رياح الحروب تقفل أبواب المدارس... فأي مستقبل للأطفال العرب؟

طفلتان سوريتان تظهر عليهما آثار الصدمة والغبار بعد القصف (رويترز)
طفلتان سوريتان تظهر عليهما آثار الصدمة والغبار بعد القصف (رويترز)
TT

رياح الحروب تقفل أبواب المدارس... فأي مستقبل للأطفال العرب؟

طفلتان سوريتان تظهر عليهما آثار الصدمة والغبار بعد القصف (رويترز)
طفلتان سوريتان تظهر عليهما آثار الصدمة والغبار بعد القصف (رويترز)

ستة أعوام على الربيع العربي الذي رسمه الشباب بأحلامهم بغية اختراق ما يرونه أفقاً مسدوداً، هذه الأحلام التي تعاملت معها بعض الأنظمة المكرسة بعنف عبر السجون والمعتقلات، بل ودون تردد عبر تلوين فصولها باللون الأحمر.
وفي منطقة عربية مشتعلة بالثورات وتداعياتها، وفي ظل تصدع مؤسسات تلك الدول التي شهدت ثورات الربيع العربي، يظهر أن المؤسسات التعليمية هي من بين القطاعات الأكثر تأثراً، فقد وصلت بعض البلاد إلى عجز عن تقديم الخدمات التعليمية، وارتفاع معدلات تسرب الأطفال من المدارس، مع انخراطهم في الصراع الداخلي، أو نزوحهم إلى دول الجوار مع عائلاتهم، وعدم قدرتهم على الحصول على الخدمات التعليمية في مخيمات اللاجئين.
ومما لا شك فيه أن أطفال الدول التي تعاني من الحروب، مثل سوريا والعراق واليمن، الذين يقدر عددهم بالملايين، كانوا أكثر الفئات تضرراً في المجتمع، بعد أن حرمتهم الحرب الدائرة من أبسط حقوقهم (التعليم)، الأمر الذي كان له تأثيرات عميقة على نفسياتهم واستعدادهم لاستقبال تحديات المستقبل، في ظل أجواء القتال المستعرة بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية.

* التسرب من المدارس
أكد تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للأمومة والطفولة (اليونيسيف) في 3 سبتمبر (أيلول) 2015، بعنوان «التعليم تحت النار»، أن الصراعات الداخلية في منطقة الشرق الأوسط منعت ما لا يقل عن 13.4 مليون طفل من تلقي التعليم في المدارس في كلٍّ من سوريا والعراق واليمن وليبيا وجنوب السودان، بما يعادل نسبة 40 في المائة من إجمالي عدد الأطفال في سن الدراسة في هذه الدول.
وتتفاوت معدلات التسرب من التعليم من دولة لأخرى، حيث تصل إلى 3.1 مليون طفل في السودان، و3 ملايين طفل في العراق، و2.9 مليون طفل في اليمن، و2.7 مليون طفل في سوريا ومناطق تمركز اللاجئين السوريين في الأردن ولبنان وتركيا ومصر، ومليوني طفل في ليبيا.
وقال بيتر سلامة المدير الإقليمي لليونيسيف، إنه ليس على سبيل المصادفة أن ما يظهر في اللقطات التلفزيونية، وهذه الصور المفزعة لأشخاص يعبرون البحر في قوارب إلى اليونان وإيطاليا، ينبع إلى حد بعيد من الصراع السوري والصراع في العراق. وأضاف أن «اللاجئين يقولون كثيراً إن تعليم أطفالهم هو الأولوية القصوى بالنسبة لهم، وإن دولاً كثيرة بالمنطقة لا يمكنها ببساطة توفير هذا الحق الإنساني الأساسي».
وأوضح سلامة أن نسبة الأطفال المحرومين من التعليم في هذه الدول قد تصل إلى 50 في المائة من مجموع الأطفال في سن التعليم بسبب استمرار تدهور الأوضاع.

