احتفالات واشتباكات وإصابات مع دخول آلاف الفلسطينيين المسجد الأقصى

عباس يقول إن القصة لم تنته... والسلطة تصف المشهد بتمهيد للتحرير... وغضب كبير في إسرائيل

قوات الأمن الاسرائيلية تطلق قنابل مسيلة للدموع على المصلين الذين تدفقوا بالآلاف على ساحات الحرم الشريف (ا ف ب)
قوات الأمن الاسرائيلية تطلق قنابل مسيلة للدموع على المصلين الذين تدفقوا بالآلاف على ساحات الحرم الشريف (ا ف ب)
TT

احتفالات واشتباكات وإصابات مع دخول آلاف الفلسطينيين المسجد الأقصى

قوات الأمن الاسرائيلية تطلق قنابل مسيلة للدموع على المصلين الذين تدفقوا بالآلاف على ساحات الحرم الشريف (ا ف ب)
قوات الأمن الاسرائيلية تطلق قنابل مسيلة للدموع على المصلين الذين تدفقوا بالآلاف على ساحات الحرم الشريف (ا ف ب)

زحف عشرات آلاف المصلين إلى المسجد الأقصى أمس، مكبرين ومهللين فرحين «بالنصر»، بعد 13 يوما على بقاء المسجد مغلقا، بسبب الإجراءات الأمنية الإسرائيلية التي تراجعت عنها تل أبيب بالكامل، بما في ذلك فتح باب حطة، الذي ظل مغلقا إلى ما قبل صلاة العصر بوقت قصير، وكاد يفجر أزمة جديدة.
وتحولت ساحات الأقصى مع دخول الفلسطينيين بالآلاف إلى ساحات للاحتفال، ورشت النساء الأرز على الداخلين، وهتف الفلسطينيون: «بالروح بالدم نفديك يا أقصى»، و«لبيك يا أقصى» وسط تدافع كبير وغير مسبوق، قبل أن يرفع شبان ملثمون العلم الفلسطيني فوق المسجد، ويواصلون الهتافات مع آخرين بصوت عال «الله أكبر».
وتأخرت صلاة العصر بسبب التزاحم الشديد وعدم تمكن كثيرين من الوصول إلى الساحات في وقت قصير. ولكن بعد ساعات قليلة، تحولت ساحات الاحتفال إلى ساحات مواجهة واسعة.
وتفجرت اشتباكات بين المصلين والشرطة الإسرائيلية أمام باب حطة، بسبب الهتافات التي استفزت قوات الشرطة الإسرائيلية التي أرادت إعادة إغلاق الباب والسيطرة عليه. لكن الأعداد الهائلة حالت دون ذلك، فأطلقت الشرطة قنابل غازية وصوتية، قبل أن تنسحب من المكان، ثم تعود وتنتشر بقوات أكبر على جميع الأبواب، وداخل المسجد وفوق الأسطح وتغلق الباب من جديد.
وهاجمت القوات الإسرائيلية المصلين خارج المسجد وداخله بالرصاص والقنابل الصوتية والغازية. ورد المصلون بإلقاء الحجارة والزجاجات الفارغة، ما خلف أكثر من 50 إصابة بين المصلين وإصابتين في صفوف الشرطة.
وشوهدت قوات الشرطة تقتحم المسجد وتعتلي أسطحه وسط حالة من التوتر، وسقط شبان مصابين بالرصاص على الهواء مباشرة.
ويبدو أن إسرائيل أرادت الانتقام من لحظة بدا فيها الفلسطينيون مسيطرين على المسجد وبواباته والطرق المؤدية إليه، في مشهد أثار غضب اليمين الإسرائيلي، وكشفه زيف الاعتقاد السائد في إسرائيل، حول المدينة «عاصمة موحدة».
وقال المتحدث الرسمي باسم الحكومة الفلسطينية، يوسف المحمود: «إن لحظة دخول المسجد الأقصى المبارك، هي لحظة تاريخية عظيمة تمهد للتحرير، وتبشر بقرب زوال الاحتلال القادم لا محالة، وتذكر بانتصارات أمتنا المجيدة التي كان لأهلنا في القدس وأبناء شعبنا الفلسطيني، دائما، الدور الرئيسي فيها على مر التاريخ».
وأضاف المتحدث الرسمي، أن «معركة المسجد الأقصى المبارك هي معركة السيادة على مدينة القدس، التي انتصر فيها شعبنا العربي الفلسطيني وقيادته، وأسقطت ادعاءات الاحتلال الواهية ومزاعمه».
