تبدأ التحقيقات في الجرائم الاقتصادية التي تتورط فيها مؤسسات كبيرة بعدد كبير من السجلات الموثقة، لكنها تتطلب شاهدا متعاونا يقدم خارطة طريق توضح ما حدث وتبين ما كان يفكر فيه المشاركون.. فمن دون وجود شاهد مقنع، ستبدو القضية وكأن شيئا لم يكن وذلك بسبب تعدد التفسيرات الكفيلة بأن تجعل ما يجري يبدو وكأنه نشاط تجاري اعتيادي.
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن محاكمة اثنين من التجار المتعاملين مع مؤسسة «جي بي مورغان تشيس»، وهما جفير مارتين وجولين غروت، اللذان تورطا في معاملات مالية قد كشفت تفاصيلها عام 2012، بقيمة 6 مليارات دولار وكانت عبارة عن خسائر للبنك، وانتهت القضية الجمعة الماضية عندما أعلنت وزارة العدل عن إسقاط الدعوى. وتحت مسمى انقضاء الدعوى، أبلغ المدعون المحكمة الفيدرالية بمنهاتن أن برنو إكسيل، الشاهد الأساسي في العمليات التجارية والمشهور باسم «حوت لندن» نتيجة لمضارباته الضخمة، لم يعد شاهدا موثوقا به.
وجاء إسقاط التهم عن حالتي احتيال كبيرتين في الولايات المتحدة الأسبوع قبل الماضي، ليظهر أهمية وجود هذا الشاهد ويبين حجم التحديات التي تواجهها وزارة العدل الأميركية في متابعتها للدعاوى القضائية التي تتضمن أسماء متهمين أجانب.
يسبب التلاعب في سعر الفائدة بين بنوك لندن، في السداد لعدد من البنوك، لبلايين الدولارات كعقوبات، بعدما يتسبب هذا التلاعب في الإيعاز للبنوك العالمية بتحريك سعر الفائدة الذي يحدد بدرجة كبيرة سياسة الرهن والإقراض بما يؤثر على أوضاعهم الاستثمارية.
لكن ثبت أن محاسبة رجال الأعمال المتورطين في عمليات التلاعب أمر بالغ الصعوبة للقضاة الفيدراليين، وذلك لأن المؤسسات غالبا ما تنجح في تسوية قضاياها، لكن الأمر يختلف بالنسبة للأفراد الذي يواجهون دعاوى قضائية.
فقد جاءت محاكمة اثنين من رجال الأعمال اللندنيين، أنطوني ألين وأنطوني كونتي، لتخالف التعديل الخامس في الدستور ضد تجريم الذات. وقد رفضت الدائرة الثانية بمحكمة الاستئناف بولاية منهاتن الأدلة المقدمة ورفضت الاتهامات التي ساقتها ضدهم لأن الحكومة استخدمت «شهادات فاسدة» (أي غير مجدية) قدمها الشاهد الرئيسي. في البداية، بدأت «هيئة السلوك المالي» بإنجلترا النظر في التلاعب بسعر الفائدة بمؤسسة «رابوبانك». ووفق القانون البريطاني، فمن الممكن للشخص الذي يعمل لدى مصرف خاضع للتحقيق أن يستدعى للإجابة على بعض الأسئلة وإلا فعقوبة السجن في انتظاره حال رفض التعاون. وفي المقابل، لا يمكن استخدام إفادة الموظف بشكل مباشر ضده في الإجراءات القانونية اللاحقة، وإن كان من الممكن استخدامها للوصول إلى أدلة جديدة في القضية.
ألغت الهيئة التنظيمية البريطانية التحقيقات بكاملها بعدما أدلى ألين وكونتي بشهادتيهما، وبعد ذلك تولى المدعون بإدارة مكافحة الاحتيال بوزارة العدل القضية برفع دعوى ضد الرجلين عام 2014.
أدين ألين وكونتي بعد محاكمتهما بتهمة نسج خيوط المؤامرة والقيام بعملية احتيال، مستغلين في ذلك مراكزهما للاستفادة من التنازلات التي قدمتها مؤسسة «راباوبنك» فيما يخص تحديد سعر الفائدة البنكية. واستندت الحكومة إلى نظريتها التي تقول إن الرجلين استجابا لطلبات قدمها رجال الأعمال المتعاملون مع البنك بدلا من التعامل بحسن النية فيما يخص تقديرات سعر فائدة الإقراض في ذلك اليوم. وشملت الأدلة أحد الردود على مطالب العملاء جاء فيها «انتقلت بسرعة إلى سعر فائدتكم البنكية»، وهو التعليق الذي لم يقدم مساعدة تذكر.
ورغم الرسائل المثيرة للتساؤلات، فقد احتاج المدعون إلى شاهد ليتولى شرح ما كان يجري في البنك وإلى التيقن من أن المتهمين كانوا يدركون خطأ ما يفعلون. واتضح لاحقا أن الشخص المسؤول كان باول روبسون، أحد العاملين القائمين على تنفيذ أعمال «هيئة السلوك المالي» في بريطانيا والذي أقر بذنبه في الولايات المتحدة وبدوره في التلاعب بأسعار الفائدة البنكية.
وأثبت روبسون أنه شاهد مؤثر بعد أن قدم ما وصفته الدائرة الثانية بالمحكمة بـ«الشهادة المهمة» ضد المتهمين، حيث أفاد في المحكمة بأن التنازلات المقدمة فيما يخص سعر الفائدة كانت «عديمة المعنى» وأنها لعبة أشبه بـ«تمثيلية».
المشكلة كانت أنه راجع بعناية التصريحات المحصنة التي أدلى بها المتهمان أمام «هيئة السلوك المالي» واكتشفت محكمة الاستئناف أن المعلومات التي حصلت عليها من خلالهما ساعدت في بلورة شهادته. وأشارت محكمة الاستئناف إلى أن تصريح روبسون الذي أدلى به إلى السلطات البريطانية كانت «سامة لقضية الحكومة» لأنه قام لاحقا بتغيير وصف الأدوار التي لعبها ألين وكونتي في تحديد سعر الفائدة.
كانت القضية القانونية الهامة هي ما إذا كان منح حكومة أجنبية الحصانة عند طلبها الشهادة يجب أن تعامل وكأن الشاهد قد حصل على تلك الحماية من محكمة أميركية. كانت الدائرة الثانية بالمحكمة واضحة إلى حد كبير في ردها عندما قالت: إن «التعديل الخامس في الدستور والذي يحظر استخدام الشهادة الإجبارية في الدعاوى الجنائية الأميركية سارية حتى في حالات الشهادة أمام الجهات الأجنبية ذات السيادة».
نطاق الحماية التي يقدمها القانون الأميركي أوسع من نظيرتها البريطانية، حيث تمنع الأولى أي استخدام تصريحات محصنة للمساعدة في سير عملية التقاضي. وخلصت الدائرة الثانية إلى أن شهادة السيد روبسون قد فسدت نتيجة لما قرأه، رغم أن المدعين لم يفصحوا عن تلك التصريحات في المحكمة.
ولذلك، فإن أي استخدام للتصريحات ضد المتهمين أثناء المحاكمة، مثل مراجعتها من قبل شاهد للمساعدة في الإدلاء بالشهادة، تعد خرقا للتعديل الخامس من الدستور وما منحه من حقوق تتطلب إلغاء الإدانة. حجر الزاوية لهذا المقترح هو قضية «الولايات المتحدة في نورث» والحكم الذي صدر بشأنها ليلغي قرار إدانة أوليفر نورث لأن شهادته المحصنة أمام الكونغرس في جلسة استماع قضية «إيران كونترا» لأنها قد أثرت على جمع الشهادات في الجريمة الجنائية.
كذلك ألغت الدائرة الاتهام لأنها وجدت أن هيئة المحلفين تلقت مراجعات السيد روبسون بشأن تورط المتهمين في التلاعب بمعدلات الفائدة بشكل غير مباشر من خلال شهادة وكيل مكاتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي أي)، ولذلك فإن قرار إدانة الرجلين شابه الفساد نتيجة للتصريحات المحصنة. ولم تبدِ محكمة الاستئناف تعاطفا مع شكوى الحكومة بأن تطبيق الحماية الدستورية سوف يصعب من العمل مع الحكومات الأجنبية ومحاكمة حالات خرق القوانين خارج حدود البلاد. وبحسب ما دونه القضاة، فإن «النتيجة العملية» لحكمنا اليوم هو أن المخاطرة الناجمة عن الخطأ تقع على كاهل الحكومة الأميركية (حال رغبت في محاكمة أفراد أجانب)، لا على رعايا الدولة والمستهدفين من المحاكمات الدولية.
ورغم أن المدعين يمكنهم العمل لتوجيه اتهام جديد وإلى إجراء محاكمة ثانية، فربما لن يستخدموا السيد روبسون أو أي شاهد آخر يكون قد راجع الشهادات المحصنة التي أدلى ألين وكونتي بها. ويعني هذا على الأرجح أن القضية قد انتهت بسبب عدم كفاية الأدلة - وناهيك ببعض الرسائل المثيرة للتساؤلات - التي يمكنها أن تظهر نيتهم التلاعب في التنازلات الخاصة بمعدلات الفائدة.
سيمثل القرار تحديا كبيرا لوزارة العدل الأميركية في متابعة قضايا الاحتيال التي تتعاون فيها مع مدعين ومنظمين أجانب لجمع الأدلة.
تطالب كثير من الدول، خاصة الأوروبية، العاملين في القطاع المالي بتقديم شهادات خلال سير التحقيق، والآن فإن أي استخدام لهذه الصلاحيات التي تمكنها من جمع الأدلة قد تجعل الأمر أكثر صعوبة في إثبات الاتهامات في الولايات المتحدة.
المدعون في هذه البلاد على يقين من الشراكة المتوقعة عند محاكمة شخص ما يتمتع بالحصانة لأنها تتطلب إظهار أن كل دليل يستخدم في المحاكمة لن يمكن الاستفادة منه في التصريحات المحصنة. ولذلك ينبغي في التحقيقات التي ستجرى في المخالفات الدولية مستقبلا أن تتجنب التعثر نتيجة للحماية التي يمنحها التعديل الخامس في الدستور الأميركي في حال طلب من الشخص المستهدف تقديم كشف حساب.
فتداعيات قرار الدائرة الثانية في المحكمة الأميركية، شعر بها الناس بالفعل في محاكمة اثنين من التجار تعاملا مع «دويتش بنك» متهمين بالتلاعب في معدلات الفائدة. وكان أحد المتهمين قد أجبر من قبل «هيئة السلوك المالي» على الإدلاء بشهادته وطلب من المحكمة التأكد مما إذا كانت تصريحاته قد أفسدت الأدلة التي ساقتها الحكومة.
وحتى لو لم تكن هناك قضايا تتعلق بتعديلات المادة الخامسة من الدستور - عندما تكون مصداقية الشاهد المتعاون محل سؤال - فحينها سوف تذهب قضية الحكومة إلى البالوعة.
أنشأ السيد إكسيل موقعا إلكترونيا باسم «لندن ويل ماريونيت» ليعلق من خلاله على ما حدث، وصرح بأن «هذه الرواية تبدو مختلفة بدرجة كبيرة عن الشهادات التي أدليت بها أمام السلطات». وجاء اعترافه بأن تصريحاته السابقة قد لا تكون دقيقة وأنها ساعدت بكل تأكيد في إعطاء الزخم لمحامي الدفاع لإضعاف مصداقيته في حال وصلت قضيته إلى المحكمة.
وسواء حدث ذلك مستقبلا أم لا، فهذا يعتبر سؤالا آخر في تلك القضية. فقد اعترفت وزارة العدل بأنها لم تكن تستطع المطالبة بتسلم المتهمين من دولتيهما، فرنسا وإسبانيا، طالما أنهما ظلا بعيدين عن الدولة التي يمكنهما تسليمهما إلى الولايات المتحدة.
إن إلقاء اللوم على تعليق السيد أكسيل باعتباره السبب لرفض الدعوى قد يكون وسيلة لحفظ ماء الوجه عند إسقاط الدعوى التي لم يكن لها أن تصل إلى قاعة المحكمة. واتهام كل من مارتن ارتاجو وغروت ضعفُ منذ عام 2003، ولم تطل التهم أي شخص في الإدارة العليا بمؤسسة جي بي مورغان، على الرغم من أن ادعاءات أكسيل بأن الأشخاص الأعلى منه درجة قد شجعوه على الإقدام على تلك العمليات الخطرة. وتحتم على البنك سداد 920 مليون دولار لتسوية عدد من التحقيقات بشأن طريقة إبلاغها عن خسائرها.
فقد أظهرت محاكمات قضايا معدلات الفائدة و«حوت لندن» مدى الصعوبة التي يواجهها القضاة الفيدراليون في الولايات المتحدة في النظر في قضايا تجرى خارج نطاق البلاد لتشمل متهمين يعملون على نطاق واسع خارج الولايات المتحدة.
من ضمن النتائج الثانوية هي أن وزارة العدل الأميركية سوف تكون أكثر ترددا عندما تسعى إلى الإمساك بأشخاص يعملون في مؤسسات مالية دولية، وثبت أنهم قد أساءوا التصرف، مما يقلل من إمكانية خضوع الشركات للمحاسبة عن أخطائها.
*خدمة «نيويورك تايمز»
معدلات الفائدة البنكية... أزمة نتجت عنها منازعات قضائية في أميركا
عقبات تعترض محاكمة المتهمين الماليين الأجانب
الحي المالي في لندن (رويترز)
معدلات الفائدة البنكية... أزمة نتجت عنها منازعات قضائية في أميركا
الحي المالي في لندن (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة





