهمت تلك الانتقادات على الساحة الإيرانية في سياق إصرار المحافظين على اختصار رئاسة روحاني بفترة رئاسية واحدة. لكن في الواقع، كانت مواقف خامنئي بمثابة الضوء الأخضر لمهاجمة أداء روحاني الاقتصادي وتأثيره على الوضع المعيشي، وهو ما شكل تهديداً لروحاني الذي لم يجد أمامه سوى رفع النبرة والعزف على الأوتار الخطيرة في الداخل الإيراني بتوسيع نطاق الوعود، حفاظاً على آماله في كرسي الرئاسة للمرة الثانية.
انقلب خطاب روحاني بعد المناظرة التلفزيونية الثالثة وردد شعارات التيار الإصلاحي، وتحولت حملاته الانتخابية إلى كرنفالات لترديد هتافات الثورة الخضراء. توجه إلى مناطق المكونات العرقية وبدأ خطاباته هناك باللغات المحلية. في الأحواز لجأ إلى الشعراء الشعبيين لترديد الأهازيج. وفي المناطق الأذرية تحدث باللغة التركية. وفي كرمانشاه وجه رسالة سلام إلى الكرد حول «إيران موحدة المصير» على وقع الدبكة الكردية. وتوجه إلى البلوش، أفقر شرائح المجتمع الإيراني، بوعود رفع التمييز الديني والقومي. انتقد روحاني بشكل عام تهميش القوميات، وحينذاك ذكر نائبه الأول إسحاق جهانغيري بأن «جهات» تمارس ضغوطاً لعرقلة توظيف أبناء القوميات.
وتطلبت انتقادات روحاني لوضع القوميات، رداً سريعاً من خامنئي حذر فيه من «تحريك الفوالق» في الساحة الإيرانية وإحداث «زلزال كبير في المجتمع».
بدورها، كانت وعود روحاني للمرأة التي تشكل نصف المجتمع الإيراني، مغرية وغير مسبوقة، منها تشكيل وزارة خاصة بشؤون المرأة شعارها رفع التمييز وتعيين أكثر من وزيرة بعدما وجدت المرأة في 3 مناصب بين مساعديه إضافة إلى مستشارة خاصة.
كذلك قال روحاني إنه يعول على الشباب في حكومته الجديدة، إذا فاز في الانتخابات. ورد على انتقادات لأكبر حكومة إيرانية سناً بحساب متوسط أعمار وزرائها، قال إنه يتجه إلى حكومة أكثر شباباً وحيوية. كما وعد الشباب الإيرانيين برفع القيود عن الحريات العامة وتحسين أوضاع الفنون والموسيقى والسينما، مما أدى إلى تجاوب من الفنانين والشخصيات المشهورة بإصدار بيانات رفعت نسبة أصوات روحاني.
تحت تأثير الوعود، شهد الأسبوع الأخير من الانتخابات تطورات كبيرة بإصدار زعماء الإصلاحيين محمد خاتمي وميرحسين موسوي ومهدي كروبي بيانات منفصلة تأييداً لحملة روحاني في الانتخابات. بلغ تفاؤل الإصلاحيين بتعويض خسائر السنوات الماضية والعودة أقوى من السابق ورفع القيود عن المثلث القيادي كروبي - موسوي - خاتمي، أعلى المستويات، بعدما تقمص روحاني دور الزعماء الإصلاحيين وهاجم القضاء بأشد العبارات، ووصف المدعي العام السابق بالرجل الذي لا يعرف سوى الإعدام والسجن.
أكثر من ذلك، أطلق روحاني سهام انتقاداته الحادة باتجاه «الحرس الثوري» في السياسة والاقتصاد. هنا اكتملت الصورة، وفاز روحاني في الانتخابات.
انتقادات روحاني أخذت منحى تصاعدياً بعد الانتخابات، ووصف «الحرس الثوري» بـ«الحكومة التي تحمل البندقية»، وأبدى انزعاجه من عبء «الحرس» على الاستثمار الأجنبي. انتقادات روحاني رد عليها المرشد الإيراني بتحذيره من تكرار سيناريو العزل السياسي للرئيس الإيراني الأول أبو الحسن بني صدر، كما أطلق خامنئي مشروع «حرية إطلاق النار». وبموازاته، انتقد كل من قائد «الحرس الثوري» محمد علي جعفري وقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني مواقف روحاني، وحذروه من إضعاف دور «الحرس الثوري»، وكانت تلك المواقف بداية هجمة شرسة تعرض لها روحاني من كبار المسؤولين المتنفذين في السلطة وبلغت حد اتهامه ضمناً بمعاداة أجهزة الثورة.
