معدلات الفائدة البنكية... أزمة نتجت عنها منازعات قضائية في أميركا

عقبات تعترض محاكمة المتهمين الماليين الأجانب

الحي المالي في لندن (رويترز)
الحي المالي في لندن (رويترز)
TT

معدلات الفائدة البنكية... أزمة نتجت عنها منازعات قضائية في أميركا

الحي المالي في لندن (رويترز)
الحي المالي في لندن (رويترز)

تبدأ التحقيقات في الجرائم الاقتصادية التي تتورط فيها مؤسسات كبيرة بعدد كبير من السجلات الموثقة، لكنها تتطلب شاهدا متعاونا يقدم خارطة طريق توضح ما حدث وتبين ما كان يفكر فيه المشاركون.. فمن دون وجود شاهد مقنع، ستبدو القضية وكأن شيئا لم يكن وذلك بسبب تعدد التفسيرات الكفيلة بأن تجعل ما يجري يبدو وكأنه نشاط تجاري اعتيادي.
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن محاكمة اثنين من التجار المتعاملين مع مؤسسة «جي بي مورغان تشيس»، وهما جفير مارتين وجولين غروت، اللذان تورطا في معاملات مالية قد كشفت تفاصيلها عام 2012، بقيمة 6 مليارات دولار وكانت عبارة عن خسائر للبنك، وانتهت القضية الجمعة الماضية عندما أعلنت وزارة العدل عن إسقاط الدعوى. وتحت مسمى انقضاء الدعوى، أبلغ المدعون المحكمة الفيدرالية بمنهاتن أن برنو إكسيل، الشاهد الأساسي في العمليات التجارية والمشهور باسم «حوت لندن» نتيجة لمضارباته الضخمة، لم يعد شاهدا موثوقا به.
وجاء إسقاط التهم عن حالتي احتيال كبيرتين في الولايات المتحدة الأسبوع قبل الماضي، ليظهر أهمية وجود هذا الشاهد ويبين حجم التحديات التي تواجهها وزارة العدل الأميركية في متابعتها للدعاوى القضائية التي تتضمن أسماء متهمين أجانب.
يسبب التلاعب في سعر الفائدة بين بنوك لندن، في السداد لعدد من البنوك، لبلايين الدولارات كعقوبات، بعدما يتسبب هذا التلاعب في الإيعاز للبنوك العالمية بتحريك سعر الفائدة الذي يحدد بدرجة كبيرة سياسة الرهن والإقراض بما يؤثر على أوضاعهم الاستثمارية.
لكن ثبت أن محاسبة رجال الأعمال المتورطين في عمليات التلاعب أمر بالغ الصعوبة للقضاة الفيدراليين، وذلك لأن المؤسسات غالبا ما تنجح في تسوية قضاياها، لكن الأمر يختلف بالنسبة للأفراد الذي يواجهون دعاوى قضائية.
فقد جاءت محاكمة اثنين من رجال الأعمال اللندنيين، أنطوني ألين وأنطوني كونتي، لتخالف التعديل الخامس في الدستور ضد تجريم الذات. وقد رفضت الدائرة الثانية بمحكمة الاستئناف بولاية منهاتن الأدلة المقدمة ورفضت الاتهامات التي ساقتها ضدهم لأن الحكومة استخدمت «شهادات فاسدة» (أي غير مجدية) قدمها الشاهد الرئيسي. في البداية، بدأت «هيئة السلوك المالي» بإنجلترا النظر في التلاعب بسعر الفائدة بمؤسسة «رابوبانك». ووفق القانون البريطاني، فمن الممكن للشخص الذي يعمل لدى مصرف خاضع للتحقيق أن يستدعى للإجابة على بعض الأسئلة وإلا فعقوبة السجن في انتظاره حال رفض التعاون. وفي المقابل، لا يمكن استخدام إفادة الموظف بشكل مباشر ضده في الإجراءات القانونية اللاحقة، وإن كان من الممكن استخدامها للوصول إلى أدلة جديدة في القضية.
ألغت الهيئة التنظيمية البريطانية التحقيقات بكاملها بعدما أدلى ألين وكونتي بشهادتيهما، وبعد ذلك تولى المدعون بإدارة مكافحة الاحتيال بوزارة العدل القضية برفع دعوى ضد الرجلين عام 2014.
أدين ألين وكونتي بعد محاكمتهما بتهمة نسج خيوط المؤامرة والقيام بعملية احتيال، مستغلين في ذلك مراكزهما للاستفادة من التنازلات التي قدمتها مؤسسة «راباوبنك» فيما يخص تحديد سعر الفائدة البنكية. واستندت الحكومة إلى نظريتها التي تقول إن الرجلين استجابا لطلبات قدمها رجال الأعمال المتعاملون مع البنك بدلا من التعامل بحسن النية فيما يخص تقديرات سعر فائدة الإقراض في ذلك اليوم. وشملت الأدلة أحد الردود على مطالب العملاء جاء فيها «انتقلت بسرعة إلى سعر فائدتكم البنكية»، وهو التعليق الذي لم يقدم مساعدة تذكر.
ورغم الرسائل المثيرة للتساؤلات، فقد احتاج المدعون إلى شاهد ليتولى شرح ما كان يجري في البنك وإلى التيقن من أن المتهمين كانوا يدركون خطأ ما يفعلون. واتضح لاحقا أن الشخص المسؤول كان باول روبسون، أحد العاملين القائمين على تنفيذ أعمال «هيئة السلوك المالي» في بريطانيا والذي أقر بذنبه في الولايات المتحدة وبدوره في التلاعب بأسعار الفائدة البنكية.
وأثبت روبسون أنه شاهد مؤثر بعد أن قدم ما وصفته الدائرة الثانية بالمحكمة بـ«الشهادة المهمة» ضد المتهمين، حيث أفاد في المحكمة بأن التنازلات المقدمة فيما يخص سعر الفائدة كانت «عديمة المعنى» وأنها لعبة أشبه بـ«تمثيلية».
المشكلة كانت أنه راجع بعناية التصريحات المحصنة التي أدلى بها المتهمان أمام «هيئة السلوك المالي» واكتشفت محكمة الاستئناف أن المعلومات التي حصلت عليها من خلالهما ساعدت في بلورة شهادته. وأشارت محكمة الاستئناف إلى أن تصريح روبسون الذي أدلى به إلى السلطات البريطانية كانت «سامة لقضية الحكومة» لأنه قام لاحقا بتغيير وصف الأدوار التي لعبها ألين وكونتي في تحديد سعر الفائدة.
كانت القضية القانونية الهامة هي ما إذا كان منح حكومة أجنبية الحصانة عند طلبها الشهادة يجب أن تعامل وكأن الشاهد قد حصل على تلك الحماية من محكمة أميركية. كانت الدائرة الثانية بالمحكمة واضحة إلى حد كبير في ردها عندما قالت: إن «التعديل الخامس في الدستور والذي يحظر استخدام الشهادة الإجبارية في الدعاوى الجنائية الأميركية سارية حتى في حالات الشهادة أمام الجهات الأجنبية ذات السيادة».
نطاق الحماية التي يقدمها القانون الأميركي أوسع من نظيرتها البريطانية، حيث تمنع الأولى أي استخدام تصريحات محصنة للمساعدة في سير عملية التقاضي. وخلصت الدائرة الثانية إلى أن شهادة السيد روبسون قد فسدت نتيجة لما قرأه، رغم أن المدعين لم يفصحوا عن تلك التصريحات في المحكمة.
ولذلك، فإن أي استخدام للتصريحات ضد المتهمين أثناء المحاكمة، مثل مراجعتها من قبل شاهد للمساعدة في الإدلاء بالشهادة، تعد خرقا للتعديل الخامس من الدستور وما منحه من حقوق تتطلب إلغاء الإدانة. حجر الزاوية لهذا المقترح هو قضية «الولايات المتحدة في نورث» والحكم الذي صدر بشأنها ليلغي قرار إدانة أوليفر نورث لأن شهادته المحصنة أمام الكونغرس في جلسة استماع قضية «إيران كونترا» لأنها قد أثرت على جمع الشهادات في الجريمة الجنائية.
كذلك ألغت الدائرة الاتهام لأنها وجدت أن هيئة المحلفين تلقت مراجعات السيد روبسون بشأن تورط المتهمين في التلاعب بمعدلات الفائدة بشكل غير مباشر من خلال شهادة وكيل مكاتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي أي)، ولذلك فإن قرار إدانة الرجلين شابه الفساد نتيجة للتصريحات المحصنة. ولم تبدِ محكمة الاستئناف تعاطفا مع شكوى الحكومة بأن تطبيق الحماية الدستورية سوف يصعب من العمل مع الحكومات الأجنبية ومحاكمة حالات خرق القوانين خارج حدود البلاد. وبحسب ما دونه القضاة، فإن «النتيجة العملية» لحكمنا اليوم هو أن المخاطرة الناجمة عن الخطأ تقع على كاهل الحكومة الأميركية (حال رغبت في محاكمة أفراد أجانب)، لا على رعايا الدولة والمستهدفين من المحاكمات الدولية.
ورغم أن المدعين يمكنهم العمل لتوجيه اتهام جديد وإلى إجراء محاكمة ثانية، فربما لن يستخدموا السيد روبسون أو أي شاهد آخر يكون قد راجع الشهادات المحصنة التي أدلى ألين وكونتي بها. ويعني هذا على الأرجح أن القضية قد انتهت بسبب عدم كفاية الأدلة - وناهيك ببعض الرسائل المثيرة للتساؤلات - التي يمكنها أن تظهر نيتهم التلاعب في التنازلات الخاصة بمعدلات الفائدة.
سيمثل القرار تحديا كبيرا لوزارة العدل الأميركية في متابعة قضايا الاحتيال التي تتعاون فيها مع مدعين ومنظمين أجانب لجمع الأدلة.
تطالب كثير من الدول، خاصة الأوروبية، العاملين في القطاع المالي بتقديم شهادات خلال سير التحقيق، والآن فإن أي استخدام لهذه الصلاحيات التي تمكنها من جمع الأدلة قد تجعل الأمر أكثر صعوبة في إثبات الاتهامات في الولايات المتحدة.
المدعون في هذه البلاد على يقين من الشراكة المتوقعة عند محاكمة شخص ما يتمتع بالحصانة لأنها تتطلب إظهار أن كل دليل يستخدم في المحاكمة لن يمكن الاستفادة منه في التصريحات المحصنة. ولذلك ينبغي في التحقيقات التي ستجرى في المخالفات الدولية مستقبلا أن تتجنب التعثر نتيجة للحماية التي يمنحها التعديل الخامس في الدستور الأميركي في حال طلب من الشخص المستهدف تقديم كشف حساب.
فتداعيات قرار الدائرة الثانية في المحكمة الأميركية، شعر بها الناس بالفعل في محاكمة اثنين من التجار تعاملا مع «دويتش بنك» متهمين بالتلاعب في معدلات الفائدة. وكان أحد المتهمين قد أجبر من قبل «هيئة السلوك المالي» على الإدلاء بشهادته وطلب من المحكمة التأكد مما إذا كانت تصريحاته قد أفسدت الأدلة التي ساقتها الحكومة.
وحتى لو لم تكن هناك قضايا تتعلق بتعديلات المادة الخامسة من الدستور - عندما تكون مصداقية الشاهد المتعاون محل سؤال - فحينها سوف تذهب قضية الحكومة إلى البالوعة.
أنشأ السيد إكسيل موقعا إلكترونيا باسم «لندن ويل ماريونيت» ليعلق من خلاله على ما حدث، وصرح بأن «هذه الرواية تبدو مختلفة بدرجة كبيرة عن الشهادات التي أدليت بها أمام السلطات». وجاء اعترافه بأن تصريحاته السابقة قد لا تكون دقيقة وأنها ساعدت بكل تأكيد في إعطاء الزخم لمحامي الدفاع لإضعاف مصداقيته في حال وصلت قضيته إلى المحكمة.
وسواء حدث ذلك مستقبلا أم لا، فهذا يعتبر سؤالا آخر في تلك القضية. فقد اعترفت وزارة العدل بأنها لم تكن تستطع المطالبة بتسلم المتهمين من دولتيهما، فرنسا وإسبانيا، طالما أنهما ظلا بعيدين عن الدولة التي يمكنهما تسليمهما إلى الولايات المتحدة.
إن إلقاء اللوم على تعليق السيد أكسيل باعتباره السبب لرفض الدعوى قد يكون وسيلة لحفظ ماء الوجه عند إسقاط الدعوى التي لم يكن لها أن تصل إلى قاعة المحكمة. واتهام كل من مارتن ارتاجو وغروت ضعفُ منذ عام 2003، ولم تطل التهم أي شخص في الإدارة العليا بمؤسسة جي بي مورغان، على الرغم من أن ادعاءات أكسيل بأن الأشخاص الأعلى منه درجة قد شجعوه على الإقدام على تلك العمليات الخطرة. وتحتم على البنك سداد 920 مليون دولار لتسوية عدد من التحقيقات بشأن طريقة إبلاغها عن خسائرها.
فقد أظهرت محاكمات قضايا معدلات الفائدة و«حوت لندن» مدى الصعوبة التي يواجهها القضاة الفيدراليون في الولايات المتحدة في النظر في قضايا تجرى خارج نطاق البلاد لتشمل متهمين يعملون على نطاق واسع خارج الولايات المتحدة.
من ضمن النتائج الثانوية هي أن وزارة العدل الأميركية سوف تكون أكثر ترددا عندما تسعى إلى الإمساك بأشخاص يعملون في مؤسسات مالية دولية، وثبت أنهم قد أساءوا التصرف، مما يقلل من إمكانية خضوع الشركات للمحاسبة عن أخطائها.
*خدمة «نيويورك تايمز»



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.