«داعش» في غرب أفريقيا... الواقع والتحديات

القارة السمراء مهددة بأن تغدو تربة خصبة للتنظيم المتطرف

«داعش» في غرب أفريقيا... الواقع والتحديات
TT

«داعش» في غرب أفريقيا... الواقع والتحديات

«داعش» في غرب أفريقيا... الواقع والتحديات

يتساءل بعض المراقبين حول ما إذا كانت هزيمة تنظيم داعش الإرهابي المتطرف في العراق وسوريا ستكون منطلقاً لحقبة جديد من انتشار هذا التنظيم، في مواقع ومواضع أخرى حول العالم. وكان عدد من المتابعين والخبراء قد توقعوا أن يسعى «داعش» ليجد له موطئ قدم في آسيا، وبالذات في دول جنوب شرقيها، وتحديداً في الفلبين وإندونيسيا وماليزيا. ومعلوم أن البلدين الأخيرين اللذين يشكل المسلمون غالبية كبيرة من سكانهما، يمثلان خزاناً بشرياً يمكن استقطاب عناصر جديدة منه لإعادة إحياء الفكر والتنظيم المتطرفين معاً.
غير أن الأحداث وتواليها تشير إلى أن «الدواعش» قد يذهبون في طريقين: آسيا أحدهما، أما الطريق الآخر فهو أفريقيا. والمعنى أن يكون التحرك على جبهتين، ما يعطي زخماً وفاعلية لمريديه، ويعقّد في الوقت ذاته إمكانية القضاء المبرم عليه مرة واحدة. وثمة من يرصد أوضاع أفريقيا بالنسبة لتنامي الحركات المتطرفة، ويدرس إمكانيات إيجاد أرضية أصولية تساعد «داعش» على الانتشار التمدد في قلب القارة السمراء.
ليس سرّاً أنه قبل أن يظهر تنظيم داعش الإرهابي المتطرف على سطح الأحداث في سوريا والعراق، كانت هناك جماعات ذات طابع إرهابي تنشط في مناطق شمال غربي أفريقيا، وإقليم الساحل، بصورة خاصة. وكانت غالبية هذه الجماعات قد وُلِدَت من رحم الجماعات التي ترفع ألوية إسلامية متشددة، لا سيما تلك القائمة والناشطة في دول المغرب العربي وبالأخص الجزائر، مثل «الجماعة الإسلامية الجزائرية».
وفيما بعد، بنتيجة الضغوط الأمنية المشددة عليها، فضلت الانتقال إلى إقليم الساحل وتخوم الصحراء الكبرى، ولقد غيّرت اسمها لاحقاً لتصبح «تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي».
وعطفاً على هذا التيار، يبقى تنظيم «بوكو حرام»، في نيجيريا وجوارها، أحد أهم وأخطر وأعنف الحواضن الإرهابية المتطرفة التي تنشط في قارة أفريقيا من جهة الغرب. وهو مسؤول عن كثير من العمليات الإرهابية كخطف السياح، وقطع الطرق، والاعتداءات المسلحة على غير المسلمين. ثم أن تنظيم «بوكو حرام» معروف بعلاقاته مع بقية مجموعات الشباب النيجيري خاصة، والأفريقي عامة، التي تمضي في المنهج الراديكالي المغالي في محافظته.
ومن ناحية أخرى، يرى متابعون أنه مما لا شك فيه أن سقوط نظام معمر القذافي في ليبيا أدى إلى تزخيم وتدعيم الكثير من الجماعات الإرهابية التي ترفع ألوية وشعارات إسلامية في أفريقيا، وتستفيد من تدفق السلاح من وإلى ليبيا. وتستفيد كذلك من تلاشي ملامح الدولة عبر الحدود المفتوحة، والانفلات الأمني، بل إن القذافي - لفترة ما من حكمه الطويل الذي استمر بين خريف 1969 وخريف 2011 - نفسه كان من أسباب انتشار الإرهاب في أفريقيا، وذلك عبر تسليحه وحمايته وتوجيهه المجموعات المتمردة والانفصالية في بعض الدول، وبالذات مالي، التي كان الزعيم الليبي السابق الراحل يستخدمها خنجراً في خاصرة دول غرب أفريقيا الشمالية.

أرضية أفريقية ممهدة
لقد وجد «داعش» بالفعل أرضية فكرية ولوجيستية مهيأة لحضوره في القارة السمراء، خصوصاً أن الطرح الرئيسي له أي قيام «دولة الخلافة الإسلامية»، هو عينه الذي تسعى وراءه الجماعات الأصولية الأفريقية المتطرفة، سواء كانت العربية الأصل، كما في الجزائر والمغرب وتونس وليبيا، أو الأفريقية الصرف مثل «بوكو حرام».
وفي هذا الإطار، لم يكن غريباً أو مثيراً أن تبايع جماعة «بوكو حرام» في شهر مارس (آذار) الماضي «داعش»، وتعلن الولاء الكامل والتام لقائده (أبو بكر البغدادي)، إذ في خطوة مفاجئة قال أبو بكر شيكاو زعيم «بوكو حرام» في بيان له: «نعلن مبايعتنا للخليفة، وسنسمع له ونطيعه في أوقات العسر واليسر». ولقد لفت هذا الأمر انتباه كثرة من المتخصصين في دراسة ومتابعة الحركات الإسلامية في أفريقيا، ذلك أن هذه المبايعة قد تخالف التقارب الشديد بين «بوكو حرام» و«تنظيم القاعدة». لكن يبدو أن ظهور داعش، الأكثر دموية، وتراجع «القاعدة» وعملياتها النوعية والكمية، أدى بجماعة «بوكو حرام»، إلى اتباع الجماعة التي تتماشى وأهدافها المحلية، وفي مقدمتها إنشاء «دولة الخلافة» المزعومة في شمال نيجيريا.

الاستخبارات الأجنبية تراقب «داعش»
في واقع الأمر، لم تكن تحركات «داعش» في أفريقيا بعيدة عن أعين بقية الدول الأفريقية، وكذلك أجهزة الاستخبارية الغربية، وهو ما دعا صحيفة «لو فيغارو» الفرنسية في منتصف شهر أبريل (نيسان) الماضي، لأن تقدم ملفاً كاملاً عن «داعش في أفريقيا». وتضمن الملف تحليلاً شافياً ووافياً لقلق أجهزة استخبارات البلدان المجاورة، وعلى رأسها تشاد والنيجر وساحل العاج. ذلك أنه اجتمع مسؤولو الاستخبارات في هذه البلدان بنظرائهم الإقليميين، أخيراً في العاصمة النيجيرية أبوجا، بغرض التداول في مجابهة هذا الخطر الإرهابي الصاعد.
وفي هذا السياق، كتب الصحافي الاستقصائي الفرنسي جورج مالبرونو - الذي كان رهينة سابقة عند بعض من تلك الجماعات الأصولية - عن تحركات «داعش» في أفريقيا، مشيراً إلى أن «تنظيم داعش قبل الهزائم الأخيرة التي تعرض لها (في سوريا والعراق)، كان قد أرسل نحو 15 مدرباً عراقياً إلى نيجيريا»، وفقاً لمصادر عسكرية واستخباراتية فرنسية، وتحديداً إلى منطقة «أدامامو في شمال نيجيريا. وهناك - وفق مالبرونو - أقاموا لمدة ستة أشهر خصصت لتدريب عناصر (بوكو حرام) على تقنيات القتال والتعامل مع المتفجرات، وتصنيع أسلحة يدوية بما في ذلك قاذفات الصواريخ.

