العمق المنسي... التطرف والقيم السائدة

جنود من القوات العراقية يرفعون علما كان يستخدمه «الدواعش} عقب طردهم من الموصل (ا ف ب)
جنود من القوات العراقية يرفعون علما كان يستخدمه «الدواعش} عقب طردهم من الموصل (ا ف ب)
TT

العمق المنسي... التطرف والقيم السائدة

جنود من القوات العراقية يرفعون علما كان يستخدمه «الدواعش} عقب طردهم من الموصل (ا ف ب)
جنود من القوات العراقية يرفعون علما كان يستخدمه «الدواعش} عقب طردهم من الموصل (ا ف ب)

توظف جماعات التطرف والتعصب الكثير من القيم السائدة - صحيحة أو خاطئة - للبناء والتأسيس عليها في تجنيد المتطرفين، فتشتغل في أوساط الجاليات المسلمة أزمة ازدواجية الهوية واللغة ورؤية العالم، كما توظف انتشار ثقافة الكراهية والتمييز والنظرة الطائفية وازدراء الآخر والصراعات السياسية والدولية وخطاب الأزمة في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة لذات الغرض، من تأجيج توجهات التشدد والخلاص والخروج وما شابه.
لا تؤثر هذه القيم السلبية في العوام فقط، بل قد تؤثر في الخطابات الأعلى فقهاً وعلماً وفكراً أحياناً، مرحِّبَةً وتابعة لما يطلبه الجمهور وما يصادف شعبيتها، فتتردد بكائيات الماضي وترفع لواءات النصر والصراع الأبدي والعشوائي مع العالم والآخر، بينما تتراجع قم المواطنة والحوار والتسامح والنظام والقانون.
ومما ساعد في تصاعد هذا التأثير - تدريجيا - في العقد الأخير، هو السيولة في مصادرها في عصر الثورة المعلوماتية والمواقع التواصلية، والتشظي الفردي والجمعي، والانفتاح اللانهائي للمعنى وتصديره اللامحدود، وتأجج مشاعر الغضب والاحتجاج والنقد الجارح والفضائحي دون ضبط، وتطير دخاناً وغباراً لا يمكث في الأرض أمام خطابات التطرف والكراهية الصلبة القادرة على التمكن والمكوث والتأثير أحياناً.

خليط القيم: الحداثة والتقليد معاً
وكون مجتمعاتنا لم تدخل الحداثة بشكل كامل وتحمل قيمها في الاختلاف والتنوع والتسامح والعقلانية وغيرها، وما زالت مزجاً غريباً ومتناقضاً بين الحداثة وما قبل الحداثة، وما زال تجديد الخطاب الديني طرحاً نخبوياً تعيقه لوثات الطائفية والتعصب والانغلاق وحركاته وتنظيماته، يعيش الفرد المسلم البسيط توتر اللاحسم، كحال نهضته المستمرة منذ مائتي عام، يبحث عن الخلاص ويزاوج بين قيم التقدم والتخلف في آن، ويستثمر ويفاخر - شأن العربي القديم - بما يمتلكه من منجزات التحديث، ولكنه يبتغي به ما تكرس وساد عنه من قيم جاهلية في المفاخرة والمنافرة والتميز والاصطفاء، وربما يوظفها لقتل منتجها والانتحار في أغياره والمختلفين معه، من رجال الدولة وعناصر الأمن والمواطنين العاديين، مؤمنا ومحتكرا وحده للحق والحقيقة.
القيم، هي كل ما يثمنه أو يقبله الناس في قلوبهم ووجداناتهم من سلوك، قولاً أو فعلا، ومفردة «القيمة»، وتمتد لما هو مادي أيضاً بمعنى الثمن أو التقدير، ولكن جمعها يشير فقط لما هو «معنوي واجتماعي» يمثل المعايير الغالبة لتقييم توجهات وسلوكيات الناس والمجتمع.
ومن هنا، تمثل القيم السائدة - حسب مفهومها الاجتماعي - معايير أساسية للسلوك والتصورات، فردية وجماعية في آن واحد، وهي أيضاً ما يثمنه الجميع ويحافظ عليه المجتمع الواحد، وتصدر عنها طرق تعامل الأفراد معاً، محددة السلوك المقبول، من غير المقبول وفقها، وليس وفق قيم مختلفة زمانياً أو مكانية أخرى، أو وفق معايير العقل المحض المنفصل معها.
وليست القيم السائدة ثابتة في كلها، بل تتغير ببطء، تتطور وتتكيف مع سياقات الزمن والواقع وموازين التاريخ، بشكل بطيء ومبطن يسود متدرجاً، حسب ملامسات وتراكمات الوعي الفردي والجمعي، للفرد والمجتمع والأمة، انتصاراً وانكسارا، نجاحا وفشلا، عدلا وجورا، يأسا أو أملا وغيرها من النتائج والمستخلصات في هذه السياقات.

