التضخم المصري يخترق «سقف التسجيلات» ضاغطاً على المواطنين

إشادات خارجية بـ«الإصلاحات»... ومطالبات داخلية بـ«طوق إنقاذ»

التضخم المصري يخترق «سقف التسجيلات» ضاغطاً على المواطنين
TT

التضخم المصري يخترق «سقف التسجيلات» ضاغطاً على المواطنين

التضخم المصري يخترق «سقف التسجيلات» ضاغطاً على المواطنين

أشارت بيانات رسمية مصرية أمس إلى أن معدل التضخم الشهري في البلاد في يوليو (تموز) الماضي ارتفع بنحو 3.3 في المائة، وبلغ في المدن 33 في المائة. وليصل بذلك معدل التضخم العام في يوليو على أساس سنوي إلى مستوى 34.2 في المائة، وهو الأعلى منذ 3 عقود. فيما قفز معدل التضخم السنوي «الأساسي» قفز إلى 35.26 في المائة في يوليو، ليخترق بذلك سقف أعلى المعدلات المسجلة.
وقال البنك المركزي المصري أمس إن معدل التضخم السنوي «الأساسي» قفز إلى 35.26 في المائة في يوليو، من 31.95 في المائة في يونيو (حزيران)، مسجلا بذلك أعلى مستوى منذ أن بدأ البنك في تسجيل بيانات التضخم في 2005. ولا يتضمن التضخم الأساسي سلعا مثل الفاكهة والخضراوات بسبب التقلبات الحادة في أسعارها.
وجاء بيان المركزي بعد ساعات من تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، والذي أشار إلى أن معدل التضخم في البلاد خلال شهر يوليو الماضي ارتفع بنحو 3.3 في المائة ليبلغ 256.6 نقطة، مقارنة بشهر يونيو السابق عليه والذي سجل 248.4 نقطة.
وعلى المستوى الدولي، لا تتوقف الإشادة بنتائج الإصلاحات الاقتصادية التي تقوم بها مصر نظرا للمؤشرات الإيجابية التي تشهد تحسنا متواصلا على المستوى العام... لكن بحسب محللين اقتصاديين داخل مصر، فإن ارتفاع معدلات التضخم القياسية - وإن كانت نتيجة إجراءات إصلاح حتمية تتخذها الحكومة؛ إلا أنها تلقي بأحمال كبرى على كاهل المواطنين يمكن أن «تسحق» الفئات الدنيا وتؤثر بشكل واسع على الطبقة المتوسطة، خاصة في ظل عدم مواءمة مستويات التضخم المتصاعد مع متوسطات الأجور ودخل الأفراد.
ويرى هؤلاء أن عبور مصر من عنق الزجاجة اقتصاديا يعتمد على عدة محاور، من بينها المضي قدما في الإصلاح تزامنا مع العمل بشكل أكثر عجالة على جذب استثمارات ومشروعات تنموية تمثل «طوق إنقاذ»، وليس فقط عبر اجتذاب النقد الأجنبي في أدوات الدين أو مضاربات أسواق المال... حيث إن من شأن تلك الحركة التنموية أن تسفر عن انتعاشة يشعرها المواطن بـ«شكل مباشر» كي يتمكن من احتمال آثار تلك الإجراءات.
وقبل نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، سجل معدل التضخم 13.6 في المائة في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2016، وكان يحوم حول نسب مقاربة خلال الأشهر السابقة. فيما كان أعلى مستوى للتضخم مسجل في المدن المصرية على الإطلاق في يونيو عام 1986 عند مستوى 35.1 في المائة، وذلك تأثرا ببعض الإجراءات الأمنية التي أعقبت ما يعرف بـ«أحداث الأمن المركزي»، حين حدث نوع من التمرد داخل صفوف جنود الأمن المركزي في نهاية شهر فبراير (شباط) من ذلك العام نتيجة انتشار شائعة عن تمديد فترات التجنيد الإجباري، وما أسفر عنه ذلك من تدخل الجيش لحفظ الأمن واحتواء الموقف.
وخلال الأشهر الماضية، اتخذت الحكومة المصرية عددا من القرارات المؤثرة، وعلى رأسها تحرير سعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري (التعويم) في مطلع شهر نوفمبر الماضي، ثم رفع جزئي بأسعار المحروقات في اليوم التالي، وقفزت تلك القرارات بالتضخم في الشهر ذاته إلى مستوى 19.4 في المائة. والتي ظلت تتصاعد في الأشهر التالية حتى وصلت قمتها في أبريل (نيسان) الماضي عند مستوى 31.5 في المائة، لتهبط للمرة الأولى - والأخيرة - في مايو (أيار) إلى 29.7 في المائة، ثم تعاود الارتفاع إلى 29.8 في يونيو.
وفي نهاية يونيو الماضي، قامت الحكومة برفع كبير بأسعار أغلب المحروقات بمتوسط نحو 50 في المائة، تلاه رفع أسعار الكهرباء والمياه والمواصلات العامة خلال شهري يوليو الماضي وأغسطس (آب) الحالي على التوالي بنسبة متوسطة نحو 40 في المائة، وذلك في محاولة لتخفيض فاتورة الدعم. كما شهدت أسعار عدد من الأدوية ارتفاعات، ويتوقع أن يجري إقرار زيادات أخرى على عدد آخر خلال الفترة القريبة المقبلة.
- تحسن بالعجز والاحتياطي
