مجلات ومواقع رائدة للأدب العربي... بالإنجليزية

ثلاث شخصيات مضحية غامروا بإصدارها ونجحوا

صموئيل شمعون - مارسيا لينكس
صموئيل شمعون - مارسيا لينكس
TT

مجلات ومواقع رائدة للأدب العربي... بالإنجليزية

صموئيل شمعون - مارسيا لينكس
صموئيل شمعون - مارسيا لينكس

قبل عشرين سنة، أمضى كاتب أميركي، مدة من الزمان، في القاهرة، ثم أخرى في عمان، وانتقل إلى تونس والجزائر، والمغرب، درس العربية في كل هذه البلدان بين شهر وثلاثة أشهر، وحينما رجع إلى شيكاغو، وجد نفسه لم يفهم إلا أقل من القليل، ثم نصحه صديق عربي أن يتصل بسيدة لبنانية رائعة، تسكن قريباً منه، فأمضى معها نحو ثلاث سنوات، تدرسه أسبوعياً ساعتين مجاناً. تعلم منها العربية، وأصبح يقرأ بشكل جيد، ويترجم من العربية بشكل أجود. قال لي «بعربية نصف فصحى، ونصف لبنانية»، عندما التقيته، بعد إنهائه التعلم بنحو سنة، وهو يبدي استغرابه لكوننا لا مجلة لنا في أميركا، تورد أخبار أدبنا، وكان استغرابه في محله، ففي شيكاغو مجلة أو جريدة لكل فئة وافدة، تصدر يومياً للهنود، والباكستانيين، وأسبوعياً، وشهرياً للفئات الأخرى، أما العرب فلا.
طبعاً، كان يوجد آنذاك بضع عشرة جريدة أسبوعية أرخص من ورق المرافق، تدعي أنها عربية ولا يقرأ لغتها الأمية إلا صاحبها، وأصدقاؤه، لكن صديقي كان يأمل أن يرى ما يعيد إلى ذهنه جبران خليل جبران، وإيليا أبو ماضي، وأمين الريحاني، وميخائيل نعيمة، وميشيل معلوف، وسليم الخوري، وخليل مطران وغيرهم، فضلاً عن تصفح ما يغنيه عنهم، فأعطيته آخر عدد من مجلة الجديد: «Aljadid» التي يصدرها إيلي شلالا، في لوس أنجلس. وعندما تصفحها، هتف معجباً: نعم، هذا ما كنت أبحث عنه. وظللت أزوده بما يصلني منها، متى يشاء، وعندما صدرت «بانيبال» في لندن، شاركني في قراءة ما يتيسر لي منها، لكن ما استحدثته Marcia Lynx Qualey في صفحتها الإلكترونية «الأدب العربي في الإنجليزية» جعلته يستكمل رضاه؛ لأنه يتصفح الموقع يومياً.
الخدمة التي يقدمها هؤلاء الثلاثة للأدب العربي فريدة من نوعها. كان في أميركا عشرات من دارسي الأدب العربي، وآخرون أساتذة يدرسونه، وكان هناك أيضاً نشاطات واجتماعات سنوية وفصلية، كانت وما زالت مستمرة، لكن الزائر العربي لأميركا، والمقيم فيها منعزل على نفسه لا يكاد يسمع بهذه النشاطات قط، ولا يعرف عنها شيئا إلا عن طريق المصادفة، وبمبادرة من قبل إيلي شلالا، وبتعبه، وسماحته، وبذله من دون مساعدة جهة حكومية عربية أو غير عربية، برزت مجلة الجديد «Aljadid» لتقدم للقارئ باللغة الإنجليزية، عربياً أو أميركياً، شيئا ملخصاً، ناضجاً جاداً، حديثاً، معاصرا يقنعه، ويعجبه، ويشده ويجعله متابعاً دائماً. ضحى إيلي شلالا (وأنا أعرفه حق المعرفة)، لا بوقته، ولا بماله، ولا بسعادته العائلية، لكن حتى بصحته. كان عليه أن يوائم بين واجبه بصفته أستاذا في جامعة لوس أنجلس، وبنشاطه في مجلته المدهشة الجامعة، ولعل من مارس التعليم في الجامعات الأميركية يقف على كثب من الجهد الهائل الذي يبذله المدرس هنا، ويتملى بإعجابٍ سلوكه في قاعة درسه، وحرصه على إعداد كل صغيرة وكبيرة، وتسجيله حتى الأسئلة المهمة التي يلقيها في ثنايا الدرس، فليس في التدريس الجامعي، هنا ما يمت بصلة إلى الوساطات والثرثرة، والانفلات الذي تشاهده في بعض الدول، وإلا ما وصلت بعض الجامعات إلى القمة في العالم. هذا النشاط أثر على صحة إيلي، جعلته زبوناً دائماً لعمليات القلب، والشرايين، وضغط الدم العالي، وو.
بعد إيلي جاء صموئيل شمعون من العراق، وصل إلى لندن، وحيداً، فريداً، لا منصب، لا عم، لا خال، لا يجيد أي حرفة، وصل إلى بلد غربي غريباً وحده مع حلم أن يكتب رواية، ويمثلها في فيلم: «صورة كاريكاتيرية ليست غير واقعية، حسب بل لا تحدث حتى في الأحلام!». صورة تضحك الثكلى، وتثير سخرية القريب قبل الغريب، صورة فكاهية لا حد لها. هناك الكثير جاء ليدرس على معونة حكومية ففشل، وجاء الكثير معتمداً على أهله يمدونه بلقمة أفواههم المتواضعة، فضاع في الزحام، متشرداً أو شبه متشرد، وعمل الكثير منهم بعد فشله في كنس الشارع، أو لم القمامة، أو التقاط ما يمكن تدويره، أو مصلحاً للسيارات، أو عاملا في بقالة، وأهله يأملون أن يصبح مهندساً معمارياً، أو طبيب قلب، تستقبله الجماهير وترفع سمعته إلى أعلى السماوات، أو في الأقل يصبح كما يقول إخوتنا المصريون «أد الدنيا». أما صموئيل فوطأ أرض لندن وليس عنده سوى حلم مستحيل «فيلم لقصة هو يكتبها»، أمثل هذا ينجح؟ ويدير الرؤوس؟ ويجعل مئات العيون تتجه نحوه. نعم، جاء كثيرون ونجحوا منهم من أصبح موسيقياً، أو مغنياً، أو ناشر كتب، أو مسؤولاً في مؤسسة، لكن من يقترب منهم يصاب بقرف رائحة فساد تلتصق بأنفه ولا تغادره حتى الموت. لكن صموئيل رغم كل شيء نجح، وبرز، وفرض نفسه، أما الأهم فقد نجح في كتابة قصته التي لم تمثل، لكنه عوض عن التمثيل بنجاح لا مثيل له، عوضه بنجاح مجلته الرائعة.
إن أهم صفات إيلي وشمعون الشخصية تعود إلى خلقيهما الطبيعيين، هما متواضعان جداً، وهذه صفة لا تجدها عند من يشتغل بصناعة الأدب قط، فمما أعرفه طيلة حياتي، وأنا بدأت في سن السادسة عشرة أكتب وأنشر، أي بعد أكثر من ستة عقود، لحظت عن بعد وعن قرب أن من يعمل بالأدب، ناقداً، شاعراً، قاصاً، كاتباً، ناشراً، محرراً الخ، عنده قدر من النرجسية يتفاوت طولاً وعرضاً ومساحة وعقلية مع إنجازه، فالناجح منهم يعيش في السموات، أما نصف الناجح، فيمتلك سفينة فضاء تطوف في الكون. عجرفة، وتعالٍ، وعظمة كاذبة، وصدود، وشموخ زائف. اللهم إلا نسبة لا تزيد على 10 في المائة إن لم أكن متشائماً. هذان الرجلان الناجحان يردان على رسائل الجميع، ويركزان على جميع المبدعين، إن تصفحت المجلتين لا ترى شعراً وقصة ونقداً وبحثاً حسب، بل حتى فناً تشكيلياً، وعرضاً لفيلم، وتلخيصاً لمسلسلة، لا، بل أخباراً عمن نشر ولو مقالة مميزة خلال الفترة التي غابت فيها المجلة الفصلية.
أما الشخصية الثالثة فهي الآنسة «ماريكا لينكس كويلي Marica Lynx Qualey». عندما أنشأت ماريكا موقعها الإلكتروني: «الأدب العربي بالإنجليزية»، لم يكن أحد يتصور أنها ستنجح هذا النجاح المنقطع النظير، أنشأته كما أنشأ عشرات الآلاف، لا بل مئات الآلاف من الأشخاص مواقعهم الإلكترونية، فلماذا تبرز هذه الصفحة، وبماذا تبز غيرها، ومثلها الآلاف؟
إن أول ما يلفت الأنظار في «الأدب العربي بالإنجليزية»، تنوعه وشموله الوطن العربي كله، نعم هناك مواقع إلكترونية عراقية ناجحة، وهناك مصرية، وأخرى سورية...إلخ، لكن لن تجد موقعاً عربياً يشمل الوطن العربي كله، ولأنها غير عربية، وتعرف عن الأدب الإنجليزي ما لا نعرفه، ومما تعرفه ماذا يمكن أن ينجح، أو ماذا يثير القارئ الأجنبي، الأميركي بشكل خاص، فهي تختار لما تترجم الأمور الجيدة التي ستعكس رأياً حسناً، وإعجاباً حقيقياً، وانطباعاً ثابتاً؛ لذا استطاعت أن تستلفت الأنظار وتستقطبها بسرعة هائلة تستحق الإعجاب.
هؤلاء الثلاثة كرّسوا وقتهم كله، وحسبما أعرف عن إيلي لأني قريب منه، وأظن أن الآخرين يشاركانه به، هو ماله، وما يملكه، إضافة إلى صحته.
هؤلاء الثلاثة فعلوا ما لا يفعله غيرهم، أبداً، أنهم أعطوا كل ما يملكون، ومنحوا غيرهم وجودهم وراحتهم وصحتهم.



«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».