توظيف مشاعر المظلومية
ومن القيم السلبية التي توظف الانعزال والتحول للتشدد الأصولي والخلاص به نفسيا ولاوعيا على الأقل، تهميش دور الشباب والفرد في بعض المجتمعات، وغلبة الانتماءات الأولية في التقييم والتقديم والتأخير، كالطبقة الاجتماعية والنسب والعشيرة وما شابه من نسب، مما هو موهوب وليس مكسوباً من الفرد، لتمييزه عمن يفوقه في ممكنات وإمكانيات ومهارات ما هو متقدم إليه، مما يكرس الإحساس بالمظلومية وعدم العدل أحياناً، وتطرحه الأصولية والجماعات المتشددة دلالة على الظلم العام وتطالب بإزالته، كما تدمجه بما تصوره مظلومية خاصة بالأصولية وتيارات الأصالة بعموم لا تصح في الغالب.
لكن الانتقائية توظيف مشاعر «المظلومية الفردية»، أن عدم العدالة والقبول التاريخي لم تناقضه سوى الحداثة التي ركزت على الفرد ودولة القانون والمواطنة، ولكنه موجود في كل الثقافات والعصور قبل هذا الأزمنة الحديثة، وفي مختلف حقب تاريخها بالأساس، بل موجود في تركيبة التنظيمات الأصولية ذاتها التي تؤمن بأهمية الروابط العشائرية والشبكات العائلية في تكوينها ورفعة قيادييها.
وسنحاول فيما يلي العرض والتحليل لمجموعات من القيم التي يوظفها التطرف في التجنيد للأفراد والتبرير لممارساته واعتداءاته على الآخرين، والتأسيس لأهدافه في الصعود والتمكين.

