ترمب يستفيد من ثمار اقتصادية زرعها أوباما

نتائج الوظائف والمصانع والأسهم تعزز موقف الرئيس الأميركي

ترمب يستفيد من ثمار اقتصادية زرعها أوباما
TT

ترمب يستفيد من ثمار اقتصادية زرعها أوباما

ترمب يستفيد من ثمار اقتصادية زرعها أوباما

أسواق الأسهم تسجل أعلى الأرقام القياسية، والشركات الأجنبية تعلن عن بناء مصانع كبرى جديدة في الولايات المتحدة، مع التوظيف القوي الذي هبط بمعدلات البطالة الأميركية إلى أدنى مستوياتها خلال 16 عاما.
ولقد أضاف هذا التقارب المزيد من الزخم إلى سجل التقرير الاقتصادي يوم الجمعة، الذي يعكس سرور الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتقديمه إلى الأمة كإشارة على العمل الجيد والمستمر.
وعلى صعيد التوظيف، ذكرت وزارة العمل الأميركية إضافة 209 آلاف وظيفة جديدة في يوليو (تموز) الماضي؛ الأمر الذي فاق توقعات خبراء الاقتصاد في وول ستريت، مع معدل البطالة الذي يعادل النسبة المئوية المسجلة في مايو (أيار) بواقع 4.3 نقطة مئوية، وهي أدنى النسب المسجلة منذ أوائل عام 2001.
وخلال الأيام القليلة الماضية، أعلنت اثنتان من كبريات شركات صناعة السيارات اليابانية، «تويوتا» و«مازدا»، افتتاح مصنع جديد في موقع غير محدد في الولايات المتحدة، وهو المشروع الذي سوف يوفر 4000 فرصة عمل جديدة؛ مما يعد جائزة لحملة السيد ترمب لعكس مسار الأعمال والصناعات التحويلية في الولايات المتحدة.
وفي حين أن سوق الأسهم شهدت يوما هادئا نسبيا، بلغ مؤشر داو جونز الصناعي مستوى مرتفعا جديدا، بعد يومين فقط من إغلاقه أعلى من 22.000 نقطة للمرة الأولى.
ومع ارتداد كل تلك الأخبار الاقتصادية الإيجابية من خلال وول ستريت، وفي وسائل التواصل الاجتماعي وحول أروقة المكاتب، تحولت المحادثات بصورة حتمية نحو سؤال واحد: ما مقدار الفضل الذي يحظى به السيد ترمب في ذلك؟
وفي سلسلة من التغريدات الصباحية، زعم الرئيس ترمب لنفسه شيئا من هذا الفضل.
فمن ناحية أنباء التوظيف، أعلن قائلا: «لقد صدرت للتو أرقام ممتازة للتوظيف – وما زلت في مستهل عملي. ولا تزال اللوائح المقيدة للتوظيف تتهاوى الواحدة تلو الأخرى. وبدأت حركة العودة إلى الولايات المتحدة الأميركية».
وفي وقت سابق، وبالإضافة إلى الإشادة بالاستثمارات العظيمة من جانب «تويوتا» و«مازدا»، أشار السيد ترمب إلى «ثقة المستهلك التي بلغت أعلى مستوياتها خلال 16 عاما... ولسبب وجيه. ولسوف نواصل العمل على اللوائح المقيدة للأعمال. ونعمل بجدية على التخفيضات الضريبية والإصلاح!». ولقد أشارت التغريدات المذكورة إلى البيئة التنظيمية الأكثر مرونة بصفتها عاملا من أهم العوامل.

