تل أبيب تحذّر «حماس» من حرب جديدة {إذا عطّلت بناء الجدار الحدودي}

التقنيات أوروبية والآلات ألمانية والعمّال مولدافيون والمهندسون إسبان وإيطاليون

والدة شاب فلسطيني هدمت إسرائيل منزله في قرية دير أبو مشعل قرب رام الله أمس بحجة تنفيذه عملية في القدس (رويترز)
والدة شاب فلسطيني هدمت إسرائيل منزله في قرية دير أبو مشعل قرب رام الله أمس بحجة تنفيذه عملية في القدس (رويترز)
TT

تل أبيب تحذّر «حماس» من حرب جديدة {إذا عطّلت بناء الجدار الحدودي}

والدة شاب فلسطيني هدمت إسرائيل منزله في قرية دير أبو مشعل قرب رام الله أمس بحجة تنفيذه عملية في القدس (رويترز)
والدة شاب فلسطيني هدمت إسرائيل منزله في قرية دير أبو مشعل قرب رام الله أمس بحجة تنفيذه عملية في القدس (رويترز)

حذّرت إسرائيل حركة «حماس» في غزة من محاولة إحباط إقامة جدار حدودي يهدف إلى منع حفر أنفاق بين القطاع وإسرائيل، معلنة أنها رصدت فتحات أنفاق مخبأة تحت منازل مدنيين، وملوحة بإمكان قصفها.
وقال الجنرال إيال زامير قائد المنطقة العسكرية الجنوبية خلال مؤتمر عبر الهاتف الأربعاء: «في الأشهر المقبلة سنسرع بناء هذا الحاجز ونأمل في إنجازه خلال سنتين». ونقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن زامير: «أعتقد أن على الطرف الآخر إعادة تقييم الموقف في ضوء بناء الجدار». وأضاف: «إذا اختارت حماس خوض حرب بسبب الجدار فسيكون ذلك سبباً كافياً (بالنسبة لإسرائيل) لخوض حرب لكن الجدار سيبنى».
وصرح وزير الإنشاء يوآف غالانت العضو في الحكومة الأمنية والقائد السابق للمنطقة العسكرية الجنوبية: «آمل في ألا تهاجم حماس ورشة بناء الجدار إذ إنها تعتبر هذه الأنفاق أداة استراتيجية ضد إسرائيل».
وبموازاة هذا التحذير الإسرائيلي، نشر الجيش صوراً التقطت من الجو وإحداثيات لمبنيين في غزة قال إن «حماس» تستخدمهما لإخفاء شبكة أنفاق. وقال إن أحدهما منزل لأسرة أحد أعضاء «حماس» ويربطه ممر سري بمسجد.
وأصدر الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي بياناً قال فيه: «يبذل الجيش وجهاز الأمن العام الشاباك جهوداً استخبارية متواصلة لكشف شبكات الأنفاق العسكرية التابعة لحماس، فحتّى اليوم تم اكتشاف كثير من الممتلكات العسكرية المهمة التابعة لحماس. حماس تستغل الأماكن المدنية بما في ذلك المباني العامّة كالمدارس والمساجد، وغيرها، وكذلك بيوت المواطنين في جهودها الحربية». وأضاف: «يكشف جيش الدفاع عن منزليْن مدنيين في شمال قطاع غزة تستخدمهما حماس غطاء لنفقيْن. الأول فتحة لنفق في بيت المواطن عمر محمد محمود حامد الذي يسكن مع أبناء عائلته في بيت لاهيا بالإضافة إلى فتحة لنفق إرهابي آخر، تابع لمنظمة حماس في منزل مدني آخر في مخيم الشاطئ. إن هذه الأماكن تُصبح أهدافاً عسكرية شرعيّة وفق القانون الدّولي عندما تتحول من بيوت مدنية إلى معاقل إرهابية. ليعلم كلّ مواطن يسمح لحماس باستغلال ممتلكاته لأهدافها أنه يعرّض حياته، وحياة عائلته للخطر». وردت «حماس» فوراً بتكذيب إسرائيل. وقال فوزي برهوم المتحدث باسم «حماس» إن التصريحات الإسرائيلية «مجرد أكاذيب وفبركات تهدف إلى تشويه سمعة المقاومة الفلسطينية وتبرير القتل الجماعي لآلاف المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة».
