مقرا الحكومة الليبية والبرلمان ساحة معارك.. وخطف نواب

«الجامعة» تكلف القدوة إجراء اتصالات - حكومة معيتيق جاهزة في انتظار «نيل الثقة»

الدخان يتصاعد خلف مبنى البرلمان الليبي الذي جرى اقتحامه من قبل مسلحين أمس (رويترز)
الدخان يتصاعد خلف مبنى البرلمان الليبي الذي جرى اقتحامه من قبل مسلحين أمس (رويترز)
TT

مقرا الحكومة الليبية والبرلمان ساحة معارك.. وخطف نواب

الدخان يتصاعد خلف مبنى البرلمان الليبي الذي جرى اقتحامه من قبل مسلحين أمس (رويترز)
الدخان يتصاعد خلف مبنى البرلمان الليبي الذي جرى اقتحامه من قبل مسلحين أمس (رويترز)

بدا أمس أن «عملية الكرامة» التي تشنها قوات اللواء خليفة حفتر القائد السابق بالجيش الليبي ضد المتطرفين في مدينة بنغازي (شرق) قد انتقلت للمرة الأولى إلى طرابلس، حيث اقتحمت مجموعات مسلحة مؤيدة لحفتر مقر المؤتمر الوطني العام (البرلمان) وحاصرته وأغلقت كل الطرق المؤدية إليه، كما شنت هجوما على مقر الحكومة، بينما سمع أصوات لإطلاق النار بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة في عدة مناطق بالعاصمة.
وأبلغت مصادر في المدينة «الشرق الأوسط» أن اشتباكات عنيفة اندلعت لاحقا بين لواء المدني في الزنتان، أحد الألوية الداعمة لجيش حفتر، وعناصر ميلشيات ما يسمى «غرفة ثوار ليبيا» في كوبري طريق المطار، لكن لم ترد أي معلومات عن حصيلة هذه الاشتباكات.
وتوقعت المصادر ذاتها حدوث المزيد من الاشتباكات الدامية بين الميلشيات الداعمة لحفتر، والكتائب الموالية للمؤتمر الوطني وغالبيتها من الميلشيات الإسلامية المسلحة.
وقال موظفون في مقر البرلمان الليبي لـ«الشرق الأوسط» إنه جرى اقتحام قصور الضيافة وحرق القصر الإداري لرئيس المؤتمر نوري أبو سهمين والمقابل لمقر المؤتمر، بالإضافة إلى اقتحام مقر أعضاء المؤتمر.
وترددت شائعات عن اعتقال أبو سهمين رئيس المؤتمر، لكن المصادر ذاتها، التي اشترطت عدم تعريفها، نفت هذه المعلومات وقالت إنه جرى فقط اعتقال بعض الأعضاء والموظفين ومديري الإدارات.
وبينما أعلن خالد الشريف وكيل وزارة الدفاع الليبية أن أبو سهمين يوجد في مكان آمن، مؤكدا خبر اختطاف موظفين ونواب بالبرلمان، قال عضو في البرلمان إن المسلحين اقتحموا مقر المؤتمر وداهموا مكاتب الأعضاء وأضرموا النيران في المبنى.
وقالت وكالة الأنباء الليبية إن مجموعة مسلحة اقتحمت المقر، بعد رفع جلسة المؤتمر وخروج الأعضاء، كما سمعت أصوات إطلاق النار بالأسلحة المتوسطة في المناطق المحيطة بالمقر، وهي أحياء أبي سليم والهضبة وباب بن غشير وطريق الشط وطريق السكة والنوفليين وصلاح الدين.
وأعلنت كتيبة الصواعق مسؤوليتها عن اقتحام المؤتمر الذي يعد أعلى سلطة سياسية ودستورية في البلاد، وقالت عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»: «لعيون إخوتنا في بنغازي قمنا بأقل ما يمكن فعله ضد هذا المؤتمر الإخواني الذي قرر دعم أنصار الشريعة».
ودعمت الصفحة إعلانها بنشر مجموعة صور قالت إنها لسرايا مختلطة من الشرطة العسكرية وكتيبتي القعقاع والصواعق، تظهر سيطرة عناصرها على مقر المؤتمر من دون أي مقاومة تذكر.
وقال العقيد محمد حجازي الناطق الرسمي باسم قوات حفتر إن عناصر هذه القوات أعضاء في الجيش الوطني الليبي، مستعملا الاسم الذي يطلق على القوات غير النظامية التي يقودها حفتر، والتي تخوض منذ ثلاثة أيام اشتباكات مع إسلاميين متشددين في مدينة بنغازي.
وقال مقيمون في طرابلس إنهم سمعوا إطلاقا كثيفا للنار، ولم يتضح على الفور هدف النيران التي انطلقت من أسلحة مضادة للطائرات وتضمنت قذائف صاروخية، علما بأن طرابلس لم تشهد عنفا من النوع الذي شهدته بنغازي، ولكن أكثر من 40 شخصا قتلوا في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي خلال اشتباكات بين ميليشيات ومواطنين مسلحين.
وقبل اقتحام مقر البرلمان كان أبو سهمين قد أعلن تسلمه رسميا تشكيلة حكومة أحمد معيتيق، رئيس الوزراء الجديد، لنيل الثقة بعد أن عاشت البلاد قرابة شهرين بلا حكومة فعالة.
ولفت أبو سهمين إلى أنه نظرا لتعذر تمكن أعضاء المنطقة الشرقية من الحضور، ونظرا لأن هذه الجلسة خصصت لمناقشة موضوع الأحداث الأمنية في مدينة بنغازي، فإنه سيدعو، وفقا للمادة 136 من النظام الداخلي للمؤتمر، لعقد جلسة عامة في أجل أقصاه ثلاثة أيام اعتبارا من أمس. وقال المكتب الإعلامي لمعيتيق إنه قدم تشكيلة حكومته للمؤتمر لكنه لم يكشف عن أسماء الوزراء.
من جهته، قال اللواء حفتر إن العملية العسكرية التي بدأتها القوات الموالية له يوم الجمعة الماضي في مدينة بنغازي، تحت اسم عملية الكرامة، «ليست انقلابا ولا سعيا إلى السلطة ولا تعطيلا للمسار الديمقراطي الذي اختاره الليبيون». وقال حفتر في بيان تلفزيوني مساء أول من أمس إن العملية تأتي «استجابة لنداء الشعب الليبي، وهي معركة الدفاع عن الشعب وصيانة لأرواح ضباط وجنود الجيش الليبي التي تزهق كل يوم».
وبعدما اتهم جزءا من السلطة الحاكمة في ليبيا حاليا بالتواطؤ مع الإرهاب، انتقد حفتر اتهامات السلطات الليبية له بالخروج عن الشرعية. وأضاف: «شرعيتنا من الشعب، ونحن نريد ليبيا خالية من الإرهاب، ونريد جيشا وشرطة وننفذ إرادة الشعب الليبي». وتابع: «لم نكن نريد أن يحتكم الليبيون إلى السلاح، لكن ما دام الإرهاب قد فرض علينا المواجهة فلتكن بالسلاح».
وكان حفتر يرد بهذا البيان على البيان المشترك الذي أصدره المؤتمر الوطني والحكومة المؤقتة ورئاسة الأركان العامة للجيش الليبي الذي تضمن «دعوة أهالي مدينة بنغازي إلى التماسك والوقوف صفا واحدا لدحر الانقلابيين والمحافظة على أمن المدينة وتفادي الانجرار وراء ما تبثه بعض وسائل الإعلام المغرضة التي تدعو إلى بث الفوضى وشق الصف داخل المدينة».
وقال البيان إن ما يحدث في بنغازي الآن من بعض ضباط ومنتسبي الجيش «هو خروج على شرعية الدولة وانقلاب عليها يقوده المدعو خليفة بالقاسم حفتر أحد قادة الانقلاب في 1969، والذي صدرت بحقه مذكرة اعتقال من المدعي العسكري، وسيلاحق قانونا كل من شارك في هذه الأحداث».
كما وصف أبو سهمين العسكريين الذين قاموا بأحداث بنغازي بأنهم أشخاص خارجون عن القانون وانقلابيون على ثورة 17 فبراير.
وأضاف في بيان منفصل أصدره مساء أول من أمس: «هؤلاء الأشخاص العسكريون الذين قاموا بهذا العمل حالمون بحكم ليبيا وإرجاعها إلى زمن الظلم والعبودية وحكم الفرد، غير عابئين بالدماء التي سالت جراء أعمالهم الطائشة والتي نحملهم مسؤوليتها، ضاربين بذلك عرض الحائط بأمن وأمان الوطن والمواطن».
وقال أبو سهمين، الذي يتولى نظريا منصب القائد الأعلى للجيش الليبي، إن من قام بهذه الأعمال من بعض منتسبي القوات الجوية أو الضباط والأفراد الذين تحركوا على الأرض من العسكريين للاستيلاء على مدينة بنغازي يعدون خارجين عن القانون وعلى شرعية الدولة وانقلابا على ثورة 17 فبراير، مضيفا أنه «يجب على وزارة الدفاع ورئاسة الأركان العامة القيام بواجباتهم والتصدي لهم والقبض عليهم وتقديمهم للعدالة وفق الإجراءات القانونية المتبعة».