* التداعيات النفسية على الأطفال
تفيد الاختصاصية في علم نفس الطفل ريهام منذر بأن الحروب عادة ما تسبب صدمة نفسية لدى الأطفال، تعرف بـ«Post Traumatic Stress Disorder»، وتؤدي هذه الحالة المرضية إلى أمراض جسدية، سببها نفسي. وتشرح منذر: «عندما يعيش الأطفال نزاعات مسلحة، وحروباً قتالية، من الطبيعي أن تسبب لهم هذه الأحداث عقداً نفسية تدفعهم تجاه تصرفات عدائية عنفية. كما أنها تسبب مشكلات بالأكل والنوم، واضطرابات غذائية صحية».
وتكمل منذر، قائلة: «نادراً ما يعود الأطفال الذين عانوا من الحروب إلى مقاعد الدراسة، وذلك بسبب الفجوة الأكاديمية التي تتسع مع مرور السنوات، مثل ما يحدث حالياً في بعض مناطق عالمنا العربي. فيجد الطفل نفسه أكبر من مستواه الأكاديمي بالعمر الزمني، ويفقد الطموح والحماس لإكمال مسيرته التعليمية».
وتشرح منذر، طارحة مثال أزمة عمالة الأطفال: «فالحرب السورية دفعت كثيرًا من الطلاب إلى ترك مدارسهم، والبحث عن عمل بغية مساعدة ذويهم في تحمل تكاليف العيش؛ وهؤلاء الأطفال نادراً ما يهتمون بالعلم بعد أن دخلوا سوق العمل من أضيق أبوابه».
وتقول منذر إن معظم المدارس المخصصة لتعليم اللاجئين دون المستوى المطلوب، وأعطت مثالاً «مدارس بعد الظهر اللبنانية» التي تؤمن، بحسب وصف منذر، «صفوفاً لمحو الأمية، ليس إلا». كما تفتقد هذه المدارس لاختصاصيين نفسيين، رغم أن الأطفال اللاجئين هم الأكثر حاجة لمعالجة ومتابعة نفسية، وفقاً لمنذر.
وأكدت اليونيسيف أن الأطفال الذين يحرمون من التعليم قد ينتهي بهم الحال إلى القيام بأعمال غير مشروعة، وكثيراً ما يصبحون هم من يعيلون أسرهم، ويصبحون عرضة للاستغلال، ومن الممكن أن يتم تجنيدهم في الجماعات المسلحة بسهولة أكبر.
كما لفت التقرير إلى أن العالم بصدد فقدان جيل كامل من الأطفال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأنه يجب التحرك بشكل عاجل، وإلا سيلحق ضرر على المدى البعيد بالأطفال في المنطقة، ويتعذر تغييره.