ويعمل ألف شخص حالياً في مشروع بناء الجدار الإسرائيلي على حدود غزة والذي تبلغ كلفته 1.1 مليار دولار، ومن المقرر أن يكتمل خلال عامين.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد دعا الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من دول العالم المتطور إلى أن تتعلم من إسرائيل «التقنيات التكنولوجية الخارقة في جدار العزل» الذي تقيمه حول قطاع غزة، لكن تبيّن من الجولة الصحافية التي نظمها الجيش الإسرائيلي أن معظم التقنيات التي يبنى بها تعتمد على خبرات، بل وعلى عمل مباشر من شركات أجنبية. فالمواد السرية التي ستوضع في قاع الجدار في عمق الأرض جُلبت من أوروبا، وآليات الحفر ألمانية الصنع، والمهندسون ومشغلو الآليات قدموا من إسبانيا وإيطاليا، وحتى العمال على الأرض ليسوا إسرائيليين، بل تم جلبهم من مولدافيا.
وكان الجيش قد نظّم هذه الجولة ليمرر الرسائل في كل الاتجاهات، فيطمئن المواطنين الإسرائيليين بأنه سيكمل الجدار، رغم تكلفته العالية (نحو نصف مليار دولار)، ويهدد حركة حماس بأنه سيواصل بناء الجدار، حتى لو تسبب في حرب.
وقال قائد المنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي، الجنرال إيال زمير، للصحافيين الإسرائيليين والأجانب: «إننا نقوم بالعمل، ولا نبقى غير مبالين أمام التهديد. لقد وفّرنا الحل، ونملك كل الشرعية وكل المبررات المعنوية والأخلاقية. المأزق ينتقل الآن إلى الجانب الثاني. حماس ستضطر إلى إجراء تقييم للأوضاع، الطابة انتقلت إليها. بناء الجدار الخرساني من ناحيتهم هو سبب مبرر للخروج للحرب، لكنني أقول لهم: هذا الجدار سيبنى، سواء مع حرب أو من دونها».
ويسود في القيادة العسكرية اعتقاد بأن العائق الذي يقام حول قطاع غزة يمكن أن يجعل حماس تغيّر السياسة التي اتبعتها خلال السنوات الثلاث السابقة، وتفتح مواجهة مع إسرائيل. وفي ضوء هذا التخوف، بعث الجنرال زمير في تصريحاته هذه تهديداً مباشراً، وأكد أن الجيش يستعد ومستعد للمواجهة مع حماس. وبحسب زمير، فإن «المأزق سيكون لدى حماس، وهي التي يجب أن تقرر. بناء الجدار محفّز على التصعيد المحتمل».
وقد لوحظ أن بناء الجدار الخرساني يشهد تسارعاً هذه الأيام. ويقول الجيش الإسرائيلي إن 10 طواقم مختلفة تعمل حالياً على امتداد حدود القطاع، خصوصاً في شماله، في المناطق القريبة من البلدات الحدودية. وفي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، سيصل عدد طواقم العمل إلى 40، على أن يتم الانتهاء من العمل خلال سنة ونصف السنة، أو سنتين. ويجري العمل طوال ساعات النهار، وخلال 6 أيام في الأسبوع، فيما يسود تخوف كبير في الجهاز الأمني من محاولة حماس تحدي الجيش خلال فترة بناء الجدار. وفي ضوء ذلك، تم تعزيز القوات حول مواقع البناء. ويعتقد قادة في الجيش الإسرائيلي أن هذا الجدار سيغيّر صورة الأوضاع في محيط قطاع غزة، وسيشطر الأنفاق الهجومية المتجهة إلى إسرائيل، ويوفر معلومات حول كل محاولة لاجتيازه تحت الأرض. ومع إقامة هذا العائق، طوّر الجيش نظرية حرب كاملة لمواجهة التحذيرات التي ستصدر عن هذا الجدار الباطني.
ويجري العمل في بناء هذا الجدار على النحو التالي: بعد تحديد خط البناء وحافتي القناة على عرض 80 سنتيمتراً، تقوم حفارات ضخمة بحفر قنوات على عمق عشرات الأمتار، ومن ثم يتم غمرها بمادة البنتونايت (Bentonite) المعدنية المخلوطة بالماء، التي جلبت من بلغاريا وهنغاريا، بهدف منع انهيار الجدران الداخلية. وبعد الانتهاء من الحفر، يتم إنزال «قفص مسلح» (قضبان حديد مبنية على شكل قفص) في باطن الأرض. وتوجد في هذه الأقفاص أماكن محددة يتم لاحقاً وضع أجهزة الإنذار التكنولوجية فيها تحت الأرض. وبعد ذلك، يتم صب الباطون الذي يؤدي إلى خروج مادة البنتونايت من القناة. وفي حالة اختفاء كمية كبيرة من الباطون فجأة في باطن الأرض، يسود الافتراض بأن هناك نفقاً هجومياً غمره الباطون، وقطع تواصله باتجاه إسرائيل. وبعد الانتهاء من صب الباطون، يتم إدخال أجهزة الإنذار التي ستحذّر من حفر نفق جديد، وتحدد مكانه الدقيق وعمقه. وبعد بناء العائق الباطني، يتم تركيب جدار «الساعة الرملية» الاستقرائية، كتلك المقامة على الحدود بين إسرائيل ومصر. وأما كميات التراب الهائلة التي سيتم استخراجها من قلب الأرض، فسيجري استخدامها لبناء كثيب رملي عالٍ على امتداد الحدود مع القطاع.