جدلية التلازم أم السببية؟
بطبيعة الحال، وكما يحلو لخبراء الاقتصاد القول، فإن التلازم شيء والسببية شيء آخر تماما. والكثير من الاتجاهات التي يستفيد منها السيد ترمب في الوقت الراهن – من انخفاض معدلات البطالة، والتوظيف المستمر، وارتفاع أسواق الأسهم – كانت متواجدة وبشكل ثابت في عهد سلفه باراك أوباما.
وفي حالة بيانات التوظيف الصادرة يوم الجمعة، فإن السيد ترمب يستشهد بالأرقام التي وصفها بالمزيفة منذ وقت ليس بالبعيد خلال حملته الانتخابية الرئاسية الأخيرة.
وفي خاتمة المطاف، ليست هناك من طريقة لتحديد مقدار الفضل الذي يحظى به السيد الرئيس في جذب الاستثمارات الأجنبية أو تشجيع خلق المزيد من فرص العمل في الداخل بدلا من الخارج.
ولكن حتى بعض المشككين في المنهاج العام المشاهد يقرون بأن وعود السيد ترمب الانتخابية بإصلاح الضرائب ورفع الإنفاق على مشاريع البنية التحتية، إلى جانب الضغوط لأجل زيادة التصنيع التحويلي المحلي، يتردد صداها داخل قاعات الاجتماعات لكبريات الشركات داخل وخارج الولايات المتحدة.
يقول هوارد روبل، المحلل لدى شركة «جيفريز» المعنية بشؤون شركات الطيران والشركات الدفاعية الكبرى مثل «بوينغ» و«يونايتد تكنولوجيز»: «لا يتجاوز الأمر مجرد الكلام المعسول في 80 في المائة من الشركات على مستوى العالم، ولكن هناك بعض المديرين التنفيذيين الذين يرغبون في مساندة مبادرات السيد ترمب».
ومن الأمثلة القائمة على ذلك هو السيد رافين غاندي مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة «جي إم إم» للدهانات غير اللاصقة في مدينة شيكاغو.
والسيد غاندي نجل اثنين من المهاجرين من الهند، وكان من أشد المعارضين السابقين للسيد ترمب قبل الانتخابات، حتى أنه ظهر على شاشات شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية للتنديد بمقترحات المرشح الرئاسي دونالد ترمب (آنذاك) بشأن التجارة والهجرة والرعاية الصحية.

تغيير مواقف
وبعد انتخاب السيد ترمب رئيسا للبلاد، رغم كل شيء، يقول السيد غاندي: «جذبني خطاب النمو الاقتصادي المتنامي في البلاد، وكنت أستمع إلى قصص حول النمو بنسبة 4 نقاط مئوية، وحول الإصلاحات الضريبية وتكاليف الرعاية الصحية خاصتي التي بدأت في الانخفاض بشكل ملحوظ».
ولم يكن لأي من ذلك أن يمر مرور الكرام على أي حال.
ولكن السيد غاندي استثمر 3 ملايين دولار خلال العام الحالي في التوسع محليا، وعيّن 20 موظفا آخرين، على الرغم من أن المبيعات كانت هادئة مقارنة بعام 2016، عندما سجلت ارتفاعا مضاعفا خلال العام الحالي.
وقال السيد غاندي «إنه فارق دقيق»، مشيرا إلى أن شركته بيعت في الآونة الأخيرة من قبل أحد التكتلات اليابانية الكبيرة، وأن شركات الأجهزة المنزلية الأميركية التي يورد لها المنتجات كانت تصنع أغلب الأواني والأطباق في الخارج.
وأضاف السيد غاندي يقول: «إن الكثيرين ممن كانوا يعارضون ترمب لا يزالون يريدون له النجاح بسبب أننا كمواطنين نرغب في أن يرتفع الأداء الاقتصادي في بلادنا. ولكن، حتى الآن، كنا نسمع كلاما ولا نرى أفعالا».
وعلى الرغم من الأرباح القوية بوجه عام، لا يزال الكثير من أرباب الأعمال في الشركات الصناعية يتخلصون من الوظائف.
وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أقنع السيد ترمب شركة «يونايتد تكنولوجيز»، الشركة الأم لشركة «كارير»، بعدم إغلاق مصنعها في مدينة إنديانابوليس، لكن الشركة لم تتراجع عن خططها وأغلقت المصنع وسرحت مئات عدة من العمال في الشهر الماضي.
يقول السيد روبل: «عندما تتطابق مع السوق، فإن الشركات لا تزال تقيم مصانع الإنتاج الرئيسية خارج الولايات المتحدة»، وأردف يقول: «لو أن المسألة مجرد حظ، يبدو أن الشركات على استعداد للمحافظة على أعمالها في البلاد. فإن الرهانات أفضل بكثير، ولا سيما إن كانت سوف تساعد الشركات في مجال الإصلاح الضريبي، والبنية التحتية، أو الحصول على العقود الدفاعية».