* ما طرق إعادة دمجهم في العملية التعليمية؟
تصف الدكتورة في تقنيات التعليم جنى بو رسلان الوضع الأكاديمي لأطفال العالم العربي بأنه «مخزٍ»، فبعد أن حرمتهم الحروب من متابعة دراستهم، وهي أبسط حقوقهم الإنسانية، تنظر لوضعهم «بنظرة واقعية» قائلة: «حان وقت التخلي عن النظرة الحالمة والرومانسية، ويجب وضع خطط استثنائية واضطرارية مباشرة، كي نبدأ بالعمل الجدي لننقذ الأطفال وموقفهم التعليمي، وهذه القضية ليست بخاصة، بل تعني الشأن العام».
وتضيف: «هناك خطط أكاديمية تسمح لهم بالانخراط في عالم العلم الحالي، ويمكننا أن نسخر التكنولوجيا لخدمة هؤلاء الأطفال. واليوم، لدينا ما يعرف بـ(تقنيات التعلم عبر الجوال) أو (Mobile Learning)، فمن منا لا يحمل جوالاً؟ وحتى في المناطق النامية، وتلك القابعة تحت خط الفقر، هناك خدمات الجوال، وتقنيات أساسية تكنولوجية، يمكننا الاستفادة منها، وذلك عبر تجهيز ونشر تطبيقات متعلقة بالتربية والتعليم، وتوظيفها بالطريقة الصحيحة».
وتؤكد بو رسلان أن استخدام الوسائل التكنولوجية والتقنيات الرقمية لا يعني الاعتماد عليها بشكل كلي، بل «يجب أن نؤمن الرعاية الكاملة، عبر إعداد أساتذة متبرعين وطلاب متدربين يشاركون بالعمل التطوعي. وعلينا أن نقيس درجة نجاح هذه الخطط. أما في التطبيق، فعندما تصدر هذه المشاريع عن منظمات عالمية، مثل الإسكوا واليونيسيف، يكون المتطوعون بكامل الجهوزية النفسية والأكاديمية التي تخولهم التعامل مع الأطفال، لهذا فإن تحركهم الفعلي أمر ضروري ومستعجل».
وبالعودة لمنذر، فإنها تؤكد أن جزءًا من الحل يكمن في تدريب الأساتذة على كيفية التعامل مع أطفال عانوا من النزاعات، عبر «إبعادهم عن كل مصادر العنف والإساءة والإهانة والتمييز، وتدريب الأطفال على تقبل الآخر والانفتاح بغية الانخراط بالمجتمعات التي تستقبلهم وتحضنهم بطريقة سليمة ومفيدة».
ويبقى الطفل العربي الحلقة الأضعف في مجتمعات تمر بصراعات محتدمة وظروف سياسية واقتصادية غير مستقرة، الأمر الذي ينعكس على حياته، ويجعله يمر بظروف أسوأ من تلك التي يعيش في ظلها نظراؤه في باقي دول العالم، بما فيها دول العالم الثالث، ذلك أن هناك أكثر من 15 مليون طفل عربي يعيشون في ظروف إنسانية صعبة. ويؤدي تردي الأوضاع التعليمية في تلك المناطق لإطالة أمد الصراعات نتيجة توظيف الأطفال من جانب الأطراف المتقاتلة، مما يسهم في تكريس قيم التطرف والصراع والعنف، وعدم تقبل الآخر لدى الأجيال الصاعدة. وعلى الرغم من تفاوت الاهتمام بقضايا الطفولة من قطر عربي لآخر، فإن الوعي بخطورة قضية الطفولة، بعدِّها قضية بالغة الحساسية تتعلق بالمستقبل العربي، ما زال عامة مفقوداً.



هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
TT

هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)

رحل الرئيس اليمني السابق المشير عبد ربه منصور هادي، الخميس، في العاصمة السعودية الرياض عن عمر ناهز 81 عاماً، وبذلك يطوي اليمن أحدَ أعقد فصوله السياسية والعسكرية منذ قيام الوحدة عام 1990؛ إذ يغيب الرجل الذي ارتبط اسمه بالمرحلة الانتقالية، والحوار الوطني، ثم الحرب الممتدة التي اندلعت عقب انقلاب الحوثيين على الدولة في أواخر 2014.

لم يكن هادي قائداً صدامياً أو خطيباً شعبوياً، بل ظهر طيلة مسيرته بوصفه رجل المؤسسة الهادئ، الذي فضل العمل بصمت، وتجنب المواجهات الحادة، حتى وهو في قلب أخطر الأزمات في تاريخ اليمن الحديث؛ مما جعله بين رؤيتين، فهناك من يراه شخصية توافقية جنبت البلاد انهيارات أكبر، وهناك من يحمله مسؤولية التراخي أمام تمدد الحوثيين وسقوط معظم مناطق شمال البلاد.

وُلد عبد ربه منصور هادي في 1 سبتمبر (أيلول) 1945 بقرية ذكين التابعة لمديرية الوضيع بمحافظة أبين جنوب اليمن، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة قبل أن يتجه مبكراً إلى الحياة العسكرية.

تلقى تعليمه العسكري في عدد من الأكاديميات الخارجية، أبرزها «أكاديمية ساندهيرست» العسكرية الملكية في بريطانيا التي تخرج فيها عام 1966، كما حصل على دراسات عليا عسكرية في «أكاديمية ناصر» بمصر، ودورات تخصصية في الاتحاد السوفياتي السابق.

الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي يغادر الحياة بعد تاريخ حافل (إعلام حكومي)

تدرج هادي في المناصب العسكرية داخل جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوب اليمن سابقاً)، وتولى مواقع قيادية في سلاح المدرعات، قبل أن تشكل أحداث يناير (كانون الثاني) 1986 الدامية نقطة التحول الأبرز في حياته السياسية والعسكرية.

فبعد خسارة جناح الرئيس الجنوبي السابق علي ناصر محمد في تلك المواجهات، غادر هادي إلى صنعاء مع آلاف العسكريين الجنوبيين، ليبدأ مرحلة جديدة داخل الدولة اليمنية الشمالية، قبل قيام الوحدة بين الشطرين عام 1990.

برز اسم هادي بصورة أوضح خلال حرب صيف 1994، حين عينه الرئيس الراحل علي عبد الله صالح وزيراً للدفاع في مواجهة محاولة الانفصال التي قادها نائب الرئيس حينها الراحل علي سالم البيض.

وبعد انتهاء الحرب وتثبيت الوحدة، اختاره صالح نائباً لرئيس الجمهورية في أكتوبر (تشرين الأول) 1994، ليبقى في المنصب نحو 18 عاماً، في إحدى أطول فترات شغل منصب نائب الرئيس في تاريخ اليمن.

خلال تلك السنوات، عُرف هادي بأنه «الرجل الصامت» داخل السلطة؛ إذ نادراً ما دخل في صراعات مراكز النفوذ، أو ظهر طرفاً في التنافسات القبلية والعسكرية التي أحاطت بالرئيس صالح. كما حافظ على صورة المسؤول الإداري والعسكري المنضبط؛ الأمر الذي جعله مقبولاً لدى أطراف داخلية وخارجية بوصفه شخصية غير صدامية.

رئيس المرحلة الانتقالية

مع اندلاع احتجاجات عام 2011 ضد حكم صالح، دخل اليمن مرحلة سياسية شديدة الاضطراب، انتهت بتوقيع «المبادرة الخليجية» التي نقلت السلطة إلى هادي بوصفه رئيساً توافقياً للمرحلة الانتقالية.

وفي فبراير (شباط) 2012، انتُخب هادي رئيساً توافقياً لليمن بدعم محلي وإقليمي ودولي واسع، وسط آمال بإنقاذ البلاد من الانهيار، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

وتمثلت أبرز محطات عهده المبكرة في رعايته «مؤتمر الحوار الوطني الشامل» بين 2013 و2014، وهو المؤتمر الذي جمع مختلف القوى السياسية والمجتمعية، بمن فيهم الحوثيون والحراك الجنوبي؛ بهدف صياغة مشروع دولة اتحادية حديثة.

وعدّ كثير من اليمنيين آنذاك «الحوار الوطني» فرصةً تاريخية لإنهاء الصراعات المزمنة والتأسيس لدولة جديدة، غير أن الأحداث اللاحقة دفعت البلاد إلى مسار مغاير تماماً، حيث اجتاح الحوثيون في سبتمبر (أيلول) 2014 العاصمة صنعاء وسيطروا على مؤسسات الدولة، قبل أن يفرضوا الإقامة الجبرية على الرئيس هادي.

الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي (إعلام حكومي)

ورغم تقديمه استقالته تحت الضغط، فإن هادي تمكن في فبراير (شباط) 2015 من الفرار إلى عدن، وأعلن تمسكه بشرعيته الدستورية، قبل أن تتوسع الهجمات الحوثية وتدفعه لاحقاً إلى الانتقال للرياض.

ومن العاصمة السعودية، قاد هادي السلطة الشرعية المعترف بها دولياً طيلة سنوات الحرب، مستنداً إلى دعم واسع من التحالف العربي بقيادة السعودية، وإلى غطاء سياسي وقانوني وفره قرار مجلس الأمن الدولي «2216».

وخلال تلك السنوات، احتفظت حكومته باعتراف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وظل يمثل اليمن في المحافل الدولية رغم فقدان سلطته الفعلية على العاصمة المختطفة صنعاء وأجزاء واسعة من شمال البلاد.

جدل بشأن شخصيته وأدائه

أثارت شخصية هادي وأسلوبه في الحكم انقساماً واسعاً بين اليمنيين والمراقبين. فمنتقدوه رأوا أن طبيعته الهادئة، وميله إلى التريث، أضعفا مؤسسات الدولة في لحظات مصيرية، وأن بطء قراراته سمح للحوثيين بالتمدد والسيطرة على صنعاء. كما وُجهت إليه انتقادات تتعلق باعتماده على شبكات نفوذ حزبية وقبلية لم تنجح في حسم المعركة.

في المقابل، يرى مؤيدوه أن الرجل تسلم بلداً منهكاً وجيشاً منقسماً، وأنه واجه مشروعاً مسلحاً مدعوماً إقليمياً وسط ظروف جد استثنائية، ويرى هؤلاء أن هادي نجح في الحفاظ على الشرعية القانونية للدولة اليمنية، ومنع سقوطها الكامل في العزلة الدولية.

كما يشير مقربون منه إلى أن تمسكه بخيار الحوار والتوافق لم يكن ضعفاً، بل قناعة سياسية جنبت اليمن حروباً أوسع في المراحل الأولى من الأزمة.

اليمنيون انقسموا بشأن هادي بين مؤيد جهوده ومنتقد طريقة قيادته البلاد (أ.ف.ب)

حظي هادي طيلة فترة حكمه بدعم إقليمي ودولي استثنائي؛ إذ تبنت دول الخليج، وفي مقدمها السعودية، مسار انتقال السلطة في اليمن عبر المبادرة الخليجية.

كما تحول بعد انقلاب الحوثيين عنواناً للشرعية اليمنية الوحيدة المعترف بها دولياً، وحصل على دعم سياسي وعسكري واسع من التحالف العربي، إضافة إلى مساندة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

واحتفظ اليمن خلال سنوات الحرب بمقعده في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية باسم حكومة هادي، وهو ما عُدّ أحد أبرز إنجازاته السياسية، خصوصاً في ظل مساعي الحوثيين للحصول على اعتراف دولي.

مغادرة السلطة بهدوء

في أبريل (نيسان) 2022، أعلن هادي نقل كامل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، في خطوة عدّها كثيرون تحولاً مفصلياً داخل معسكر الشرعية.

وجاء القرار عقب مشاورات يمنية - يمنية استضافتها الرياض، وسط ضغوط لإعادة ترتيب القوى المناهضة للحوثيين، وتوحيد مكوناتها السياسية والعسكرية.

ولقيت الخطوة ترحيباً إقليمياً ودولياً واسعاً، بوصفها انتقالاً سلمياً ومنظماً للسلطة، بينما اختار هادي الابتعاد عن المشهد السياسي بصورة شبه كاملة خلال سنواته الأخيرة.

الرئيس اليمني السابق هادي رحل بهدوء بعد 4 سنوات من تسليمه قيادة الشرعية (رويترز)

وأعلنت الرئاسة اليمنية، الخميس، وفاة هادي بعد معاناة صحية، مشيدة بما وصفتها بـ«مواقفه الوطنية» ودوره في الحفاظ على الشرعية ووحدة اليمن.

وبرحيله، يغيب آخر رئيس قاد اليمن الموحد في ظل الاعتراف الدولي الكامل قبل تشظي مؤسسات الدولة والحرب المفتوحة التي فجرها الحوثيون المدعومون من إيران، تاركاً وراءه إرثاً سياسياً وعسكرياً سيظل محل نقاش طويل بين اليمنيين.

فالرجل الذي جاء إلى السلطة بوصفه «مرشح التوافق» وجد نفسه يقود بلداً ينهار تحت وطأة الانقسامات والانقلاب الحوثي، وظل حتى لحظة مغادرته الحكم متمسكاً بشرعية الدولة، قبل أن يرحل بهدوء، مسدلاً الستار على فصل بالغ التعقيد من تاريخ اليمن المعاصر.

اقرأ أيضاً


«ضيوف مصر» يستحضرون طقوسهم في العيد

سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)
سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)
TT

«ضيوف مصر» يستحضرون طقوسهم في العيد

سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)
سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)

مع استضافة مصر أكثر من 9 ملايين وافد ولاجئ على أراضيها تبرز طقوس مختلفة للاحتفاء بعيد الأضحى، ويحرص من تطلق عليهم الحكومة «ضيوف مصر»، من سوريين ويمنيين وسودانيين وفلسطينيين وغيرهم، على التمسك بتقاليد بلادهم عبر مظاهر وعادات تعزز التقارب بين العائلات والأصدقاء، وتتشابه إلى حدٍّ ما مع طقوس مصرية راسخة.

وتسيطر «الأكلات التراثية» واللحوم بأنواعها المختلفة على الجزء الأكبر من مظاهر الاحتفاء بعيد الأضحى، ويبقى لدى من يقبعون داخل الأراضي المصرية رغبة في الشعور بالألفة والتكافل الاجتماعي في ظل أوضاع اقتصادية يعانيها بعضهم، وتوترات إقليمية تتصاعد وتيرتها في المنطقة وتؤثر عليهم وهم خارج حدود أوطانهم.

طقوس سودانية وأكلات تراثية

وللزيارات الاجتماعية أهمية كبيرة في عيد الأضحى، خاصة مع ظروف الحرب واللجوء.

مصلون يؤدون صلاة العيد في ساحات المساجد بمحافظات مصر (محافظة بورسعيد)

وتقول السودانية نوسيبا سعيد لـ«الشرق الأوسط» إن طقوس احتفالات السودانيين في مصر بعيد الأضحى تبدأ مبكراً قبل وقفة عرفات بنحو أسبوع؛ إذ يتم تجهيز «الحِنة» الحمراء التي تستخدمها النساء كأحد أهم مظاهر التزيّن في المناسبات، ثم صنع الحلوى السودانية. أما في ليلة العيد، فتبدأ الأسر في تجهيز بعض المكونات الخاصة بأكلات العيد.

وتحدثت نوسيبا، التي تقيم بمنطقة ترسا في محافظة الجيزة ولديها خمسة أطفال، عن أول أيام العيد قائلة: «البعض يشتري ذبيحة أو يتشارك مع مجموعة في أضحية واحدة بسبب الوضع الاقتصادي، وبعضنا يلجأ إلى شراء اللحوم، لكننا نحرص على توزيع أكبر قدر من الذبيحة على العائلات السودانية، ثم ننتقل إلى الزيارات العائلية».

تتناول نوسيبا إفطار اليوم الأول في أحد منازل أقاربها، ويكون حسب طقوس سودانية عبارة عن طهي «الكرشة»، ثم يكون الغداء في منزل آخر، ويتكون من الأكلات التراثية مثل «العصيدة والملاح والكبدة».

الحلوى الشامية تبرز في احتفالات السوريين

وتشكل «أكلات العيد» أحد أهم مظاهر احتفالات السوريين في مصر، بجانب الحلوى الشامية الشهيرة. يقول الشاب السوري خالد محمد لـ«الشرق الأوسط»: «المأكولات السورية والحلويات الشامية تكون حاضرة دائماً في عيد الأضحى، مثل (المنسف الحلبي) و(الشاكرية) و(المعمول)».

أطفال في احتفالية بمفوضية شؤون اللاجئين بمصر (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)

ويسترسل خالد، الذي يعمل في أحد متاجر العطور بوسط القاهرة ويعيش بحي بولاق الدكرور، في الحديث عن مظاهر الاحتفال بالعيد فيقول: «أول أيام العيد يبدأ بزيارة العائلات والأصدقاء، ثم يتوجه الشباب أو العائلات إلى أماكن الترفيه في مصر مثل دور السينما والملاهي».

ومن أبرز مظاهر الاحتفال أيضاً التردد على المطاعم السورية المنتشرة بمناطق عديدة في القاهرة والمحافظات المختلفة. وقال: «السوريون المقتدرون يحرصون على توزيع لحوم الأضاحي على العائلات السورية غير المقتدرة، كما انتشر نظام (الشير)؛ إذ يتشارك مجموعة أشخاص في أضحية واحدة».

التقاليد التراثية الفلسطينية

على الرغم من بعض التشابه في طقوس الاحتفال بعيد الأضحى بين الشعبين، يحرص الفلسطينيون في مصر على التمسك بتقاليدهم التراثية بهدف الحفاظ على الهوية ونقلها إلى الأجيال الجديدة، بحسب عضو الهيئة الإدارية باتحاد الفنانين الفلسطينيين (فرع القاهرة) خالد أبو الفحم.

وأضاف أبو الفحم لـ«الشرق الأوسط»: «الفلسطينيون في مصر يمزجون بين التقاليد المصرية والفلسطينية. نحن نعيش ونعايش الطقوس المصرية بحكم إقامتنا منذ سنوات، ونحرص أيضاً على التمسك بطقوسنا الوطنية للحفاظ على هويتنا، سواء الأطعمة التقليدية أو الموسيقى التراثية».

أطفال يحتفلون بالعيد في مصر (أ.ب)

وكالسوريين والسودانيين، يحرص المقتدرون من الفلسطينيين والمنظمات والجمعيات الأهلية الفلسطينية على وصول لحوم الأضاحي إلى أبناء وطنهم في مصر «على أمل أن تقلل فرحة العيد معاناة التشرذم»، حسبما قال أبو الفحم في معرض حديثه عن أهمية التضامن الاجتماعي.

وأضاف: «نقدم أيضاً العيدية للأطفال، ونقوم بعد صلاة العيد بزيارات اجتماعية لأكبر عدد من الأسر الفلسطينية حيث نقسم أنفسنا إلى مجموعات، كما نحرص على زيارة الجرحى والمرضى الذين يتلقون العلاج بالمستشفيات المصرية».

تكافل اجتماعي بين اليمنيين

ولا يختلف الأمر في تفاصيل التضامن الاجتماعي والتمسك بالطقوس الوطنية عند اليمنيين. وتقول الثلاثينية فردوس سالم لـ«الشرق الأوسط»: «الأسر اليمنية في مصر تحرص على استدعاء الطقوس الوطنية خلال احتفالات عيد الأضحى؛ إذ نطهو الأطعمة اليمنية التقليدية، ونجهز الحلويات، ونشتري ملابس العيد للأطفال، ويحرص الكثيرون من كبار السن على ارتداء الملابس الوطنية اليمنية».

وتؤكد فردوس، التي تعيش في حي فيصل بمحافظة الجيزة: «أجواء العيد تبرز التكافل بين اليمنيين؛ إذ يقوم الكثيرون بإيصال لحوم الأضحية إلى منازل الأسر اليمنية، ثم نزور الأصدقاء والمعارف عقب صلاة العيد، يلي ذلك الخروج إلى المتنزهات أو التجمع في المطاعم اليمنية».


نبيل فهمي يستعد لقيادة الجامعة العربية خلال شهر

السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)
السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

نبيل فهمي يستعد لقيادة الجامعة العربية خلال شهر

السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)
السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)

يستعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير نبيل فهمي، لتسلم مهام منصبه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية في الأول من يوليو (تموز) المقبل، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط الذي تنتهي ولايته في 30 يونيو (حزيران).

وكانت الدورة العادية الـ165 لمجلس وزراء الخارجية العرب، التي عقدت في مارس (آذار) الماضي عن بُعد عبر تقنية الاتصال المرئي، قد اعتمدت بالإجماع قراراً برفع توصية إلى الدورة العادية الخامسة والثلاثين للقمة العربية المقبلة بالمملكة العربية السعودية بدعم ترشيح فهمي أميناً عاماً للجامعة لمدة خمس سنوات اعتباراً من الأول من يوليو 2026.

وقالت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» إن الأمين العام الجديد بدأ بالفعل الاستعداد لتولي مهام منصبه، مشيرة إلى أن فهمي «زار مقر الجامعة بالعاصمة المصرية القاهرة وعقد لقاءات للتعرف على طاقم العمل».

كما عقد فهمي لقاءات مع عدد من المندوبين الدائمين بجامعة الدول العربية تناولت تعزيز دور الجامعة في دعم قضايا العمل العربي المشترك، كما عرض رؤيته للجامعة العربية وتطوير آليات العمل المشترك.

نبيل فهمي يلتقي المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى الجامعة العربية مهند العكلوك (مندوبية فلسطين)

وفي مطلع الشهر الحالي، التقى فهمي السفير مهند العكلوك، المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى جامعة الدول العربية، في مكتبه بالقاهرة. ووفق بيان لمندوبية فلسطين «دار النقاش حول تعزيز فعالية جامعة الدول العربية في إطار الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، بما يشمل تنفيذ قرارات مجلس الجامعة على مستوى القمة ووزراء الخارجية والمندوبين الدائمين».

كما تناول الحديث «تعزيز الأمن القومي العربي وتطوير آليات العمل العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية وتعزيز دورها الإقليمي والدولي، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجه المنطقة العربية».

وقال أحد المصادر إن فهمي في طريقه للتثبيت أميناً عاماً للجامعة العربية من خلال تصديق القادة العرب على قرار وزراء الخارجية عبر عدة احتمالات، سواء عقدت قمة في موعدها أو أُرجئت.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل صعوبات عقد اجتماع على مستوى القادة العرب، فإن المشاورات الجارية حالياً قد تفضي إلى إتمام التصديق على تعيين فهمي عبر اجتماع افتراضي».

وقال مصدر دبلوماسي عربي آخر: «الوقت الضاغط يُصعّب التحضير للقمة وعقدها قبل موعد تولي الأمين العام الجديد مهام منصبه»، مضيفاً أن «الأمور قد تتضح بعد إجازة عيد الأضحى، لا سيما مع استمرار التوتر في المنطقة وعدم الوصول إلى اتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران».

ولفت مصدر ثالث إلى «إمكانية تسلم فهمي منصبه اعتماداً على قرار من وزراء الخارجية العرب أسوة بتجارب سابقة».

السفير نبيل فهمي خلال لقائه مندوب اليمن لدى جامعة الدول العربية (صفحة نبيل فهمي على «فيسبوك»)

وكان الأمين العام الحالي أبو الغيط قد عُين بقرار من مجلس وزراء الخارجية العرب، في دورة غير عادية عقدت بمقر الأمانة العامة بالقاهرة في مارس 2016، بناء على تفويض من القادة العرب إلى رؤساء الوفود المشاركين في الاجتماع. وتسلم مهام منصبه في يوليو من العام نفسه دون الحاجة إلى عقد قمة عربية للتصديق على قرار تعيينه.

يذكر أن نبيل فهمي شغل منصب وزير الخارجية المصري في الفترة من يونيو 2013 إلى يوليو 2014، كما عمل سفيراً للقاهرة في واشنطن خلال الفترة من 1999 إلى 2008، وفي اليابان من 1997 إلى 1999. وعمل والده إسماعيل فهمي، وزيراً للخارجية في عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات خلال الفترة من 1973 وحتى 1977.