ودعا المحمود، إلى مزيد من رص الصفوف والتكاتف من أجل «إكمال طريق الكفاح حتى إنهاء الاحتلال، وتحقيق الحلم الفلسطيني بإقامة الدولة المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس العربية».
وتقرر الدخول إلى المسجد الأقصى في وقت مبكر من صباح أمس، بعدما تراجعت إسرائيل عن كل إجراءاتها الأمنية في محيط المسجد، بما في ذلك إزالة أجهزة الفحص والمسارات الحديدية والجسور، وفتح الأبواب المغلقة، في خطوة إسرائيلية لاقت غضبا داخليا ووصفت بتراجع كبير أمام الفلسطينيين.
وقال وزير التعليم نفتالي بينيت، الذي يشارك تياره اليميني في الائتلاف الحاكم: «إسرائيل خرجت ضعيفة من هذه الأزمة». وأضاف: «يتعين قول الحقيقة. بدلا من ترسيخ سيادتنا في القدس، جرى توجيه رسالة تفيد بأن سيادتنا يمكن أن تهتز».
كما هاجم ديفيد بيتان، رئيس الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، وهو مقرب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، جهاز الشاباك بقوة، قائلا: «إنهم جبناء... يريدون أن يلقوا بتوصياتهم ثم يعودون إلى بيوتهم».
وكانت الحكومة الإسرائيلية اتخذت قرارها قبل «جمعة الغضب»، التي أعلن عنها الفلسطينيون في مسعى لتجنب تصعيد كبير حذر منه جهاز الأمن العام (الشاباك). وشهدت الجمعة الماضي مواجهات عنيفة بسبب إغلاق الأقصى، وخلفت قتلى وجرحى ومعتقلين.
وقتلت القوات الإسرائيلية 3 شبان في مواجهات مختلفة، ورد فلسطيني بقتل 3 مستوطنين داخل بيتهم، في أعنف تصعيد منذ وقت طويل.
وبدأت الأزمة عندما وضعت إسرائيل بوابات إلكترونية وكاميرات مراقبة أمام الأقصى، في أعقاب هجوم نفذه فلسطينيون من الداخل (فلسطينيو 48)، يوم 14 يوليو (تموز)، وقتلوا خلاله شرطيين. فرفض الفلسطينيون الإجراءات الإسرائيلية وعدوها محاولة لفرض سيادة إسرائيلية على المكان، وامتنعوا عن الدخول إلى المسجد الأقصى قبل تراجع إسرائيل عن إجراءاتها.
وبعد أيام طويلة من المواجهات الشعبية، وقرار من الرئيس الفلسطيني محمود عباس بقطع الاتصالات مع إسرائيل، وضغط أردني كبير، وتدخل مباشر من الولايات المتحدة ودول عربية وإقليمية، انتهت الأزمة بتراجع إسرائيلي.
وقال عبد العظيم سلهب، رئيس مجلس الأوقاف: «تقرير اللجنة الفنية أظهر أن كل المعوقات التي وضعتها سلطات الاحتلال قد أزيلت». وأضاف: «نحن نحيي هذه الوقفة طوال الأسبوعين الماضيين خارج المسجد الأقصى، ونريد أن تستمر هذه الوقفة خارج الأقصى وداخل المسجد الأقصى... يجب العودة إلى المسجد الأقصى».
وأيد الرئيس الفلسطيني محمود عباس موقف المرجعيات الدينية. وأعلن عباس عودة الصلاة في الأقصى، مشيدا بصمود المقدسيين في وجه إجراءات الاحتلال الإسرائيلي بحق المسجد الأقصى. وقال عباس: «الجميع كانوا على موقف رجل واحد، لم يرجف لهم جفن ولم تتراجع لهم عزيمة، لقد كانت كلمتهم من أجل أن يحق الحق ويزهق الباطل».
وأضاف عباس في اجتماع مع مسؤولين فلسطينيين وقادة أجهزة أمنية: «على ضوء ما يجري في القدس نواصل نقاشنا، نواصل بحثنا، وما هي رؤيتنا للمستقبل، بمعنى لم ينته كل شيء، ونحن قلنا، عندما قررنا تجميد التنسيق الأمني، قلنا إن من جملة الأمور التي نشأت هي قضية الأقصى، وهناك قضايا أخرى لا بد أن نبحثها، أن ندرسها، وعلى ضوء ذلك يتم القرار». في إشارة إلى إمكانية استمرار وقف التنسيق الأمني.
