قالت مصادر فرنسية رسمية إن الرئيس إيمانويل ماكرون سيطرح «في المستقبل القريب» مبادرة سياسية بخصوص الحرب في سوريا تكون ترجمة لما أعلنه خلال الشهر الماضي عن سعي باريس لإنشاء «مجموعة اتصال» تتكون من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وعدد من الدول الإقليمية ذات العلاقة.
وأضافت هذه المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، أمس، أن باريس بصدد القيام باتصالات موسعة لتحديد هوية الدول الإقليمية من جهة، ومن جهة ثانية لرسم أطر تحرك «مجموعة الاتصال» وكيفية تعاملها مع ما هو قائم اليوم، أي مؤتمرات جنيف من جهة وحوارات آستانة من جهة ثانية.
ولم تكشف المصادر فحوى المبادرة الفرنسية التي «يعود لرئيس الجمهورية أن يفصلها في الوقت المناسب»، لكن تربط بين ما ينوي القيام به في الملف السوري ورغبته بإطلاق «دبلوماسية نشطة» أخذت معالمها بالبروز منذ تسلمه مسؤولياته الدستورية أواسط مايو (أيار) الماضي. وكشفت المصادر الفرنسية أن ماكرون طرح فكرة إنشاء «مجموعة الاتصال» على الرئيسين الروسي والأميركي فلاديمير بوتين ودونالد ترمب اللذين استضافهما في فرنسا، الأول في قصر فرساي التاريخي نهاية مايو والثاني في باريس يومي 13 و14 يوليو (تموز)، وأنه لاقى منهما «ترحيباً».
تقوم «المقاربة الفرنسية» على اعتبار أن «مسلسل مؤتمرات جنيف التي وصلت إلى الحلقة السابعة تراوح مكانها» وأنها «لم تحقق أية نتيجة إيجابية»، وبالتالي «لا شيء يُرجَى منها».
وبحسب باريس، فإن فائدتها الوحيدة هي في «إعطاء الانطباع» بأن المجتمع الدولي وتحديداً الأمم المتحدة ما زالت مهتمة بالملف السوري وتعمل على حله. وبالمقابل، فإن حوارات «آستانة»: «رغم نجاحها في تخفيف حدة القتال بفضل إقامة مناطق (خفض النزاع). لكن من المنظور الفرنسي تبقى (جزئية) كما أنها تترك المسائل السياسية جانباً. وفي أي حال، ورغم تعاقب الاجتماعات، فإن اجتماعات «آستانة» لم تنجح حتى الآن في تعيين حدود المناطق الأربع المعنية ولا الجهات التي ستشرف على احترام وقف النار.
من هنا، فإن الطرف الفرنسي يرى «فائدة» في إيجاد «مجموعة اتصال» تضم الأطراف الفاعلة وتكون قادرة على توفير «الغطاء» لحل سياسي شامل هو الوحيد الذي من شأنه أن يضع حدا للحرب في سوريا.
بيد أن الجهود التي تبذلها الدبلوماسية الفرنسية منذ وصل ماكرون إلى قصر الإليزيه تهدف أيضاً إلى إعادة باريس إلى حلقة الاتصالات والجهود الخاصة بالأزمة السورية التي ترى فرنسا أنها أصبحت خارجها على الأقل منذ نهاية صيف عام 2015، أي منذ بدء التدخل العسكري الروسي المكثف لجانب النظام السوري. وسبق للرئيس ماكرون أن أعرب علناً أن بلاده ومعها بلدان الاتحاد الأوروبي لا وزن لها في الملف السوري؛ فهي غائبة عن «آستانة»، ولا دور جديّاً لها في جنيف.
ولذا، فإن ماكرون وجد «من الضروري»، بحسب المصادر الدبلوماسية الفرنسية، أن «تعدل» باريس سياستها التي تميزت بالوقوف القطعي إلى جانب المعارضة السورية وتبني مواقفها بشكل كامل بما في ذلك المطالبة برحيل الرئيس الأسد، وهي السياسة التي وصلت إلى «طريق مسدود».
أما بخصوص المدخل إلى ذلك، اختارت باريس الاقتراب من موسكو الأمر الذي أخذ طابعاً رسمياً مع الزيارة التي قام بها الرئيس بوتين إلى فرنسا والاتفاق مع مضيفه على تعزيز التعاون الثنائي لمحاربة الإرهاب وتخلي ماكرون عن المطالبة برحيل الأسد، والانفتاح على التحاور مع النظام. وذهب ماكرون أبعد من ذلك عندما اعتبر في حديث لمجموعة من الصحف الأوروبية صدر في 22 يونيو (حزيران) الماضي أنه لم يرَ «بديلاً» عن الأسد يتمتع بالشرعية الأمر الذي أحبط المعارضة، الذي رأت فيه تخلياً عنها.
يراهن الرئيس الفرنسي، في سياق ما يتمتع به من «إمكانيات» تؤهله للعب دور في الملف السوري على قدرته على أن يكون «صلة وصل» بين واشنطن وموسكو. فباريس تعتبر أن هناك «فسحة» مفتوحة أمامها، وأن ماكرون هو الطرف الوحيد القادر على ملئها من بين القوى الأوروبية، حيث المستشارة الألمانية منشغلة بالانتخابات التشريعية المنتظرة في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، وحيث رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي التي خرجت منهكة من الانتخابات الأخيرة غارقة في ملف الخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكست).
لكن مشكلة ماكرون أن باريس ما زالت تشكو من غياب «الرؤية الأميركية السياسية وطويلة المدى» عن الملف السوري. وقالت المصادر الرسمية الفرنسية لـ«الشرق الأوسط» إن واشنطن ما زالت تركز حتى الآن وبشكل كامل على ملف الإرهاب والقضاء على «داعش»... «ولم تنتقل بعد» إلى الخانة التالية، أي النظر في مستقبل سوريا للسنوات المقبلة، بما فيها مصير النظام.
وإلى جانب «داعش» تهتم واشنطن بالجنوب السوري بما له علاقة بأمن الأردن وإسرائيل وإبعاد إيران والميليشيات التابعة لها عن هذه المنطقة من سوريا.
إزاء هذه الصورة البانورامية، وبالنظر للقبول الروسي والأميركي فكرته، يرى ماكرون أن «اللحظة» مناسبة لإطلاق مبادرة سياسية دبلوماسية لأن المطروح على الطاولة لا يفي بغرض الخروج من الأزمة السورية رغم استقواء النظام بفضل النجاحات العسكرية التي حققها ميدانيّاً بدعم روسي إيراني ورغم تراجع «داعش».
وتقول المصادر إن هناك حاجةً لـ«اتفاق متوازن» في سوريا الأمر الذي يستدعي توافقاً إقليمياً ودولياً. وهذا التوافق سيكون ضرورياً في مرحلة إعادة الإعمار وتوفير الأموال لذلك، وهو ما لا تستطيعه روسيا ولا إيران. وفي أي حال، لا ترى باريس أن هناك إمكانية لبدء النظر في ملف الإعمار من غير «عملية سياسية» جدية تلبي قدر الإمكان مطالب الأطراف المتحاربة وتعكس توافق الجهات المؤثرة إقليميّاً ودولياً.
هل ستنجح «المبادرة» الفرنسية؟ السؤال مطروح والتجارب السابقة بينت في السنوات السبع الماضية أن ميكانيكية الحرب في سوريا وتشعباتها قادرة على ابتلاع أفضل المبادرات.
وتعي الأوساط الفرنسية أن الأزمة السورية زادت تعقيداً وأن الرهان على «الإرادات الطيبة» الظاهرية للأطراف ليست بالضرورة ضمانة للنجاح. ورغم ذلك، فإن باريس ماضية في مساعيها ولن تتأخر في الكشف عن تفاصيلها ما يعكس رغبتها في أن تكون فاعلة في الملف السوري، كما في الملفات الأخرى مثل النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي أو الحرب الليبية وغيرهما.
ماكرون يطرح قريباً تفاصيل مبادرته لسوريا... وترمب وبوتين يدعمان «مجموعة الاتصال»
إيمانويل ماكرون
ماكرون يطرح قريباً تفاصيل مبادرته لسوريا... وترمب وبوتين يدعمان «مجموعة الاتصال»
إيمانويل ماكرون
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