صراع «داعش» و«القاعدة»
في هذا الإطار، هل باتت المواجهة بين «داعش» و«القاعدة» في القارة الأفريقية مسالة حتمية؟
الشاهد أن التناحر والتنافس «القاعدي - الداعشي» على أفريقيا تبين بوضوح في التصريح الذي أطلقة «أبو محمد العدناني» الناطق الرسمي باسم «داعش»، والذي أشار فيه إلى أن «شرعية جميع الإمارات والجماعات والولايات والتنظيمات في المناطق التي يمتد إليها سلطان الخلافة، تعتبر باطلة»، وذلك في إشارة إلى المجموعات التي أعلنت ومنذ فترة ولائها لـ«القاعدة».
ولعل ما يزيد المشهد إثارة ويؤجج الصراع أكثر بين أكبر تنظيمين متطرفين في المنطقة الأفريقية الآن، هو أن «القاعدة» لا تزال تنظر إلى نفسها بوصفها «الأصل»، بينما ترى أن «داعش» مجرد فرع، أو فصيل انشق عنها. وعليه فإن «خلافة البغدادي» لا شرعية لها ولا ولاء ينبغي أن يعطي من قبل أي جماعة لزعامتها، وبالتالي، باتت «الولايات» تتوزّع بين «القاعدة» ويتبعها جماعات مثل «المرابطون» بزعامة مختار بالمختار، و«القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، ويترأسها عبد المالك درو كال، و«أنصار الدين» بقيادة إياد أغ غالي، ثم «جبهة تحرير ماسينا» بقيادة أمادو كوفا. وأخيراً هناك «كتيبة خالد بن الوليد - أنصار الدين الجنوب» التي يشرف عليها سليمان كيتا، ولقد ضم عشرات من المقاتلين الماليين وبعض البوركينابيين والإيفورايين.
في المقابل، فإن حضور «داعش» يبقى في الأساس متركزاً في ليبيا... وهو «المفرخة» أو «الحاضنة» التي تصدر لأفريقيا العناصر الهاربة من نيران سوريا والعراق، ثم هناك جماعة «بوكو حرام» في نيجيريا وبعض الدول المجاورة. كذلك تعد جماعة «أنصار بيت المقدس» التي تزعم وجودها في شبه جزيرة سيناء أكثر المجموعات الأفريقية ولاءً لـ«داعش»، وهذا على الرغم من الضربات الأمنية الموجعة التي تتلقاها من قوات الجيش المصري والشرطة المصرية على حد سواء.
لا ريب أنه مما يستدعي التفكير الجدي الأسباب الممكنة أو المحتملة التي تجعل من «القاعدة» و«داعش» تنظيمين جاذبين للإرهابيين من أفريقيا. وهناك ينبغي التساؤل حول ما إذا كانت المسألة برمتها لا تعدو كونها قناعات دوغماتية وآيديولوجية أم أن هناك أسباباً أخرى تجعل هؤلاء وأولئك قادرين على استقطاب شباب أفريقيا وقيادتهم إلى التهلكة كما نرى.

أموال وأوهام
أدرك القائمون على تنظيم داعش، منذ البداية، أن الرهانات الفكرية ربما لا تنطلي إلا على العدد القليل جدا من الأتباع، لا سيما أن هناك تنافساً شرساً في إطار التنظيمات الراديكالية، وأن بعضها أوفر قوة وأقوى حجة بل ويتمتع رؤية سياسة وحجة فقهية أوسع وأعمق وأكثر فاعلية من الدموية الداعشية. ولهذا عمد التنظيم الداعشي منذ البدايات على شراء الولاءات بالأموال. ولقد كانت الاتصالات تجري بين العناصر المكلفة بعملية التجنيد وبين الشباب المرشح، وفحواها إغراءات مالية عالية القيمة، يصعب صدها أو ردها بحال من الأحوال.
في هذا الإطار سعى تنظيم «الدولة الإسلامية في أفريقيا» إلى الدول ذات الكثافة السكانية العالية، وفي مقدمها جمهورية غانا، الدولة الساحلية التي كانت بين الأسبق إلى نيل الاستقلال في مناطق أفريقيا السوداء جنوبَ الصحراء، التي يشكل المسلمون نحو 60 في المسلمين من سكانها، بينما تبلغ نسبة البطالة فيها 11.5 في المائة. في غانا مشكلات اقتصادية، تجعل من شبابها صيدا سهلاً لأصحاب الأموال الوفيرة.
ولعل هذا الواقع يعيدنا بالذاكرة إلى نشاط الدواعش المريب في كل من العراق وسوريا، حيث عملوا جاهدين على تأمين مصادر مالية طائلة عبر تهريب النفط والاتجار غير المشروع بالآثار، وما إلى ذلك من طرق غير شرعية لاكتساب المزيد من الأموال.
ربما المسألة هنا تتجاوز وجود الأموال فقط. ذلك أن من الأهمية بمكان أيضاً وجود طريق الاتصال، وفي هذا يبرع أعضاء «داعش» المؤهلين علمياً في استخدام وسائط الاتصال الاجتماعي الحديثة لا سيما «فيسبوك».
وفي رواية لمؤسسة الأنباء والتلفزيون الألمانية الشهيرة «دويتشه فيلله» DW يقول شاب غاني: «انتهت دراستي الثانوية وأنا أبلغ من العمر 21 سنة، وما كنت أملك مالاً كافياً لدخول الجامعة، أو بدء نشاط حياتي لكسب العيش. ولكن اتصل بي عبر (فيسبوك) أحد الغرباء ووعدني بمليون دولار أميركي إن عملت لصالحه»... وتساءل الشاب: «كيف لي أن أرفض هذا الطلب؟».
هذا المثال، بلا شك، يعد حالة أو نموذجاً لملايين الشباب الأفارقة الذين عمل «داعش»، وما زال يعمل، على استقطابهم مستغلاً الفقر المدقع الذي يعيشونه، تمهيداً لضمهم إلى صفوف مقاتليه، ومن ثم صبغ أفريقيا بالإرهاب بشكل كامل.

ليبيا... مربط الفرس
يتصل نجاح «داعش» في قارة أفريقيا مستقبلاً، والقضاء عليه مرة واحدة، أو انتشار التنظيم في أفريقيا والإخفاق في السيطرة عليه على مصير الأوضاع في ليبيا. هذه الأوضاع كبدت أفريقيا جنوباً وغرباً، وشمالاً وشرقاً، تكاليف عالية، بعد الفوضى والارتباك اللذين سادا المشهد الليبي طوال ست سنوات، وبعد انهيار النظام السابق فيها.
لقد تحولت ليبيا إلى مركز جاذب للإرهاب والإرهابيين من كل بقاع وأصقاع العالم، ولا نوفر هنا أدوار دول لعبت وتلعب في زخم الإرهاب هناك، وفي المقدمة منها قطر، تلك التي صدّرت قيادات «القاعدة» لتسيّد المشهد في ليبيا، في أعقاب سقوط القذافي، بالإضافة إلى الإمداد بالدعم المالي واللوجيستي، وبالأسلحة والعناصر البشرية.
في هذا الإطار أيضاً أضحت ليبيا هي «بوابة الإرهاب إلى القارة الأفريقية»، ومركز عمليات لتنظيم داعش في شمال أفريقيا. والمؤكد هنا أنه في حال استمرار فشل القيادات والأطراف السياسية في ليبيا بالتوحد حول مشروع سياسي قابل للحياة لليبيا، فإنهم سيقدمون لـ«داعش» فرصة ذهبية لتكرار نموذجي العراق وسوريا... ومن بعد ذلك الانتقال الكثيف إلى قلب أفريقيا، وفي جميع الاتجاهات الجغرافية داخل القارة.
ولعل الناظر إلى التحليلات الدولية - والاستخباراتية خاصة - بشأن حضور «داعش» في أفريقيا، يرصد تحركات دولية سريعة ومكثفة عبر أكثر من محور.
بدايةً، تتسارع حالياً الجهود السياسية من أجل إنقاذ ليبيا. ولقد كانت الوساطة الفرنسية الأخيرة ناجحة إلى حد كبير، لا سيما إذا خلُصت الإرادات لجهة توحيد الجهود السياسية والعسكرية، ومن ثم السيطرة على البلاد والقضاء على التيارات المتطرفة التي ترفع السلاح، وإدماج المقاتلين غير الملوثة أياديهم بالدماء في صفوف القوات المسلحة الليبية.
وعلى جانب آخر، يلاحظ وجود اهتمام أممي جدي، هذه الأيام، بإقامة قواعد عسكرية في قلب أفريقيا، وعلى أطرافها من قبل الأقطاب الدولية. وكانت آخر هذه القواعد القاعدة الصينية في جيبوتي، حيث توجد في القارة السمراء اليوم أيضاً قواعد للولايات المتحدة وفرنسا وروسيا وبريطانيا، وكلها تتحسب للساعة التي ستغدو فيها أفريقيا مركزاً للإرهاب العالمي. وغني عن القول هنا إن الحضور الأميركي في أفريقيا، والقيادة الأميركية (أفريكوم)، على أتم الاستعداد لكل هذه السيناريوهات... ولكن مع ذلك تبقى مسألة مواجهة وحصار «القاعدة» أو «داعش» في أفريقيا مسألة صعبة ومعقدة.

إشكالية أفريقية مصدر الصعوبة والتعقيد نبحثه فيما يلي...
في أوائل شهر يونيو (حزيران) الماضي، تعهد الاتحاد الأوروبي بدفع مبلغ 50 مليون يورو لمساعدة دول منطقة الساحل في غرب أفريقيا على تشكيل قوة متعددة الجنسيات لمحاربة الجماعات المتطرفة.
يومذاك قال الاتحاد الأوروبي في بيان له على لسان مسؤولته للسياسة الخارجية فيدريكا موغيريني، إن دعم الاتحاد «سيساعد مجموعة الخمس لدول الساحل وهي تشاد والنيجر وبوركينا فاسو ومالي وموريتانيا على إنشاء قوة إقليمية».
بطبيعة الحال، لا تفعل أوروبا ذلك مجانًا، على الإطلاق. فأوروبا باتت تدرك أن المنطقة الشاسعة التي تشملها الدول الخمس السابقة الذكر، وكلها على تماس مع الصحراء الكبرى، أضحت تربة خصبة للجماعات المتطرفة التي ترتبط بـ«داعش» و«القاعدة»، التي تخشي أوروبا من تهديداتها إذا ما تُركت تتحرك بحرية. ومعروف أن فرنسا كانت قد تدخلت بالفعل في عام 2013 لطرد متطرفين كانوا قد سيطروا على شمال مالي قبل ذلك بسنة واحدة.
على أن الأمر ليس في غالبه مقاومة أو مكافحة عسكرية. ثم إنه ليس رصد أموال لتجهيزات عسكرية فقط... فالأوضاع البنيوية في أفريقيا مهيأة إلى الدرجة التي تسمح لـ«داعش» أو غيره بإحداث اختراقات. ذلك أن الأنسجة الاجتماعية منقسمة بل ومتشظية عرقياً ودينياً. والصراعات الحدودية بينها لا تزال تمثل «براميل بارود» قابلة للانفجار في أي لحظة. وعطفاً على ذلك فإن أفريقيا ودولها أصبحت أدوات للقوى الإمبراطورية الفاعلة عالمياً في «لعبة أمم» جديدة، وبذا تصبح أفريقيا قارة ملتهبة ومشتعلة، ما يسهل ومن جديد قبول أي وافد يمتلك آيديولوجيا أو عقيدة، فضلاً عن الأموال.
ختاماً، لا تبدو أزمة «داعش» في أفريقيا بعدُ واضحةَ المعالم، لا سيما أن الملفات المتصلة بالتنظيم في العراق وسوريا وليبيا ما زالت مفتوحة. أما المؤكد فقط فهو أن القرن الحادي والعشرين هو قرن القلاقل الناجمة عن الإرهاب، وليس قرن الحروب العالمية كما عهدناها في القرن الماضي.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.