تطور خطاب روحاني المفاجئ في أيام الانتخابات ضمن فوزه بفترة رئاسية ثانية. واستمر في التوهج في مرحلة ما بعد الانتخابات، عبر مهاجمة «الحرس الثوري» والقضاء، إلى أن أعلن الأخير اعتقال شقيقه ومستشاره الخاص حسين فريدون الشهر الماضي بيد مخابرات «الحرس الثوري» وبأوامر قضائية، قبل الإفراج عنه بكفالة مالية. وجاء الاعتقال في وقت كان فيه روحاني يجري مشاورات مع حلقته الخاصة لاختيار التشكيلة الحكومية ومراسم اليمين الدستورية.
قبل شهر من إعلان تشكيلة الحكومة، كشفت وكالات الأنباء عن لقاء جرى بين روحاني وخامنئي حول اختيار الوزراء. لم تنشر تفاصيل عن اللقاء. لكن مكتب المرشد الإيراني رد لاحقاً على اتهامه بفرض تشكيلة حكومية، بإصدار بيان قبل أسبوعين من مصادقة خامنئي على نتيجة انتخابات الرئاسة. أشار البيان إلى أن المرشد لا يتدخل في انتخاب الوزراء إنما دوره «استشاري» في اختيار 3 وزارات، هي الخارجية والاستخبارات والدفاع. وأضاف أن المرشد لديه «حساسيات خاصة» حول وزارات أخرى مثل التعليم والثقافة والإعلام والتعليم العالي.
بعد ذلك، التقى روحاني الخمسة الأبرز من قادة «الحرس الثوري»، ولم تمضِ أيام حتى أعلن مكتبه لقاء برئيس القضاء صادق لاريجاني ورئيس البرلمان علي لاريجاني. وخرج من اللقاء أنهم بحثوا الملفات الإيرانية الساخنة على المستوى الداخلي والإقليمي، وقانون العقوبات الأميركية الجديد.
وبعد تلك الأحداث، دخل روحاني في مرحلة هدنة مع المعسكر المتنفذ في النظام، وعلى رأسه المرشد، في حين ظهرت مؤشرات على تصدع التحالف بينه وبين المعسكر الإصلاحي. فعقب الانتخابات، أصر الإصلاحيون على ضرورة إبعاد عدد من الوزراء وتسمية وزراء يتناسبون مع شعارات روحاني للقيام بإصلاحات اقتصادية وسياسية وتحسين الحريات العامة.
في الثالث من أغسطس (آب)، صادق خامنئي على رئاسة روحاني. وفي المراسم التقليدية تحدث الرئيس عن برامجه وتمسكه بالاتفاق النووي وسياسة التعامل مع العالم، وختم خامنئي المراسم بالحديث عن أولويات إيرانية «الثورية»، وضرورة وجود سياسة خارجية تتعامل مع العالم كله، وفي الوقت نفسه طالب إدارة روحاني بمواجهة أميركا. وهو الذي كان رسم في بداية ولاية روحاني الأولى، الخطوط العريضة للسياسة الخارجية بتأكيد على «المرونة البطولية» التي شكلت نقطة انطلاق لعودة طهران إلى طاولة المفاوضات النووية والكشف عن مفاوضات سرية سبقت فوز روحاني آنذاك.
السبت الماضي، أزاح روحاني الستار عن خطابه الجديد، وقال إنه سيعلن حكومة «المصلحة والاعتدال». وفي أقل من 3 أيام، أرسل روحاني قائمة الحكومة التي طال انتظارها بين حلفائه. وأظهرت التشكيلة احتفاظه بنسبة كبيرة من أعضاء حكومته السابقة. بقي 9 وزراء مقابل 8 وزراء جدد. وبدا واضحاً أن عملية انتخاب الوزراء شارك فيها عملياً لاعبون عدة في النظام، وأنها أوسع من أن تقتصر على حزب «العدالة والتنمية» الذي يقوده روحاني. من جانب آخر، فإن فريقاً من المحللين يميل إلى أن روحاني بانتخابه التشكيلة الحالية، يظهر رغبته بعدم اختزال حزبه في التحالف مع الإصلاحيين.
حافظ روحاني على وزير الخارجية والاستخبارات، وهو ما يعني قبول خامنئي ببقاء محمد جواد ظريف ومحمود علوي في منصبيهما. بقي وزير النفط بيجن زنغنة. وشرح ظريف برنامجه قبل أيام أمام كتلة «الولاية» المحافظة، وأوضح أنه عين مساعداً له لتفعيل الدبلوماسية الاقتصادية. إعادة اختيار الثنائي ظريف وزنغنة توضح أن حكومة روحاني تتجه لسياسة خارجية تركز على العلاقات التجارية.
ردود الأفعال الأولية أوضحت الانقسام في معسكر حلفاء روحاني. فوفق مراقبين للشأن الإيراني، لم ينل روحاني هدنة كاملة مع التيار المحافظ، فيما كانت اختياراته دون توقعات حلفائه الإصلاحيين الذين انقسموا حول تشكيلة الحكومة.
راهن روحاني على لعب دور البراغماتي الذي يسعى إلى نيل رضا الجميع. لكن مقارنة تشكيلة الحكومة بالشعارات الكبيرة التي رفعها الرئيس الإيراني خلال الحملات الانتخابية وبعد فوزه، شكلت انتكاسة وأدت إلى تذمر بين الأطراف التي دعمت برامجه في الانتخابات.
خلال الشهر الماضي، خرجت خلافات روحاني وحلفائه الإصلاحيين مرات عدة إلى وسائل الإعلام. فبينما شدد روحاني في أكثر من مناسبة على أنه يتطلع إلى حكومة غير محسوبة على تيار واحد، انتقده رئيس كتلة «الأمل» الإصلاحية محمد رضا عارف الذي اعتبر أن الرئيس يدين للإصلاحيين بفترتين فاز بهما. وخرجت تصريحات مشابهة من أسرة الرئيس الراحل هاشمي رفسنجاني إلى وسائل الإعلام.
ورداً على ذلك، وجه فريق روحاني تهماً إلى الحلفاء المنتقدين. وقال إنهم يطالبون بحصة في الحكومة، وهو ما نفاه بشدة قادة التيار الإصلاحي. مواقف عارف رد عليها بعض النواب الإصلاحيين في البرلمان، وهو ما أثار شكوكاً بانقسام الإصلاحيين تجاه روحاني.
وربما كان أبرز مؤشر على تخلي روحاني عن وعوده هو الحفاظ على وزير الداخلية رغم المطالب الواسعة من الإصلاحيين بتغييره. كذلك تخلى الرئيس عن وعده بتعيين وزيرة من بين النساء، بعدما قالت مساعدته السابقة لشؤون المرأة إنه وعد بتأسيس وزارة خاصة بالنساء، وتعيين أكثر من امرأة في الحكومة. وكان 157 نائباً طالبوا بتعيين وزيرة.
وعلى صعيد الحريات العامة، فإن تحقق وعود روحاني مستبعد إلى حد كبير بعد تعيين محمد جواد آذري جهرمي (36 عاماً) وزيراً للاتصالات، وهو الذي شغل منصب رئيس دائرة التنصت في وزارة الاستخبارات.
وبغض النظر عن تخلي روحاني عن وعد بتعيين وزير من القوميات والسنّة، فإن تجاهل دعوة ممثلي السنة إلى مراسم المصادقة على نتائج الانتخابات بحضور خامنئي، وبعدها اليمين الدستورية، أثار تذمر تلك الشرائح. وفي السياق نفسه، فإن اختياره وزير الطاقة حبيب الله بيطرف الذي شغل سابقاً منصب وزير الطاقة في حكومة رفسنجاني، كان بمثابة صدمة لأهل المناطق المتضررة من سياسة بناء السدود في الأحواز وأذربيجان.
حتى الآن، أوضحت غالبية المواقف من تشكيلة روحاني الثانية أنها لا تتناسب مع شعاراته الداخلية، وأنها سجلت تراجعاً ملحوظاً عن وعوده الانتخابية. ولا يعول المراقبون على أن تجد التشكيلة الحالية حلولاً عاجلة للأزمات السياسية والاقتصادية والبيئية في الداخل.
وعلى ما يبدو، اختار روحاني التراجع عن وعوده بانتخاب تشكيلة تعرض مستقبله السياسي للخطر مع حلفائه الإصلاحيين. عودة روحاني إلى المنزل الأول (المحافظين) ربما أصدق ما اتفقت عليه ردود الأفعال الإصلاحية والمحافظة بعد إعلان تشكيلة إدارته.
كان الإصلاحيون يأملون بأن يتوجه بتشكيلة أفضل من تشكيلة السنوات الأربع الماضية، نظراً إلى تغير بنية البرلمان لمصلحته مقارنة ببداية ولايته السابقة. لكن انقلاب روحاني المفاجئ على وعوده، أغضب الإعلام الإصلاحي الذي اتهمه باختيار مصالحه الشخصية ومستقبله السياسي والنظر إلى مناصب أبعد من الرئيس، ربما بينها كرسي الرئاسة في مجلس تشخيص مصلحة النظام بدل رفسنجاني.
في اللحظات الأخيرة من إعلان تشكيلة الحكومة، وجه الرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي رسالة إلى روحاني. لكن الاعتقاد السائد الآن أن خاتمي لم يعد يمثل جميع الإصلاحيين. رغم ذلك حاولت كتلة «الأمل» أن تظهر أنها ما زالت تحافظ على التحالف مع روحاني والتأثير عليه، وأن العلاقات مستمرة رغم التشكيلة المخيبة لآمال الإصلاحيين. ونقلت وكالة أنباء «إيلنا» الإصلاحية عن عضو الكتلة قاسم ميرزايي أن خاتمي التقى رئيس مكتب روحاني الجديد محمود واعظي ووزير العمل علي ربيعي. وبحسب ميرزايي، فإن موفدي روحاني شرحا برامج الحكومة لخاتمي الذي أعلن تأييده للحكومة الجديدة. وقبل يومين، نفت قائمة «الأمل» الإصلاحية أن تكون طلبت من بعض الوزراء الإصلاحيين المقترحين من قبل روحاني، الانسحاب من تشكيلته الوزارية.
في المقابل، فإن تغيير روحاني المفاجئ أثار حيرة الإعلام المحافظ، فوصفت مجلة «مثلث» المحافظة انقلاب روحاني على حلفائه الإصلاحيين بالعملية الجراحية في التركيبة السياسية الإيرانية. واعتبرت أن روحاني «مختص بمفاجأة الجميع». ففي وقت ذهبت فيه التوقعات إلى تقديم روحاني حكومة مقربة من الإصلاحيين، انقلبت بوصلة حكومته من حلفائه إلى المحافظين.
ورأت «مثلث» أن الاصطفافات السياسية في البلد تشغل روحاني أكثر من تشكيلة الحكومة. ويعني ذلك أن الرئيس يبحث إعادة تعريف نفسه في السياسة الإيرانية. واعتبرت أن 6 عوامل دفعت روحاني إلى اتخاذ القرار، أولها التأثير على التركيبة السياسية، ثم تقديم شخصية جديدة في محاولة لأخذ مكان رفسنجاني، وثالثاً: محاولة خلق التوازن في التقسيمات السياسية، ورابعاً: توثيق العلاقات بأركان النظام ودوائر صنع القرار العليا، وخامساً: تعميق الانقسام في التيار المتشدد والعمل على انهيار المعسكر، وأخيراً: إضعاف دور الإصلاحيين السياسي والإبقاء على الوضع الحالي. وخلصت المجلة التي تعبر عن وجهة نظر أوساط المحافظين إلى أن ما حدث يعزز مكانة اليمين المعتدل أكثر من السابق.
وأظهرت حكومة روحاني، وفق محللين، أن نتائج الانتخابات ليست العامل الأهم في تسمية الوزراء، إنما المعادلات السياسية والتحالفات داخل السلطة. وروحاني، وإن قبل بأن يكون متحالفاً مع الإصلاحيين، فإنه سياسي من التيار المحافظ وحليف استراتيجي لرئيس البرلمان علي لاريجاني. وبالعودة إلى أيام الانتخابات، كان لاريجاني وناطق نوري أعلنا افتتاح مكاتب للمحافظين المعتدلين لدعم حملة روحاني في الانتخابات. وبينت ردود الأفعال أن فريق رئيس البرلمان علي لاريجاني هو الرابح الأكبر من التحرك السياسي ومعادلة الانتخابات.
ومن المفترض أن يتجه روحاني هذا الأسبوع مع فريق وزرائه المقترحين للحصول على ثقة البرلمان. ما سيجري في الجلسة وما سيتبعها من تصريحات ومواقف من الكتلة النيابية، سيظهر مزيداً من ردود الأفعال على تراجع روحاني عن نسخته الإصلاحية في الانتخابات الأخيرة إلى دوره الطبيعي في المعسكر المحافظ. ولكن ما اتضح حتى الآن أن روحاني خسر كثيراً من مؤيديه في الشارع قبل أن تنال حكومته ثقة البرلمان.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.