«قلق» فرنسي من التوتر بين طهران وواشنطن بعد عقوبات الكونغرس الجديدة

باريس حريصة على الاتفاق النووي وتتساءل عن «البديل» في حال نقضه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره عرضاً عسكرياً بباريس في العيد الوطني الفرنسي منتصف الشهر الماضي (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره عرضاً عسكرياً بباريس في العيد الوطني الفرنسي منتصف الشهر الماضي (نيويورك تايمز)
TT

«قلق» فرنسي من التوتر بين طهران وواشنطن بعد عقوبات الكونغرس الجديدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره عرضاً عسكرياً بباريس في العيد الوطني الفرنسي منتصف الشهر الماضي (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره عرضاً عسكرياً بباريس في العيد الوطني الفرنسي منتصف الشهر الماضي (نيويورك تايمز)

رغم أن المكالمة الهاتفية التي أجراها على مدى ساعة الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والفرنسي وإيمانويل ماكرون، ليلة الجمعة، وفرت فرصة للتشاور مجددا في المسائل الساخنة عقب لقائهما المطول في باريس يوم 13 يوليو (تموز) الماضي، فإن أهمية المكالمة تكمن في أنها ركزت، وفق مصادر رسمية فرنسية، في جزء كبير منها على «قلق» باريس من مستقبل الاتفاق النووي مع إيران، وذلك قبل ساعات فقط على تأدية الرئيس الإيراني حسن روحاني اليمين الدستورية لولاية ثانية «وأخيرة» أمام البرلمان.
واللافت برز في اختلاف اللهجة فيما صدر عن البيت الأبيض وقصر الإليزيه بخصوص هذه النقطة بالذات. ففي حين جاء في بيان رئاسي أميركي أن ترمب وماكرون «تناولا كيفية تكثيف التعاون بينهما في إدارة أزمات سوريا والعراق، ومواجهة النفوذ الإيراني الضار»، اكتفى الجانب الفرنسي بالإشارة إلى أن الرئيسين «ناقشا» الملف النووي الإيراني والأوضاع في سوريا وأوكرانيا... وأضافت مصادر الإليزيه، أن المكالمة جرت في جو «من الودية والصراحة».
في هذا الصدد، ترى مصادر فرنسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، أن استفحال الأزمة بين واشنطن وطهران يضع باريس «ومعها الكثير من العواصم الأوروبية» في موقف «غير مريح». فهي من جهة، تجد نفسها مضطرة إلى «مسايرة» الحليف الأميركي، وتعزيز العلاقات مع الرئيس ترمب الذي كان ضيف الشرف في احتفالات العيد الوطني الفرنسي والعرض العسكري في 14 يوليو. ومن جهة أخرى، لا تريد باريس التضحية بعلاقاتها المتنامية مع إيران منذ التوقيع على الاتفاق النووي في يوليو من العام 2015، ولا بالفرص الاقتصادية والتجارية التي توفرها السوق الإيرانية. وما تريده باريس وبلدان الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها بريطانيا وألمانيا اللتان وقعتا الاتفاق النووي في إطار «مجموعة 5 زائد 1» هو «منع واشنطن من الذهاب بعيدا في محاولاتها الإطاحة بالاتفاق» الذي وصفه الرئيس ترمب أكثر من مرة بأنه «من أسوأ الاتفاقيات» التي رآها.
فضلا عن ذلك، فإن باريس ستكون في حاجة إلى طهران في المبادرة التي يعد لها الرئيس ماكرون بخصوص الحرب في سوريا والقائمة على إقامة «مجموعة اتصال» تتكون من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ومن «القوى الإقليمية» المعنية مباشرة بالأزمة السورية، فضلا عن طرفي النظام والمعارضة. وبحسب المصادر الفرنسية، فإن ماكرون الذي يتشاور مع العديد من الأطراف «يتأهب لإطلاق مبادرته» في الأيام القليلة المقبلة. ومن بين الدول الإقليمية التي ستدعى للانضمام إلى «مجموعة الاتصال» هناك إيران التي ستكون إلى جانب تركيا والمملكة السعودية والأردن ومصر.
عندما أعلنت إيران في 27 الشهر الماضي تجربة ناجحة لصاروخ قادر على حمل أقمار اصطناعية في مدار حول الأرض بارتفاع 500 كلم، لم تتردد باريس وبرلين ولندن في الانضمام إلى واشنطن للتنديد بالتجربة الصاروخية الإيرانية، وبالطلب من مجلس الأمن الدولي التحرك باعتبار أن إيران انتهكت القرار الدولي رقم 2231 الذي يمنع طهران من إجراء تجارب صاروخية يمكن تسخيرها لنقل رؤوس نووية.