تحديات حقيقية
وربما بأكثر من مجرد الاستعانة بالمصادر الخارجية، فإن التهديد الحقيقي أمام السيد ترمب لنمو الوظائف بالنسبة لطبقة العمال الكادحين يأتي من الأتمتة وغير ذلك من الجهود الرامية لتحسين الإنتاجية في المصانع. وفي العام الأخير من ولاية الرئيس أوباما، هبطت القوة العاملة في شركة «بوينغ» إلى 148 ألف عامل، من أصل 159 ألف عامل، وفقا إلى السيد روبل.
ولقد أعلنت شركة «بوينغ» تحقيق أرباح ممتازة مؤخرا، ورفعت مؤشرات الأسهم إلى مستويات قياسية، لكنها قضت على 4500 منصب آخر في الشركة منذ انتقال السيد ترمب إلى البيت الأبيض.
ومع استثناء شركتي «بوينغ» و«كارير»، كان إحياء الصناعات التحويلية المحلية من الأهداف الاقتصادية الرئيسية للسيد ترمب منذ توليه المنصب، مع الكثير من الزيارات لأماكن مصنع «سناب - أون» في كينوشا بولاية ويسكونسن، حيث أعلن عن مبادرة «اشتر المنتج الأميركي، ووظف العامل الأميركي» في أبريل (نيسان) الماضي.
وعكس قطاع المصانع علامات إيجابية مبشرة خلال العام الحالي، رغم أن الخبراء يقولون إن الأمر له علاقة مباشرة بتحسين الاقتصادات في الخارج وضعف الدولار الأميركي الذي يفيد المصدرين بأكثر مما يفيد سياسات البيت الأبيض المعلنة. ورغم ذلك، أضافت الصناعات التحويلية الأميركية 16 ألف وظيفة جديدة في يوليو الماضي، وارتفعت معدلات التوظيف في ذلك القطاع إلى أعلى مستوياتها منذ يناير (كانون الثاني) في عام 2009.

العنصر المفقود
من ناحية أخرى، وعلى صعيد نمو الأجور وهو العنصر المفقود طوال فترة الانتعاش الاقتصادي، فقد ظلت معدلاته باهتة. وذكرت وزارة العمل، أن الأجور ارتفعت بواقع 0.3 نقطة مئوية في الشهر الماضي، لتصل أرباح السنة بأكملها إلى 2.5 نقطة مئوية هبوطا من نسبة 2.8 نقطة مئوية المسجلة عن نفس الفترة من العام الماضي.
وهي ليست من قبيل الأنباء السارة بالنسبة للعمال الأميركيين، لكن مكاسب الرواتب المعتدلة تعد جيدة من وجهة نظر وول ستريت. وغياب الضغط التصاعدي على الأجور يفسح مجال المناورة أمام بنك الاحتياطي الفيدرالي قبل الزيادة المقبلة في أسعار الفائدة.
يقول مايكل غابين، كبير خبراء الاقتصاد الأميركي لدى بنك باركليز: «إنه من التقارير المعتدلة للأسواق»، مما يعني أنه في حالة وسط بين الإيجاب والسلب، لكنه ملائم تماما بالنسبة للمستثمرين وصناع السياسات في بنك الاحتياطي الفيدرالي؛ إذ أغلق مؤشر داو عند 66.71 ارتفاعا، لينهي أسبوع التداولات عند مستوى 22.092.81 نقطة.
وأضاف السيد غابين قائلا إن أرقام الوظائف المسجلة أخيرا تشير إلى احتمال التزام البنك المركزي الأميركي بالخطة التي ينتظرها وول ستريت: الانخفاض في حيازات السندات في سبتمبر (أيلول)، مع الانخفاض التدريجي من جهود التحفيز لدى البنك المركزي، ويلي ذلك زيادة في أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
وبالنسبة للسيد ترمب وقادة كلا الحزبين الكبيرين في كابيتول هيل، يقول أرباب الأعمال إن المفتاح يكمن في استعادة التفاؤل المتزايد والتوظيف في ظل الإنجازات الفعلية الملموسة.
يقول توم غيمبل، الرئيس التنفيذي لشركة «لاسال نيتورك للموارد البشرية» في شيكاغو: «قد لا نتفق في عالم الشركات الأميركية مع الرئيس حول القضايا الاجتماعية، مثل الاحترار العالمي أو المتحولين جنسيا الذين يخدمون في الجيش».. ولكن السيد غيمبل، الذي افتتح مكتبا جديدا مؤخرا في ناشفيل بولاية تينيسي يوم الاثنين ويعتزم تعيين 100 موظف آخرين خلال العام الحالي، قال إنه واثق من التزام الرئيس والكونغرس بوعود التشريعات الصديقة لعالم المال والأعمال خلال العام أو العامين المقبلين.
وأردف السيد غيمبل يقول أخيرا: «لم يقم السيد ترمب بفعل أي شيء حقيقي وملموس حتى الآن... لكنه قد غرس الأمل في نمو الشركات، والإصلاح الضريبي، والقضاء على اللوائح التنظيمية المعرقلة لأرباب الأعمال، مما يحرك عجلة التوظيف في البلاد».

* خدمة «نيويورك تايمز»



ميزانية السعودية لـ2025: قفزة تاريخية للإيرادات غير النفطية واستثمار مستدام في الرفاه

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

ميزانية السعودية لـ2025: قفزة تاريخية للإيرادات غير النفطية واستثمار مستدام في الرفاه

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)

سجلت السعودية في ختام السنة المالية 2025 أداءً اقتصادياً لافتاً يعكس نجاح سياسات التحول الوطني وقدرة الاقتصاد على النمو المستدام، حيث كشفت النتائج المالية عن «توازن استراتيجي بين الإنفاق التوسعي الجريء، والحفاظ على رصانة المركز المالي».

وقد جسد ذلك العام محطة مفصلية في مسيرة «رؤية 2030»، إذ تُرجمت الأرقام إلى مشروعات حقيقية وخدمات متطورة لامست حياة المواطنين بشكل مباشر؛ «مما يعزز الثقة الدولية بمتانة الاقتصاد السعودي ومستقبله الواعد».

وعلى صعيد الموارد المالية، فقد «حققت المملكة نجاحاً استثنائياً في تنويع مصادر دخلها، حيث بلغت الإيرادات الإجمالية لعام 2025 نحو 1.111.826 تريليون ريال (ما يعادل 296.48 مليار دولار)».

وتبرز القوة الحقيقية لهذا الأداء في الصعود التاريخي للإيرادات غير النفطية التي وصلت إلى 505.282 مليار ريال (نحو 134.74 مليار دولار)، وهو ما يمثل «دليلاً قاطعاً على فاعلية الخطط الاقتصادية في تقليص الاعتماد على النفط، وخلق روافد مالية جديدة ومستقرة، تضمن استمرارية النمو الاقتصادي تحت مختلف الظروف العالمية».

وبشأن الإنفاق الحكومي، فقد كان عام 2025 عاماً لـ«الاستثمار في الإنسان والتنمية بامتياز»، حيث بلغ إجمالي المصروفات الفعلية 1.388.432 تريليون ريال (نحو 370.24 مليار دولار). وقد وجهت الحكومة هذه المبالغ الضخمة بـ«كفاءة عالية نحو القطاعات الحيوية التي تمس جودة الحياة، حيث تصدّر قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية قائمة الإنفاق بـ278.878 مليار ريال (74.36 مليار دولار)، تلاه قطاع التعليم بـ212.464 مليار ريال (56.65 مليار دولار)».

ويعكس هذا «الإنفاق السخي على الرعاية الصحية والتعليم الرؤية الحكيمة للقيادة السعودية التي تضع رفاهية المواطن وتمكينه في قلب أولوياتها الوطنية، عادّةً أن بناء الإنسان هو الاستثمار الأهم للمستقبل».

ونتيجة لهذا التوسع المدروس في الإنفاق الرأسمالي وتسريع وتيرة المشروعات الكبرى، فقد سجلت الميزانية عجزاً سنوياً بلغ 276.605 مليار ريال (نحو 73.76 مليار دولار)، منها 94.847 مليار ريال (25.29 مليار دولار) في الربع الرابع وحده. وقد «أثبتت المملكة قدرة فائقة على إدارة هذا العجز، حيث مُوّل بالكامل عبر إصدارات دين احترافية دون المساس بالاحتياطات الحكومية التي حافظت على مستوياتها المطمئنة عند 399.074 مليار ريال (106.41 مليار دولار)».

أما عن الجدارة الائتمانية والاستقرار المالي، فقد «أثبتت المملكة قدرة فائقة على إدارة التدفقات النقدية والالتزامات المالية، حيث مُوّل العجز السنوي الناتج عن تسارع وتيرة المشروعات الكبرى، والبالغ 276.605 مليار ريال (73.76 مليار دولار) بالكامل عبر أدوات دين احترافية وأسواق رأس المال، دون الحاجة إلى السحب من الاحتياطات الحكومية التي حافظت على مستوياتها المطمئنة عند 399.074 مليار ريال (106.41 مليار دولار)».

هذا الموقف المالي القوي «يبعث برسالة تفاؤل واضحة للقطاع الخاص والمستثمرين المحليين والأجانب، ويؤكد أن المملكة تمضي قدماً في مشروعاتها الكبرى بخطى ثابتة وقاعدة مالية متينة تضمن استمرار النهضة الشاملة التي تشهدها جميع مناطق المملكة».


البرلمان الأوروبي يؤجِّل التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية مع أميركا

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
TT

البرلمان الأوروبي يؤجِّل التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية مع أميركا

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)

أرجأ البرلمان الأوروبي التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حسبما أعلن بيرند لانغ رئيس لجنة التجارة الخارجية في البرلمان.

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات تشريعية لإلغاء العديد من رسوم الاستيراد التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على السلع الأميركية، وهو بند أساسي في الاتفاقية التي أُبرمت في اسكوتلندا، نهاية يوليو (تموز) الماضي.

وتتطلب هذه المقترحات موافقة البرلمان وحكومات الاتحاد الأوروبي.

وكان من المقرر أن تصوِّت لجنة التجارة في البرلمان، الثلاثاء، لكن تم تأجيل التصويت، في ثاني تعليق من نوعه من قبل مشرّعي الاتحاد الأوروبي.

وأوقف الاتحاد الأوروبي سابقاً العمل على الاتفاقية احتجاجاً على مطالب ترمب بضم غرينلاند وتهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين لخطته.

كانت المحكمة العليا الأميركية، قد قضت، في صفعة قضائية لترمب، بعدم قانونية أجزاء واسعة من نظامه الجمركي السابق؛ مما دفع ترمب إلى البحث عن مسارات قانونية بديلة لضمان استمرار استراتيجيته القائمة على حماية الأسواق المحلية، ومعاقبة الخصوم التجاريين.

وقال ترمب بعدها إنه بعد مراجعة شاملة لقرار المحكمة، الذي وصفه بأنه «معادٍ لأميركا للغاية»، قرَّر رفع رسوم الاستيراد «إلى المستوى المسموح به بالكامل، الذي تمَّ اختباره قانونياً، وهو 15 في المائة».

وكان ترمب قد أعلن في البداية عن رسوم بنحو 10 في المائة فور صدور الحكم، غير أنه سرعان ما زاد النسبة، مستنداً هذه المرة إلى مادة قانونية تختلف عن «قانون القوى الاقتصادية الطارئة لعام 1977» الذي أسقطته المحكمة.

وقال متحدث باسم الحكومة الألمانية، الاثنين، إن ألمانيا تتوقع من الولايات المتحدة الرد سريعاً وبسياسة واضحة على قرار المحكمة العليا الذي ينص على أن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس، دونالد ترمب، تجاوزت صلاحياته.

وأضاف المتحدث: «هناك حاجة لتحليل القرار، بما في ذلك مسألة أثره الرجعي على الرسوم الجمركية المفروضة بالفعل... نحن لا ننظر إلى هذا الأمر بهدوء أو بموضوعية، بل باهتمام بالغ. كما نتوقع من الجانب الأميركي الرد سريعاً وبسياسة واضحة تمكننا من الرد».


ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)

دخلت التجارة العالمية نفقاً جديداً من الغموض، بعد أن أحدث حكم المحكمة العليا الأميركية بطلاناً في هيكلية الرسوم الجمركية، ما فجّر ردود فعل متلاحقة بدأت بتلويح بتجميد أوروبي للمسار التشريعي مع واشنطن، ولم تنتهِ بتهديدات «انتقامية» من الرئيس دونالد ترمب. فبينما أعلن البرلمان الأوروبي رسمياً وضع اتفاق التجارة الرئيسي «على الجليد» بانتظار وضوح الرؤية، شن ترمب هجوماً لاذعاً على القضاء الأميركي، عادّاً أن الحكم منحه «عن غير قصد» أنياباً أقسى لاستخدام سلاح التراخيص ضد الدول التي «تنهب» أميركا، وفي مقدمتها الصين التي سارعت إلى إعلان «تقييم شامل» للمشهد، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود».

وكانت المحكمة العليا الأميركية أعادت خلط أوراق التجارة العالمية، بعد أن أبطلت بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 جزءاً كبيراً من الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب استناداً إلى قانون عام 1977. والقرار، الذي صدر يوم الجمعة، لم يكن مجرد انتصار قانوني لخصوم الإدارة، بل محطة فاصلة في مسار السياسات التجارية الأميركية، مع ما يحمله من تداعيات مباشرة على شركاء واشنطن وأسواق المال العالمية.

وبعد ساعات فقط من الحكم، سارع ترمب إلى الإعلان عن تعريفة جمركية عالمية بديلة بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، مستخدماً أساساً قانونياً مختلفاً، على أن تدخل حيز التنفيذ لمدة 150 يوماً مع استثناءات محدودة.

وشنّ ترمب هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على المحكمة العليا الأميركية، واصفاً قرارها بأنه «غبي ومثير للانقسام دولياً». وفي تصريحات حادة عبر منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، أشار إلى أن الحكم القضائي يفتح له الباب لاستخدام «نظام التراخيص» بوصفه أداة للقيام بأمور وصفها بـ«الفظيعة» ضد الدول التي اتهمها بـ«نهب» الولايات المتحدة لعقود. وسخر ترمب مما وصفه بتناقض المحكمة، قائلاً: «بموجب القرار، يمكنني استخدام التراخيص لمعاقبة تلك الدول، ولكن لا يمكنني تحصيل رسوم عليها... الجميع يعلم أن الهدف من الترخيص هو الرسوم! المحكمة لم تشرح ذلك، لكني أعرف الإجابة».

وأكد ترمب أن المحكمة، عبر تثبيتها أنواعاً أخرى كثيرة من التعريفات الجمركية، أعطته الضوء الأخضر لاستخدامها بطريقة «أكثر عدوانية وإزعاجاً» وبحماية قانونية كاملة هذه المرة. ولم يكتفِ بالجانب التجاري، بل هاجم المحكمة استباقاً لقرارات محتملة بشأن «حق المواطنة بالولادة» (التعديل الـ14)، متهماً إياها بالتمهيد لقرارات تخدم مصالح الصين ودول أخرى تجني ثروات من هذا القانون.

واختتم ترمب هجومه بمطالبة القضاة بـ«الخجل من أنفسهم» (باستثناء الثلاثة العظماء كما وصفهم)، متهماً إياهم باتخاذ قرارات ضارة بمستقبل الأمة الأميركية، ومؤكداً إصراره على المضي قدماً في مهامه تحت شعار «لنعد أميركا عظيمة مجدداً».

بروكسل تلوح بتعليق خطط المصادقة

في هذا الوقت، اتخذ التصعيد في بروكسل بعداً مؤسسياً حاسماً؛ حيث أعلن نواب البرلمان الأوروبي نيتهم تعليق خطط المصادقة على الاتفاق التجاري الذي تم التوصل إليه العام الماضي. وأكد رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، مدعوماً من أكبر الكتل البرلمانية، ضرورة وقف العمل التشريعي مؤقتاً، واصفاً مستوى التخبط في السياسة التجارية الأميركية بأنه «غير جاد».

وجاء هذا الموقف ليعكس مخاوف القارة العجوز من الانزلاق إلى دوامة جمركية جديدة بعد تحويل ترمب الرسوم المُلغاة إلى تعريفة موحدة بنسبة 15 في المائة.

وكانت لجنة التجارة في البرلمان تستعد لمنح الضوء الأخضر لإزالة الرسوم على السلع الصناعية الأميركية ضمن الاتفاق، غير أن نواباً من كتل سياسية مختلفة أبدوا دعمهم لتجميد المسار التشريعي إلى حين اتضاح تداعيات الحكم الأميركي على الترتيبات الجمركية مع الاتحاد الأوروبي. ودعا رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، إلى تعليق العمل التشريعي مؤقتاً، وهو ما حظي بدعم حزب «الشعب» الأوروبي، أكبر الكتل البرلمانية، إلى جانب مجموعات أخرى.

وأكدت النائبة عن حزب «الشعب» الأوروبي، زيليانا زوفكو، ضرورة انتظار توضيحات من المفوضية الأوروبية بعد مشاوراتها مع واشنطن بشأن الشروط الجديدة، وتحديد «الخيار الأفضل لمواصلة المسار». كما شددت النائبة عن حزب «الخضر»، آنا كافازيني، على أن التصويت لا يمكن أن يمضي قدماً قبل توافر رؤية واضحة.

ومن جهتها، قالت النائبة عن مجموعة «رينيو» الليبرالية، كارين كارلسرو، إن البرلمان «لن يتمكن من التصويت على اتفاق تورنبيري قبل الحصول على وضوح كامل بشأن تأثير حكم المحكمة العليا على الترتيبات الجمركية»، مضيفة أن «الولايات المتحدة يجب أن ترتب سياستها التجارية، فهذا المستوى من الفوضى غير جاد».

متابعات أوروبية

وفي ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، عبّرت الأوساط الصناعية عن قلق كبير من استمرار حالة الضبابية، عادّة أن تقلب القرارات الجمركية الأميركية يضع الشركات أمام تحديات في التخطيط طويل الأمد، خصوصاً في قطاعات السيارات والآلات والصناعات الكيماوية. ودعت برلين إلى حوار عاجل مع واشنطن يضمن وضوح القواعد ويحافظ على تنافسية الصادرات الألمانية، في وقت تعتمد فيه قطاعات واسعة من الصناعة على السوق الأميركية بوصفها شريكاً استراتيجياً رئيسياً.

أما سويسرا، ورغم بقائها خارج الاتحاد الأوروبي، فإنها تتابع التطورات عن كثب نظراً لارتباط اقتصادها التصديري الوثيق بالأسواق الأميركية والأوروبية. فيما أعلنت الحكومة السويسرية أنها لا تزال تعتزم التوسط في إبرام اتفاقية ملزمة قانوناً من خلال المحادثات الجارية مع الولايات المتحدة، التي تهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية مبدئية تم التوصل إليها في أواخر عام 2025، والتي خفضت الرسوم الجمركية الأميركية على سويسرا من 39 في المائة إلى 15 في المائة.

وفي باريس وروما ولاهاي، تكررت الدعوات إلى الحفاظ على نظام تجاري قائم على قواعد واضحة يمكن التنبؤ بها، وسط تخوف من أن يؤدي تعدد المسارات القانونية الأميركية إلى إطالة أمد عدم اليقين. ويجمع الموقف الأوروبي، في مجمله، على أن الشراكة عبر الأطلسي تظل ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، غير أن استدامتها تتطلب التزاماً متبادلاً بالاتفاقات، وتجنب الإجراءات الأحادية التي قد تعيد إشعال توترات تجارية في مرحلة لا يزال فيها الاقتصاد العالمي يسعى إلى ترسيخ تعافٍ هش.

الصين تقيّم الوضع

وفي بكين، أعلنت وزارة التجارة أنها تجري «تقييماً شاملاً» للحكم، داعية واشنطن إلى إلغاء جميع الإجراءات الجمركية الأحادية. وأكدت أن «الرسوم الأحادية تنتهك قواعد التجارة الدولية والقانون المحلي الأميركي، ولا تخدم مصالح أي طرف»، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود». كما أبدت قلقها من احتمال لجوء الإدارة الأميركية إلى «وسائل بديلة» مثل التحقيقات التجارية القطاعية للإبقاء على مستويات مرتفعة من الرسوم، متعهدة بحماية مصالحها بحزم.

رابحون وخاسرون

واللافت أن الصين والهند برزتا في طليعة الرابحين من هذا التحول. فالهند، التي كانت تواجه رسوماً بلغت ذروتها عند 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة ثم إلى 18 في المائة بموجب تفاهمات ثنائية، وجدت نفسها بعد قرار المحكمة أمام معدل 10 في المائة، قبل أن يستقر عند 15 في المائة، وهو مستوى يظل أدنى من السيناريوهات السابقة. أما الصين، فقد توقع اقتصاديون انخفاض متوسط الرسوم الفعلية عليها من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مع إلغاء بعض الرسوم الإضافية التي كانت قد فُرضت تحت مبررات أمنية وصحية، ما يمنح صادراتها متنفساً مهماً في السوق الأميركية.

وفي المقابل، برزت بريطانيا بوصفها الخاسر الأكبر من توحيد الرسوم عند 15 في المائة. إذ كانت تستفيد من معدل تفضيلي عند 10 في المائة، قبل أن يؤدي النظام الجديد إلى رفع التكلفة على صادراتها بشكل مفاجئ. وتشير تقديرات إلى أن الزيادة قد تكلف قطاع الصادرات البريطاني نحو 4 مليارات دولار، مع تأثر عشرات الآلاف من الشركات. وتسعى لندن حالياً إلى انتزاع استثناء أو معاملة خاصة، في ظل إدراكها لحساسية المرحلة بالنسبة لاقتصادها.

أما أوروبا وأستراليا فلم تكونا بعيدتين عن دائرة التأثير. فقد واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، بينما لوّح الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر في مسارات تفاوضية قائمة إذا لم تتضح الرؤية القانونية للسياسة الجمركية الأميركية. وفي سيول، حذّر وزير التجارة الكوري الجنوبي من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يفاقم الضغوط على قطاعات حيوية مثل السيارات والصلب، داعياً إلى تنسيق وثيق بين القطاعين العام والخاص لتعزيز القدرة التنافسية وتنويع الأسواق.

مساعٍ للطمأنة

ومن الجانب الأميركي، حاولت الإدارة طمأنة الشركاء. فقد أكد الممثل التجاري جيمسون غرير أن الاتفاقيات القائمة لا ترتبط بارتفاع أو انخفاض الرسوم، بل بالتزامات متبادلة ينبغي احترامها. بدوره، شدّد وزير الخزانة سكوت بيسنت على أن عائدات الرسوم ستظل مستقرة، وأن الحكومة ستلتزم بأحكام القضاء فيما يخص أي استردادات محتملة للرسوم التي جُمعت سابقاً، وهو ملف قد يفتح الباب أمام مطالبات ضخمة تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات.

وعملياً، أعلنت وكالة الجمارك وحماية الحدود الأميركية وقف تحصيل الرسوم التي أُبطلت، وتعطيل الرموز المرتبطة بها، ما يعكس امتثالاً فورياً للحكم. غير أن الأسئلة تبقى مفتوحة حول قدرة الإدارة على الالتفاف عبر أدوات قانونية أخرى، مثل توسيع التحقيقات بموجب قوانين التجارة أو الأمن القومي، وهو ما تراقبه بكين وشركاء واشنطن عن كثب.

الأسواق المالية تعاملت مع التطورات بحذر. فقد تراجعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» بنسب طفيفة، وانخفضت أسعار النفط، بينما ضعف الدولار أمام الين واليورو. وفي المقابل، صعد مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة لافتة، في إشارة إلى تفاؤل نسبي في بعض الأسواق الآسيوية بإعادة ضبط قواعد اللعبة التجارية.

وسياسياً، يأتي هذا السجال قبل أسابيع من زيارة مرتقبة لترمب إلى الصين، يُفترض أن تشكل محطة مفصلية في إدارة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. ورغم تأكيدات واشنطن أن اللقاء ليس موجهاً للتصعيد، فإن التهديد بفرض رسوم مستقبلية على قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات يضفي على المشهد قدراً إضافياً من التوتر.

وفي المحصلة، لم ينهِ حكم المحكمة العليا الحرب التجارية، بل نقلها إلى مرحلة جديدة عنوانها الصراع بين السلطة التنفيذية والقيود القانونية، وبين نزعات الحمائية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي العالمي. وبينما يسعى بعض الشركاء إلى استثمار اللحظة لتحسين شروطهم، يواجه آخرون تكلفة إعادة التموضع في نظام جمركي أكثر توحيداً وأقل تفضيلاً.