وأردف: «القصة لم تنته هناك أشياء كثيرة، وكل شيء يبقى على ما هو عليه إلى أن نقرر ما يمكن أن يحصل».
وقال عباس، إن كل خطواته كانت منسقة «مع جلالة الملك عبد الله الثاني، ومع جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز، وفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وجلالة الملك محمد السادس، ومع تركيا، والجامعة العربية وفي القمة الإسلامية والأمم المتحدة».
وبقي المصلون في الأقصى لوقت طويل أمس، فيما يتوقع أن بيدأ فلسطينيو الداخل وحملة التصاريح من الضفة الغربية بالتدفق للمسجد الأقصى اليوم منذ وقت مبكر لأداء صلاة الجمعة. ودعت المرجعيات إلى النفير للمسجد اليوم والصلاة فيه بعد إغلاقه لجمعتين.
وقال الشيخ يوسف أدعيس، وزير الأوقاف والشؤون الدينية، إن المواطنين الفلسطينيين مدعوون لتكثيف التوافد على المسجد الأقصى المبارك (اليوم) الجمعة، وشد الرحال إليه رغم إجراءات الاحتلال وقيوده التي تحول بينهم وبين أدائهم لعبادتهم.
وأضاف، في بيان له، أن المرحلة المقبلة هي مرحلة تثبيت ما أنجزه المقدسيون بثباتهم، ومقاومتهم الشعبية للإجراءات الاحتلالية الظالمة والجائرة.
وعززت إسرائيل من وجودها في مدينة القدس وعلى الحواجز العسكرية الفاصلة بين القدس وباقي الضفة الغربية، للحد من تدفق الفلسطينيين إلى الأقصى، واستعدادا لأي تطورات محتملة.
وفي إسرائيل، أثار تراجع الاحتلال هوسا حتى داخل أحزاب الائتلاف اليميني، الذين لم يستوعبوا كيف كان نتنياهو يعلن قبل يومين فقط، أنه لن يتراجع عن الفحص الأمني للمصلين، وتخلى الآن عن أي فحص أمني. وحتى رئيس حزب المستوطنين (البيت اليهودي) ووزير التربية والتعليم، نفتالي بينيت، الذي دعم قرار نتنياهو عاد وانتقده، وقال إن «إسرائيل خرجت مستضعفة من هذه الأزمة، وبدلا من تعزيز سيادتنا في القدس تم تمرير رسالة بأنه بالإمكان تقويض السيادة». وأضاف بينيت، في حديث مع إذاعة الجيش الإسرائيلي، إن «هذا الخطأ يشبه الهروب من لبنان»، ويقصد انسحاب إسرائيل المفاجئ من جنوب لبنان في عام 2000.
من جهة ثانية، هدد قائد الشرطة الإسرائيلية في القدس، يورام هليفي، بملاحقة من يحاول تجديد الاحتجاجات أو القيام بأي نشاط سياسي. وقال: «في حال كان هناك من سيحاولون خرق النظام غدا (اليوم)، فعليهم ألا يكونوا متفاجئين من أنهم سيتعرضون للأذى». وقال ضابط كبير آخر في الشرطة الإسرائيلية، إنه «ستجري غدا احتفالات ودعوات للوصول بأعداد كبيرة إلى الحرم، وسنرد مثلما فعلنا بالضبط في الأسبوع الماضي. وسنعمل من أجل منعها ونحبط إلحاق أذى بأفراد الشرطة. وإذا أرادوا تضخيم الاحتفالات ومواصلة النظر إلى الموضوع على نوع من (التراجع)، فهكذا سنتصرف بالضبط».
ووفقا للضابط نفسه، فإن الوضع في الحرم القدسي عاد «بشكل كامل تقريبا» إلى الوضع الذي كان عليه قبل 14 يوليو (تموز) الجاري، عندما جرى الاشتباك المسلح في الحرم. فقد فككت شرطة الاحتلال الجسور الحديدية والكاميرات عند بوابات الحرم.



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث مينائين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.