لكن بالمقابل، تشدد باريس على أن طهران «تلتزم التزاما تاما» بتنفيذ بنود الاتفاق النووي وفق ما تؤكده الوكالة الدولية للطاقة النووية، بل أيضا الإدارة الأميركية التي يلزمها قرار من الكونغرس بأن تقدم تقريرا عن ذلك كل 90 يوما. وفي أي حال، تبدو باريس مطمئنة إلى أن مجلس الأمن لن يكون قادرا على اتخاذ أي قرار أو تدابير بحق إيران باعتبار أن روسيا التي تتمتع بحق النقض لن تسمح بتمريره في المجلس المذكور، خصوصا في ظل التدهور في علاقاتها مع واشنطن، ولأن «المصيبة» جمعت موسكو وطهران و«بيونغ يانغ» التي وضعتها العقوبات الأميركية في سلة واحدة. وفي أي حال، تتساءل المصادر الفرنسية عن «البديل» للاتفاق النووي في حال خرجت منه واشنطن؛ الأمر الذي سيدفع طهران بدورها إلى التخلي عنه.
وتتساءل هذه المصادر عما إذا كان الغرض من التحركات والإجراءات الأميركية «دفع إيران إلى ارتكاب غلطة الانسحاب» بالضغط عليها من خلال ثلاثة ملفات، هي: التجارب الباليستية، دعم التنظيمات الإرهابية، وأخيرا ملف حقوق الإنسان. والدليل على ذلك أن واشنطن رفعت العقوبات المرتبطة بالنووي، لكنها أضافت عقوبات جديدة بحجة الملفات الثلاثة الأخرى.
بعد التوقيع على الاتفاق النووي، كانت باريس تعتبر أن إعادة إدخال طهران في الدورة الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية الدولية ستدفعها إلى «الاعتدال» في تعاطيها مع ملفات المنطقة. والحال أن المصادر الفرنسية تبدو «خائبة» من أن أيا من هذه الآمال «لم يتحقق» والدليل على ذلك الدور الذي تلعبه طهران في سوريا والعراق واليمن والخليج بشكل عام. لكن الواضح أن باريس تتعامل مع طهران وفق المنطق نفسه الذي تتعامل به مع إسرائيل، حيث تفصل بين رغبتها في تعزيز العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية في كل الميادين وبين السياسة الإسرائيلية إزاء الفلسطينيين. ذلك أن باريس لا تترك مناسبة إلا وتندد بالاستيطان الإسرائيلي وبالعقبات التي تضعها إسرائيل بوجه معاودة المفاوضات، والوصول إلى حل سياسي قوامه دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وبالتوازي، فإن باريس ماضية قدما في توثيق العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية مع طهران من غير الالتفات إلى الأداء الإيراني إقليميا.
ربما تكمن كلمة السر لفهم السياسة الفرنسية في رغبة باريس في الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والتجارية، وعودة شركاتها إلى السوق الإيرانية. وأبلغ دليل على ذلك العقد لعشرين عاما الذي وقعته شركة توتال النفطية بداية شهر يوليو الماضي وقيمته مليارا دولار مع السلطات الإيرانية للمرحلة الأولى من تطوير حقل غاز أوف شور. وقال باتريك بويانيه، رئيس ومدير عام الشركة لصحيفة «لو موند»: إن مبلغا مشابها سيتعين جمعه للمرحلة الثانية من المشروع من خلال كونسورسيوم دولي. وكانت «توتال» أول شركة نفطية ــ غازية عادت إلى طهران بعد رفع العقوبات الدولية وتبعتها شركة شل. ورغم «المخاطر» التي تلف الوضع الإيراني بشكل عام وإمكانية تعرض الشركات المتعاملة معها لعقوبات أميركية لاحقة، فإن المسؤول الفرنسي أكد أنه «يتعين العيش مع نسبة من انعدام اليقين» كما في الحالة الإيرانية. وما يصح على «توتال»، يصح أيضا على شركتي بيجو - سيتورين ورينو لصناعة السيارات وعلى شركة أيرباص للطيران، وغيرها من كبريات الشركات الفرنسية. ولذا؛ فإن باريس تنظر بـ«كثير من القلق» لزيادة التوتر بين طهران وواشنطن؛ لأن ذلك لا يهدد فقط الاتفاق النووي، ويمكن أن يدفع إلى بروز بؤرة توتر إضافية في الخليج والشرق الأوسط، بل لأن ذلك يمس مباشرة المصالح الفرنسية.



الأمم المتحدة: خفض التمويل يهدد المساعدات الحيوية لـ 8.3 مليون لاجئ

عراقيات نازحات بالقرب من خيامهن في مخيم «عامرية الفلوجة» للنازحين على بعد نحو 95 كيلومتراً غرب العاصمة العراقية بغداد يوم 23 نوفمبر 2022 (إ.ب.أ)
عراقيات نازحات بالقرب من خيامهن في مخيم «عامرية الفلوجة» للنازحين على بعد نحو 95 كيلومتراً غرب العاصمة العراقية بغداد يوم 23 نوفمبر 2022 (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة: خفض التمويل يهدد المساعدات الحيوية لـ 8.3 مليون لاجئ

عراقيات نازحات بالقرب من خيامهن في مخيم «عامرية الفلوجة» للنازحين على بعد نحو 95 كيلومتراً غرب العاصمة العراقية بغداد يوم 23 نوفمبر 2022 (إ.ب.أ)
عراقيات نازحات بالقرب من خيامهن في مخيم «عامرية الفلوجة» للنازحين على بعد نحو 95 كيلومتراً غرب العاصمة العراقية بغداد يوم 23 نوفمبر 2022 (إ.ب.أ)

حذَّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، الثلاثاء من أن نحو 8.3 مليون لاجئ ونازح قسراً، قد يفقدون مساعدات حيوية، في ظل تراجع خدمات الحماية بسبب «تخفيضات حادة» في التمويل.

وقالت المفوضية في تقرير حول تداعيات التخفيضات المالية، إن «قدرتها على حماية اللاجئين والنازحين داخلياً وعديمي الجنسية ومساعدتهم، تتآكل بسبب فجوة تمويلية مستمرة ومتفاقمة».

وكشفت أن تمويلها تراجع من 5.2 مليار دولار في 2024 إلى 3.9 مليار سنة 2025، بينما يشهد عدد الأشخاص الذين يحتاجون مساعدتها ارتفاعاً إلى مستويات غير مسبوقة حول العالم، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأشارت إلى أنها لم تحصل حتى نهاية يوليو (تموز) سوى على 32 في المائة من أصل 8.5 مليار دولار تحتاج إليها هذا العام لحماية اللاجئين، أي ما يوازي 2.7 مليار دولار.

ويشكِّل هذا التراجع في الدعم المالي خطراً على نحو 8.3 مليون نازح قسراً «قد يخسرون مساعدة المفوضية»، على ما قالت الوكالة الأممية. وأكَّدت أن «التخفيضات الحادة المتواصلة في التمويل تدفع بدعم اللاجئين وهيكليات الحماية إلى نقطة انهيار، في أصعب ظروف النزوح في العالم».

وأشارت المفوضية إلى أنها اعتمدت إصلاحات، ورتَّبت الأولويات، لحماية أبرز أنشطتها، غير أن التخفيضات بنطاقها ووتيرتها المتواصلة ترتدُّ حتَّى على أولويات عملها.

وصرَّحت دومينيك هايد المسؤولة عن العلاقات الخارجية في المفوضية بأنه «لا يمكن تخفيض الحماية إلى ما لا نهاية، من دون أن تنهار الأنظمة».

وأوضحت: «دون عتبة محدّدة، لا تصل الخدمات إلى عدد أقلّ من الأشخاص فحسب؛ بل إنها تتوقّف عن العمل بالكامل، ما يترك هؤلاء الأكثر عرضة للخطر من دون الحماية التي يحتاجونها».

وضربت المفوضية مثلاً بتشاد؛ حيث واجه 319 ألف لاجئ تأخيرات في التسجيل، ما حال دون حصولهم على المستندات اللازمة للانتفاع من الخدمات، بينما قد يفقد نحو 233 ألف طفل خدمات الحماية المنوطة بهم.

وفي إثيوبيا، تراجعت تغطية حماية الأطفال في بعض المناطق إلى نحو 85 في المائة.

وفي السودان، قد يفقد عشرات الآلاف من الناجين من أعمال العنف الجنسي والأطفال المعرَّضين للخطر النفاذ إلى خدمات الحماية الأساسية، حسب مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين.

وحذَّرت هايد من أنه عند توقُّف التسجيل وخدمات حماية الأطفال: «تعود للظهور المخاطر عينها التي فرَّ منها النازحون، أي العنف والاستغلال والانتهاك».

إلغاء 5 آلاف وظيفة

وحتى نهاية عام 2025، كان نحو 117.8 مليون شخص قد نزحوا قسراً من ديارهم حول العالم، في انخفاض عن المجموع القياسي المسجَّل في 2024 بواقع 123.2 مليون، وفق أرقام المفوضية.

وكان 35.6 مليون من هؤلاء النازحين مشمولين بحماية من المفوضية، وثلثاهم من فنزويلا وأوكرانيا وسوريا وأفغانستان والسودان.

وفي عام 2025، اضطرت الوكالة إلى إلغاء 5 آلاف وظيفة، أي أكثر من ربع اليد العاملة فيها، بينما خفَّضت الولايات المتحدة التي كانت من أكبر المانحين في الوكالة مساعداتها الخارجية تخفيضاً جذرياً، وقلَّصت جهات مانحة أخرى أيضاً مساعداتها.

وأشارت الوكالة التي تتَّخذ في جنيف مقرّاً لها، إلى أن التخفيضات التمويلية تقوِّض قدرتها على مساعدة الأشخاص في التوقُّف عن التعويل على المساعدات.

وفي العراق مثلاً، قد يفقد 350 ألف نازح وطالب لجوء النفاذ إلى فرص إدماج اقتصادي، حسب المفوضية.

وعندما يعود النازحون إلى ديارهم، طوعاً أو كرهاً، فإن المساعدات تتقلَّص أيضاً، وفق المفوضية.

وفي سوريا، لن يتلقَّى 162 ألفاً و500 مُهجَّر داخلي ونازح عائد في أوضاع هشَّة مساعدة مالية أوَّلية إذا لم تحصل الوكالة على تمويل بسرعة، ما قد يحدُّ من قدرتهم على إعادة بناء حياتهم.


بعد قمة ترمب وشي... قواعد جديدة للتنافس الأميركي – الصيني؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ يتصافحان عقب جولة في «متحف الأرشيف الوطني» بواشنطن يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ يتصافحان عقب جولة في «متحف الأرشيف الوطني» بواشنطن يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

بعد قمة ترمب وشي... قواعد جديدة للتنافس الأميركي – الصيني؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ يتصافحان عقب جولة في «متحف الأرشيف الوطني» بواشنطن يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ يتصافحان عقب جولة في «متحف الأرشيف الوطني» بواشنطن يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

بعد سنوات من تصاعد الضغوط التجارية والتكنولوجية، لم تقترب الولايات المتحدة والصين من إنهاء تنافسهما، لكنهما تبدوان أحرص على منع خروجه عن السيطرة.

وغادر الرئيس الصيني شي جينبينغ واشنطن، الجمعة 25 سبتمبر (أيلول) الحالي، بعد زيارة دولة استمرت 3 أيام وقمة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أبقت التهدئة التجارية قائمة وفتحت قنوات إضافية للحوار، فيما ظلت ملفات «التجارة» و«التكنولوجيا» و«المعادن النادرة» و«تايوان» في قلب التنافس بينهما.

ومدّدت واشنطن وبكين الهدنة التجارية القائمة بينهما شهرين، في نتيجة محدودة مقارنة بحجم الملفات العالقة. لكن أهمية القمة قد تكمن في ما لم يحدث أيضاً: لا تسوية للخلافات الكبرى، ولا عودة إلى التصعيد المفتوح.

فهل بدأت الولايات المتحدة والصين الانتقال من تصعيد الضغوط المتبادلة إلى إدارة تنافس طويل الأمد ومنعه من التحول مواجهةً يصعب احتواؤها؟

سفينة شحن تبحر بنهر هوانغبو في شنغهاي بالصين يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

من حرب الرسوم إلى الهدنة

مرت المواجهة الاقتصادية بين واشنطن وبكين خلال السنوات الماضية بمراحل متتالية من التصعيد والتهدئة، استخدم خلالها البلدان الرسوم، والقيود التكنولوجية، وإجراءات التصدير، أدواتٍ للضغط.

ويرى رايان هاس، مدير «مركز جون إل ثورنتون للصين» في «معهد بروكينغز» الأميركي، أن العلاقة تمر بحالة من «الهدوء غير المريح»؛ إذ يواصل البلدان خطواتهما التنافسية، لكن لا أحد منهما يمتلك تفوقاً يسمح له بالتصعيد الاقتصادي من دون أن يتمكن الآخر من الرد.

وتساعد هذه المعادلة في تفسير مسار القمة. فالولايات المتحدة تحتفظ بأوراق ضغط مهمة في التكنولوجيا المتقدمة وأشباه الموصلات، بينما تستطيع الصين الرد عبر نقاط ضعف أميركية، أبرزها المعادن النادرة وسلاسل الإمداد.

أرض مقترحة لإنشاء مركز «باكس سيليكا» في الفلبين ضمن مبادرة تقودها الولايات المتحدة لتعزيز سلاسل توريد أشباه الموصلات والمعادن النادرة وتقليل الاعتماد على الصين... يوم 10 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

المعادن النادرة... ورقة بكين

ظهر امتلاك الطرفين أوراق ضغط متبادل بوضوح خلال المواجهة التجارية. فالقيود الصينية على صادرات بعض المعادن النادرة والمغناطيسات الدائمة المصنوعة منها كشفت مدى اعتماد الشركات الأميركية على إمدادات يصعب تعويضها سريعاً.

ولهذا لم يكن الملف هامشياً في القمة. وقال البيت الأبيض إن البلدين سيواصلان معالجة النقص في سلاسل توريد المعادن النادرة وغيرها من المعادن الحرجة بهدف إعادة الشحنات إلى مستويات مناسبة.

وتكشف القضية عن حدود قدرة كل طرف على الضغط. فالرسوم والقيود الأميركية تستطيع إلحاق ضرر بالصين، لكن بكين تمتلك بدورها أدوات يمكن أن تطول قطاعات صناعية أميركية.

رمز عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية في هذه الصورة الملتقطة يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

الذكاء الاصطناعي يدخل المنافسة

ويمثل الذكاء الاصطناعي مجالاً آخر يجمع بين المنافسة ومحاولات الحد من مخاطرها. فالولايات المتحدة والصين تتسابقان على تطوير الأنظمة الأعلى تقدماً والرقائق والبنية التحتية اللازمة لها، لكنهما بدأتا في الوقت نفسه فتح قنوات للتعامل مع المخاطر التي قد ترافق هذا السباق.

واتفقت واشنطن وبكين خلال القمة على بدء حوار ثنائي مستمر بشأن الذكاء الاصطناعي لمناقشة مخاطره وفوائده، إلى جانب قناة اتصال للتعامل مع الحوادث المرتبطة بهذه التكنولوجيا. وكان مسؤولون من البلدين قد بدأوا قبل القمة مناقشة هذه الآلية، في مؤشر على محاولة موازية للحد من بعض مخاطر السباق التكنولوجي بينهما.

ولا يعني هذا الحوار تراجع السباق التكنولوجي بين البلدين، لكنه يعكس محاولة لإيجاد قنوات للتعامل مع بعض مخاطره، بالتوازي مع استمرار السباق على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة.

شاحنات صهريج عراقية تحمّل البنزين بميناء بانياس السوري يوم 27 سبتمبر 2026 لنقله إلى العراق في ظل اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز (د.ب.أ)

حرب إيران تختبر إدارة التنافس

فرضت حرب إيران نفسَها على محادثات ترمب وشي، واتفق الرئيسان، وفق الموقع الرسمي للبيت الأبيض، على أن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً، وعلى رفض فرض رسوم على الممرات المائية الدولية. ويأتي ذلك في ظل علاقات بكين الوثيقة بطهران واستمرار مشترياتها من النفط الإيراني، فيما تسعى واشنطن إلى دفع الصين لممارسة مزيد من الضغط على إيران.

ورأى غرانت روملي وإليزابيث دِنت، الباحثان في «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى» الأميركي ومقره واشنطن، قبيل القمة أن الحرب منحت ترمب فرصة للضغط على شي بشأن علاقات الصين بإيران، خصوصاً مشترياتها النفطية، فيما تمتلك بكين بدورها مصلحة في استقرار تدفقات الطاقة من المنطقة.

وتكشف الحرب جانباً آخر من تعقيد العلاقة بين البلدين: فموقفاهما من إيران مختلفان، لكن استمرار الاضطرابات في الشرق الأوسط وتهديد إمدادات الطاقة لا يخدم المصالح الاقتصادية الصينية. ولذلك؛ يصبح هذا الملف مثالاً إضافياً على منافسة لا تختفي، لكن الطرفين يحاولان منع تداعياتها من الإضرار بمصالحهما الأوسع.

حاملة الطائرات الصينية «لياونينغ» خلال مناورة عسكرية للبحرية التابعة لـ«جيش التحرير الشعبي الصيني» في غرب المحيط الهادئ يوم 18 أبريل 2018 (رويترز)

تايوان... حدود التهدئة

تبقى تايوان من أبرز الملفات التي تكشف عن حدود أي تقارب بين واشنطن وبكين. فالصين تَعدّ الجزيرة جزءاً من أراضيها، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بعلاقات غير رسمية مع تايبيه وتواصل دعم قدراتها الدفاعية.

ولم تُظهر نتائج القمة تسوية لهذا الخلاف. ولهذا تختلف «تايوان» عن ملفات مثل «الرسوم» أو «المشتريات التجارية» حيث يمكن التوصل إلى تنازلات محددة أو تمديد هدنة.

شراء الوقت

ورأى إدغارد كاغان، الباحث في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» الأميركي ومقره واشنطن، قبيل القمة أن ترمب وشي يرغبان في تخفيف التوتر وتحقيق مزيد من الاستقرار في العلاقة، رغم انعدام الثقة بين مسؤولي البلدين. وأشار إلى أن كلاً من الرئيسين يرى أن الوقت يعمل لمصلحة بلاده؛ إذ يراهن ترمب على تقدّم أميركي في الذكاء الاصطناعي وتقليص الاعتماد على المعادن الصينية، بينما يرى شي أن الولايات المتحدة تمر بمرحلة تراجع.

ومن الجانب الصيني، يرى وو شينبو، عميد «معهد الدراسات الدولية» ومدير «مركز الدراسات الأميركية» بجامعة فودان الصينية في شنغهاي، أن العلاقات بين البلدين تتجه نحو مرحلة جديدة أكبر استقراراً. ويقول إن تحقيق «الاستقرار الاستراتيجي» يتطلب إدارة المنافسة والخلافات بفاعلية، بالتوازي مع تعزيز التعاون في المجالات التي تتقاطع فيها مصالح الطرفين.

ومن هذا المنظور، يمنح استمرارُ التهدئة الطرفين وقتاً لتعزيز موقعيهما في المنافسة بدلاً من الدخول في جولة جديدة من التصعيد. فالولايات المتحدة تواصل محاولاتها تقليل اعتمادها على الصين في القطاعات الحساسة، في حين تعمل بكين على تعزيز قدراتها التكنولوجية والصناعية.

وفي الوقت نفسه، يحاول البلدان إبقاء قنوات الحوار مفتوحة في ملفات التجارة والاستثمار والذكاء الاصطناعي، بما يسمح باستمرار المنافسة من دون أن تتحول كل نقطة خلاف جولةً جديدةً من التصعيد.

علما الولايات المتحدة والصين على موكب الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال زيارته «متحف الأرشيف الوطني» مع الرئيس الصيني شي جينبينغ في واشنطن يوم 25 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

هدنة أم قواعد جديدة؟

لا تكفي قمة واحدة للقول إن واشنطن وبكين وضعتا قواعد جديدة لتنافسهما. فالخلافات بشأن ملفات «التجارة» و«التكنولوجيا» و«المعادن» و«تايوان» ما زالت قائمة، والهدنة التجارية نفسها مؤقتة.

لكن القمة أظهرت أن المنافسة لم تعد تعني بالضرورة التصعيد المستمر. فإلى جانب أدوات الضغط، يعمل الطرفان على بناء قنوات تسمح بإدارة بعض الخلافات ومنع توسعها.

وقد تكون هذه الدلالةَ الأهم للقمة: الولايات المتحدة والصين لا تتجهان إلى إنهاء تنافسهما، بل ربما إلى التعايش معه مدة طويلة، فيما يحاول كل منهما تعزيز نقاط قوته وتقليل نقاط ضعفه من دون دفع العلاقة إلى مواجهة لا يريدها أي منهما.


زيلينسكي: كوريا الشمالية تستعد لنشر 10 آلاف جندي آخر في روسيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

زيلينسكي: كوريا الشمالية تستعد لنشر 10 آلاف جندي آخر في روسيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الاثنين، إن هناك أكثر من 8000 جندي كوري شمالي على الأراضي الروسية، وإن الاستعدادات جارية لنشر 10 آلاف جندي إضافي.

وأشار زيلينسكي إلى «بيانات جديدة» حول نشر قوات من كوريا الشمالية في روسيا، قائلاً في منشور على منصة «إكس» إن القوات «يجري اختيارها للتدريب والنشر لاحقاً في روسيا».

وكان زيلينسكي قد ذكر في أغسطس (آب) أن ما يصل إلى 50 ألف جندي كوري شمالي قد يتم إرسالهم للقتال إلى جانب روسيا، ودعا كوريا الجنوبية إلى تقديم دعم في مجال الدفاع الجوي لأوكرانيا.

وأعلنت سيول في يوليو (تموز) عن حزمة مساعدات بقيمة 100 مليون دولار لكييف، لكنها استبعدت الأسلحة الفتاكة منها.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، جاءت تصريحات زيلينسكي، الاثنين، بعد خلاف بين سيول وكييف بسبب إعلانه الأسبوع الماضي أن أوكرانيا نقلت جنديين كوريين شماليين أسيرين إلى كوريا الجنوبية.

وعبّرت سيول عن أسفها إزاء هذا الإعلان، مشيرة إلى اتفاق يقضي بالحفاظ على سرية عملية النقل.

وبحسب تقديرات من كييف وسيول، أرسلت كوريا الشمالية ما يتراوح بين 14 و15 ألف جندي لدعم حرب روسيا في أوكرانيا منذ عام 2024، تم نشر معظمهم في منطقة كورسك للمساعدة في صد توغل أوكراني.

وتشير تقييمات أوكرانية ومستقلة إلى أن بيونغ يانغ زودت روسيا بملايين من قذائف المدفعية وقذائف الهاون، بالإضافة إلى صواريخ باليستية وأنظمة مدفعية بعيدة المدى وأنظمة إطلاق صواريخ متعددة.