«حكاية البنت التي طارت عصافيرها»... لغة سلسة وبناء قصصي متماسك

المجموعة القصصية السودانية الفائزة بجائزة البوكر الأفريقية

بُشرى الفاضل مع جائزة «بوكر» الأفريقية
بُشرى الفاضل مع جائزة «بوكر» الأفريقية
TT

«حكاية البنت التي طارت عصافيرها»... لغة سلسة وبناء قصصي متماسك

بُشرى الفاضل مع جائزة «بوكر» الأفريقية
بُشرى الفاضل مع جائزة «بوكر» الأفريقية

لم يشكِّل فوز القاص السوداني بُشرى الفاضل بجائزة كين للأدب الأفريقي لعام 2017 مفاجأة لمتابعي تجربته القصصية التي ترسخت في أواخر السبعينات من القرن الماضي، وتحديداً حينما نشر قصته الثانية في مجلة الثقافة السودانية عام 1979 وكانت تحمل عنوان «حكاية البنت التي طارت عصافيرها»، وهي ذات القصة التي ترجمها ماكس شموكلر ورشّحها إلى هذه الجائزة الرفيعة التي تُكنّى بـ«البوكر الأفريقية» في الأوساط الأدبية وتنافست مع 148 قصة تمثل 22 بلداً لتُتوَّج في نهاية المطاف بالجائزة الأولى التي تبلغ قيمتها 10 آلاف جنيه إسترليني تُمنح 7 آلاف منها للقاص الفائز بينما تُعطى الثلاثة آلاف المتبقية إلى المترجم. جدير ذكره بأن القائمة القصيرة ضمّت أربعة أسماء أخرى إلى جانب القاص السوداني بُشرى الفاضل وهم ليزلي نيكا آريما، وتشيكوديلي إميلومادو، وآرينز آيفكاندو من نيجيريا وموغوغودي مافالا ماكين من جنوب أفريقيا، وهذه ليست المرة الأولى التي يفوز بها كاتب سوداني بهذه الجائزة المرموقة فقد سبق أن فازت بها القاصة والروائية السودانية ليلى أبو العلا في الدورة الأولى للجائزة عام 2000 عن قصتها الموسومة «المتحف» المُستلة من مجموعتها القصصية «أضواء ملونة».
على الرغم من كثرة الكتابات النقدية التي تشيد بموهبة القاص بُشرى الفاضل وتؤازر تجربته الإبداعية عموماً، فإن البعض يعتبره «ليس كاتب قصة» وهذا رأي مُجحف، وغير دقيق، ولا ينمّ عن دراية بفن القصة القصيرة شكلاً ومضموناً وتقنيات، خاصة وأن الكاتب ينتمي إلى مرحلة التحولات الحداثية التي يحصرها النقاد السودانيون بين أواسط الستينات وأواسط الثمانينات من القرن العشرين، وهي الحقبة التي تعرّفنا فيها على بعض الأسماء القصصية السودانية البارزة مثل حسن الجزولي، وعيسى الحلو، ومختار عجوبة وغيرهم من القصاصين الذين يمتلكون تجارب مغايرة تختلف عن المشهد السردي السائد آنذاك. ولعل تجربة القاص بُشرى الفاضل هي الأكثر تميّزاً من حيث رمزيتها، وسرياليتها، ونَفَسها العبثي الذي يُذكِّر بأدب اللامعقول الذي تألق فيه صمويل بيكيت، وفرانز كافكا، ويوجين يونسكو، وجان جينيه، وفرناندو آرابال. أما من حيث التقنية فقد استعمل بُشرى الفاضل أسلوب التهكم، والسخرية السوداء التي يجتمع فيها الجد والهزْل، والمأساة والملهاة في آنٍ معاً. ويبدو أنه أفادَ كثيراً من دراسته للأدب الروسي وتأثره بتشيخوف وغيره من كُتّاب القصة الذين يخففون وطأة هذا العالم الثقيل بالسخرية، والفكاهة والدعابة الأدبية.
أصدر الفاضل مجموعته القصصية الأولى «حكاية البنت التي طارت عصافيرها» عام 1990 وهي تضم اثنتي عشرة قصة قصيرة مختلفة في ثيماتها، وتقنياتها، وطرائق سردها وقد كتب عنها كثيرون من بينهم فضيلي جماع، وخالد الكد، وعلي المك، وأمير تاج السر، ومأمون التلب وسواهم من الأدباء والنقاد السودانيين الذين أثنوا على موهبة بُشرى الفاضل القصصية تماماً مثلما أشادت لجنة جائزة «كين» بلغته السلسة، وبنائه القصصي المتماسك، وتصويره للمخاطر التي تواجهها الحريات الشخصية في المجتمع السوداني.
تتمحور ثيمة قصة «حكاية البنت التي طارت عصافيرها» على المعاكسة والتحرّش الجنسي الذي تواجهه النساء في السودان، وقد يأخذ هذا التحرّش أشكالاً متعددة بحسب طبيعة الرجال الذين «يطاردون النساء بالعيون والأيدي والأجساد، ومن لم تسعفه الحركة يطارد بالاستجابة المباشرة الحسيّة، أو حلم اليقظة» (ص57). غير أن فكرة التحرّش تنمو وتتطور لتأخذ شكل الغزل والمداعبة حتى وإن كانت بهدف الإثارة والإغراء، فهذه البنت التي طارت عصافيرها جميلة، ومثقفة، وقادرة على التلاعب بأمزجة الناس. وكما يذهب الراوي: «ألف مرة أجيئها غاضباً وأخرج من عندها هاشاً باشاً كأن لديها مصنعاً للفرح». ولا غرابة في أن يضفي عليها مسحة فنتازية حينما يقول: «خرجتُ في ذات يوم من لدنها مليئاً بها حتى غازلني الناس في الشوارع» (ص60). إذن، نحن أمام امرأة جذابة بكل المقاييس فهي قمحية اللون، فارعة الطول، أخذت من الناس ألبابهم، يرونها فلا يشبعون منها. وحتى الراوي الذي أسميناه «متحرشاً» كان مُعجباً بها من طرف واحد ولا يريد سوى أن يراها، ويغنّي لها، ويحلم بها، لكن هذا الانجذاب من طرف واحد سوف يتحول إلى صداقة تستمر لمدة شهر واحد من دون أن يلامس أغوارها السحيقة على الرغم من أنه شاعر مُرهف الحسّ. فجأة يتغيّر مناخ القصة حينما يرى الراوي طابوراً طويلاً من الناس يفضي إلى مستشفى وعندها نفهم أن البنت وشقيقتها الصغرى مضرجتان بالدم دون أن نعرف هُوية القاتل، وسبب القتل، وأداة الجريمة. تُذكّرنا هذه النهاية المبهمة بأدب العبث واللامعقول الذي يحضّ على القارئ التفكير والمشاركة في صناعة الحدث أو التفاعل الشديد معه في أقل تقدير.
تجمع قصة «حملة عبد القيّوم» بين الواقعية الصارمة وأدب اللامعقول حيث نتعرّف في القسم الأول منها على شاب قروي اسمه عبد القيّوم ينتمي إلى أسرة فقيرة ويحلم بأن يصبح سائق عربة. وما إن يتعلم السياقة ويبدأ بالعمل في الخرطوم حتى تدهسه سيارة فارهة ويواجه مصيره المحتوم لكنه لن يغيب عنا طويلاً. فعندما يقترب سائق بلدوزر من مقبرة وينتهك من دون قصد قبراً يُفاجأ بحركة جمجمة «عبد القيّوم» تتلفت يمنة ويسرة ثم تعيد رأسها إلى القبر بهدوء. وبحركة سريالية مُتقنة تنسل الجمجمة متبوعة بهيكلها العظمي لتجلس خلف مقود البلدوزر وتبدأ بدهس الناس، وهرس السيارات، وتهديم المنازل، ف«هذا البلدوزر العجيب لا توقفه المتاريس، ولا طلقات البندقيات ولا الدبابات ولم ينضب بتروله»، بينما ظل عبد القيّوم يردد بغضب: «أولاد الكلب تقتلوني؟ وهو أنا شفت حاجة في الدنيا؟ (ص18). ثم يتفاقم حقده فيزيد من سرعة البلدوزر ليجرف كل البيوت والعمارات التي كانت تقف في طريقه قبل أن يصل إلى النيل ويطفئ نار غضبه في مياهه الباردة.
لا تختلف ثيمة قصة «الغازات» عن سابقتها في النَفَس السريالي، فثمة رُكّاب يتكدسون في أحد الباصات، ونتيجة لارتفاع درجة الحرارة يتحولون إلى غازات تتصاعد عبر النوافذ، وما إن تبرد هذه الغازات المتبخرة حتى تستحيل إلى مسوخ مشوهة، مطموسة المعالم تحيلنا بالتأكيد إلى صرصار كافكا، وخرتيت يونسكو وسواهما من القصص والروايات والمسرحيات العبثية المعروفة.
تنطوي القصص التسع الباقيات على أجواء مختلفة تحتفي بالموضوعات المحلية لكنها لا تخلو هي الأخرى من التهكم والسخرية مثل «ذيل هاهينا مخزن أحزان»، و«الطفابيع» و«هاء السكت» وغيرها من قصص المجموعة لكننا ارتأينا أن نتوقف عند القصص الثلاث لانفتاحها على المدارس والتيارات الأوروبية الحديثة التي انتعشت بعد الحرب العالمية الثانية ووجدت ضالتها في الموضوعات العبثية اللامعقولة التي استطاعت أن تجيب على الأسئلة التي كانت تؤرق الكائن البشري آنذاك.
جدير ذكره أن القاص بُشرى الفاضل قد نال أيضاً جائزة الطيب صالح للإبداع الكتابي عام 2011 عن قصته الموسومة «فوق سماء البندر»، كما أصدر مجموعتين قصصيتين وهما «أزرق اليمامة» و«فزيولوجيا الطفابيع»، وقد حققت له هذه المجموعات القصصية الثلاث التي صدرت أخيراً في مجلد واحد جمهوراً واسعاً من القرّاء السودانيين والعرب على حدٍ سواء.



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.