إطلالة بانورامية على الفكر الفرنسي

شغل العالم في القرن العشرين

فرنان بروديل - ميشيل فوكو - جان بول سارتر -بول ريكوار
فرنان بروديل - ميشيل فوكو - جان بول سارتر -بول ريكوار
TT

إطلالة بانورامية على الفكر الفرنسي

فرنان بروديل - ميشيل فوكو - جان بول سارتر -بول ريكوار
فرنان بروديل - ميشيل فوكو - جان بول سارتر -بول ريكوار

يمكن القول منذ البداية إن الفكر الفرنسي شغل العالم في القرن العشرين، مثلما شغله الفكر الألماني في القرن التاسع عشر. فمعظم المدارس الأدبية والفلسفية ظهرت في فرنسا، أو انتعشت فيها. نضرب على ذلك مثلاً الفلسفة الوجودية، والفلسفة البنيوية، والفلسفة التفكيكية، إلخ.
وحتى فيما يخص الأدب والفن، نلاحظ أن فرنسا هي التي صدرت للعالم معظم الصرعات الفنية والجمالية، كالدادئية، والتكعيبية، والسريالية، ومسرح العبث أو اللامعقول، إلخ. ويمكن القول إنه إذا ما حذفنا أسماء أندريه بريتون، وبيكاسو، وسلفادور دالي، ورينيه شار، وأراغون، وهنري ميشو، وجان جنيه، وجان بول سارتر، وألبير كامو، وكلود ليفي ستروس، وبول ريكور، وميشيل فوكو، ورولان بارت، وبيير بورديو، وجاك دريدا، وجيل ديلوز، وكاستورياديس، وإدغار موران... فإن الفكر العالمي سوف يخسر الكثير. ولا ينبغي أن ننسى بيرغسون وغاستون باشلار، وآخرين كثيرين نعتذر عن ذكر أسمائهم التي لا تقل أهمية.
ويمكن القول أيضاً إن الفرنسيين شغلوا العالم مرتين هذا القرن: مرة أولى أيام سارتر والوجودية، ومرة ثانية أيام فوكو وديلوز وليفي ستروس والبنيوية. ولا ينبغي أن ننسى مدرسة الحوليات الفرنسية، التي هي من أشهر المدارس التاريخية في العالم. وقد قلب أقطابها من لوسيان فيفر إلى فرنان بروديل وجورج دوبي وجاك لوغوف وآخرين منهجية البحث التاريخي رأساً على عقب. وهذا ما نحتاجه حالياً في العالم العربي إلى أقصى حد، فهذه المناهج التحريرية ضرورية لتفكيك الانغلاقات اللاهوتية المتحجرة التي أوصلتنا إلى «داعش» أخيراً. نحن بحاجة إلى المنهجية التفكيكية، ومنهجية الحفر الأركيولوجي في الأعماق، إذا ما أردنا أن نشفى من أمراضنا التراثية والتكفيرية الدفينة. فالقصة أكثر خطورة مما تظنون، والداء مستفحل عضال، «وآخر الدواء الكي»، كما تقول العرب. ولا يتوقع أن نخرج من المغطس عما قريب.
ولا ينبغي أن ننسى الفيلسوف بول ريكور، الذي رحل عام 2005 عن عمر طويل يناهز الثالثة والتسعين. كان ذلك في قرية «شاتني مالبري»، الواقعة جنوب باريس التي عشت فيها عدة سنوات متواصلة عندما كنت طالباً جامعياً، بوهيمياً، متوحشاً... ولكن ما كنت أعرف أن بول ريكور كان جاري! وهي بالمناسبة قرية فولتير أيضاً لأنه ولد فيها. ولذلك، فإن تمثاله الضخم هو أول ما يستقبلك على مدخلها الجميل. وكثيراً ما كنا نشرب قهوة الصباح في مقهى فولتير مستمتعين بمنظر الحسناوات الداخلات الخارجات كخلية النحل دون توقف. على أي حال، لقد خلف بول ريكور وراءه مكتبة كاملة من المؤلفات والبحوث العميقة. ومعلوم أنه كان فيلسوفاً ومؤمناً في الوقت ذاته.
وهذا شيء نادر في الغرب لأن كلمة الفيلسوف هناك أصبحت تعني بالضرورة الشخص الملحد الذي لا يعترف بوجود أي شيء خارج الواقع المادي المحسوس. ولكن بول ريكور لم يكن يخلط بين إيمانه الشخصي والفلسفة، فهو يقول إن للفلسفة مجالها وللدّين مجاله، ولا يجوز الخلط بينهما. وقد اعترف بأن اطلاعه الواسع على الفلسفة ساهم في تعميق إيمانه، لا إزالته ولا تنقيصه. فالإيمان الذي يجيء بعد تفكير ناضج ودراسات معمقة أهم من الإيمان الساذج أو السطحي الذي قد يتحول إلى جهالة فكرية أو تعصب أعمى.
وبالتالي، فهناك علاقة جدلية بين العلم والإيمان، أو بين الفلسفة والدين. إن بول ريكور الذي عاش بين عامي (1912 - 2005) شارك في معظم المعارك الفلسفية التي دارت رحاها في القرن العشرين. فقد اصطدم مع سارتر ووجوديته في الخمسينات. وعندئذ، نعته سارتر بأنه خوري يتفلسف! وهي عبارة احتقارية جداً لا تليق بسارتر، ولكنها صادرة عن فيلسوف وجودي ملحد في المطلق، كاره للدين والمتدينين في آن معاً. ثم اصطدم بول ريكور مع كلود ليفي ستروس وبنيويته في الستينات، وجرت بينهما مناظرة عميقة جداً على صفحات مجلة «اسبري» الفرنسية، أي الروح أو الفكر. كما انخرط في مناظرات معمقة مع الماركسيين والتحليل النفسي، وسوى ذلك من المدارس الفكرية والتيارات. وأعتقد أن فكر بول ريكور يساعدنا كثيراً على حل مشكلتنا التراثية.

فوكو: عبقرية الجنون
أو جنون العبقرية

أما ميشيل فوكو، الذي عاش عمراً قصيراً (1926 - 1984)، فقد اشتهر بعدة كتب أساسية، نذكر من بينها: «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» (1961)، و«الكلمات والأشياء» (1966)، و«المراقبة والعقاب» (1975). وقد جدد الفكر الفرنسي والأوروبي كله بهذه الكتب المفصلية الشديدة الابتكار والجدة. فقد درس العلاقة الجدلية الكائنة بين العقل والجنون على مدار أربعمائة سنة من تاريخ الحضارة الغربية، أي منذ القرن السادس عشر حتى اليوم. وبرهن على خطأ الوهم الشائع الذي يقول إن العقل كله يقع في جهة، والجنون في الجهة الأخرى، ولا اختلاط بينهما. وأثبت أن كل واحد منا فيه حبّة جنون، حتى لو كان عاقلاً جداً! كما برهن فوكو على أن نظرة الناس إلى الجنون في القرون الوسطى كانت مختلفة عن نظرتنا نحن إليه. وقل الأمر ذاته عن القرن السادس عشر وما تلاه.
وبالتالي، فكل عصر يشكل تصوره عن هذه الظاهرة التي ترعبنا للوهلة الأولى: أقصد ظاهرة الجنون. ثم ختم فوكو كتابه بثناء حار على جنون العباقرة، من أمثال هولورلين، ونيتشه، وأنطونين أرتو، وجيرار دونيرفال، وغويا، إلخ. وقال إن جنون العباقرة هو الذي يحق له أن يحاكم العقل الغربي الاستعماري المتغطرس، وليس العكس. فلا يوجد أي عقل في العالم يستطيع أن يرتفع إلى مستوى هيجانات فريدريك نيتشه أو أنطونين أرتو وهولدرلين. وهكذا، تحدث فوكو بلهجة رومانسية وشاعرية جداً عن هؤلاء المجانين الكبار الذين أتحفونا بالروائع الخالدة، ولكنه اعترف بأن الجنون يضع في النهاية حداً للإنتاج والإبداع. فنيتشه، بعد أن جنّ، لم يعد قادراً على تأليف كتب عبقرية، كما في السابق، بل لم يعد قادراً على كتابة سطر واحد؛ لقد صمت صمت القبور بعد أن هزنا وزعزعنا وزلزلنا، ولا يزال صوته يدوي في أرجائنا حتى اللحظة!
وأما هولدرلين، فوضعه مختلف لأنه لم يجن دفعة واحدة كنيتشه، وإنما على دفعات... ولذا، ظل يخربش على الورق بعضاً من أجمل القصائد، قبل أن يسكت بشكل نهائي. نعم، لقد كتب في الفترة المترجرجة ما بين العقل والجنون مجموعة كاملة لا تقدر بثمن. انظروا: «قصائد الجنون لهولدرلين»، بترجمة الشاعر الفرنسي بيير جان جوف. وبالتالي، فالجنون إذا ما انتصر على العقل يعني نهاية النهايات، ولكن بعض جرعات الجنون مفيدة للإبداع بشرط ألا تزيد عن حدها. بالمناسبة، هل تعلمون أن هيدغر طلب أن يقرأوا على نعشه قبيل الدفن بعض أشعار هولدرلين؟
ويبدو لنا من خلال كتاب فوكو أن المجتمع القمعي هو المسؤول عن جنون العباقرة، وربما غير العباقرة. وهذا الكلام يتوافق مع رأي أنطونين أرتو، الذي جن في نهاية المطاف، كما هو معروف. فقد اتهم المجتمع «الإرهابي» بالمسؤولية عن جنون جيرار دونيرفال وشارل بودلير ورامبو وفيرلين وسواهم كثيرين. انظروا كتابه الشهير الرائع، الصادر عام 1947، قبيل موته بقليل، تحت عنوان بارز شديد الدلالة والمغزى: «فان غوخ وانتحار المجتمع». ففيه، يصب جام غضبه على المجتمع الفرنسي الذي جنن فان غوخ، ودفعه دفعاً إلى الانتحار. وفيه يقول ما معناه: «لا، لم يكن فان غوخ مجنوناً، وإنما المجتمع نفسه هو المجنون؛ إنه مجتمع بلا شفقة ولا رحمة، مجتمع عاجز عن فهم العباقرة الكبار بكل همومهم ومعاناتهم. فلوحاته نيران يونانية، قنابل ذرية! ينبغي العلم أنه داخل كل مجنون يوجد شخص عبقري غير مفهوم. والفكرة التي تلمع في رأسه تخيف الآخرين. ولذلك يحاصرونه، بل ويسجنونه في المصحات العقلية حتى يجن تماماً. ثم يردف أنطونين أرتو، قائلاً: المجنون هو إنسان لم يرد المجتمع أن يسمعه، بل ومنعه من الكلام وقمعه خوفاً من أن يتفوه بحقائق هائلة لا تُحتمل ولا تُطاق، حقائق مزلزلة للمجتمع بأسره.
بعد أن نقرأ كلام أرتو المعذب وصرخاته المدوية لا نملك إلا أن ننحني أمام معاناته النفسية الهائلة. وهذا ما فعله فوكو، في كتابه الشهير. من هنا، جاذبيته التي لا تقاوم. ومعلوم أن فوكو ذاته كان على حافة الجنون، ولم ينج من السقوط في حمأته إلا بعد أن نجح في تأليف أجمل كتاب عن تاريخ الجنون... باختصار: تداويت منها بها. وداوني بالتي كانت هي الداء... ربما كان فوكو يريد أن يقول لنا: كل عبقري مجنون، ولكن ليس كل مجنون عبقرياً!

جان بول سارتر: الفكر كعلاج

أما القطب الأساسي للفلسفة الفرنسية المعاصرة، فهو دون شك جان بول سارتر. ومن المعلوم أن سارتر (1905 - 1980) سيطر على كل مثقفي فرنسا طيلة ما لا يقل عن ثلاثين سنة متواصلة. فمنذ صدور كتابه الشهير «الوجود والعدم»، عام 1943، حتى موته عام 1980، ما انفك يشغل واجهة الأحداث المحلية والعالمية. ولكن البنيوية على طريقة كلود ليفي ستروس وميشيل فوكو وبارت وسواهم أنزلته عن عرشه وكبريائه، بدءاً من أوائل السبعينات. فقد بدا لأول مرة قديماً بالياً في نظر الشبيبة الفرنسية التي أصبحت مسحورة بالمنهجية البنيوية والعلوم الإنسانية. وشحب بريق الوجودية عندئذ. وهذه هي حال الدنيا: يوم لك، ويوم عليك. ولا تدوم لأحد.
ولكن ينبغي أن نعود إلى الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي لكي نفهم عظمة سارتر، وندرك حجم شهرته وإبداعه وطغيانه على الساحة الثقافية، فقد أعطى للشبيبة الفرنسية أملاً جديداً، بعد أن خرجت فرنسا منهكة محطمة من الحرب العالمية الثانية. ويمكن القول إنه فعل الشيء ذاته الذي فعله أندريه بريتون بعد الحرب العالمية الأولى. ففرنسا، عندئذ، خرجت أيضاً محطمة من أكبر مجزرة في التاريخ. وكان الشباب يائساً عاجزاً عن الإيمان بأي شيء. عندئذ، قدم له أندريه بريتون الفلسفة السريالية كحل أو كعلاج، عام 1920، مثلما قدم له سارتر الفلسفة الوجودية كحل وعلاج، بعد عام 1945. في كلتا الحالتين، كانت الشبيبة الفرنسية بحاجة لأن ترفه عن نفسها، لأن تنسى همومها، لأن تؤمن بشيء ما يعصمها من الانهيار والجنون، بعد أن فقدت كل أمل بسبب الحرب ومآسيها وفواجعها. لم يبق بيت إلا وكان فيه فقيد أو جريح أو قتيل أو معطوب. كل فرنسا كانت مفجوعة، وكل ألمانيا أيضاً. ولا يمكن أن نفهم سبب الانتشار السريع للسريالية بعد عام 1920، والانتشار الكبير للوجودية بعد عام 1945، إلا إذا أخذنا هذه المعطيات الاجتماعية والسياسية بعين الاعتبار. فالأدب هو ابن عصره وظروفه في نهاية المطاف، وكذلك الفكر والفن والفلسفة. كل شيء مرتبط بالعصر والظروف. هل يمكن أن نفهم الأدب العربي الحديث، وكذلك الفكر العربي، دون هزيمة 5 يونيو (حزيران) 1967؟ كل ما فعله المثقفون العرب منذ خمسين سنة كان عبارة عن رد فعل عليها.
والآن، اسمحوا لنا أن نطرح هذا السؤال: من يستطيع أن يكتب النص العربي القادر على أن يرتفع إلى مستوى التراجيديا العربية الراهنة؟ أين هو بريتون العربي أو سارتر العربي أو صموئيل بيكيت العربي؟ ولكن السؤال مطروح بشكل خاطئ في الواقع. فنحن لسنا بحاجة إلى بريتون وبيكيت وكل مسرح العبث واللامعقول. نحن بحاجة إلى فولتير العربي وديكارت العربي وكانط العربي. نحن بحاجة إلى بول ريكور عربي يعرف كيف يصالح بين الإيمان والعقل، أو بين الدين والفلسفة. باختصار شديد: نحن بحاجة إلى الأنوار العربية لكي تنقذنا من جحيم الظلمات العربية. نقطة على السطر!



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