من جهة أخرى، أعلن مدير مطار بنينا الدولي إبراهيم فركاش أن إدارة المطار قررت تمديد إغلاقه لمدة 48 ساعة كإجراء احترازي على خلفية الأوضاع الأمنية المضطربة بمدينة بنغازي، وقال إن تعليق العمل في المطار قد يجري رفعه في أي وقت بمجرد ظهور بوادر انفراج في الأزمة الأمنية التي تشهدها المدينة.
واستمرت المناوشات المتقطعة بين قوات حفتر والميلشيات الإسلامية المتطرفة في شوارع بنغازي لكن دون اشتباكات خطيرة، بينما فجّر مجهولون مقر إذاعة محلية تابعة لجماعة إسلامية بمنطقة الليثي في المدينة، ما أسفر عن إصابة المبنى بأضرار بسيطة دون وقوع إصابات بشرية.
وحلقت طائرات موالية لحفتر فوق معسكرات تابعة لكتائب تابعة لمتطرفين إسلاميين، بينما كان الحذر الشديد والتوجس هما سمة الوضع الراهن في المدينة التي تعد معقل الثوار ومهد الانتفاضة الشعبية ضد نظام العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011.
من جهته، أحاط عبد الله الثني، رئيس الحكومة الانتقالية، سفراء كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا والاتحاد الأوروبي المعتمدين لدى ليبيا علما بالأوضاع الجارية في ليبيا وخصوصا في مدينة بنغازي.
وقال الثني وفقا لبيان أرسله مكتبه لـ«الشرق الأوسط» إن التحركات العسكرية التي جرت بالمدينة جرت خارج شرعية الدولة ومؤسساتها مما يعد انقلابا على الشرعية وعلى ثورة 17 فبراير.
ونقل البيان عن السفراء تجديد وقوفهم ودعمهم لشرعية الدولة واستمرار التعاون مع ليبيا في إعداد وتأهيل الأطر الأمنية والعسكرية الليبية لتساهم في بسط الأمن في كل ربوع البلاد، مشيرا إلى أن الثني أعلن أن حكومته تولي موضوع حماية البعثات الدبلوماسية في ليبيا عناية فائقة وتتخذ كل الإجراءات التي من شأنها تأمين الحماية لها.
على صعيد ذي صلة، كلف الدكتور نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية الدكتور ناصر القدوة وزير خارجية دولة فلسطين الأسبق بتمثيله في القيام بإجراء المشاورات والاتصالات اللازمة مع مختلف الأطراف الليبية والعربية والإقليمية والدولية المعنية بالشأن الليبي، وذلك بهدف وضع استراتيجية عربية شاملة لمساعدة الأشقاء الليبيين على تحقيق المصالحة الوطنية الليبية وإعادة بناء مؤسسات الدولة بما يحقق تطلعات الشعب الليبي بجميع مكوناته وأطيافه.
وقالت مصادر دبلوماسية إن العربي اجتمع مع وزير خارجية ليبيا محمد عبد العزيز أول من أمس، في لقاء حضره القدوة، مشيرا إلى أنه اتفق خلال الاجتماع على تحرك جديد بتكليف القدوة الاتصال بمختلف الأطراف المعنية بالشأن الليبي.
وأوضحت المصادر أن الجانب الليبي رحب بتكليف القدوة المهمة، لافتا إلى أن اللقاء الذي عقد في القاهرة استعرض تطورات الأوضاع في ليبيا بشكل عام، مؤكدا أن الحكومة الليبية أبدت استعدادا للتعاون التام من أجل تسهيل ونجاح هذه المهمة، كما رحبت باعتزام القدوة زيارة ليبيا خلال الأيام القليلة المقبلة.
وكان القدوة قد قام خلال الأسابيع الماضية بإجراء المباحثات والمشاورات اللازمة، والتقى نبيل فهمي وزير الخارجية المصري، وعددا من سفراء الدول العربية والأجنبية المهتمة بالشأن الليبي والمعتمدين في القاهرة، وخصوصا سفراء دول الجوار الليبي، وذلك لتبادل وجهات النظر والاطلاع على الرؤى المختلفة لبلورة محاور التحرك العربي بشأن دعم ليبيا في هذه المرحلة الهامة التي تمر بها.
وخلال زيارته المرتقبة إلى ليبيا، من المقرر أن يعقد القدوة سلسلة من المباحثات واللقاءات مع المسؤولين الليبيين ومختلف الأطراف الوطنية الليبية، بالإضافة إلى ممثلي المجتمع الدولي في البلاد.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.