أولاً: قيم مؤسسة للتطرف
تسكن المجتمعات التقليدية قيم غير عصرية وصراعية، تصر على الغلبة وتقدس التسلط والهيمنة على الآخرين، وترى كل آخر غريب محتقراً ومدنساً متآمراً أبداً وكارهاً أبداً، يتجسد فيه الشيطان صورة وفعلاً، فتتملك الذات طموحات غاضبة بحقها في الارتفاع والتميز والسيطرة على الآخرين المختلفين عرقيا أو طائفيا أو حضاريا أو فكريا، ومن هذه القيم يمكن أن نذكر ما يلي:
> قيم الغلبة والصراع الأبدي: مضمونها أن العالم والحياة البشرية قائمة على صراع مستمر بين الكيانات التي تمثل الحق والباطل وليس بين الحق والباطل الذي يعرف به الناس ولا يعرف بالناس، وأن الغلبة حق للدين وإيمان كل جماعة ولا يحق لغيرها الحضور أو المنافسة على فضاء الجماعة والمجتمع الخاص الذي يحمل هويتها بالخصوص، وهي قيمة قبل حداثية موجودة في الوعي التقليدي يوجهها التطرف دينيا وعاطفيا بشكل أوسع.
> شهوة التسلط والإمامة: كما انحصرت أدبيات وأفكار جماعات التطرف الديني على مدار التاريخ في الإمامة والحرب عليها، انحشرت جماعات التطرف المعاصر الحرب من أجلها، وتأليب الناس وتجنيدها من أجل هذا الهدف، وتغري به المهمشين في كل مكان، حتى داخل القبيلة والعشيرة الواحدة، ويطلبها حين تمكنها من تملكهم هذه الشهوة، كون التاريخ تاريخ «الكبار» وليس «تاريخ الأفراد والمجتمعات» فالقبيلة تتذكر شيخها والقرية تتذكر كبارها، وهو الأمر غير الصحيح إذ اتسع التاريخ والوعي دائما لمن رفضوا شهوة التسلط والإمامة، اتسع للعلماء كما اتسع للأولياء والأدباء والعارفين والخيرين وأصحاب الأوقاف، وبقي الكثير منهم في ذاكرة مجتمعاتهم وأممهم أكثر وأطول مما بقي كثير من حاكميهم.
> الرسالية وادعاء الطهورية: كون الإسلام بالخصوص دين رسالة ويحمل الأفراد فيه مسؤولية خاصة في الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، توظف جماعات التطرف هذه القيمة والمشاعر الإيمانية والرسالية لدى الأفراد المستهدفين للقيام بدور وتحميل العامي مسؤولية تغيير العالم قبل فهمه وتفسيره، وشغله بإصلاح الآخرين قبل نفسه، وإن كان خارج إطار النظام العام والقانون للمجتمع والدولة ولكن لا بد أن يكون في إطار نظام الجماعة الصغرى التي ينتمي إليها، ووفق مبدأ السمع والطاعة القائمة عليه، ولا يجوز منه الخروج الذي قد يؤدي للاغتيال المعنوي أو المادي له إن وقع منه.
ومن القيم التي تنطلق منها وتعتمد عليها جماعات التطرف في هذا السياق قيم التمييز ضد الأقليات ووهم أننا «نعيش في العالم أو المجتمع وحدنا» وحق الاحتكار للحق وللحياة ولإدارتها والهيمنة عليها وفق ما تراه الجماعة وليس وفق ما تختاره الأغلبية أو يقره القانون والتوافق العام، حتى فيما هو بالغ الخصوصية في حياة الناس.
كما تستغل جماعات التطرف وَهْم شمول التراث، والاكتفاء المرجعي والنظري والمعنوي، فلا بأس من استخدام الهاتف وركوب السيارة الحديثة التي أنتجها الآخرون، ولكن لا يجوز لنا استخدام مبادئ كالديمقراطية التي تصر جماعات التطرف العنيف على تكفير من يؤمن بها أو يدعو إليها، كونها وفقط من إنتاج الآخرين وليس من إنتاجنا النظري والتراثي، رغم أنها أخت وبنت تشبه الشورى التي أقرها تراثنا وتنظمها.
كذلك ووفق هذا المنطق تكون المواطنة أو غيرها والمنظمات الدولية، بدعة لأنها لم ترد باسمها في التراث القديم رغم أنها ضرورة ومنتج حداثي لتجنب صراعات الطوائف والأديان والأعراق وسلامة الأوطان نفسها.

ثانيا: قيم للتوظيف والاستخدام
توظف جماعات التطرف العديد من القيم والمعاني السائدة، من أزمات الهوية المفتعلة، كالزي والشكل، إلى أزمات الهوية الحقيقية الناتجة عن أزمة النهضة والتقدم والرفاه قياساً للآخر الحضاري، في تأجيج مشاعر الكراهية وتوظيفها ضد هذا الآخر.
كذلك توظف جماعات التطرف المشاعر السلبية تجاه تفوق الآخر القريب - الطائفي أو المِلّي - أو البعيد الحضاري في طرح أفكار النظر التآمري غير العلمي وتحميله المسؤولية الدائمة عن فشلنا، دون مساءلة الذات أو المنافسة الصحية والمتعافية استفادة وتفاعلاً مع تفوق الآخر.
ومن القيم والمعاني السائدة التي تستغلها جماعات التطرف بشكل كبير هو هشاشة مفهوم الدولة في الوعي العربي، وغلبة وتردد شعور الانتماء «للأمة الواحدة» على الدولة القطرية والوطنية التي لم يظهر أغلبها عربيا وإسلاميا - باستثناء مصر وإيران - إلا بعد «سايكس بيكو»، قبل قرن من هذا الزمان، لتكريس الانتماء للأمة وتنفيس العداء في وجه الدولة وقوانينها التي تراها وضعية ومخالفة ومغالبتها على ذلك.
ومن القيم والمعاني السائدة التي تكرسها وتوظفها في آن جماعات التطرف مشاعر وصور غير دقيقة للهوية والتاريخ، وعن سيادة العالم تكرس صراع العنف وشهوات ونزعات الاستعادة للمجد القديم، رغم أن العودة لصفحات التاريخ تثبت أن هذا الوعي السحري والصورة المتخيلة غير حقيقية ولم تكن دائماً، فالتاريخ لم يتحرك في صراعات الحضارات والأمم إلا بقوانين القوة والضعف والتقدم والتخلف، ولم يكن ثابتاً أي منها لأمة أو دولة بعينها عبر التاريخ.
ختاماً، نرى أن مكافحة التطرف تتسع لما هو أوسع من تجديد الخطاب الديني فقط، الذي لا يزال يحتاج المزيد من الجهود والتخطيط والشجاعة، فتتسع جهود المكافحة للوعي الثقافي والقيمي والتفاعل الإيجابي مع الفرد والمجتمع ووعيه ومشاعره، وتفكيك كل أسانيد التطرف غير المباشرة ونقضها فكرا وممارسة، وتكريسا للانتماء والمبادئ الإنسانية القائمة على المساواة والمواطنة والتنافس والتعايش الحضاري.



Spain Requests Emergency Funds to Manage Migration Crisis in Ceuta

Spain has formally asked the European Commission to unlock emergency funding aimed at addressing the migration crisis in Ceuta (EPA) 
Spain has formally asked the European Commission to unlock emergency funding aimed at addressing the migration crisis in Ceuta (EPA) 
TT

Spain Requests Emergency Funds to Manage Migration Crisis in Ceuta

Spain has formally asked the European Commission to unlock emergency funding aimed at addressing the migration crisis in Ceuta (EPA) 
Spain has formally asked the European Commission to unlock emergency funding aimed at addressing the migration crisis in Ceuta (EPA) 

Spain has formally asked the European Commission to unlock emergency funding aimed at addressing the migration crisis in Ceuta, the Commission’s spokesperson for Home Affairs Markus Lammert said.

Lammert said that while there is no fixed deadline for a decision on Spain's formal emergency funding request, the Commission is treating the assessment as a top priority to ensure a swift response, according to Bloomberg.

The spokesperson noted that the request includes measures to strengthen border protection and related infrastructure, as well as to ensure sufficient reception capacity for migrants, including unaccompanied minors.

“We have now, namely yesterday, received a formal request for emergency funding, and we are now working on assessing their request as a priority and with a view to taking a swift decision,” the spokesman told a daily news briefing in Brussels.

Last month, tens of thousands of illegal migrants crossed the border of the Spanish enclave of Ceuta in northern Morocco in an attempt to illegally migrate to Spain.

Lammert added that the Commission had maintained close contact with Spanish authorities since the beginning of the crisis and would now assess Spain’s needs before determining the amount of funding it could provide.

The Spanish funding request is part of the Emergency Assistance (EMAS) under the European Union's Asylum, Migration and Integration Fund (FAMI). The system grants high pre-financing rates—frequently up to 80% of the EU contribution—allowing member states or beneficiary authorities to deploy liquidity quickly before final project costs are audited and settled.

When the migration crisis broke out, Brussels had indicated that Spain could draw on the EU’s FAMI fund to help cover reception and assistance costs. However, access to the emergency resources required a formal request from the Spanish government.

With Madrid’s request now officially submitted on August 24, the Commission will assess the situation and determine the level of assistance that can be released.

The Spanish Minister of Migration, Elma Saiz, explained on August 18 that she had already submitted the request for these funds, although at that time the Commission pointed out that until then only “informal contacts” had taken place and that, once there was a “formal request,” priority would be given to analyzing the financial needs of Ceuta “to be able to be very quick” and transfer the money to Spain as soon as possible.

 

 

 

 


Financial Times: İsrail, İngiliz yetkilileri Gazze’deki koordinasyon merkezinden çıkarmayı değerlendiriyor

Gazze'nin merkezindeki Deyr el-Belah'ta, dün İsrail'in yakındaki bir evi hedef alan hava saldırısında hasar gören bir gıda yardım deposunun önünde bulunan Filistinliler (AP)
Gazze'nin merkezindeki Deyr el-Belah'ta, dün İsrail'in yakındaki bir evi hedef alan hava saldırısında hasar gören bir gıda yardım deposunun önünde bulunan Filistinliler (AP)
TT

Financial Times: İsrail, İngiliz yetkilileri Gazze’deki koordinasyon merkezinden çıkarmayı değerlendiriyor

Gazze'nin merkezindeki Deyr el-Belah'ta, dün İsrail'in yakındaki bir evi hedef alan hava saldırısında hasar gören bir gıda yardım deposunun önünde bulunan Filistinliler (AP)
Gazze'nin merkezindeki Deyr el-Belah'ta, dün İsrail'in yakındaki bir evi hedef alan hava saldırısında hasar gören bir gıda yardım deposunun önünde bulunan Filistinliler (AP)

Financial Times (FT) gazetesi, İsrail’in İngiliz ve muhtemelen diğer Avrupalı yetkilileri, savaş sonrası Gazze için ABD öncülüğündeki koordinasyon merkezinden çıkarma seçeneğini değerlendirdiğini bildirdi. 

Şarku’l Avsat’ın FT’den aktardığına göre İsrail hükümeti son haftalarda, İngiltere’nin Uluslararası Gazze Destek Merkezi’nden çıkarılmasını görüştü. Güney İsrail’de bulunan merkez, ABD’nin İsrail ile Hamas arasında arabuluculuk yaptığı ateşkesin uygulanmasını ve izlenmesini sağlamak amacıyla oluşturulan çok uluslu bir merkez niteliğinde

İsrail’in benzer bir adımı başka Avrupa ülkelerinin yetkililerine karşı da atabileceği belirtiliyor. Ancak Reuters, Financial Times’ın haberini bağımsız olarak doğrulayamadığını belirtti. 

İsrail ile Avrupa ülkeleri arasındaki gerilim, İsrail’in Batı Şeria’daki yerleşim politikaları ve Gazze’deki tutumu nedeniyle son dönemde daha da arttı. İsrail Dışişleri Bakanı Gideon Saar da salı günü Hollandalı temsilcilerin merkezden çıkarılacağını açıklamıştı. 


ليزا كوك تنفي ارتكاب أي احتيال عقاري وترفض مساعي ترمب لإقالتها من «الفيدرالي»

ليزا كوك برفقة محاميها آبي لويل خارج المحكمة العليا الأميركية في يناير الماضي (رويترز)
ليزا كوك برفقة محاميها آبي لويل خارج المحكمة العليا الأميركية في يناير الماضي (رويترز)
TT

ليزا كوك تنفي ارتكاب أي احتيال عقاري وترفض مساعي ترمب لإقالتها من «الفيدرالي»

ليزا كوك برفقة محاميها آبي لويل خارج المحكمة العليا الأميركية في يناير الماضي (رويترز)
ليزا كوك برفقة محاميها آبي لويل خارج المحكمة العليا الأميركية في يناير الماضي (رويترز)

رفضت ليزا كوك، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، اتهامات البيت الأبيض بارتكاب احتيال في طلبات قروض عقارية، مؤكدة أن المستندات محل الجدل لا توفر أساساً قانونياً لإقالتها من منصبها.

وقال محامي كوك، آبي لويل، في رسالة وجهها إلى البيت الأبيض، الأربعاء، إن موكلته «لم ترتكب قط احتيالاً عقارياً أو أي مخالفة متعمدة»، مضيفاً أنه لا يوجد «سبب قانوني مقبول» لعزلها من مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وتأتي الرسالة رداً على أحدث محاولة من إدارة الرئيس دونالد ترمب لإقالة كوك، بعدما أوقفت المحكمة العليا الأميركية في يونيو (حزيران) محاولة سابقة لعزلها، وقضت بأن عليها أولاً أن تحصل على فرصة للرد على الاتهامات الموجهة إليها.

وتتركز القضية على شقة سكنية اشترتها كوك في أتلانتا بولاية جورجيا في يوليو (تموز) 2021، أي قبل انضمامها إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي. ويزعم البيت الأبيض أنها قدمت معلومات غير صحيحة عندما أعلنت أن الشقة ستكون محل إقامتها الرئيسي، بهدف الحصول على شروط تمويل أفضل.

وتُظهر نماذج القروض التي وقعتها كوك أنها أشارت إلى عقارين مختلفين؛ أحدهما الشقة في أتلانتا والآخر منزل في ولاية ميشيغان أعادت تمويله في الفترة نفسها، باعتبار كل منهما محل إقامتها الرئيسي.

وأقر لويل بأن بعض المستندات التي وقعتها كوك وصفت، عن غير قصد، شقة أتلانتا بأنها مقر إقامتها الرئيسي، لكنه قال إن جهة الإقراض لم تُضلل بشأن وضعها الفعلي.

وأوضح أن المقرض كان يعلم أن كوك تعيش في ميشيغان منذ أكثر من 15 عاماً، وأنها تعمل بدوام كامل أستاذة متفرغة في جامعة ولاية ميشيغان، مضيفاً أنها لم تعطِ أي مؤشر على أنها كانت تعتزم الانتقال إلى أتلانتا لتولي وظيفة جديدة.

وأرفق محامي كوك بالرسالة إفادة من كاثلين إنغل، أستاذة القانون في جامعة سوفولك والمتخصصة في تمويل العقارات، قالت فيها إن الأدلة التي قدمها البيت الأبيض لا تثبت وجود مخالفة متعمدة من جانب كوك.

معركة قضائية مستمرة

تمكنت كوك حتى الآن، بصورة مؤقتة، من الحفاظ على منصبها أمام 3 محاكم، كان آخرها المحكمة العليا التي أصدرت قرارها في يونيو. ويواجه ترمب الآن خيار محاولة عزلها مجدداً، وهي خطوة من المرجح أن تعيد إشعال المعركة القضائية أمام المحكمة الفيدرالية التي تنظر في دعوى كوك الأصلية.

وكان البيت الأبيض قد أعاد فتح ملف إقالة كوك في وقت سابق من الشهر، عندما وجه دان سكافينو، نائب كبير موظفي البيت الأبيض، رسالة إليها قال فيها إن ترمب يدرس عزلها بسبب وجود «سبب كافٍ للاعتقاد» بأنها قدمت بيانات غير صحيحة في اتفاقات الرهن العقاري، ومنحها مهلة حتى 26 أغسطس (آب) للرد.

وكانت الرسالة قد أشارت أيضاً إلى أن كوك لم تقدم في السابق تفسيراً للاتهامات، وهو ما رد عليه محاميها الآن بالتفصيل.

وفي قرارها الصادر في يونيو، قضت المحكمة العليا، بأغلبية 5 أصوات مقابل 4، بإمكان كوك الاستمرار في منصبها إلى حين البت في دعواها. وكتب رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، وانضم إليه القضاة الليبراليون الثلاثة والقاضي بريت كافانو، أن قرار الرئيس عزل أحد محافظي الاحتياطي الفيدرالي لسبب وجيه يخضع للمراجعة القضائية، رافضين حجة الإدارة بأن المحاكم لا تملك صلاحية التدخل.

وقالت المحكمة إن تحديد وجود سبب كافٍ للعزل يتطلب النظر في مدى خطورة السلوك المزعوم ومدى ارتباطه بواجبات المحافظ، كما أكدت حق كوك في معرفة الأدلة المقدمة ضدها، والحصول على فرصة للرد عليها ضمن مهلة محددة.

اتهامات بلا توجيه اتهام جنائي

تعود الاتهامات إلى أغسطس 2025، عندما أحال بيل بولت، المسؤول الفيدرالي المعني بالإسكان، قضية كوك إلى وزارة العدل. وبعد أيام، أعلن ترمب عبر حسابه على وسائل التواصل الاجتماعي أنه يعزلها من منصبها، لتلجأ كوك إلى القضاء لوقف القرار.

وفتحت النيابة تحقيقاً في القضية، وفقاً لما أوردته «وول ستريت جورنال» في سبتمبر (أيلول) الماضي، لكن لم توجه إلى كوك أي اتهامات جنائية حتى الآن.

وتُعد كوك واحدة من سبعة أعضاء في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، وثلاثة محافظين عينهم الرئيس السابق جو بايدن. ويضم المجلس أيضاً ثلاثة محافظين عينهم ترمب.

وتنتهي ولاية كوك، في الظروف العادية، عام 2038، بينما لم يرشح ترمب بديلاً لها. وفي حال إقالتها، سيظل مقعدها شاغراً إلى أن يوافق مجلس الشيوخ على مرشح جديد.

المعركة تتجاوز كوك

ولا تقتصر تداعيات القضية على مستقبل كوك الوظيفي، إذ قد تمتد إلى استقلالية الاحتياطي الفيدرالي في تحديد أسعار الفائدة.

ويأتي ذلك في وقت تحركت فيه قرارات السياسة النقدية للبنك المركزي الأميركي في الأشهر الأخيرة في اتجاه لا يتوافق دائماً مع رغبات ترمب. فقد أبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير منذ ديسمبر (كانون الأول)، بما في ذلك خلال اجتماعيه الأخيرين اللذين ترأسهما الرئيس الجديد للمجلس كيفن وارش.

وفي يوليو، صوّت ثلاثة من رؤساء البنوك الاحتياطية الإقليمية لصالح رفع أسعار الفائدة، بينما كانت كوك من بين عدد من محافظي الاحتياطي الفيدرالي الذين أبدوا استعداداً لتأييد رفع الفائدة إذا لم يتراجع التضخم.

ويرى اقتصاديون ومسؤولون سابقون أن محاولة إقالة كوك تهدد مبدأ استقلالية الاحتياطي الفيدرالي عن الضغوط السياسية، وهو المبدأ الذي يتيح للبنك المركزي رفع أسعار الفائدة عندما يرى ذلك ضرورياً، حتى لو كان الرئيس يفضل الإبقاء عليها منخفضة.

ومنذ تأسيس الاحتياطي الفيدرالي عام 1913، لم يقدم أي رئيس أميركي على محاولة عزل أحد محافظي البنك المركزي حتى العام الماضي، ما يجعل قضية كوك اختباراً مهماً لحدود السلطة الرئاسية واستقلال السياسة النقدية الأميركية.