رئيس الحكومة التونسية لـ {الشرق الأوسط}: أريد إعادة هيبة الدولة

المهدي جمعة يؤكد أنه لن يترشح للرئاسة.. وأن التونسيين متفقون على محاربة الإرهاب

المهدي جمعة
المهدي جمعة
TT

رئيس الحكومة التونسية لـ {الشرق الأوسط}: أريد إعادة هيبة الدولة

المهدي جمعة
المهدي جمعة

قال رئيس الحكومة التونسي المهدي جمعة، إنه يمكن تفسير تقبل المعارضة والشارع التونسي على حد سواء لحكومته، على أنه يعود إلى تطلع للتغيير، والبحث عن وجه جديد بعيدا عن الانتماءات السياسية. وأضاف جمعة لـ«الشرق الأوسط» أنه «رغم أنني ليست لدي فكرة واضحة عن كيفية وقيمة التقبل من طرف الشعب، لكن ما أنا واثق منه هو أنني أتصرف بعفوية، ولا أخفي شيئا عن الشعب، وأصارحه بكل المعطيات، وأطلعه على برامجي بوضوح، مبينا إلى أين أريد الوصول وماذا أريد أن أفعل وما أنا بصدد عمله». وأكد جمعة على أنه لا رغبة لديه في تصدير الثورة. وقال: «نريد فقط أن ننجح في إنقاذ أنفسنا ولا نريد تصدير الثورة بل أن نورد المستثمرين».
وشدد على أنه يريد إعادة هيبة الدولة، ونفى قطعيا أنه سيترشح للانتخابات الرئاسية المقبلة في تونس، وقال إن «الخطوط الكبيرة التي أتيت من أجل تحقيقها والأهم بالنسبة لي هي إعادة هيبة الدولة، كما أن دخولي الحكومة جزء مما تشمله خارطة الطريق التي أتى بها الحوار الوطني، فمن أولوياتي أيضا الوصول بالبلاد إلى الانتخابات قبل نهاية 2014».
وأضاف رئيس الحكومة أنه لم يسع للوصول إلى منصبه. وقال: «لم أقم شخصيا بأي مساع للحصول على هذا المنصب، لكني عدت إلى تونس منذ البداية في إطار عقد محدود، وأخذت المسألة من باب تحمل المسؤولية.. وجدت نفسي أمام مسؤولية ولا خيار إلا أن أتقبلها».
«الشرق الأوسط» التقت المهدي جمعة رئيس الحكومة التونسية في مقر الحكومة في القصبة، وكان لنا معه حوار هذا نصه:

* هل قبلتم المنصب دون تردد عندما عرض عليكم؟
- ظل الحوار ستة أشهر للتوصل إلى هذا القرار ولم يكن أمامي غير القبول.
* هل تعدون هذا الخيار من باب الواجب الوطني؟
- نعم قبلناه كواجب وطني لكن ليس عن رغبة في المنصب. نقف من جميع الأحزاب على مسافة واحدة
* ما العوائق التي واجهتكم لدى تسلمكم رئاسة الحكومة في تونس، وما معاييركم في اختيار الوزراء؟
_ اخترت الوزراء على منهجية قواعد، وهي الكفاءة والحيادية السياسية، وليس لدي أي وزير ينتمي إلى أي حزب من الأحزاب، ونقف من جميع الأحزاب على مسافة واحدة، وأكثر عنصر كان يهمني بالدرجة الأولى هو الكفاءة وأعتقد أني توقفت في ذلك.
كما أخذت بعين الاعتبار لدى اختيار الوزراء أن يساعدوا البلاد في الانفتاح ويكون توجههم دوليا، أريد لتونس إشعاعا دوليا لأني على قناعة أن مستقبل تونس لا يمكن رسمه في مساحة مغلقة، فتونس تاريخيا منفتحة على كل البلدان، وهذا ما دفعني لاختيار نصف الوزراء من الكفاءات التونسية في الخارج، فلدي من الوزراء من أتى من جنيف ومن البرازيل وعدة دول أخرى، كنا دقيقين في انتقائنا ونسأل الله التوفيق.
* ركزتم كما ذكرتم على عنصر الكفاءة في اختياركم، لكن ألا ترون أن جلب تونسيين مقيمين ويعملون أساسا خارج تونس، سيكون عائقا في حد ذاته، فلن يكونوا على علم بحقيقة المشكلات في الداخل، ويعدون مسقطين على الوزارات، ومهما كانت كفاءتهم فجهلهم بحقيقة الوضع لن يساعدهم؟
- يمكن أن تكون مقيما بعيدا عن تونس لكن في نفس الوقت قريب منها عبر التواصل، والوزراء الذين جرى اختيارهم هم على اطلاع كلي بما يحدث في تونس بشكل دقيق، ويزورون تونس باستمرار ولديهم شبكة كاملة من العلاقات والمعارف أفضل حتى مني شخصيا ومنك.
وشخصيا مررت بهذه التجربة فكنت أقيم في فرنسا لـ25 سنة، ولم أجد نفسي غريبا عن العمل في القطاع الخاص في تونس ثم في القطاع العام والإدارة.
ولم أشعر أني أمر بتجربة مغترب، فنحن نتابع يوميا الأخبار المحلية، ونتحدث مع أصدقائنا في الداخل عبر الإنترنت، هذا على المستوى الشخصي، لكن مهنيا لدي تجربة مختلفة ومنهجية عمل استفدت منها عبر عملي بالخارج، كما لدي شبكة علاقات عالمية وأرى أن كل هذه العناصر مهمة جدا.
* بصراحة ألم تخافوا من المنصب، خصوصا بعد ما يمكن أن نسميه إحباطات في الحكومات التي سبقتكم، واضطررت في كل مرة إما للاستقالة أو الانسحاب تحت ضغوطات المعارضة والشارع؟
- في الحقيقة لم أفكر أبدا بهذه الطريقة وأخذت المسألة من باب تحمل المسؤولية، ولم أقم شخصيا بأية مساع للحصول على هذا المنصب لكني عدت منذ البداية في إطار عقد محدود وتركت عائلتي على فكرة أنني لن أطيل المقام في تونس، لكني وجدت نفسي أمام مسؤولية ولا خيار إلا أن أتقبلها.
* ما هي رغبتكم؟
- رغبتي كانت أن أعود إلى عملي وعائلتي التي تركتها وحدها في باريس، عندي خبرة تعبت من أجل بنائها 25 عاما، جئت إلى تونس بعد أن أقنعوني بالعودة، وترددي ليس خوفا من حجم المسؤولية بقدر ما هو على عائلتي ومسيرتي المهنية.
* تحدثتم عن واجب وطني، وعن خبرتكم وتجاربكم المهنية، أي جانب من تجربتكم العملية تعتقدون أنه يمكنكم من خلالها أن تفيدوا بلادكم عبر منصبكم؟
- أكثر تجربة اكتسبتها كانت في وزارة الصناعة، وكانت تجربة ثرية أعتقد أني استفدت وأفدت من منصبي وزيرا على صعيدي التنظيم والإدارة، وفي المنهجية التي اتبعتها لحل مشكلات الوزارة والعلاقات، وقابلية التأقلم التي عشتها والتي ساعدتني كثيرا على إدارة الموارد البشرية والتعمق في تقنياتها. يعني يمكن ألخص أن أهم جانب من تجربتي يفيد في منصبي هو طريقة التعامل في حل الأزمات والمشكلات.
* لماذا الرأي العام التونسي والذي كانت له دائما تحفظات على من سبقوك من رؤساء الحكومات، تقبلوك بارتياح أو على الأقل لم تكن هناك ردود فعل عنيفة ضدكم، هل رأوا فيك الكفاءة الكافية، وهل سندك الإعلام لأنه ليست لديك انتسابات حزبية؟
- الحقيقة لم يكن لدي فريق عمل ليعلمني أو يهيئني لأداء مهنة رئيس حكومة، لكن أتصور أني أعرف جيدا دوري والعمل الذي أقوم به، وربما الصعوبات التي شهدتها الثلاث سنوات الفارطة والتي واجهتها البلاد والحكومة جعلت الناس تتطلع للتغيير وتبحث عن وجه جديد بعيد عن الانتماءات السياسية، وقد يكون هذا أيضا لثقتهم بكفاءتي، وصغر سني.
ورغم أنه ليست لدي فكرة واضحة عن كيفية وقيمة التقبل من طرف الشعب، لكن ما أنا واثق منه هو أنني أتصرف بعفوية ولا أخفي شيئا عن الشعب وأصارحه بكل المعطيات، أطلعه على برنامجي بوضوح، مبينا إلى أين أريد الوصول وماذا أريد أن أفعل وما أنا بصدد عمله.
* قبل التعرض لطريقة عملكم، أنتم دخلتم على بلاد وصف خبراء وضعها الاقتصادي بـ«الكارثي»، ووضعها الأمني متحرك، خاصة مع ظهور الحركات الجهادية وهي عنصر دخيل على المجتمع التونسي، وغيرها من التحديات.. هل دوركم بمثابة الهدنة إلى أن تصل البلاد إلى الانتخابات بأمان، أم دور حكومتكم فعال ولكم مخطط إصلاحي على المدى القصير؟
- دعيني أكون صريحا معك، أنا لم أكن أعمل في أي حزب من الأحزاب، ولم أعد خطة عمل في فترة عملها في الثلاث سنوات الماضية، فقط عايشت الوضع لتسعة أشهر، عندما كنت وزيرا للصناعة، وقتها فقط بدأت التعرف إلى الوضع عن قرب ورأيت الأزمة تتفاقم على المستوى الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأنا على دراية تامة بهذه الأزمة، لكن دعيني أعطيك الخطوط الكبيرة التي أتيت من أجل تحقيقها والأهم بالنسبة لي هي إعادة هيبة الدولة، كما أن دخولي الحكومة جزء تشمله خارطة الطريق التي أتى بها الحوار الوطني، فمن أولوياتي أيضا الوصول بالبلاد إلى الانتخابات قبل نهاية 2014 وأن تكون شفافة ونزيهة.
ما تسعى إليه حكومتي كخطوة أولى، هو توفير مناخ سياسي أمني اجتماعي مستقر، والذي يستدعي بالضرورة وضعا اقتصاديا ملائما، كلنا على وعي بهذه الضرورة، ولا أرى أن الحكومة الآن بإمكانها الدخول في أي تجارب.
الخطوة الثانية التي تواجهنا هي وجود بعض المسائل مثل «لجان حماية الثورة»، وغيرها من القضايا الموثقة بيني وبين الحوار الوطني والتي تعهدت في خطابي التلفزيوني الأول الذي توجهت به للشعب التونسي على العمل عليها بطريقتي، وهي أن أستمع لمختلف الأطراف ثم يكون لي الخيار.
وبالنسبة للملف الأمني، فالوضع كان مضغوطا جدا، والأوضاع الأمنية غير مستقرة، لذلك وضعته أيضا من أولوياتي، وأرى أن الأمن أساسي، لذلك بدأت به لضمان الاستقرار في كل المجالات، ورؤيتي كانت واضحة في محاربة الإرهاب، وأؤكد أننا لا نعرف الإرهاب ولا نريده، والشعب التونسي متفق على محاربته، وأعلم أنه ستبقى مجموعة من الإرهابيين لكننا سنواجهها.
المسألة الثانية التي تحظى بأهمية وأعمل عليها هي الحفاظ على التوازن الاجتماعي ولو بجزء بسيط.
الاقتصاد أيضا مهم، لأن الشعب التونسي لما قام بالثورة هو يبحث أو كان يتوقع حلولا سحرية ويريد تحولا فوريا في ظروفه، ولكن أريد أن أوضح أن الإصلاح الاقتصادي يتطلب التحرك بهدوء والقيام بتحليل ودراسات، وعندما بدأت في هذه العملية رأيت أن الأمور أصعب مما تبدو عليه، وعندما كنت وزيرا للصناعة قبل تسلمي رئاسة الحكومة في الصناعة لم تكن لي نظرة شاملة للقطاعات الأخرى، لأن ذلك كان اختياري، وأردت التركيز على وزارتي فقط وقتها، وركزت عليها ونجحت في مهمتي رغم الأزمات، حيث كان هدفي أن أسلم الوزارة لمن سيخلفني وهي «واقفة»، وعملت إلى آخر يوم مع إدارتي وسلمت الوزارة وكل الأمور والتقارير شفافة وواضحة.
وبالفعل لدى تسلمي للحكومة كان الوضع صعبا، لكني شخصيا لا أحبذ استعمال كلمة «كارثي»، فالاقتصاد حقق 2% إلى 3% من النمو، وهذا لا يعد كارثيا، خاصة مع الأزمات الأمنية والسياسية والاجتماعية، والاستثمار لم يتراجع، بل على العكس ثمة تحسن ولو كان طفيفا، ولا يجب التركيز على أن ما تمر به تونس من أزمة اقتصادية بسبب الثورة فحسب، بل يجب عدم التغاضي عن الأزمة المالية في أوروبا التي يصل تعاملنا الاقتصادي معها إلى نسبة 80%، كذلك الأزمة في ليبيا.
ولكن أكثر الأمور التي أثرت في الاقتصاد هي المالية العمومية، والتي وجدنا فيها عجزا كبيرا، فنتيجة الضغوطات الاجتماعية الكبيرة اضطرت الحكومة في السابق لزيادات في الوظيفة العمومية لامتصاص الغضب لكن الإنتاج لم يكن يتطور بنفس النسق.
ما واجه الحكومات السابقة هي أنها واجهت الالتزام بدفع الرواتب، لكن لم يكن لديها مصادر التمويل، فلم يكن أمامها إلا الاقتراض وهذا ما وقع لثلاث سنوات متواصلة، لكن التساؤل: إلى متى يمكننا التمادي في هذه السياسة؟ أنا أرى أن الوقت قد حان لتحمل مسؤولياتنا.
* متى أعلنتم عن إيقاف الزيادات في قطاع الوظيفة العمومية؟
- في أول ظهور تلفزيوني لي، بعد الشهر الأول من تسلم منصبي، لأننا نسير في سياسة الاقتراض ولا نعمل على الاستثمار اقترحت إصلاحات، رغم أني لن أبقى في منصبي أكثر من عشرة أشهر، ورأيت أن البلاد تحتاج إلى إصلاحات اليوم قبل الغد، وفي هذه الأوضاع إذا انتظرنا أسبوعا، فسيتطلب الأمر شهرا للإصلاح، وإذا انتظرنا شهرا سيتطلب عاما لإصلاح ما مر في هذا الشهر، وأنا واع بهذه الضرورة وهذا ما دفعني لإعلان الحوار الوطني للاقتصاد، آملا أن نحقق عبره ما حققناه من سياسة توافق عبر الحوار.
* وكيف جرى تقبل مشروع الحوار الوطني للاقتصاد؟
- حددت 28 من مايو (أيار) آخر تاريخ لإعلان مشروع الحوار، وكانت ردود الفعل مختلفة، وقلت صراحة أنا لا أريد مشكلات إضافية أنا في غنى عنها، ولا طريق أمامنا إلا تحديد خياراتنا والعمل على تحقيقها.
* هل تفسرون سكوت المعارضة الآن، على غير عادتها مع الحكومات التي سبقتكم، لانشغالها بالانتخابات أو إيمانها بكفاءة حكومتكم؟
- في البداية كانت هناك شكوك حول ولائي لحزب أو آخر، لكن الآن أشعر أن هناك قناعات بأن الحكومة بالفعل تعتمد على كفاءات، وحتى منظمة الأعراف في فرنسا يقولون لي نتمنى أن تكون حكومتكم مثالا لحكومتنا.
* وهل ترون في حكومتكم مثالا يجب أن يحتذى به؟
- لا.. نحن لا نقدم مثالا لأحد، نريد فقط أن ننجح في إنقاذ أنفسنا، ولا نريد تصدير الثورة بل أن نورد المستثمرين، نريد فقط حل مشكلاتنا، والانتقادات الموجهة إلينا ليست بنفس الحدة التي وجهت للحكومات التي سبقتنا، لأننا لا نعد طرفا في الصراع السياسي، ونحن على قناعة بأن نضع يدنا في يد الآخرين للتقدم.
* قمتم بزيارات لكثير من الدول العربية والأوروبية، ولواشنطن، هل اقتصرت الزيارات على تقديم أنفسكم بوصفكم حكومة جديدة، أم قدمتم مقترحات تعاون بين تونس وهذه الدول؟
- بالطبع الزيارات في إطار التعارف لأننا يجب أن نتعرف على من نتعامل معهم، كما أنها كانت ترمي لأكثر من ذلك، فزيارتي لأميركا مثلا والتي استغرقت عدة ساعات لم تكن للتعارف فحسب، بل أيضا للتحدث حول الوضع في تونس وإلى ما نطمح إلى تحقيقها على المدى القصير والمتوسط، وعلاقاتي مع الدول الأخرى علاقة احترام متبادل وأبحث دائما عن سبل الشراكة.
والقاعدة الأساسية التي أعمل على إرسائها هي هيبة الدولة في الداخل والخارج، أريد إعادة رسم صورة تونس، ونريد أن نعمل على أن علاقاتنا بالخارج علاقات صداقة وليست دعما فحسب، وكذلك أعمل على ترسيخ العمل الدبلوماسي المبني على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين.
* كيف رتبتم أولويات زياراتكم الخارجية؟
- بدأت زياراتي الخارجية بالجزائر التي تعد «شريك العمر» بالنسبة لنا، فنحن نتعلم من تجربتها في الجانب الأمني والاقتصادي أيضا، ثم زرت المغرب، وأرى أن من واجبنا أن تكون علاقتنا طيبة جدا مع الليبيين، وقمت بعدها بزيارة لمنطقة الخليج وزرت المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة وقطر، ومملكة البحرين، ودولة الكويت.
ووجدنا منهم حسن القبول، ونتوقع في القريب زيارات من مستثمرين خليجيين من دول مجلس التعاون، ونطمح إلى تحسين تنوع مصادر النمو.
* زيارتكم لأوروبا وواشنطن، هل خرجتم منها باتفاقيات؟
- ما حصلنا عليه من زيارتنا لأوروبا وأميركا هو الحوار الاستراتيجي الذي بدأناه، ووجدنا دعما سياسيا كبيرا، ولمسنا شعورا بارتياح وبالانفراج في تونس، كما لقينا دعما اقتصاديا ودعما يخص قطاع التعليم، وأنا عندي رؤية واضحة أسعى إلى تأسيسها، وبداية العمل على ذلك بشكل فوري، وحصلنا على ضمانات بنكية. وحرصت إلى جانب لقاءاتي السياسية على زيارة المخابر ومراكز البحث العلمي والجامعات، وزرت شركة «مايكروسوفت» والبنك العالمي.
كما سعيت للدعوة للاستثمار في المجال السياحي وتبليغ رسالة طمأنة للشركات السياحية التي تعمل مع تونس.
* كلامكم مطمئن يعكس هدوءا في الأوضاع، لكن ما الهاجس الذي يخيفكم بالفعل؟
- كان الإرهاب من أهم الهواجس التي تشغلنا لكن الآن حققنا تقدما كبيرا، فبعد أن نزل إلى مدننا تمكنا من إبعاده، ونحن الآن في موقع قوة، وموقع متقدم فنحن من يطارد الإرهابيين في مخابئهم، لكن هذا لا يمنع أننا يجب أن نبقى يقظين، في البداية فوجئنا به وساعدت الظروف الإقليمية على وصول الإرهاب إلى تونس، ولكن الآن نحن واعون جدا بهذا الخطر ونعمل على تأسيس مخطط واضح وهيكلي لمقاومته ومحاصرته.
* الكثير يقال عن أن كل ما تقومون به يدخل في إطار الاستعداد للترشح للانتخابات الرئاسية القادمة، هل هذا صحيح؟
- تريدين أن أجيبك جوابا واضحا؟
* بالتأكيد.
- لا.. «نو».. «نيينتي» بكل اللغات: لا لن أترشح للرئاسة، أنا عندي مهمة، ثم عائلتي، أتمنى أن يوفقني الله وتسير البلاد في سلام نحو انتخابات تُكون حكومة مستقرة، ونتقدم بها في المجال الأمني وتكون ذات كفاءات.
وأريد أن أقول للجميع إن تونس أرض منفتحة.. أرض يحلو فيها العيش، وهي اليوم أكثر أمنا، وتزخر بفرص الاستثمار وميزتها أنها في تقاطع مفترق نحو ثلاثة اتجاهات: ما بين أوروبا، لأنها أول شريك في شمال أفريقيا، ونحن جزء من العالم العربي الإسلامي.. إنها الأرضية المثلى للاستثمار.



وزيرة الخارجية اليمنية: علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»
وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»
TT

وزيرة الخارجية اليمنية: علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»
وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»

ما نوع العلاقة بين الحوثيين وإيران؟ سألت «الشرق الأوسط» أفراح الزوبة، أول امرأة تتوسد وزارة الخارجية اليمنية، فأجابت بالقول: «أستخدم تعبير التخادم؛ لأنه يصف العلاقة بصورة أدق».

وفي أول حوار تُجريه منذ تولّيها الحقيبة المثخنة بالتحديات، تقول الزوبة إن الحوثيين «ليسوا مجرد أداة بلا مشروع محلي، وفي الوقت نفسه لا يمكن فصل ما أصبحوا عليه عن علاقتهم العميقة والمتراكمة مع إيران».

تمعن الوزيرة في الوصف وتقول إن الجماعة «ليست مجرد ذراع؛ بل كتلة تهديد قائمة بذاتها، تتقاطع مصالحها مع المشروع الإيراني حيثما يخدم ذلك توسيع نفوذها وفرض الأمر الواقع».

وتكمل بالقول: «نحن أمام جماعة إرهابية تحمل مشروعاً آيديولوجياً وسياسياً في الداخل، يقوم على العنف المحض وخرافة الاصطفاء السلالي التمييزي والعنصري تجاه المجتمع اليمني، وتعتقد بأحقّيتها المطلقة في الحكم والثروة، وتسخير قوى الشعب وفئاته لخدمة مشروعها، وإرساء نظام حكم ثيوقراطي شديد الانغلاق والانعزالية ومُعادٍ لقيم المواطنة والحريات والكرامة الإنسانية».

شرح «التخادم»

عند حديثها عن «التخادم» الحوثي الإيراني، تشرح الزوبة قائلة إن «(الحوثي) يستفيد من إيران لتعزيز مشروعه في الداخل، وإيران تستفيد من (الحوثي) وموقع اليمن الاستراتيجي كأداة نفوذ وضغط في الإقليم».

لكن هذا «التخادم»، وفق الوزيرة، «لم يعد مقتصراً على العلاقة مع إيران»، وتعلل ذلك قائلة: «توسعت الحوثية الإرهابية بالتعاون وتبادل المصالح مع عناصر وتنظيمات إرهابية وشبكات تهريب مرتبطة بالساحة اليمنية، ومع جماعات إرهابية في القرن الأفريقي وجماعات مسلّحة في العراق، بما يعكس تشابكاً متزايداً في المصالح والأدوات ومسارات التهريب، ويضاعف من طبيعة التهديد العابر للحدود».

وتظهر خطورة ذلك، والحديث للزوبة، في محاولات تحويل اليمن وموقعه الجغرافي إلى منصة لتهديد دول الجوار والسفن والموانئ والممرات البحرية، وصولاً إلى استهداف ميناء المخا، وتحويل البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن إلى ساحات للضغط والابتزاز.

وترى الوزيرة أن هذا السلوك «يدفع اليمن إلى صراعات لا تخدم مصالح شعبه، ويهدد أمن واستقرار المنطقة والملاحة الدولية».

مسار التصعيد

خلال الأيام الأخيرة، اتسعت دائرة التصعيد الحوثي من استهداف القوات المسلّحة في مأرب وحضرموت إلى مخيّمات النازحين والأعيان المدنية في مأرب والمخا، وامتدت الاعتداءات إلى نجران في المملكة العربية السعودية، بالتوازي مع تجدد التهديد للسفن والممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب.

وعندما سألت «الشرق الأوسط» الوزيرة عما إذا كانت تنظر إلى هذه التطورات بوصفها حوادث متفرقة أم مسار تصعيد واحداً، أجابت: «لا أتعامل معها بوصفها حوادث منفصلة».

وتشرح: «عندما تُستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة ضد قوات الدولة، ثم تمتد الاعتداءات إلى المدنيين والنازحين، ومنشآت ومرافق مدنية واقتصادية حيوية، وإلى المملكة العربية السعودية، وتتزامن مع تهديد السفن والممرات البحرية، فنحن أمام نمط واحد يتسع جغرافياً ويضغط على أكثر من جبهة في الوقت نفسه».

وتلفت الزوبة إلى أن التصعيد جاء في وقت كانت فيه الجهود السياسية لا تزال قائمة، وفي مقدمتها جهود المملكة العربية السعودية للعودة إلى المسار السياسي.

وتضيف أنه «لا توجد أسباب أو تطورات داخلية تفسر هذا التصعيد»، وعدَّت أن السياق الإقليمي يكشف عن «تصعيد إيراني واضح»، تجلَّى، وفق قولها، في إرسال طائرتين إيرانيتين إلى مطاريْ صنعاء والحديدة، دون موافقة الحكومة اليمنية، ومحاولات إيران المتكررة لتوظيف البحر الأحمر «كساحة للضغط والإضرار بالتجارة الدولية والاقتصاد العالمي».

ومن هنا، ترى وزيرة الخارجية أن الاعتداءات الأخيرة ينبغي أن تُقرأ «في سياقها الأوسع، لا بوصفها أحداثاً منفصلة أو عابرة».

أفراح الزوبة أول امرأة تتوسد وزارة الخارجية اليمنية (الشرق الأوسط)

«حق الدولة السيادي»

لكن كيف تتعامل الحكومة مع هذا التصعيد؟ وهل يعني الرد العسكري الذي أعلنته القوات المسلّحة، إلى جانب رفع مجلس الدفاع الوطني الجاهزية، أن الحكومة انتقلت من الاحتواء إلى مسار عسكري جديد؟

تجيب الزوبة بأن «المبدأ السياسي والقانوني واضح: للدولة حق سيادي ومشروع في الدفاع عن مواطنيها وقواتها ومؤسساتها، واتخاذ الإجراءات الضرورية والمتناسبة لردع الاعتداءات».

أما القرار العسكري تحديداً، فتشير الزوبة إلى أن مجلس الدفاع الوطني «في حالة انعقاد مستمر للتعامل مع الموقف»، وأنه وضع استعادة مؤسسات الدولة وحماية السيادة في صدارة الأولويات، ووجّه القوات المسلّحة بالرد على مصادر النيران والتعامل مع اعتداءات الحوثيين.

وتقول إن ذلك «جزء من مسؤولية الدولة في حماية حدودها وموانئها ومواطنيها ومنع تعرضها لابتزاز متكرر».

ومع ذلك تؤكد الزوبة أن موقف الدولة في جوهره لم يتغير، وتُلخصه في «إنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، والعودة إلى المسار الذي سعت إليه الدولة، وصولاً إلى حل سياسي حقيقي ومستدام».

وترفض الوزيرة وجود تناقض بين الردع والتسوية، قائلة: «لا أرى تناقضاً بين حماية الدولة لنفسها وبين الحل السياسي. على العكس، لا يمكن الوصول إلى حل مستدام من موقع يسمح باستمرار الاعتداءات بلا كلفة. نحن نريد حلاً سياسياً، لكن في ظل دولة قادرة على حماية مواطنيها وسيادتها ومؤسساتها».

السلام والردع

بعد اثنيْ عشر عاماً من التجارب والهُدن والمفاوضات، أما زال الحل السياسي ممكناً؟ وهل شجعت سياسة احتواء الحوثيين الجماعة على مزيد من التصعيد؟

تقول الزوبة إن الأمل سيظل قائماً في إنهاء «هذا الكابوس الذي يعيشه اليمنيون منذ اثني عشر عاماً بطريقةٍ تحقن دماءهم وتحمي مقدّراتهم».

وتستعيد الوزيرة مساراً طويلاً يمتد من الحوار الوطني إلى مفاوضات الكويت واتفاق ستوكهولم ومبادرات التهدئة اللاحقة، وتقول إن الحكومة خاضت هذه المسارات «بحثاً عن مَخرج يعيد البلد إلى الاستقرار».

لكن التجربة مع الحوثيين، وفقاً للزوبة، أظهرت نمطاً متكرراً منذ الحروب الست، «في أكثر من محطة، كلما وجدت الجماعة نفسها تحت الضغط، اندفعت نحو التهدئة، ثم ما لبثت أن أعادت بناء قوتها وعززت قدراتها وعادت إلى الهجوم».

ومن هنا، ترى الزوبة أن «سياسة الاحتواء، عندما لا تقترن بعواقب وكلفة واضحة مترتبة على خرق الالتزامات، قد تُفهَم على أنها سماح بالمزيد».

وتضيف أن الحكومة والشعب «يتوقان إلى الخلاص من هذه المعاناة»، مشيرة إلى ما يواجهه المواطنون في مناطق سيطرة الحوثيين من الحرمان والقتل خارج القانون والاعتقالات التعسفية والتجنيد الإجباري، وإلى استهداف المنشآت النفطية ومصادر الدخل في المناطق الخاضعة للحكومة.

وتختصر الزوبة رؤيتها بالقول: «نريد سلاماً حقيقياً تدعمه أدوات ضغط وردع وآليات تنفيذ ومساءلة؛ تهدئة تقود إلى حل، لا فرصة لإعادة التموضع والتسليح».

البحر الأحمر... حماية السفن لا تكفي

وفي ملف البحر الأحمر، ترى وزيرة الخارجية أن موقع اليمن الجغرافي يمنحه مسؤولية كبيرة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، مشددة على أن هذه الممرات «ليست شأناً يمنياً أو إقليمياً فحسب؛ بل هي شرايين للتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد حول العالم».

وتنظر الحكومة اليمنية، وفق الزوبة، إلى «التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات» الذي أطلقته السعودية، بوصفه «خطوة مهمة»؛ لأنه ينقل حماية الملاحة «من ردود متفرقة إلى تعاون مؤسسي» يشمل حماية السفن وتبادل المعلومات ورفع الوعي البحري والتدريب وتعزيز القدرة على التعامل مع التهديدات.

لكنها تستدرك: «حماية السفينة في عرض البحر وحدها لا تكفي إلى ما لا نهاية، إذا بقيت مصادر التهديد على اليابسة والسواحل خارج سلطة الدولة».

وبالنسبة إلى الزوبة، فإن «الجزء المستدام من الحل» يكمن في تمكين الحكومة اليمنية من بسط سلطتها على سواحلها وموانئها ومياهها الإقليمية، وتعزيز خفر السواحل والقوات البحرية وأمن الموانئ ومكافحة التهريب.

وتضيف: «اليمن تاريخياً كان نقطة عبور وتجارة وتواصل مع العالم، ومن الظلم أن يُختزل موقعه اليوم في صورة مصدر تهديد، بدلاً من أن يعود جسراً للتجارة والاستقرار».

من حوار وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة مع الزميل بدر القحطاني (الشرق الأوسط)

ماذا يريد اليمن من العالم؟

تقر الزوبة بأن المجتمع الدولي أصبح أكثر فهماً لطبيعة السلوك الحوثي، وتقول إن الحكومة تُقدر المواقف الدولية الأخيرة، بما فيها ما صدر عن مجلس الأمن ودول ومنظمات إقليمية ودولية، خصوصاً ما يتعلق بسيادة اليمن وحق الحكومة في إدارة مجالها الجوي ومنافذها ورفض الاعتداءات على السعودية والسفن التجارية.

لكنها تشدد على أن «قيمة الموقف السياسي تظهر عندما يُترجم إلى تنفيذ».

وتُحدد الوزيرة ما تريده الحكومة عملياً فيما يلي: «تطبيق فعلي لقرارات مجلس الأمن ونظام الجزاءات وحظر السلاح، وإغلاق مسارات تهريب الصواريخ والطائرات المسيّرة والمكونات ذات الاستخدام المزدوج والخبرات التقنية، ومساءلة الشبكات التي تُموّل أو تُسهّل هذه الأنشطة».

وتضيف إلى ذلك ضرورة بناء قدرات الدولة اليمنية، خصوصاً خفر السواحل والأجهزة المختصة وأمن الموانئ.

وتقول الزوبة: «لا نطلب من العالم أن يقاتل نيابةً عنا»، وإنما ألا يُطلب من الدولة التخلي عن مسؤوليتها في حماية مواطنيها ومقدَّراتها وسيادتها، «بينما تبقى كلفة الانتهاك شِبه معدومة». وتضيف: «كل تجاوز بلا كلفة يشجع التجاوز الذي يليه».

ولا تقف مطالب الحكومة عند الجانب الأمني، إذ تجدد الزوبة طلباً تقول إن الحكومة ترفعه منذ نصف عقد يتعلق بـ«تصحيح طريقة الدعم الدولي والمساعدات الموجهة للشعب اليمني»، بحيث تنتقل من «دعم دوري لتسكين أعراض الأزمة الإنسانية» إلى معالجة جذورها عبر دعم مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على أداء وظائفها.

اليمنيون ليسوا أوراق تفاوض

وراء ضجيج الصواريخ والسياسة، تلفت وزيرة الخارجية إلى الجانب الإنساني، وتقول إن ملايين اليمنيين يعيشون ظروفاً شديدة القسوة، وإنه «لا يجوز أن يتحولوا إلى أدوات ضغط أو رهائن بيد الميليشيا الحوثية في حسابات سياسية وعسكرية».

وتضيف: «عندما يُستهدف نازح اضطر أصلاً إلى مغادرة بيته في مدينة مأرب، أو يُحتجز موظف أممي يعمل لخدمة الناس، أو تتعطل لقاحات الأطفال والمساعدات، فنحن أمام كلفة إنسانية تتجاوز المقاربة السياسية».

وتتهم الزوبة الحوثيين بالسيطرة على الموارد وعرقلة العمل الإنساني واحتجاز الموظفين وتعطيل وصول اللقاحات وتحويل هذه الملفات إلى وسائل ضغط على المواطن. وتشدد بالقول إن «الملفات الإنسانية حقوق وليست أوراق تفاوض أو ابتزازاً».

لكنها تربط، في الوقت نفسه، المعالجة المستدامة للأزمة باستعادة الدولة، قائلة إن «المساعدة تستطيع تخفيف الألم، لكنها لا تستطيع أن تحل محل دولة تؤمّن التعليم والصحة والرواتب وتحمي المواطنين».

ثلاثة اتجاهات لـ«الخارجية»

بعيداً عن ملفات الحرب، سألت «الشرق الأوسط» الوزيرة عما تريد أن يلمسه اليمنيون في عمل الخارجية، خلال المرحلة الأولى من تولّيها المنصب.

وتُحدد الزوبة ثلاثة اتجاهات رئيسية؛ أولها «توفير الإمكانات اللازمة للدبلوماسية اليمنية حتى تقوم بدورها وتواكب الفعل السياسي للدولة».

وتقول: «وزارة الخارجية هي قناة الاتصال الأساسية مع العالم، ولذلك يجب أن تكون طواقمها في الداخل والخارج قادرة على نقل سياسة الدولة والدفاع عن مصالحها».

أما الاتجاه الثاني فهو خدمة اليمنيين في الخارج، إذ تلفت إلى وجود جاليات يمنية كبيرة، وتقول: «هم ليسوا ملفاً قنصلياً فحسب؛ هم جزء من الاقتصاد الوطني، وسفراء يوميون لليمن، وتحويلاتهم بمليارات الدولارات سنوياً تسند ملايين الأُسر».

والاتجاه الثالث يتعلق بـ«تحسين البنية المؤسسية داخل الوزارة واستكمال الإصلاحات التي بدأت في المرحلة السابقة».

في هذا السياق، تُسجل الزوبة تقديرها للدكتور شائع الزنداني، الذي قاد الوزارة في المرحلة السابقة، وتقول إن العمل الدبلوماسي «بطبيعته عمل تراكمي تتكامل فيه جهود مَن تعاقبوا على المسؤولية».

وتوضح رؤيتها للوزارة: «أريد وزارة تعمل كمنظومة واحدة، بكادر مهني، ورسالة موحدة، وآليات واضحة للتقييم والمساءلة، بحيث تعكس السياسةَ الخارجية للدولة لا اجتهادات متفرقة».

رواتب الدبلوماسيين والتعيينات

وعن الملف الحساس المتعلق بتأخر رواتب الدبلوماسيين وأوضاع البعثات والتعيينات، تعبر الزوبة عن اعتزازها بالطاقم الدبلوماسي اليمني الذي عمل، كما تقول، «طوال هذه السنوات في ظروف بالغة الصعوبة، وظلّ إحدى جبهات الدولة في الخارج».

وتضيف: «من غير المنصف أن نتحدث عن دبلوماسية فاعلة دون أن نهتم بالأوضاع المهنية والمعيشية لمن يحملون هذه المسؤولية».

وتكشف أنها تعمل مع رئيس مجلس الوزراء والقيادة السياسية على «حلحلة الإشكالات المتراكمة والبحث عن المعالجات الممكنة لتحسين الوضع المالي للكادر والبعثات».

لكنها تتجنب تقديم موعد محدد للحل: «هذا ملف مرتبط بإمكانات الدولة، لذلك لن أقدم مواعيد أو وعوداً غير مضمونة، لكنني أستطيع أن أؤكد أنه في صدارة اهتمامنا».

أما التعيينات فتصفها بأنها «عملية طبيعية في أي سلك دبلوماسي»، لكنها تحتاج في الظروف الحالية إلى «دراسة وتأنٍّ».

وتُحدد أربعة معايير لهذا الملف: «الكفاءة والحاجة والأداء والمصلحة الوطنية»، مع الالتزام بالقوانين واللوائح وعدم حِرمان المستحقين وربط التعيينات باحتياجات الوزارة والبعثات.

«اليمن فرصة وليس مشكلة»

تريد الزوبة تغيير الطريقة التي يقدم بها اليمن نفسه إلى العالم، وتقول إن الحرب والأزمتين الإنسانية والاقتصادية تمثل تحديات لا يمكن إنكارها، «لكن اليمن يظل فرصة ودولة واعدة للأشقاء والأصدقاء».

وتُعدد ما يمتلكه البلد: «موقع استراتيجي، ومجتمع شاب، وموارد وإمكانات، وممرات بحرية حيوية، وتاريخ طويل من التجارة والتواصل».

وتضيف: «الدبلوماسية ينبغي ألا تذهب إلى العالم فقط لتشرح ماذا نحتاج، بل أيضاً ماذا يمكن أن يقدم اليمن كشريك».

وتطمح الوزيرة إلى نقل العلاقة مع الأشقاء والأصدقاء «من إدارة الأزمة إلى بناء شراكات في الأمن البحري، والتجارة، والطاقة، والاستثمار، والتعافي وإعادة الإعمار، وبناء القدرات».

وتضع في مقدمة هذه العلاقات الشراكة مع السعودية ودول مجلس التعاون، «بحكم الجغرافيا والمصالح والأمن المشترك»، إلى جانب علاقات متوازنة مع بقية الدول الصديقة.

وتختصر الزوبة الصورة التي تريد للدبلوماسية اليمنية أن تقدمها: «كلما كانت الدولة اليمنية أقوى وأكثر استقراراً، أصبح اليمن قيمة مضافة لأمن المنطقة، لا عبئاً عليها... لا نتحدث عن اليمن كمشكلة دائمة، بل كفرصة ونقطة ارتكاز للاستقرار والتعاون».

«اليمن أكبر من هذه السنوات الصعبة»

وعند سؤالها عن رسائل تُوجهها إلى اليمنيين في الداخل والخارج: «اليمن أكبر من هذه السنوات الصعبة»، قالت الوزيرة: «نحن دولة عربية عريقة، وشعب عُرف تاريخياً بالتجارة والانفتاح والتواصل واحترام المجتمعات التي يعيش فيها».

أما في الداخل فترى أن الأولوية هي «استعادة فكرة الدولة قبل أي شيء»، وتُحدد ملامحها بأنها دولة «تحمي المواطن، وتحتكر السلاح والقرار السيادي، وتقوم على القانون والمواطنة المتساوية، وتعيد الموارد إلى خدمة الناس».

وتُشدد على أن خلافات اليمنيين السياسية «ينبغي ألا تجعلهم يختلفون على هذه الأسس».

أما رسالتها إلى الخارج فتختصرها بالقول: «نريد أن نستعيد مكان اليمن الطبيعي كدولة ذات سيادة وصاحبة حضارة عريقة، وأن تعكس دبلوماسيتنا صورة شعب قادر على البناء والتواصل والمساهمة في استقرار محيطه، لا أن يبقى اليمن أسيراً لصورة الأزمة وتداعياتها».


انقلابيو اليمن يطاردون «عقال الحارات» بعصا التجنيد والجباية

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

انقلابيو اليمن يطاردون «عقال الحارات» بعصا التجنيد والجباية

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

صعّدت الجماعة الحوثية من ضغوطها الأمنية على مسؤولي المربعات السكنية في العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، المعروفين محلياً باسم «عقال الحارات»، وذلك باعتقال أكثر من 30 منهم، وإقصاء نحو 23 آخرين، على خلفية اتهامهم بالإخفاق في تنفيذ مهام التجنيد والتعبئة وجمع المعلومات والتبرعات من السكان.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن عناصر تابعة لما يُسمَّى جهاز «استخبارات الشرطة» كثفت، خلال الأيام الأخيرة، حملة استدعاءات وتحقيقات طالت مسؤولين محليين ومشرفين ميدانيين في عدد من أحياء مديريات الثورة وبني الحارث والسبعين، قبل أن تنتهي باحتجاز 30 مسؤولاً وإقصاء 23 آخرين.

وبحسب المصادر، سبقت الاعتقالات عملية استدعاء لنحو 53 مسؤولَ حيٍّ ومشرفاً ميدانياً، للتحقيق في نتائج ما تسميه الجماعة «التقارير الميدانية»؛ خصوصاً ما يتعلق بمستويات استقطاب مقاتلين جدد، وجمع الأموال والمساعدات العينية، إلى جانب المعلومات المتعلقة بالسكان.

طلبة مدارس جندهم الحوثيون خلال استعراض في صنعاء (إ.ب.أ)

وأوضحت المصادر أن الجماعة حمّلت مسؤولي الأحياء مسؤولية التراجع في عمليات الحشد والتجنيد، وعدم تحقيق حصص محددة من المجندين والتبرعات، في وقت تسعى فيه إلى توسيع قاعدة التجنيد وتعزيز الموارد المخصصة لأنشطتها العسكرية.

وقال أحد مسؤولي الأحياء في صنعاء (طلب عدم كشف هويته لدواعٍ أمنية) إن مشرفي الجماعة كثفوا، خلال الأيام الماضية، ضغوطهم على مسؤولي الأحياء لتحقيق أعداد محددة من المجندين وجمع مبالغ مالية، مشيراً إلى أن الفشل في تنفيذ تلك التوجيهات يعرّض المسؤول للإقصاء أو الاستدعاء والتحقيق والاحتجاز.

وأضاف مصدر محلي آخر أن التحقيقات ركزت على أسباب تراجع عمليات الاستقطاب والتجنيد، ومستوى التحصيل المالي، فضلاً عن مدى تنفيذ مهام مراقبة السكان وجمع المعلومات عنهم.

وتزامنت هذه الإجراءات مع تصاعد حملات جمع التبرعات في أحياء صنعاء؛ حيث كثَّف مشرفو الجماعة زياراتهم إلى الأحياء والأسواق، وحضّوا السكان والتجار على تقديم مساهمات مالية وعينية تحت اسم دعم «المجهود الحربي»، وسط استياء متزايد بين الأهالي.

تضييق أمني على الأحياء

أكدت المصادر أن حملة الاعتقالات والإقصاء في أوساط «عقال الحارات» أثارت مخاوف محلية من اتساع نطاقها لتشمل مسؤولين آخرين في مناطق مختلفة من العاصمة المختطفة، خصوصاً مع استمرار الجماعة في تشديد قبضتها الأمنية والإدارية على السكان.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن تشديد الإجراءات بحق مسؤولي الأحياء يعكس حجم الضغوط التي تواجهها الجماعة في ملفَّي التجنيد والموارد المالية، ومحاولتها تحميل ممثليها المحليين مسؤولية ضعف الاستجابة الشعبية لحملات التعبئة والجباية.

أشخاص يستقلون الجزء الخلفي من شاحنة صغيرة في أحد شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

وتعد شبكة مسؤولي الأحياء والوجهاء والمشرفين إحدى الأدوات التي تعتمد عليها الجماعة في إدارة علاقتها بالسكان، ومراقبة الأحياء، وتنفيذ عمليات الحشد والتجنيد وجمع الأموال.

وبحسب المصادر، يتعرَّض هؤلاء المسؤولون لضغوط متواصلة لاستقطاب السكان، بمن فيهم المراهقون، إلى صفوف الجماعة، فضلاً عن دفعهم للمشاركة في دورات عسكرية وتحصيل الأموال لصالح أنشطتها.

حملة متكررة

لا تُعدّ الإجراءات الحالية الأولى من نوعها؛ إذ سبق للجماعة الحوثية أن أقصت، في منتصف مارس (آذار) من العام الماضي، نحو 52 مسؤول حيّ و«عاقل حارة» في صنعاء، واحتجزت عدداً آخر، بدعوى عدم تنفيذ مهام استقطاب مجندين جدد وجمع التبرعات من السكان، وفق مصادر محلية.

عنصر حوثي يقف بالقرب من مطار صنعاء (إ.ب.أ)

وتزامنت تلك الحملة مع إخضاع نحو 90 مسؤول حي في صنعاء وضواحيها لدورات ذات طابع عقائدي، ضمن ما سمَّته الجماعة حينها «برنامجاً فكرياً»، بإشراف شخصيات دينية مقربة من زعيمها، عبد الملك الحوثي.

وتشير الإجراءات المتكررة إلى استمرار الجماعة في استخدام مسؤولي الأحياء كحلقة وصل أمنية وتنظيمية بينها وبين السكان، مع تحميلهم بصورة متزايدة مسؤولية تنفيذ أهدافها في التجنيد والتعبئة والجباية ومراقبة المجتمع.


الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
TT

الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)

تهيمن التطورات بالمنطقة وتعزيز التعاون الثنائي، على زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الخميس، إلى مصر، والتي تشمل لقاءات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي.

تلك الزيارة التي أعلنت عنها وسائل إعلام تركية رسمية، ستدفع، حسب خبراء بمصر وتركيا تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، العلاقات بين البلدين نحو شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز التنسيق السياسي إلى آفاق أوسع.

وسيلتقي فيدان نظيره المصري بمدينة العلمين شمال البلاد، للبحث في التطورات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الحرب الإيرانية-الأميركية، والأوضاع الليبية، والصراع في السودان، وكذلك تطورات قطاع غزة، بحسب وسائل إعلام تركية رسمية.

وتأتي الزيارة بعد حديث فيدان قبل أيام، عن أن مصر قد تنضم مستقبلاً إلى «اتفاقية مكة» للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، المبرمة الجمعة الماضي، مؤكداً، أنه «لا يوجد ما يمنع القاهرة من المشاركة في الاتفاقية».

اجتماع سابق بين وزيري خارجية مصر وتركيا في أنقرة (الخارجية المصرية)

كما يناقش فيدان وعبد العاطي التطورات في غزة وسوريا وليبيا والسودان وشرق المتوسط، إلى جانب الوضع في الخليج ومضيق هرمز، بحسب ما نقله تلفزيون «تي أرت» التركي الأربعاء، عن مصادر بالخارجية التركية.

ومن المنتظر أن يؤكد فيدان، خلال زيارته التي تستمر الخميس والجمعة، دعم تركيا للجهود الدبلوماسية الرامية إلى إعادة تثبيت وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران وإعادة فتح مضيق هرمز، فضلاً عن ضرورة وقف الهجمات على غزة، وتطبيق وقف إطلاق النار بشكل كامل وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، بحسب المصدر التركي.

ويرى الخبير المصري في الشؤون الإقليمية، كرم سعيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي في سياق مجموعة من التطورات المهمة، على رأسها استمرار المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة عبر وسطاء، مشيراً إلى وجود اتفاق مصري تركي على ضرورة دفع هذه المفاوضات، والعمل المشترك لمحاولة إنهاء الحرب الجارية في المنطقة، لما لها من انعكاسات مباشرة على كلا البلدين.

وفيما يخص الشأن الفلسطيني، أكد سعيد، أن الزيارة ستشهد تعزيزاً وتوسيعاً للتنسيق المصري التركي المتعلق بإدارة المشهد في قطاع غزة والضفة الغربية، خاصة في ظل عودة الاستهداف الإسرائيلي للقطاع وتوسع حركات الاستيطان في الضفة.

ولفت، إلى أن الملف الليبي سيكون حاضراً بقوة في ظل توافق مصري تركي على ضرورة بناء دولة ليبية موحدة، بخلاف التوترات في منطقة البحر الأحمر، بما في ذلك مساعي إسرائيل لإقامة قواعد عسكرية في منطقة «أرض الصومال»، بالإضافة إلى تحركات جماعة الحوثي.

البحر الأحمر

وبرأي المحلل السياسي التركي، طه عودة أوغلو، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، فإن الملف الأول على طاولة المباحثات «هو تنسيق الجهود المشتركة لوقف الحرب الدائرة في قطاع غزة، ودعم المسار السياسي، وضمان إدخال المساعدات الإنسانية، فضلاً عن الملف الليبي الذي يشهد تنسيقاً عالي المستوى بين مصر وتركيا تجاه ملفات المنطقة، بخلاف أزمة الملاحة في هرمز وأمن البحر الأحمر».

وعلى مستوى العلاقات الثنائية، أفادت مصادر بوزارة الخارجية التركية الأربعاء، أن فيدان وعبد العاطي سيترأسان الاجتماع الثاني لمجموعة التخطيط المشتركة بين تركيا ومصر، بمشاركة مسؤولين من الجهات المعنية في البلدين.

ويناقش اللقاء مخرجات الاجتماع الثاني لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي» رفيع المستوى الذي عقد في القاهرة في 4 فبراير (شباط) الماضي، إلى جانب التحضيرات للاجتماع الثالث للمجلس المقرر عقده في تركيا عام 2028، ومن المقرر أيضاً أن يلتقي فيدان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بحسب المصدر التركي.

ومن المتوقع أن تتناول المباحثات سبل تطوير العلاقات التركية المصرية في المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والعسكرية، ومراجعة الاتفاقيات الجاري التفاوض بشأنها، إلى جانب تعزيز الاستثمارات المتبادلة وزيادة حجم التجارة الثنائية إلى 15 مليار دولار، مقارنة بنحو 8 مليارات دولار في 2025.

وتأسست مجموعة التخطيط المشتركة التركية-المصرية عام 2024 بهدف التحضير لاجتماعات «مجلس التعاون الاستراتيجي» وتعزيز التنسيق بين البلدين في مختلف مجالات التعاون، بينما عقد اجتماعها الأول في تركيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 برئاسة وزيري خارجية البلدين.

وعلى الصعيد الثنائي، وصف كرم سعيد، الجانب الاقتصادي بأنه «محور مهم وتقليدي في كافة اللقاءات رفيعة المستوى، ويتوقع أن تتجه العلاقات نحو شراكة استراتيجية شاملة تتجاوز التنسيق السياسي إلى آفاق أوسع».

ويتفق أوغلو مع سعيد، ويقول، إن زيارة فيدان إلى القاهرة تتجاوز البعد السياسي لتشمل أبعاداً أمنية واقتصادية واضحة جداً، مؤكداً أن الاقتصاد أصبح إحدى الركائز الأساسية للعلاقة بين أنقرة والقاهرة.