ألمانيا... في مهب الرشى المالية

مطار برلين أهم ضحاياها

ألمانيا... في مهب الرشى المالية
TT

ألمانيا... في مهب الرشى المالية

ألمانيا... في مهب الرشى المالية

حسب المعايير الدولية، فإن أكبر خطر يهدد نمو البشرية لا يكمن فقط في نشوب الحروب وانتشار الأسلحة الفتاكة، بل أيضاً في الرشى، التي أصبحت تتم حاليا على مستويات عالية، وغالبا من دون محاسبة. فهي لم تعد تقتصر على رشوة موظف بسيط في دائرة ما بمبلغ متواضع لتسهيل معاملة، بل تحولت إلى مصدر ثروة لكبار السياسيين والمسؤولين في معظم أنحاء العالم.
والمشكلة الكبيرة، أن هذه الرشى والفساد الذي يتم في المراكز ذات السلطة التنفيذية تسهل تمرير عمليات غير شرعية في قطاعات حيوية مهمة، وهذا بدوره يساهم في تراجع الإيرادات، وبالتالي يحدث تقصير في تحقيق أي نوع من الاستثمارات التي تنشط الوضع الاقتصاد لتحسين وضع الفرد والطبقة الفقيرة، والشاهد على ذلك ما يحدث في الدول منها النامية أو الفقيرة.
والمشكلة الصعبة، أن لا أحد يقوم بمحاسبة الفاسدين أو المرتشين، لأنهم أصبحوا يعملون ضمن شبكات يساندها منتفعون لا يطالهم القانون، ومن سخرية القدر أن هؤلاء في الكثير من الأحيان هم واضعو قوانين لمحاربة تلقي الرشى والفساد؛ وعليه فإن هذه الآفة ستظل تمثل أحد أكبر المخاطر الحقيقية في وجه التطور، حتى ولو سنت قوانين لمحاربتها، بيد أنها لم تعد تحدث في إطار تمرير اتفاقيات تجارية، بل في كل القطاعات حتى الطبابة، بعد الفضائح الكبيرة في ألمانيا بتلقي أطباء رشى مالية من أجل الترويج لبعض العقاقير أو الأجهزة الطبية.

قوانين لمحاربة الرشى والغش
لقد دفع هذا التفاقم في تلقى الرشى وعمليات الغش، إلى تشكيل تنظيمات في معظم بلدان العالم، منها ألمانيا، رغم قوانين الشفافية في المجتمعات لمحاربة عمليات الرشى وكشف تجاوز القانون، وقد صدرت عن الأمم المتحدة مجموعة قوانين في هذا السياق، ومع أن ألمانيا رائدة في مكافحة الفساد، حسب تقارير منظمة الشفافية الدولية، إلا أن الكثير من الضوابط فيها ما زالت رخوة؛ مما سمح بوقوع عمليات غش ضخمة.
ويمكن أن تحدث رشى من أجل الدفع بتوقيع اتفاقية تجارية مهمة ودسمة في العلاقات التجارية المتبادلة، الحكومية أو غير الحكومية، رغم أن معظم الدول لديها قوانين تحظر عرض مال أو هدية، أي شيء ذي قيمة أو الوعد به أو تقديمه مقابل الحصول على ميزة تجارية غير قانونية، وجب الإبلاغ عنها في حال وقوع مثل هذه الانتهاكات أو وجود احتمال في حدوثها.
وهذا القانون واضح كل الوضوح أيضا في ألمانيا، إلا أن اللائحة التي تخرج إلى النور كل عام لا تثير فقط الغضب، بل والحيرة والتساؤل عن سبب غياب الجهات التي يجب أن تحاسب مرتكبي هذه التجاوزات الخطيرة التي لا تلحق الضرر بجهات معينة، بل بالاقتصاد الألماني بالكامل.
فالشعار المرفوع في ألمانيا: «لم يعد من الممكن اعتبار الفساد ودفع الرشى الطريق السليمة للأنشطة الاقتصادية في ألمانيا»، لا يعكس ما يحدث حقيقة على أرض الواقع، ففي الممارسات العملية يحدث الفساد بأشكال مختلفة: من عمليات فساد على المدى الطويل إلى شبكة من الفساد ودفع الرشى التي أصبحت قانونيا جزءا من الجريمة المنظمة والقائمة التي صدرت هذا العام تحمل 580 اسما من شخصيات وشركات ومصانع، إما تلقت رشى أو دفعت رشى على مدى زمن طويل، والمبالغ ما بين عشرات الآلاف والملايين.

برنامج تلفزيوني لمحاربة الرشوة
ومن أجل كشف النقاب عن هذه العمليات، خصصت محطة التلفزيون الثانية، وهي للقطاع العام غير ربحية، بعض الحلقات أكدت على أن الكل يعرف ما يحدث، لكنه لا يتحدث. هذا الوضع دفع بالكثيرين إلى طرح السؤال: إلى أي مدى متغلغل الفساد في ألمانيا؟ فالأرقام التي تنشر تظهر بأن تلقي الرشى والعمولات هي أكثر مما كان متوقعا، والشرطة والمدعون العامون يواجهون صعوبات في مكافحة الفساد، فالقانون السائد هو قانون الصمت، أي أن الكل يعلم ذلك، لكن لا أحد يتحدث عنه، رغم أن عمليات الفساد تكون نتيجتها إتلاف القيم الأساسية لدولة الدستور ديمقراطيا واجتماعيا.
ففي العام 2004، سجل المكتب الجنائي الاتحادي نحو 20300 جريمة فساد في ألمانيا مختلفة الأحجام بما قيمته 140 مليون يورو دفعت معظم المبالغ نقدا، وفي هذا الصدد، يقول فولفغانغ شوابنشتاينر، المدعي العام السابق والمتخصص حاليا في مكافحة الرشى والفساد: لا يكاد يكون هناك قطاع في ألمانيا يخلو من الفساد، في كل مكان في القطاع الخاص كما القطاع العام، فأنظمة الرشوة تعمل دون عائق؛ لذا فإن أفضل الإجراءات القانونية هي تشديد العقوبات أكثر مما هو معتاد في المحاكم الألمانية.
ووفقا لإحصائيات المكتب الجنائي الاتحادي، فإن عمليات الرشى شائعة كثيرا في قطاع الخدمات وفي مجال التجارة وتجارة السيارات وقطاع البناء من أجل التسريع بالحصول على إذن بناء أو ترميم، أيضا في شركات ومصانع كبيرة ومتوسطة وصغيرة ما سبب خسائر اقتصادية في عام 2014 وحده نحو 358 مليون يورو، ومع ذلك فإن الخسائر المالية الفعلية أعلى من ذلك بكثير لأن أضرار الفساد، وبخاصة في التصاريح والعقود التي تبرم يصعب قياسها كما. عدا عن ذلك فإن عدد التجاوزات غير المُبلغ بها ضخم وتبقى غير مكتشفة.