وبالفعل، أعلنت الرئاسة المصرية، يوم الثلاثاء الماضي، أن العجز الكلي للموازنة انخفض إلى مستوى 10.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2016 - 2017 التي انتهت في 30 يونيو، مقارنة مع 12.5 في المائة في السنة المالية السابقة. ويعد ذلك هو أدنى مستوى لعجز الموازنة العامة في 5 سنوات، ما اعتبره عدد من المراكز الدولية والاقتصادية المتخصصة أول مؤشر فعلي على نجاح الحكومة بعد تطبيق الإجراءات الاقتصادية الجديدة، خاصة أنه تزامن مع إعلان البنك المركزي بداية الشهر الحالي عن وصول احتياطيات النقد الأجنبي في مصر إلى نحو 03. 36 مليار دولار، ليتجاوز مستواه القياسي السابق حين سجل في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2010 مستوى 36.005 مليار دولار، ثم تآكل تباعا بعد ذلك عقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 نتيجة هروب رؤوس الأموال والسياحة من مصر.
وبينما يرى البعض أن مستوى النقد الأجنبي القياسي يدل على نجاعة الإصلاحات، يرى البعض الآخر أنه ليس كذلك تماما، كونه ناتجا بشكل رئيسي عن ديون خارجية واجبة السداد، وليس عن استثمارات حقيقية أو أصول تنموية تمتلكها الدولة، مدللين على ذلك أن إعلان المركزي عن الاحتياطي، تضمن أيضا أن الدين الخارجي للبلاد قفز إلى نحو 73.9 مليار دولار في نهاية الربع الأول من العام الحالي، فيما كان مستواه أقل من الاحتياطي حتى نهاية 2010، ما يؤكد أن الاحتياطي آنذاك كان نتيجة الاستثمار المباشر في مصر.
إلا أن رفع الدعم عن المحروقات لم يؤد فيما يبدو إلى نتائج طردية أو انعكاس إيجابي كامل على الموازنة، إذ قال وزير البترول المصري طارق الملا يوم الثلاثاء الماضي إن تكلفة دعم المواد البترولية قفز إلى 120 مليار جنيه، بما يعادل 6.75 مليار دولار، خلال العام المالي 2016 - 2017، مقابل نحو 51 مليار جنيه في العام المالي 2015 - 2016 ليرتفع الدعم بنسبة 135.3 في المائة.
وأرجع الوزير الزيادة في الدعم إلى قرار تحرير سعر الصرف، ما أدى إلى زيادة دعم المواد البترولية، لافتاً إلى أنه من المقرر أن يبلغ دعم المواد البترولية في ميزانية 2017 - 2018 نحو 110 مليارات جنيه، على أساس تكلفة سعر خام برنت، بمتوسط يصل لنحو 55 دولارا، وسعر 16 جنيها للدولار.
- ارتفاعات قياسية بالأسعار
وبحسب بيان الجهاز المركزي للإحصاء، فإن أسعار الطعام والشراب زادت لتبلغ 2.4 في المائة خلال شهر يوليو مقارنة بالشهر السابق عليه، كما ارتفعت أسعار المسكن والمياه والكهرباء والغاز بنحو 2.6 في المائة، وبعض المشروبات والتبغ بنسبة 8.6 في المائة، والملابس والأحذية بنسبة 0.9 في المائة، والنقل والموصلات 9.3 في المائة، والمطاعم والفنادق بنسبة 10.4 في المائة.
وعلى أساس سنوي، زادت أسعار الطعام والشراب 43 في المائة خلال شهر يوليو الماضي مقارنة بالشهر المقابل في عام 2016، كما ارتفعت أسعار المساكن والمياه والكهرباء والغاز بنحو 10.2 في المائة، وبعض المشروبات ومنتجات التبغ بنسبة 44.6 في المائة، والملابس والأحذية بنسبة 28.4 في المائة، والنقل والموصلات بنسبة 36.7 في المائة، والمطاعم والفنادق بنسبة 33.2 في المائة.
وفى الحضر، زاد معدل التضخم في يوليو الماضي بنحو 3.2 في المائة على أساس شهري، ليبلغ 248 نقطة، فيما زاد على أساس سنوي بنحو 33 في المائة. وفي الريف زاد معدل التضخم بنحو 3.3 في المائة على أساس شهري ليبلغ 266.8 نقطة، بينما زاد على أساس سنوي إلى 35.7 في المائة.
- إشادات دولية بالإصلاحات
لكن، ومن وجهة نظر دولية خارجية، فإن مصر تمضي على الطريق الصحيح. وعلى سبيل المثال فإن وكالة بلومبيرغ قالت أمس إن هناك تحسنا ملحوظا طرأ خلال الآونة الأخيرة على الاقتصاد المصري يكشف مدى نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي. عازية هذا التطور إلى خفض الحكومة للدعم على الغذاء والوقود وبعض الخدمات الأخرى مثل الكهرباء والماء، بالإضافة إلى فرض ضريبة القيمة المضافة، وخفض أجور بعض قيادات القطاع العام، وهو ما أدى لكبح جماح عجز الموازنة العامة.
وأشارت بلومبيرغ إلى أن جميع البيانات والإحصائيات الخاصة بالاقتصاد المصري خلال عام 2017 رفعت من ثقة المستثمرين في السوق المصرية بصورة كبيرة، وهو ما أدلى لارتفاع الاحتياطي من النقد الأجنبي لدى البلاد إلى مستوى قياسي خلال الشهر الماضي. كما أوضحت أن معدلات النمو الاقتصادي ارتفعت بنسبة 4.1 في المائة، وانخفض العجز التجاري بنسبة 26 في المائة، وارتفع معدل الصادرات بنسبة 10 في المائة وانخفضت الواردات بنسبة 14 في المائة، ما أدى لنمو الإيرادات بنسبة 28 في المائة، في ظل ارتفاع معدلا الإنفاق بنسبة 22 في المائة.



صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.