يشار إلى أن الجيش ينوي، لدى وصول الجدار إلى شاطئ البحر، مواصلة إنشاء عائق في البحر يشبه كاسر الأمواج. وسيرتفع الجدار فوق سطح الماء بستة أمتار، سيتم عليه تركيب مجسات ومعدات استخبارية ستصعّب على وحدات الكوماندو البحري التابعة لحركة حماس التسلل إلى إسرائيل، حيث حاولت هذه الوحدات اقتحام الأراضي الإسرائيلية خلال حملة الجرف الصامد قبل 3 أعوام.
وكل هذه المرافق ستكون مرتبطة بمرافق سيطرة وتحكم مركزي. وتبلغ كلفة كل كيلومتر من هذا العائق، بجميع مركباته، نحو 42 مليون شيقل (13 مليون دولار)، علماً بأن طول الجدار في المنطقة البرية يبلغ 65 كيلومتراً. ومن أجل تنفيذ هذا المشروع، تقام حالياً على طول الحدود مع القطاع 6 مصانع لإنتاج الباطون، بهدف تخفيض تكلفة الجدار.
واستعرض الجنرال زامير معلومات استخبارية شملت صوراً تم التقاطها من الجو لمنازل عائلات في قطاع غزة قامت حماس ببناء فتحات فوق أرضيتها للدخول إلى الأنفاق التحت أرضية. وبحسب أقواله، فإن بعض هذه الفتحات مخصص للاستخدامات الدفاعية، وبعضها مخصص للهجوم والتسلل إلى داخل إسرائيل. وفي معرض تطرّقه لواحد من هذه المباني، المحاذية لأحد المساجد، قال الجنرال: «حماس تقوم باستغلال الحيز المدني لبناء بنى تحتية عسكرية، وتستخدم لهذا الهدف السكان المدنيين. نحن نعرف صاحب المنزل، ونعرف أن عائلته مكونة من 5 أطفال، ولدينا معلومات استخبارية دقيقة تمكن جهاز الاستخبارات العسكرية وجهاز الشاباك من الحصول عليها، والموجودون في تلك المنازل، في البنى فوق الأرضية، يعرّضون حياتهم وحياة أبناء العائلة كلها للخطر. إن حماس تواصل تعريض حياة السكان المدنيين للخطر في القطاع».
وكشف زامير أن «حماس» أطلقت، أخيراً، طائرة مسيّرة لهدف جمع معلومات داخل إسرائيل، وقد سقطت هذه الطائرة في الأراضي الإسرائيلية.



العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي
TT

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي

نفت وزارة الداخلية العراقية، الجمعة، الأنباء التي ترددت حول وقوع حادث إطلاق نار من الجانب الكويتي استهدف إحدى النقاط الحدودية في محافظة البصرة (550 كم جنوب بغداد)، وفق ما نشرت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأكدت الوزارة، في بيان، أن ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بهذا الشأن «عارٍ من الصحة تماماً».

وشددت على أنه لم يتم تسجيل أي حادث من هذا النوع، وأن الأوضاع على الشريط الحدودي بين البلدين تسير بصورة طبيعية ومستقرة.

ودعت «الداخلية العراقية» وسائل الإعلام إلى ضرورة توخي الدقة في نقل الأخبار واعتماد المصادر الرسمية فقط، محذرة من الانجرار وراء الشائعات التي قد تثير البلبلة، وتؤثر في طبيعة العلاقات الأخوية التي تربط العراق والكويت.

كما أشارت الوزارة في بيانها إلى أنها تحتفظ بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مروجي الأخبار الكاذبة التي تستهدف المساس بالأمن والاستقرار في البلاد.


ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.