نقص في جهاز القضاء
ولقد اشتكت الجمعية الألمانية للقضاة من عدم وجود الأعداد الكافية من المحققين للكشف عن المزيد من هذه المخالفات الخطيرة، وأكد رئيسها الدكتور بيتر شتاينرهان، أن رغبة المدعين العاميين موجودة، لكن ينقصهم بعض الأحيان الوسيلة والموظفون، فالتحقيقات معقدة للغاية وعدد القضايا التي يجب أن تعالج كبير جدا؛ لذا يبقى الفساد في الشركات على نطاق واسع رغم سياسات مكافحة الفساد التشغيلية وقواعد الالتزام. وذكر شتاينرهان، أن مصدرا من قطاع العقارات اعترف بأن عمليات الرشى المحترفة تتم بين المقاولين بنسبة تراوح بين الـ30 والـ40 في المائة، ولا أحد يخشى الملاحقة.
ومن عمليات الرشى الضخمة، تلك التي دفعها مديرو اتحاد شركات سيمنز، وكشف النقاب عنها عام 1997؛ فمقابل الحصول على مناقصة لرقمنة شبكة الهواتف في اليونان دفع مديرو فروعها هناك من أموال الشركة ما يعادل 70 مليون يورو (قرابة 130 مليون مارك ألماني) لشخصيات يونانية تعمل في مؤسسات حكومية، بعدها شهدت قاعات محاكم أثينا جلسات كثيرة لمحاكمة 64 شخصا، من بينهم 13 ألمانيا ومدير مكتب «سيمنز» السابق هاينريش فون بيرر، ومدير فرع «سيمنز» للاتصالات سابقا، واليوناني ميشائيل كريستوفوراكوس، والتهم ليست فقط الرشوة، بل وغسل الأموال، إلا أن القضية ما زال يسودها الغموض، وكانت آخر جلسة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014، كانت مسرحية هزلية غاب عنها كل كبار المتهمين، بعدها، ومن أجل إظهار محاربتها للفساد والرشى أوكلت الشركة الأم في ألمانيا قانونيين لإعادة تقييم.
وبالفعل قدموا نتائج تحقيقاتهم في 800 صفحة بقيت في أدراج مجلس الإدارة. إلا أن هذه الفضيحة كلفت «سيمنز» غاليا، حيث اتفقت الشركة مع الحكومة اليونانية على تنازلها عن فاتورة قيمتها 80 مليون يورو والاستثمار في برامج تدريب وتعليم في المعاهد اليونانية وألزمت فرعها بزيادة استثمارها من أجل أحداث أماكن عمل في اليونان.
وفي عام 2009، هزت ألمانيا فضحية مثيلة طالت شركة «مان» ومركزها في ميونيخ، وهي من الشركات الرائدة في صناعة المعدات الهندسية والمركبات التجارية. فبعد الشكوك التي حامت حولها كشفت تحقيقات المدعي العام في ميونيخ، عن أن الشركة دفعت أكثر من 80 مليون يورو في 20 بلدا من عام 2001 وحتى عام 2007 إلى حكومات وشركاء تجاريين من أجل إبرام صفقات بيع شاحنات وحافلات من صنعها، واضطر الرئيس التنفيذي للشركة هاكان سمويلسون وأعضاء مجلس الإدارة يومها، إلى الاستقالة ودفعت الشركة غرامة قيمتها 150 مليون يورو، وفي الأول من شهر مايو (أيار) عام 2010، ولتخطي انعكاسات ما حدث دخلت شركة مان في مشروع مشترك مع شركة راين ميتال وأسستا معا شركة راينميتال مان للمركبات العسكرية.

مطار برلين ضحية الرشى
عطلت عمليات الغش والرشى حتى اليوم افتتاح مطار برلين – براندنبورغ، وكان من المفترض بدء العمل فيه عام 2012، من بينها اكتشاف غش الشركة التي أوكلت ببناء نظام صيانة للمبنى من الحريق والغازات السامة، وظلت إدارة المطار تتحدث عن يوم الافتتاح وكان في الـ4 من شهر يونيو (حزيران) عام 2012، وتحضرت الشركات والمحال التجارية التي تريد فتح فروع لها فيه للانتقال، والبعض منها أنهى عقود الإيجار في مطار تيغل الصغير، لكن فوجئ الجميع قبل أيام قليلة باعتراف الشركة بالعطل، وبأنها كذبت فيما يتعلق بإنهائها العمل، واليوم يقف أحد المسؤولين الكبار فيها أمام القضاء بتهمة الحصول على الملايين والكذب. ولم تتوقف المشاكل في هذا المطار حتى اليوم، حيث يستجوب حاليا المدير السابق للمطار هورست أمان بتهمة الاستيلاء على مبالغ ضخمة.
وفي عام 2015، كشف النقاب عن دفع مصانع أدوية دولية وألمانية لمستشفيات وأطباء نحو مليار يورو للإكثار من وصف منتجاتها للمرضى، أيضا تفضيل دراسات تقوم بها على أدوية معينة لمعرفة مدى فاعليتها على أنواع من الأمراض، والرشى لم تكن مادية فقط، بل دفع تكاليف دورات تدريبية لطواقم مستشفات وعيادات أو لأطباء وتكاليف سفر.



المحكمة العليا تطيح بـ«جمارك ترمب» وتفتح أبواب الفوضى المالية

رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا تطيح بـ«جمارك ترمب» وتفتح أبواب الفوضى المالية

رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
رافعات شحن تعلو سفن حاويات محمّلة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

في لحظة فارقة أعادت رسم حدود السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة، سددت المحكمة العليا ضربة قاصمة إلى جوهر الأجندة الاقتصادية للرئيس دونالد ترمب، معلنةً بطلان أضخم وأجرأ حزمة رسوم جمركية فرضها خلال ولايته الثانية. لم يكن الحكم مجرد انتصار قانوني للشركات المستوردة، بل كان بمنزلة زلزال دستوري أكد فيه القضاة أن «سلطة الجباية» هي حق أصيل للكونغرس لا يمكن انتزاعه تحت عباءة قوانين الطوارئ. وبينما غادر القضاة منصاتهم، تركوا خلفهم تساؤلاً بمليارات الدولارات يتردد صداه في أروقة الكابيتول هيل: كيف ستعيد الحكومة 133 مليار دولار جُمعت بالفعل بشكل غير قانوني؟ وكيف سيتعامل البيت الأبيض مع هذا الانهيار المفاجئ لأدوات نفوذه في التجارة الدولية؟

مبنى المحكمة العليا الأميركية (رويترز)

حيثيات الحكم وانقسام المحكمة

جاء قرار المحكمة بأغلبية 6 إلى 3، حيث انضم رئيس المحكمة جون روبرتس وقضاة آخرون، بمن فيهم اثنان من مرشحي ترمب السابقين، إلى الجناح الليبرالي لرفض استخدام قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA) الصادر عام 1977 لفرض ضرائب استيراد.

وأوضحت المحكمة في حيثياتها أن هذا القانون لا يمنح الرئيس سلطة «مطلقة» أو «غير محدودة» لفرض الرسوم، مشددةً على أن الدستور الأميركي كان واضحاً في منح الكونغرس وحده الحق في فرض الضرائب والرسوم.

المدافع الوحيد عن سلطة ترمب

في مقابل هذه الأغلبية، برز صوت القاضي بريت كافانو، وهو أحد القضاة الثلاثة الذين عيّنهم ترمب في المحكمة العليا عام 2018. كافانو، الذي يُعد من أبرز الوجوه المحافظة في القضاء الأميركي، كان الوحيد من بين «قضاة ترمب» الذي انبرى للدفاع عن شرعية الرسوم، حيث قاد جبهة المعارضة وكتب «رأياً مخالفاً» هاجم فيه زملاءه بحدة.

رأى كافانو أن الدستور والتاريخ والقوانين السابقة تمنح الرئيس سلطة واسعة لاستخدام الرسوم الجمركية في حالات الطوارئ الوطنية، مثل مواجهة تهريب المخدرات أو الاختلالات التجارية. ولم يكتفِ كافانو بالدفاع القانوني، بل وجَّه توبيخاً إلى زملائه القضاة لأنهم «تجاهلوا» العواقب الكارثية لقرارهم، محذراً من أن الحكومة الآن عالقة في مأزق مالي لا مخرج منه.

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (أرشيفية - رويترز)

ترمب يمتثل غاضباً

لم يتأخر رد فعل الرئيس ترمب، الذي وصف القضاة بـ«العار» واتهمهم بالرضوخ لمصالح أجنبية، معتبراً القرار خيانةً للدستور. ومع ذلك، امتثل للقرار عبر توقيع أمر تنفيذي بإلغاء الرسوم الباطلة، لكنه لم يستسلم لمبدأ التراجع التجاري. فرغم الضربة القضائية، سارع ترمب لتأكيد أن لديه «بدائل عديدة وعظيمة» لمواصلة سياسة الحماية التجارية.

وبدأ البيت الأبيض بتفعيل ترسانة قانونية بديلة للالتفاف على حكم المحكمة وتصعيد المواجهة:

- المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974: وقّع ترمب فوراً أمراً بفرض رسوم عالمية جديدة بنسبة 10 في المائة على الواردات كافة، مستخدماً هذه المادة التي تعالج عجز موازين المدفوعات. ورغم أنها تمنحه سلطة فورية، فإنها «سلاح مؤقت» ينتهي مفعوله بعد 150 يوماً ما لم يتدخل الكونغرس.

- المادة 301 و«التحقيقات السريعة»: أعلنت الإدارة بدء تحقيقات واسعة النطاق في الممارسات التجارية غير العادلة للدول الأخرى. هذه المادة تمنح واشنطن حق فرض رسوم انتقامية قوية، وهي «أكثر متانة قانونية» لأنها تستند إلى معالجة أضرار اقتصادية محددة بدلاً من إعلان طوارئ عام.

- المادة 338 من قانون 1930: يُلوِّح البيت الأبيض باستخدام هذا القانون «المهجور» منذ الكساد الكبير، والذي يسمح بفرض رسوم تصل إلى 50 في المائة على الدول التي تميز ضد التجارة الأميركية.

- سلاح التراخيص والقيود الكمية: أشار ترمب إلى إمكانية استخدام نظام التراخيص لتقييد حجم الواردات بدلاً من فرض ضرائب عليها، وهي وسيلة أخرى للضغط على الشركاء التجاريين دون الاصطدام المباشر بسلطة الكونغرس الضريبية.

معضلة الـ133 مليار دولار

في حين يتحضر البيت الأبيض للتصعيد عبر البدائل المذكورة، تواجه وزارة الخزانة ضغوطاً هائلة لإعادة المبالغ المحصَّلة بشكل غير قانوني. فبينما تطالب كبرى الشركات مثل «كوسكو» و«ريفلون» باستعادة أموالها، حذَّر خبراء قانونيون من أن الطريق لن يكون مفروشاً بالورود. ومن المتوقع أن تتولى وكالة الجمارك وحماية الحدود، بالتعاون مع محكمة التجارة الدولية في نيويورك، هندسة عملية الاسترداد التي قد تستغرق ما بين 12 و18 شهراً. وتكمن الصعوبة في أن المستهلكين العاديين، الذين تحملوا العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار، قد لا يرون فلساً واحداً من هذه التعويضات، حيث ستذهب الأموال غالباً إلى الشركات المستوردة التي دفعت الرسوم مباشرةً للحكومة.

رافعات شحن تعلو سفن حاويات محملة بحاويات في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

الصفقات الدولية والتحركات الديمقراطية

على الصعيد الدولي، حذَّر القاضي كافانو من أن الحكم يُزعزع استقرار اتفاقات تجارية بمليارات الدولارات مع الصين واليابان والمملكة المتحدة، التي أُبرمت تحت تهديد تلك الرسوم الملغاة.

أما داخلياً، فلم يفوّت الديمقراطيون الفرصة لتحويل الأزمة إلى ضغط سياسي؛ حيث قاد حاكم إيلينوي، جي بي بريتزكر، حملة تطالب بـ«إعادة الأموال المنهوبة» للعائلات، مرسلاً «فاتورة» لترمب تطالبه برد 8.7 مليار دولار لسكان ولايته. وانضم إليه حاكم كاليفورنيا غافن نيوسوم وحكام ولايات أخرى، معتبرين أن الرسوم كانت «ضريبة خلفية» غير قانونية أثقلت كاهل المزارعين والطبقة الوسطى. هذا الحراك السياسي يزيد من تعقيد المشهد أمام وزارة الخزانة، التي تحاول موازنة استقرار الميزانية مع الضغوط القانونية المتزايدة للوفاء برد المبالغ.

سيارات سوبارو متوقفة في وكالة بيع سيارات بمنطقة بيدفورد أوتو مايل بأوهايو (أ.ب)

ختاماً، فإن «قص» أجنحة ترمب الاقتصادية لم يُنهِ المعركة، بل نقلها إلى ساحة أكثر تعقيداً؛ فبينما تحاول الأسواق العالمية استيعاب هذا التحول، يبقى الاقتصاد الأميركي رهين حالة من عدم اليقين بين مطالبات قانونية برد الـ133 مليار دولار ولجوء ترمب إلى بدائل قانونية مؤقتة. ورغم أن إلغاء الرسوم قد يخفف من الضغوط التضخمية، فإن النزاعات الطويلة المتوقعة في ساحات القضاء الأدنى ومكاتب الجمارك ستُبقي المستثمرين في حالة ترقب، بانتظار المواجهة الكبرى في أروقة الكونغرس الذي بات الآن «صاحب الكلمة الفصل» في تقرير مصير السياسة التجارية. ويبقى السؤال الأهم الذي سيحدد ملامح الاقتصاد الأميركي لسنوات مقبلة: هل سينجح ترمب في إعادة بناء جدار الحماية التجاري الخاص به قبل أن تنتهي صلاحية أدواته المؤقتة وتصطدم بحائط الصد التشريعي؟

Your Premium trial has ended


ترمب يفرض رسوماً جمركية جديدة بنسبة 10% بعد انتكاسة قضائية

ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)
ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)
TT

ترمب يفرض رسوماً جمركية جديدة بنسبة 10% بعد انتكاسة قضائية

ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)
ترمب يستعرض لائحة الرسوم الجمركية التي أعلن فرضها على غالبية دول العالم في أبريل 2025 (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أنه وقع أمرا تنفيذيا لفرض رسوم جمركية عالمية بنسبة 10 في المائة «سارية بشكل فوري تقريبا» بعد هزيمته في المحكمة العليا.

وقال ترمب في منشور على منصته «تروث سوشيال»: «إنه لشرف عظيم بالنسبة لي أن وقعت، من المكتب البيضاوي، على رسوم جمركية عالمية بنسبة 10 في المائة على كل الدول، والتي ستكون «سارية بشكل فوري تقريبا».

وكان ترمب قد حذر في وقت سابق من الخطوة، قائلا إن الرسوم الجمركية الجديدة بنسبة 10 في المائة سوف «تضاف إلى رسومنا الجمركية العادية التي يتم

بالفعل فرضها».

وقال ترمب إنه سيتم فرض الضريبة بموجب المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، والذي يمنح الرئيس السلطة لفرض إجراءات تجارية مؤقتة لعلاج

مشكلات ميزان المدفوعات.

وجاء الإعلان بعدما وجهت المحكمة العليا الأميركية ضربة كبيرة لأجندة ترمب الخاصة بالرسوم الجمركية، حيث ألغت الرسوم التبادلية التي فرضها

على دول العالم في أبريل (نيسان) الماضي.


ارتفاع التضخم في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي خلال ديسمبر

يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)
يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع التضخم في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي خلال ديسمبر

يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)
يتسوَّق أشخاص لشراء البقالة في أحد المتاجر بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع التضخم في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأميركي في ديسمبر (كانون الأول)، مما يعكس استمرار ضغوط الأسعار في الاقتصاد الأميركي، ويزيد التوقعات بأن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» قد يؤجل أي خفض لأسعار الفائدة حتى يونيو (حزيران).

وأفاد مكتب التحليل الاقتصادي في وزارة التجارة الأميركية، يوم الجمعة، بأن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي يستثني الغذاء والطاقة المتقلبة، ارتفع 0.4 في المائة في ديسمبر بعد زيادة 0.2 في المائة في نوفمبر (تشرين الثاني)، متجاوزاً توقعات الخبراء التي كانت تشير إلى 0.3 في المائة. وعلى أساس سنوي، قفز التضخم الأساسي بنسبة 3 في المائة مقابل 2.8 في المائة في نوفمبر، وهو أحد المقاييس الرئيسية التي يتابعها البنك المركزي لتحقيق هدف التضخم البالغ 2 في المائة، وفق «رويترز».

وأظهر التقرير أن الإنفاق الاستهلاكي، الذي يُشكِّل أكثر من ثلثي النشاط الاقتصادي، ارتفع بنسبة 0.4 في المائة في ديسمبر، بوتيرة نوفمبر نفسها، وعند تعديله وفقاً للتضخم، سجَّل زيادةً بنسبة 0.1 في المائة، ما يشير إلى نمو اقتصادي بطيء مع بداية الرُّبع الأول من 2026.

وأكد الخبراء أن بعض فئات الخدمات، مثل الخدمات القانونية، سجَّلت زيادات كبيرة في يناير، مما قد يضيف نقاطاً إضافية إلى التضخم الأساسي، رغم تقلب هذه الفئات وصعوبة التنبؤ باتجاهاتها المستقبلية.

وسيصدر تقرير التضخم لمؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر يناير في 13 مارس (آذار)، بعد تأخير بسبب إغلاق الحكومة العام الماضي، في حين قد تؤثر بيانات مؤشر أسعار المنتجين لشهر يناير على تقديرات التضخم لاحقاً.