.. إن لم يكن لشيء فلنجاحه في تحقيق استقرار نسبي بعد الحرب الأهلية الدموية

نبيلة رمضاني
نعم
لا شك أن اسم عبد العزيز بوتفليقة غدا مرادفا لفترة كبيرة من الاستقرار النسبي الذي شهدته الجزائر خلال الأعوام القليلة الماضية. عندما وصل بوتفليقة إلى السلطة عام 1999 كانت البلاد تحاول الخروج من حرب أهلية دموية ومدمرة بين السلطة وفصائل إسلامية متشددة. ومع تجاوز بوتفليقة حتى هواري بومدين في طول مدة رئاسته للجزائر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 - وهي الأطول بين الرؤساء الذين تولوا الحكم في الجزائر – كانت الإصلاحات الديمقراطية تأخذ طريقها إلى التطبيق بالتوازي مع المبادرات الاقتصادية التي ساهمت في تحقيق الرخاء للبلاد. وعلى الرغم من استمرار بعض الأحداث الإرهابية، فإنها لم تكن إطلاقا بقوة أو كثافة العمليات التي حدثت في الفترة من أواخر تسعينات القرن الماضي وحتى بداية القرن الحالي. وحقا، مع أن الرئيس بوتفليقة لم يصرح فعليا برغبته في الترشح لفترة رئاسية رابعة، فثمة كثرة من المتابعين يرون أن إعادة انتخاب الزعيم البالغ من العمر 76 سنة لن تكون أمرا جيدا لتجربة الجزائر الديمقراطية. ولعل هناك جملة من الأسباب وراء هذا الطرح، أولها وأكثرها وجاهة وواقعية أن عبد العزيز بوتفليقة ما عاد يتمتع بصحة جيدة، ولا سيما أنه عاد أخيرا - في شهر يوليو (تموز) الماضي - من رحلة علاجية طويلة في باريس. وظلت حالته الصحية طي الكتمان، بل تزايدت في فترة ما الإشاعات عن موته الوشيك. وانتشر كلام عن تعرضه لجلطة دماغية بسيطة، بيد أن كثيرين قالوا إن الأمر أسوأ من ذلك، خاصة بعدما ظهر جالسا على كرسي متحرك عندما كان يهم بركوب الطائرة الرئاسية في مطار لو بورجيه، قرب العاصمة الفرنسية باريس. ولكن عمار السعيداني الذي انتخب أمينا عاما لحزب جبهة التحرير الوطني، وهو الحزب الذي اختار بوتفليقة مرشحه لانتخابات عام 2014، قال في هذا السياق: «إن الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزافلت انتخب رئيسا أربع مرات، وكان على كرسي متحرك». ولكن، في المقابل، بقاء رجال الدولة الكبار في السن في مناصبهم ليس أمرا مستغربا حتى في أعرق الدول الديمقراطية.. إذ بقي ويليام غلادستون في رئاسة وزراء بريطانيا حتى سن الرابعة والثمانين، ووصل ونستون تشرشل إلى سن الثمانين عندما ترك منصبه عام 1955، أما الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول فقد وصل إلى الثامنة والسبعين عندما استقال من منصبه للمرة الأخيرة عام 1969. مع هذا، العالم هذه الأيام صار أسرع خطى، وهو يفرض باطراد على رئيس أي دولة في العالم كما هائلا ومتزايدا من الهموم اليومية، التي لا بد معها أن يكون الرئيس قادرا على الاستجابة والتفاعل مع التحديات على مدار 24 ساعة يوميا وسبعة أيام في الأسبوع.. ومن ثم يتعامل مع بعض الأحداث لحظة حدوثها بفضل التكنولوجيا الحديثة، خاصة في مجال الاتصالات. ما عادت عملية اتخاذ القرار ترحم أحدا في وقت لن ينجح في مجاراتها إلا أولئك الذين يتمتعون باللياقة الجسدية والتفرغ اللازمين. ثم، بغض النظر عن الآراء المختلفة في سياسات بوتفليقة، فهو أصبح مرتبطا ارتباطا نهائيا بزمن آخر.. فهو انضم إلى جيش التحرير الوطني الجزائري عندما كان في مرحلة المراهقة، أما الآن فقد أصبح جزءا من جيل متقدم في العمر قاد بلاده للتحرر من الاستعمار الفرنسي خلال خمسينات وستينات القرن الماضي. ولا شك أن هؤلاء الرجال والناس سيبقون في ذاكرة الجزائريين متمتعين بقدر كبير من الاحترام والتبجيل، من دون أن يؤهلهم ذلك بالضرورة للاستمرار في قيادة مسيرة الجزائر عام 2013. في عهد بوتفليقة، ضرب حول الجزائر سياج من السرية، وشهدت البلاد في حقيقة الأمر فترة من القمع. كثيرون يرون أن ذلك القمع كان ضروريا في ضوء الأحداث الدامية التي شهدتها البلاد حديثا، وبفضله أمكن منع حدوث أي شكل من أشكال الاضطراب أو التمرد في الجزائر إبان فترة «الربيع العربي» التي هزت أحداثها بعض الدول العربية.. ثم إن لدى الجزائر جيشا كبيرا جيد التجهيز، بالإضافة إلى جهاز أمني صلب، مما يجعل المعترضين يفكرون ألف مرة قبل تنظيم أي احتجاج. وواضح اليوم أن دعاة التقدم نحو الديمقراطية يفضلون أي إجراءات تعزز الديمقراطية بعيدا عن إسالة الدماء كما حدث في «الجارة» ليبيا وما حدث في دول أخرى مثل مصر وسوريا. ولكن إذا كان للتغيير أن يحدث، فلا بد في الجزائر من إعطاء الفرصة لجيل جديد من السياسيين الشباب المفعم بالحيوية والذي يمكن الاعتماد عليه. والسماح لبوتفليقة بالبقاء في السلطة لفترة رئاسية رابعة سيشكل عائقا جديا لذلك التقدم الديمقراطي في الجزائر. ما يذكر أن بوتفليقة نفسه كان قد أعلن، خلال العام الماضي، إجراءات لـ«تعزيز الديمقراطية التمثيلية» ورفع حالة الطوارئ المفروضة قبل 19 سنة. كذلك وافق بوتفليقة على إنشاء 23 حزبا جديدا، مما رفع عدد الأحزاب السياسية في البلاد إلى 44، جميعها، ولو نظريا، قادرة على الوصول إلى السلطة.. ثم إن نحو 43 في المائة من مجموع 37 مليون جزائري ممن ذهبوا إلى صناديق الاقتراع في انتخابات 2012 البرلمانية هدفوا إلى إحداث تغيير تدريجي. ولكن سرعان ما تطايرت اتهامات بحدوث تزوير للأصوات. ولاحظ المنتقدون أن عدد الأصوات الكبير المسجل في جنوب البلاد لا يتناسب وعدد السكان الضئيل هناك، بينما صوت 10 ملايين مقترع فقط من مجموع 22 مليونا ممن يحق لهم التصويت. وطبيعي أن قلة عبروا عن دهشتهم من فوز حزب بوتفليقة الحاكم، جبهة التحرير الوطني، بالانتخابات، ولكن مع هذا، فإن مجرد إجراء الانتخابات يشير إلى توق الجزائريين لحدوث تغيير ديمقراطي، وهو أمر تتوفر له حقا فرصة كبيرة للحدوث. كثيرون من الجزائريين يتغنون بالعدد الكبير من النساء اللائي دخلن البرلمان بفضل نظام الحصص (quota) الذي أتاح لـ145 امرأة فرص الفوز بمقاعد برلمانية. وجزء من الفضل في هذا التقدم المرحب به جدا يعود إلى بوتفليقة، ولكن عليه، واجبا نحو مواطني بلاده، أن يترك مقاليد السلطة لزملائه الأصغر سنا والأكثر لياقة واتصالا بالعالم الذي يتزايد ترابطا وتداخلا يوما بعد يوم. * إعلامية جزائرية - فرنسية مقيمة في بريطانيا
تاريخ النشر - Publish Date: 
الأحد, 17 نوفمبر, 2013 - 23:00
رقم العدد - Issue Number: 
12773

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة