هل يواجه قطاع التصنيع العالمي مشكلة كبرى في 2017؟

مؤشرات خطرة في الهند وعدم يقين بالصين... وأميركا تتأرجح

هل يواجه قطاع التصنيع العالمي مشكلة كبرى في 2017؟
TT

هل يواجه قطاع التصنيع العالمي مشكلة كبرى في 2017؟

هل يواجه قطاع التصنيع العالمي مشكلة كبرى في 2017؟

بين يوم وآخر تظهر مؤشرات متناثرة هنا وهناك حول حالة نشاط التصنيع في دول العالم، وفي بيانات شهر يوليو (تموز) الماضي الصادرة تباعا في الساعات الماضية مع انطلاقة شهر أغسطس (آب)، يبدو أن ثمة تراجعا في عدد مهم من الاقتصادات الكبرى على هذا الصعيد، بينما تواجه دول أخرى، شهد بها نشاط التصنيع نموا، جوانب أخرى من المشكلات التي من الممكن أن تسفر بدورها عن تراجع بالنشاط.
وبينما يتأثر النشاط الصناعي نموا أو تباطؤا على المستوى الداخلي بعدد من العوامل، وعلى رأسها قوة العمل والقوة الشرائية وغيرها، فإنه يتأثر خارجيا بعوامل أخرى، من أهمها قوة العملة... لكن منذ نهاية العام الماضي ظهر صراع «الحمائية» إلى العلن بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليعقّد مسألة التجارة الدولية، ويربك عجلة الصناعة في عدد من الدول وبخاصة في شرق آسيا؛ إضافة إلى ما يشنه على عدد من الدول الصناعية الكبرى، مثل الصين وألمانيا متهما إياهما بإضعاف متعمد لعملتيهما من أجل إيجاد تنافس «غير شريف» مع الصناعات الأميركية، كما قام بإلغاء أو تجميد عدد من اتفاقيات التجارة الحرة، مثل اتفاقيات التجارة عبر الأطلسي، وعبر الهادئ، بينما تجرى مراجعة دقيقة لاتفاقية التجارة عبر القارة الأميركية مع الجارتين الشمالية والجنوبية، كندا والمكسيك.
وكان من شأن التحركات الأميركية أن وضعت ضغوطا كبرى على كاهل عدد من الدول العملاقة في الصناعة، سواء كان ذلك في الصين أو اليابان أو حتى دول أوروبية.

تأرجح أميركي
وبالنسبة للولايات المتحدة نفسها، فاللافت أن النشاط التصنيعي منذ بداية العام يتجه لتشكيل منحنى «الجرس المقلوب» الشهير، حيث كان يشهد ثباتا أو تباطؤا مع بداية العام وحتى نهاية الربع الأول، ثم بدأ في تصاعد واعد خلال الربع الثاني متأثرا بالدعم الكبير الذي تقدمه الإدارة الأميركية للقطاع، ومع بداية الربع الثالث في يوليو شهد تراجعا مرة أخرى، وهو الأمر الذي ربما يستمر خلال الأشهر المقبلة؛ نظرا لعوامل عدم اليقين التي تعتري حالة الاقتصاد الأميركي بوجه عام.
ويعتمد مستقبل القطاع بشكل كبير على إمكانية التزام الرئيس الأميركي بوعوده خلال حملته الانتخابية، من زيادة فرص العمل، ودعم الصناعات، وضخ مزيد من الاستثمارات في التصنيع والبنية التحتية؛ وهي عوامل «عرضة للشك» في ظل تذبذب أداء الإدارة الأميركية اقتصاديا خلال الأشهر الماضية.
وأظهر تقرير اقتصادي نشر فجر أمس استمرار وتيرة نمو نشاط قطاع التصنيع الأميركي خلال يوليو الماضي، ولكن بوتيرة أكثر تباطؤا. وذكر معهد إدارة الإمدادات الأميركي، أن مؤشر مديري مشتريات قطاع التصنيع تراجع خلال يوليو الماضي إلى 56.3 نقطة، مقابل 57.8 نقطة في يونيو (حزيران).
وجاء تراجع المؤشر الرئيسي لمديري المشتريات في ظل تباطؤ وتيرة نمو الطلبيات الجديدة، حيث انخفض مؤشر الطلبيات الجديدة من مستوى 63.5 نقطة في يونيو إلى 60.4 نقطة خلال يوليو. وذكر التقرير، أن مؤشر الإنتاج تراجع من 62.4 نقطة إلى 60.6 نقطة خلال الفترة نفسها، وهو ما يشير إلى تباطؤ وتيرة نمو الإنتاج. في الوقت نفسه، ذكر معهد إدارة الإمدادات أن مؤشر التوظيف تراجع من 57.2 نقطة خلال يونيو، إلى 55.2 نقطة في يوليو، في حين ارتفع مؤشر الأسعار من 55 نقطة إلى 62 نقطة خلال الفترة نفسها، وهو ما يشير إلى تسارع وتيرة ارتفاع الأسعار.
ويتزامن ذلك مع تقرير آخر نشر أمس لوزارة التجارة الأميركية يظهر شبه استقرار بمتوسط الدخل الشخصي للأميركيين خلال يونيو دون تغيير، في الوقت الذي كان المحللون يتوقعون ارتفاع الدخل. وذكر التقرير، أن متوسط الدخل الشخصي تراجع خلال يونيو بأقل من عُشر نقطة مئوية، بعد ارتفاعه بنسبة 0.3 في المائة، وفقا للبيانات المعدلة للشهر السابق.
ولم يسجل الدخل الشخصي القابل للإنفاق أو الدخل الشخصي مخصوم منه الضرائب الشخصية الجارية، أي تغيير تقريبا خلال يونيو، بعد ارتفاع بنسبة 0.4 في المائة في مايو (أيار). بينما استقر «الإنفاق الحقيقي»، الذي يضع متغيرات الأسعار في الحساب، تقريبا خلال يونيو، بعد ارتفاع بنسبة 0.2 في المائة خلال الشهر السابق. وأيضا تراجعت النسبة المئوية للادخار إلى 3.8 في المائة من إجمالي الدخل القابل للإنفاق خلال يونيو، من مستوى 3.9 في المائة في مايو.
وفي تحليلات للأمر، فإن المراقبين ربما يرون أن هذا الاستقرار يعني من جهة ما أن القوة الشرائية ستكون ثابتة إلى حد بعيد؛ ما يعني أنها لن تضيف عامل دفع حاسما لتحسن المبيعات في الولايات المتحدة... ويعد تسحن المبيعات وفقا لآليات السوق أحد أبرز مساعدات ومحفزات نمو النشاط التصنيعي.
وفي منتصف شهر يوليو، خرجت نتائج مفاجئة تشير بوادر إلى تراجع ثقة المستهلكين، وبحسب تقرير صادر عن جامعة ميتشيغان، فقد تراجع مؤشر ثقة المستهلكين خلال يوليو إلى 93.1 نقطة مقابل 95.1 نقطة في يونيو؛ في حين كان المحللون يتوقعون تراجع المؤشر إلى 95 نقطة فقط. وكان السبب الرئيسي للتراجع هو تراجع مؤشر توقعات المستهلكين من 83.9 نقطة خلال يونيو إلى 80.2 نقطة خلال يوليو... وربما يكون تراجع ثقة المستهلكين أحد العوامل التي أدت لاحقا إلى تباطؤ النشاط التصنيعي في شهر يوليو.
لكن ريتشارد كورتين، كبير الخبراء الاقتصاديين المسؤولين عن المسح، قال معلقا: «بشكل عام، فالبيانات الأخيرة تتفق مع النمط نفسه السائد خلال الفترة الأخيرة، حيث تبدأ التوقعات في التراجع بشدة، في حين تواصل الثقة في الظروف الاقتصادية الحالية في الارتفاع إلى مستويات جديدة». وأضاف: «يجب أن نؤكد أن البيانات لا تشير إلى ركود منتظر... لكن البيانات تشير إلى أن الآمال، التي كانت في فترة طويلة من النمو الاقتصادي بمعدل 3 في المائة التي أشعلها فوز ترمب بالرئاسة، تراجعت بدرجة كبيرة».

تباطؤ ياباني...
وطموح بتخطي الأزمة:
تعد اليابان أحد العمالقة في مجال التصنيع، وبخاصة التقني والإلكتروني، إضافة إلى صناعة السيارات. لكن أحدث التقارير حول قطاع التصنيع أظهرت أول من أمس تباطؤ نمو النشاط الاقتصادي لقطاع التصنيع خلال يوليو الماضي، حيث سجل مؤشر مديري مشتريات قطاع التصنيع خلال الشهر الماضي 52.1 نقطة فقط، متراجعا من مستواه السابق عند 52.4 نقطة.
ورغم أن ذلك لا يعد انكماشا؛ كونه فوق مستوى 50 نقطة، إلا أن التراجع في حد ذاته مقترنا مع عدد من المشكلات الاقتصادية في اليابان يعد أمرا سيئا، وبخاصة في ظل الارتباك الذي تعانيه حكومة رئيس الوزراء تشينزو آبي، والانتقادات التي توجه لصانعي السياسات المالية هناك.
وبحسب مسح صحيفة «نيكي» الاقتصادية اليابانية فقد تراجع المؤشران الفرعيان لكل من الإنتاج والطلبيات الجديدة، حيث بدد ضعف وتيرة نمو الصادرات، تأثير النمو القوي للطلب على منتجات التكنولوجيا المتقدمة. لكن على الجانب الآخر، وفيما يخص الرؤية المستقبلية، فقد ارتفع المؤشر الفرعي لقياس توقعات الإنتاج المستقبلي إلى مستوى قياسي... وهو ما يعد في رأي عدد من الخبراء أمرا يتسق مع طبيعة اليابانيين الصلدة والمتحدية، ويبشر بإمكانية تخطي المرحلة الراهنة.

مشكلة كبرى بالهند تعيدها
إلى مستويات الأزمة العالمية:
وربما تعد الهند صاحبة أسوأ نتائج أنشطة التصنيع خلال الفترة الأخيرة، حيث أظهر تقرير صادر عن مؤسسة «آي إتش إس ماركيت» أول من أمس انكماش النشاط الاقتصاد لقطاع التصنيع في الهند خلال يوليو، وذلك للمرة الأولى منذ بداية العام الحالي، وهو ما يشير إلى التأثير الكبير للضرائب التي تم فرضها على السلع والخدمات في الهند. وتراجع مؤشر «نيكي» لمديري مشتريات قطاع التصنيع خلال الشهر الماضي إلى 47.9 نقطة، مقابل 50.9 نقطة في يونيو. في الوقت نفسه، تراجع مؤشر مديري المشتريات خلال الشهر الماضي إلى أقل مستوى له منذ فبراير (شباط) 2009، كما تراجع المؤشر الفرعي للطلبيات الجديدة لأول مرة منذ 7 أشهر، وبأقوى وتيرة له منذ أوائل عام 2009، كما تراجعت وتيرة نمو الطلبيات الجديدة للتصدير بعد وصولها خلال يونيو الماضي إلى أعلى مستوى لها منذ 8 أشهر.
وقللت الشركات نتيجة هذا الواقع مستويات إنتاجها خلال الشهر الماضي، ليتوقف نمو الإنتاج لمدة ستة أشهر متصلة، في حين جاء معدل التراجع خلال الشهر الماضي عند أعلى مستوياته منذ الأزمة المالية العالمية التي تفجرت في أواخر 2008.
أيضا تراجع التوظيف في قطاع التصنيع خلال الشهر الماضي بعد ارتفاعه في الشهر السابق. في الوقت نفسه، أدت زيادة الضرائب مؤخرا إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج خلال يوليو الماضي. وفي تفاصيل صناعية، فقد أظهرت بيانات أخرى تباطؤ نمو ثمانية صناعات أساسية في الهند بمعدل 0.4 في المائة خلال يونيو الماضي، مقارنة بالشهر نفسه من عام 2016. في حين كان معدل نمو هذه الصناعات خلال مايو الماضي 4.1 في المائة.
وبيانات مؤشر الصناعات الثماني الأساسية في الهند تمثل ناتج القطاعات الصناعية الأساسية، مثل الفحم والصلب والإسمنت والكهرباء. وذكرت وزارة التجارة والصناعة الهندية في تقرير موجز عن المؤشر، أن «المؤشر المجمع للصناعات الثماني الأساسية وصل خلال يونيو 2017 إلى 121 نقطة، بزيادة قدرها 0.7 في المائة عن مستواه في يونيو 2016».
وبلغ معدل النمو التراكمي للمؤشر خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام المالي الحالي حتى نهاية يونيو الماضي 2.4 في المائة سنويا. ويمثل مؤشر الصناعات الثماني الأساسية نحو 40 في المائة من إجمالي مؤشر الناتج الصناعي للهند... ما يعني أن تباطؤ مؤشره مؤثر للغاية على الاقتصاد الهندي بشكل عام.

تباطؤ في بريطانيا
ضمن تراجع عام
أما في بريطانيا، التي تعاني حاليا كثيرا من المشكلات المؤثرة على اقتصادها، فقد أشارت تقارير حكومية الأسبوع الماضي إلى أن الاقتصاد حقق نموا بواقع 0.3 في المائة في الربع الثاني من العام؛ مما يعكس «تباطؤا ملحوظا» في الأشهر الستة الأولى من هذا العام.
ومنذ بداية العام، يبدو أن الاقتصاد البريطاني يكابد كثيرا من تبعات «بريكست»، حيث تراجع إنفاق الأسر مدفوعا بزيادة التضخم بأكثر من زيادة الرواتب. في حين تزداد المخاوف الاستثمارية من ضخ مزيد من الاستثمارات في المملكة المتحدة خشية فقدان مميزاتها المالية في حال الخروج من السوق الأوروبية الموحدة، ما سيسفر عن ضعف شديد بتنافسية المنتجات البريطانية في الأسواق الأوروبية.
وقال مكتب الإحصائيات الوطني في بيان له الأسبوع الماضي: إن البيانات الأولية أشارت إلى أن الناتج المحلي الإجمالي البريطاني، حقق نموا بنسبة 0.3 في المائة، مقارنة بالربع السابق. وقال دارين مورغان، رئيس قسم الحسابات الوطنية بالمكتب في بيان، إن «الاقتصاد شهد تباطؤا ملحوظا في النصف الأول من هذا العام. وبينما أظهرت خدمات مثل البيع بالتجزئة والإنتاج والتوزيع السينمائي بعض التحسن في الربع الثاني من العام، تسبب الأداء الضعيف لقطاع التشييد والتصنيع في تراجع النمو الإجمالي».

نتائج ممتزجة في الصين
وفي الصين، وهي أحد أكثر البلدان تأثرا بتوجهات الحمائية والاتهامات التي تكيلها لها الولايات المتحدة ودول أوروبية بـ«الإغراق»، جاءت نتائج النشاط التصنيعي متباينة ومربكة.
فبينما أشار تقرير صادر عن مكتب الإحصاء الوطني الصيني يوم الاثنين إلى «تباطؤ» وتيرة نمو نشاط قطاع التصنيع في الصين خلال يوليو الحالي، أظهر تقرير صدر آخر الثلاثاء عن مؤسسة «كايشين» الإعلامية «نمو» النشاط الاقتصادي لقطاع التصنيع في الصين خلال الشهر ذاته. ورغم تقارب الأرقام بين التقريرين، فإن التباين في الحسابات يظهر أن ثمة ارتباكا في تحديد أساسيات القياس.
وفي تقرير «الإحصاء الوطني»، تراجع مؤشر مديري مشتريات القطاع إلى 51.4 نقطة، بينما كان المحللون يتوقعون تراجعه إلى 51.5 نقطة فقط، من مستوى 51.7 نقطة في يونيو. كما تراجع مؤشر مديري مشتريات القطاع غير الصناعي من 54.9 نقطة في يونيو إلى 54.5 نقطة في يوليو.
وبعد ساعات قليلة، خرج تقرير «كايشين»، حيث سجل مؤشر مديري مشتريات قطاع التصنيع 51.1 نقطة في يوليو، من مستوى سابق عند 50.4 نقطة. مع ارتفاع المؤشرين الفرعيين لكل من الإنتاج والطلبيات الجديدة بأسرع وتيرة لهما منذ 5 أشهر خلال يوليو بفضل تعافي الصادرات. وفي الوقت نفسه، ارتفع مؤشرا أسعار مستلزمات الإنتاج وأسعار المنتجات بوتيرة أسرع مما كانت عليه في يونيو الماضي.



وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
TT

وزراء مجموعة السبع يواجهون اختبار «الاحتياطات الاستراتيجية» الاثنين

لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)
لدى وصول وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان للمشاركة في اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع (واس)

تستضيف فرنسا، يوم الاثنين، اجتماعاً طارئاً «افتراضياً» يجمع وزراء المالية والطاقة ومحافظي البنوك المركزية لدول مجموعة السبع، في محاولة رابعة منذ اندلاع الحرب في إيران لاحتواء التداعيات الكارثية على الأسواق العالمية. ورغم كثافة هذه اللقاءات، فإن «فقدان الثقة» بدأ يتسلل إلى الأسواق؛ حيث وُصفت الاجتماعات السابقة بأنها مجرد «بيانات للمراقبة» تفتقر للأفعال المباشرة، مما أدى لقفزات جنونية في مؤشرات الخوف العالمي (VIX) التي سجَّلت ارتفاعاً بنسبة 13 في المائة بنهاية الأسبوع الماضي.

كشف وزير التجارة الفرنسي، سيرغ بابين، عن أن المحور الرئيسي لاجتماع الاثنين سيكون مناقشة «الإطلاق المنسق» لاحتياطات النفط الاستراتيجية.

وتأتي هذه الخطوة محاولةً لتهدئة الأسعار التي سجَّلت تقلبات هي الأعنف منذ بدء حرب أوكرانيا عام 2022. ورغم اتفاق وكالة الطاقة الدولية المبدئي في 11 مارس (آذار) على استخدام المخزونات، فإنَّ الأسواق لا تزال تُشكِّك في القدرة على الصمود طويل الأمد إذا لم يتم التوصُّل إلى حل دبلوماسي ينهي حصار الممرات المائية.

وكان الحراك الدبلوماسي لمجموعة السبع بدأ في 9 مارس باجتماع افتراضي لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية، وهو اللقاء الذي واجه انتقادات حادة بسبب بيانه الختامي الذي اكتفى بوعود «المراقبة اللصيقة» دون إجراءات ملموسة. وفي اليوم التالي، انتقل الثقل إلى وزراء الطاقة الذين قرَّروا بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية التدخل في «مخزونات الطاقة» لتهدئة الأسواق، وهي خطوة حقَّقت استقراراً مؤقتاً سرعان ما تبخَّر أمام تقلبات أسعار النفط العنيفة التي أعادت للأذهان صدمة عام 2022.

كما اجتمع وزراء خارجية مجموعة السبع في الأجواء الهادئة لدير «فو دي سيرناي» التاريخي بفرنسا.

وزراء خارجية مجموعة السبع خلال اجتماع للمجموعة في باريس يوم 27 مارس (إكس)

دبلوماسية «الغرف المغلقة»

خلف الأرقام الاقتصادية، تدور معركة دبلوماسية صامتة؛ حيث اشتكى وزير الخارجية الألماني، يوهان فاديبول، من «نقص التواصل» بين الحلفاء، كاشفاً عن ترتيبات لاجتماع مباشر «وشيك» بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان؛ بحثاً عن مَخرَج للأزمة، وفق شبكة «سي إن بي سي».

كذلك، أثار استبعاد جنوب أفريقيا من قمة القادة المُقرَّرة في يونيو (حزيران) بمدينة إيفيان الفرنسية توتراً دبلوماسياً كبيراً. وتُشير التقارير إلى ضغوط من إدارة ترمب حالت دون دعوة الرئيس سيريل رامافوزا؛ مما يعزِّز الانطباع بأن نهج «أميركا أولاً» بات يهدِّد فاعلية مجموعة السبع بوصفها أداة للحل الدبلوماسي الدولي.


الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
TT

الألمنيوم في مرمى النيران: هجمات إيرانية تُربك 23 % من إمدادات العالم

المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)
المصهر الثاني لشركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» في منطقة جبل علي بدبي (الشركة)

لم تعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة مجرد تهديد لخطوط الملاحة، بل انتقلت لتضرب قلب البنية التحتية الصناعية. فقد أعلنت إيران، يوم الأحد، مسؤوليتها عن هجمات استهدفت مصنعين رئيسيَّين للألمنيوم في الخليج؛ مما زاد من حدة التوترات الاقتصادية في حرب الشرق الأوسط بعد انضمام الحوثيين، المدعومين من إيران، إلى الصراع في اليمن.

إذ أعلنت شركة «الإمارات العالمية للألمنيوم (EGA)» - أكبر شركة صناعية غير نفطية في الإمارات - تعرُّض موقعها الحيوي في «الطويلة» بأبوظبي لأضرار جسيمة نتيجة حطام صواريخ باليستية. ويُعد موقع «الطويلة»، الواقع في منطقة خليفة الاقتصادية، ركيزةً عالميةً أنتجت وحدها 1.6 مليون طن من المعدن في عام 2025، بينما يقع المصهر الثاني للشركة في منطقة جبل علي بدبي. وبالتزامن مع ذلك، بدأت شركة «ألمنيوم البحرين» (ألبا) تقييم حجم الأضرار في مرافقها، مما يضع كبار المنتجين في المنطقة أمام تحدٍ وجودي لضمان استمرارية العمليات تحت وطأة التهديد العسكري المباشر.

رغم خطورة الهجمات، فإن شركة «الإمارات العالمية للألمنيوم» كشفت عن تحرك استباقي يتمثَّل في امتلاكها مخزونات ضخمة من المعدن في مواقع «أوفشور» ومستودعات خارجية خارج منطقة النزاع منذ اندلاع الحرب في الشهر الماضي. وتستخدم الشركة هذا المنتج الخارجي حالياً للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء الدوليِّين، وتخفيف حدة الانقطاع الناتج عن استهداف مرافقها المحلية.

سحابة من الدخان تتصاعد عقب غارة إيرانية على خزانات وقود في المحرق بالبحرين (أ.ف.ب)

معضلة «الألومينا»

تكمن الخطورة الحقيقية للهجمات الأخيرة في الأرقام التي أوردها «المعهد الدولي للألمنيوم»؛ فمن أصل 29.6 مليون طن مثّلت إجمالي الإنتاج العالمي خارج الصين في عام 2025، أسهمت منطقة الخليج وحدها بنحو 23 في المائة من هذه الكمية (أي ما يعادل 9 في المائة من إجمالي الإنتاج العالمي الكلي البالغ 73.8 مليون طن). هذا التركز الإنتاجي الضخم يعتمد بشكل كلي على مضيق هرمز في حركة استيراد وتصدير مزدوجة. وهنا تبرز مادة «الألومينا» (أكسيد الألمنيوم)، وهي المسحوق الخام الأساسي الذي تستورده المصاهر الخليجية لتحويله إلى معدن صلب.

ويحذر محللو «آي إن جي» من أن المصاهر في المنطقة تمتلك مخزونات من هذه المادة الخام تكفي عادة لـ3 إلى 4 أسابيع فقط. وبما أن المضيق هو الممر الوحيد لدخول سفن «الألومينا»، فإنَّ استمرار إغلاقه سيعني نفاد المادة الخام وتوقف أفران الصهر كلياً، وهو ما يفسِّر حالة «الانكشاف الخطير» للأسواق الغربية التي تعتمد على الألمنيوم الخليجي إمداداً حيوياً لا يمكن تعويضه بسهولة.

«علاوات الحرب» وأزمة الطاقة الأوروبية

وفقاً للتحليلات الفنية، يرفع التصعيد الحالي من «العلاوات السعرية المادية»؛ نتيجة تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب وتأخير السفن. وتعد أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأكثر عرضة لهذا الانكشاف، نظراً لاعتمادهما الكبير على معدن الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي يبحث فيه العالم عن بدائل، تبرز عقبات كبرى في أوروبا؛ حيث قفزت أسعار الغاز الطبيعي بنسبة 60 في المائة لتصل إلى 50.545 يورو/ميغاواط/ ساعة، مما يجعل إعادة تشغيل المصاهر في آيسلندا وسلوفاكيا غير مجدٍ اقتصادياً للمنتجين الذين لا يملكون مصادر طاقة مستقلة.

عامل يثني قطعة من الألمنيوم باستخدام آلة في قسم الإنتاج بمبنى شركة «جنرال ستامبينغ آند ميتالوركس» في ساوث بيند بإنديانا (رويترز)

السوق الأميركية تحت مقصلة الـ«7 آلاف دولار»

أما في الولايات المتحدة، فقد أدى تقاطع الهجمات الإقليمية مع سياسات دونالد ترمب الجمركية، التي رفعت الرسوم إلى 50 في المائة في يونيو (حزيران) 2025، إلى وضع السوق في حالة اختناق. ومع توجُّه الصادرات الكندية نحو أوروبا، يواجه المستهلك الأميركي سيناريو مرعباً؛ حيث تشير تقديرات «سيكو بنك» إلى أنَّ وصول سعر المعدن في لندن إلى 4 آلاف دولار قد يدفع السعر النهائي في أميركا - شاملاً الرسوم والعلاوات - إلى مستويات قياسية تقترب من 7 آلاف دولار للطن، وهو ما قد يؤدي إلى صدمة في الطلب، ويهدِّد الصناعات المعتمدة على الألمنيوم بالشلل.

ترقب افتتاح الاثنين

تجمع التقارير الصادرة عن «سيتي بنك» و«ستاندرد آند بورز» على أن تعافي السوق لن يكون سريعاً؛ فديناميكيات الشحن والتأمين ستستغرق وقتاً طويلاً للعودة إلى طبيعتها. ومع اقتراب جرس الافتتاح في بورصات المعادن العالمية يوم الاثنين، يسود القلق أوساط المتداولين؛ حيث يتوقع الخبراء قفزةً فوريةً في هذه العلاوات مع بدء التعاملات، مدفوعةً ببيانات الهجمات المباشرة. ويرى المحللون أنَّه حتى دون إغلاق كامل للمضيق، فإنَّ ارتفاع تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب وتأخير السفن سيجعل أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأكثر عرضةً للضرر، نظراً لاعتمادهما الكبير على معدن الشرق الأوسط لسد العجز في الأسواق المحلية.


خط أنابيب شرق ــ غرب السعودي يعمل بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط أنابيب شرق ــ غرب السعودي يعمل بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

ذكرت وكالة «بلومبرغ»، أمس، نقلاً عن مصدر مطلع، أن خط أنابيب النفط السعودي شرق - غرب الذي يوفر للمملكة مخرَجاً في ظل إغلاق مضيق هرمز يضخ النفط بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وأضافت أن صادرات النفط الخام من ميناء ينبع السعودي المطل على البحر الأحمر بلغت 5 ملايين برميل يومياً، مشيرة إلى أن المملكة تصدّر أيضاً ما بين 700 ألف و900 ألف برميل يومياً من منتجات النفط.

وقال أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» لصحافيين في وقت سابق من الشهر الحالي خلال اتصال هاتفي بشأن نتائج الأعمال، إنه من المتوقع أن يصل خط أنابيب النفط شرق - غرب إلى طاقته الاستيعابية الكاملة البالغة 7 ملايين برميل يومياً خلال أيام بالتزامن مع تحويل العملاء مساراتهم.

وأغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز، مما حال دون عبور نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم وتسبب في ارتفاع سعر النفط الخام إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل.